جهاد علاونه
الحوار المتمدن-العدد: 3592 - 2011 / 12 / 30 - 22:57
المحور:
كتابات ساخرة
ما هو أصعب شيء عندك؟ هل هو نفسه أصهب شيء عندي؟أنا أصعب شيء عندي أن أذهب- مثلا - إلى سوق المثقفين ولا أجد هنالك مثقفاً واحدا,أو أن يحدث ما حدث معي ظهيرة هذا اليوم حيثُ ذهبت اليوم إلى سوق الخضرة مقابل المسجد الكبير في قريتنا للبحث في سوق الخضرة عن خُضرة,وللأسف وجدت في سوق الخضرة كل شيء ما عدى الخضرة نفسها وقلت في قرارة نفسي,مش غريب هذا الشيء, حتى في سوق الأبطال لا يوجد أبطال وفي سوق الذهب لا يوجد ذهب وفي سوق القماش تبقى تلف طوال النهار على قدميك دون أن تجد القماش الذي تبحث عنه, وفي سوق الرجال تبقى تبحث عن رجل واحد للتجارة لتتاجر به ولا تجده على الإطلاق حتى وإن قعدت طوال السنة في سوق الرجال, ونحن هكذا هي حياتنا كل شيء غير واضح والرؤيا الرمادية كفيلة لوحدها بأن ترينا الرؤيا الحقيقية للواقع .
ومن الممكن أن تجد بين الأردنيين مواطنا مصريا,ومن الممكن أن تجد بين السعوديين كل الملل وكل النحل أو بشرا من شتى أنحاء المعمورة,ومن السهل في عطلة الصيف أن تجد بين الأردنيين سعوديا يلف بسيارته طوال أليل والنهار حول أسوار الجامعات باحثا عن فريسة بين الطرائد حين يكون من المستحيل أن يتحول الصياد إلى فريسةٍ سهلة,أو من السهل أن تجدبين اللبنانيين مواطنا أردنيا أو خليجيا جاء ليستريح على أكتاف امرأة تنسيه كل أحزانه ومواجعه, ولكن لاحظوا معي أنه من الصعوبة بمكان أن نجد بين الأردنيين أردنيا واحدا أو بين السعوديين سعوديا أو بين الكويتيين كويتيا أو بين اللبنانيين لبنانيا واحدا بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
ويقال بأن أصعب شيء هو أن تبحث على إبرة خياطة في كومة قش,أو أن تبحث عن فطوم في سوق القماش والحبوب كما يقول المثل العامي عند كل الناس,أما أنا فأخالف هذه المقولة إلى مقولة أخرى أصعب منها بكثير وتقود الأمة إلى بئرٍ ليس له قرار وإلى دوامة ومتاهة لا تنتهي من الكذابين والدجالين والنصابين والوطنيين المزورين والكتاب والفنانون والمثقفون المزورون غير الحقيقيين, إننا نعيش فعلا مرحلة انحطاط الأمة العربية بكل معطياتها, وأن تجد على أرض الواقع ولو إنسانا واحدا صادقا أو موهوبا حقيقيا في بلد يموت فيه الموهوبون كما تموت وكما تداس الحشرات على البلاط وعلى الملاط وعلى الإسفلت هو انجازٌ حقيقي وكبير لك لن تنساه أنت ما دام خشمك يشم الهواء ورئتيك يدخلهما الأكسجين النقي 100%.
نحن نعيش في متاهة ليس لها بداية ولا حتى نعرفُ لها نهاية, والكل يأخذنا إلى البحر ويعود بنا وما زلنا عطاشا لا نرتوي أبدا ولا نشفي ظمأنا على الإطلاق,والكل يسرح بنا ويأخذنا إلى عالم ليس له حدود ونعود منه وأيدينا فارغة فأين هو الإنسان الصادق الذي يسقينا أو الذي يـأخذنا إلى البحر دون أن نعود من الشواطئ ونحن عطاشا؟إن أصعب شيء على وجه هذا الوجود هو أن تبحث بين الكتاب عن كاتب واحد استطيع أنا وأنت أن تقول عنه بأنه فعلا كاتب حقيقي وليس فنا تصويريا ويستحق أن يطرى اسمه بين الكتاب ككاتب حقيقي ليس شرطا لازبا أن يكون ملهما من قوى خارجية يفوق البشر العاديين بقدراته وبمزاجه بل أن يوجد فيه شرط واحد وهو أن يكون كاتبا بحق وحقيقي بعرف ما له وما عليه,يكتب فتنساب منه العبارات انسيابا.
وأصعب شيء عندي هو أن أبحث بين رجال ونساء الدين على إنسان واحد متدين يدين بدين الحق وحقيقي دون أن يقوده دينه إلى تكفير الآخرين ورجمهم بالحجارة أو بالنار أو حتى بالطماطم وحرمانهم من الحياة الكريمة التي أنا واحد من الناس أفتقد إليها, وأصعب شيء فعلا هو البحث بين الأردنيين عن أردني واحد حقيقي يريد أن يحيي قلبك ولا يريد بأن يأخذ منك قلبك إلى سوق الجزارين المتاجرين بالأعضاء البشرية وقطع الغيار الجسدية, وأصعب شيء هو البحث بين العراقيين عن عراقي واحد يعرف ما هو العراق تاريخا وحضارة,ويا من يقل لي هل أعطى أي إنسان منا جميعا الثقة لأي مُرشح دون أن يندم عليها طوال العمر؟أنا واحد من الناس الذين يعطون ثقتهم لأصحاب الفضيلة ثم يندم عليها طويلا بعد أن يجد أن أصحاب الفضيلة والسماحة عندهم كل شيء ما عدى الفضيلة نفسها أو السماحة نفسها وفي كل مرة أعطي صوتي وثقتي ومن ثم أندم عليها... وأصعب شيء عندي هو أيضا البحث عن مصري بين المصريين المرشحين للانتخابات الرئاسية أو البرلمانية, وأصعب شيء عندي هو البحث بين اليمنيين عن إنسان أو عن مواطن واحد يمني, وبإمكانك الآن أن تسألني عن كل شيء ولكن لن أجيب عليك إذا طلبت مني أن أجد لك بين المخلصين عن إنسان واحد يكون فعلا مخلصا لك ولنفسه وللأمة بأكملها.
إننا كعرب نعيش مرحلة صعبة حيث يختفي كل شيء حقيقي ولا يظهر أمامنا إلا المُزيف وغير الواقعي إننا نعيش مرحلة من مراحل انحطاط الأمة العربية حيث يقودنا القوادون إلى مصيرنا النهائي قبل أن يدق الجرس موعدا للنهاية وإننا نعيش اليوم في الفصول الأخيرة من مسرحية أو رواية كل أبطالها مزيفون ويلبسون على وجوههم الأقنعة ومن ذا الذي سيقنعني اليوم بأن هذا الأردني الذي يحدثني فعلا أردني بحق وحقيقي ومن ذا الذي يجرأ على أن يقنعني بأن هذا الكاتب الذي أقرأ له هو فعلا كاتبٌ حقيقي وليس مزورا؟ولا يلبس لباس المسوح ولا يكذب على الأحياء وعلى الأموات معا في نفس السهرة الرمضانية أو في سهرة عيد رأس السنة,وأصعب شيء يواجهني أو واجهني طوال حياتي هو البحث بين الشرفاء على إنسان واحد شريف جدا دون أن يكون الشرف عملية تجميل اكتسبها الشريف من ملحن عظيم أو من مزور للحقائق أو من عازف إيقاع يعزف على كل دف وعلى كل إيقاع يجده مناسبا له, وأصعب شيء هو أن تبحث بين لاعبي كرة القدم عن لاعب كرة قدم واحد, وأصعب شيء أن تبحث في سوق الشرفاء عن شريف واحد.
#جهاد_علاونه (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟