أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أفنان القاسم - وحيد وجوديت















المزيد.....

وحيد وجوديت


أفنان القاسم

الحوار المتمدن-العدد: 3565 - 2011 / 12 / 3 - 13:32
المحور: الادب والفن
    


عند خروجه من مصنع رونو للسيارات في بولوني بيانكور، بحث وحيد عن جوديت دون أن يقع عليها، والغيوم تزاحم شمس الغروب، والعمال من حوله يسعون في طلب بيوتهم. كانت جوديت تعمل سكرتيرة في المصنع نفسه، ومن العادة أن تنهي عملها قبل وحيد. وصله نفير سيارة دوشيفو صغيرة، فرأى جوديت تتجه نحوه، وهي تبتسم. أركبته إلى جانبها، فطبع وحيد قبلة على شفتيها، وداعب شعرها، ثم أخذا الأوتوروت باتجاه باريس.
مثل كل مرة، سألته جوديت سؤالها الطقسيّ:
- هل تحبني كما أحبك؟
وليناكدها، سألها بدوره:
- وأنت؟ هل تحبينني كما أحبك؟
ضربت جوديت بيدها على ساقه:
- يا لك من منكّد!
قدمت له ثغرها في لحظة من لحظات تعقد حركة السير، فقال وحيد:
- آه! أنا تعب. أتمنى لو أنام بين ذراعيك.
تنهدت جوديت قارصة إياه من ذقنه:
- يا طفلي الكبير!
ثم سألته:
- كم سيارة صنعت اليوم؟
- سيارات كثيرة.
- ومتى ستشتري لي واحدة مريحة أكثر من هذه المتعبة؟
- قريبًا.
- قريبًا متى؟
- متى تلدين فاطمة.
لمس بطنها، فصاحت:
- اتركني! سأعمل حادثة.
دخلا باريس كفاتِحَيْن، باريس الليل القادم، والغيوم المعاندة، باريس الطابق السابع، وحي بيلفيل!
وهما قرب باب عمارتهم المتداعية التي على وشك الانهيار، أراد وحيد حملها بين ذراعيه، فمنعته، لكنه أصر:
- أنا على أي حال سأحملك.
- لن أدعك تفعل.
- طابقان فقط.
حملها، فوضعت رأسها على صدره، وداعبت بأصابعها قرآنه الذهبي الدائر بعنقه. فتحت قميصه، ورشفت بشفتيها حشائشه السود:
- لا تشعر بالبرد؟
- الخريف دافئ، وأنت معي.
- لا تشعر بالتعب؟
- كنت أشعر بالتعب، أما الآن، وأنا أحملك، فقد ذهب عني تعبي.
- يا لك من كاذب صغير!
التقيا بالجيران على الدرج دون أن يبتسم الجيران، فقفزت جوديت من بين ذراعي وحيد، وهي تبتسم للجميع.
على العشاء، سخن وحيد كسكسي البارحة، وقطعت جوديت سُجُق الكاشير، وشربا خمرًا زهريًّا.
بعد العشاء، استلقت جوديت على البساط، وكشفت عن فخذيها، فخلع وحيد ثيابه بجنون العاشق الذي كانه، واندفع فيها. تأوها، وعرقا، وحصدا الشموس. وفي الأخير، انفصلا، وارتميا كسمكتين منهكتين إلى جانب بعضهما.
همس وحيد:
- عندما تجيء فاطمة، علينا أن نستأجر مسكنًا بحجرتين.
همست جوديت:
- لا أستطيع أن أتركها تنام في حجرة لها وحدها.
- إذن سأترككما أنا، وأنام وحدي.
- لماذا لا نبقى ثلاثتنا معًا؟
- وإذا ما رأتنا فاطمة ونحن نعمل الغرام؟
- ماذا يهم أن ترانا؟
- على أي حال، لن أبقى في هذه الحجرة البائسة!
- ماذا يهم أن نبقى؟
- كنت تقولين لي هذا قبل الزواج.
- وبعد الزواج أقول لك هذا.
- لا أريد لفاطمة إلا الراحة!
هجمت جوديت على وحيد مدغدغة:
- ستكون فاطمة كل راحة العالم!
- هل تغارين منها؟
هجمت جوديت على وحيد مرة أخرى مدغدغة:
- آه! يا ليتني كنت فاطمة!
دغدغها بدوره، ثم مس ثغرها بأصابعه مسًا خفيفًا، وهمس في أذنها:
- يا فاطمتي الكبيرة! يا فاطمتي الكبيرة!
سقط على نهدها، وتناول حلمتها بثغره. أحاط بيديه إليتيها، وجذبها إليه، فأطلقت جوديت صرخة، قبلته، وقضمت لسانه.
بعد أن يعملا الحب للمرة الثانية، كانا يذهبان عند جارهما المغربي، فيشربان الشاي الأخضر، ويستمعان إلى أم كلثوم، وقصص الغربة. ثم كانا يتمشيان في الخريف، وباريس باردة في الليل، جالدة، نسمتها قارسة. كان وحيد يقبل جوديت من شفتيها، وجوديت تتعلق على عنقه. وفي الأزقة المعتمة، كان يمد أصابعه إلى بطنها، ويقول لها:
- سنأخذ فاطمة إلى تونس، سنأخذها إلى البحر، وسأعلمها العوم كما علمتك في السنة الماضية.
- أنا، سأستلقي في الشمس.
وكانت جوديت تقشعر على مجرد فكرة الاستلقاء في الشمس.
- هل تشعرين بالبرد؟
- لا أشعر بالبرد وأنا معك.
- لكنك تقشعرين، ويبدو عليك التعب.
- لا أشعر بالتعب وأنا معك.
- يا لك من كاذبة صغيرة!
- هل نعود إلى البيت؟
- سنعود بعد قليل.
كانا يجولان في أزقة بيلفيل، والأزقة نصف مضاءة، والشقق نصف صائحة، وكان اختلاط روائحها اللطيفة يعوم في الهواء. روائح مختلفة، من كل الرياض، من كل الأديان، روائح كثيرة، لذيذة، مدوخة!
في اليوم التالي، ودون سابق إنذار، أعلمت الإدارة وحيدًا ومائة من العمال بأمر تسريحهم، والسبب تحديث المصنع بالرجال الآليين. وبعد انتهاء العمل، جاءت جوديت لتصحب زوجها. وهما في السيارة الصغيرة، قالت له:
- كنت أعرف أنهم سيأتون برجال آليين، ولكني لم أكن أعرف أنهم سيسرحونكم!
لم ينطق وحيد بأقل كلمة، كان مطاردًا بوحش البطالة، وبرعب فكرة البحث عن العمل، وبساعات الانتظار الطويلة في ممرات وكالة التشغيل. كان يفكر في كل هذا بيأس الحامل لصليبه، في فاطمة التي ستأتي خلال عدة أشهر، في الشقة ذات الحجرتين التي يتمنى الحصول عليها، في السيارة المريحة التي تريدها جوديت.
سمعها تقول مبتسمة:
- نحن الموظفين الإداريين سنحاول كل ما نستطيع عليه مع الإدارة من أجل إعادتكم، وإن لم يفلح مسعانا، ستجد عملاً آخر.
أمام تجهمه، أضافت لتخفف من وطأة الجو:
- ولكنك ستعود إلى عملك، لا تنس أنك وعدتني بشراء سيارة أخرى تصنعها بيديك مريحة أكثر من هذه المتعبة.
هجم وحيد عليها، وأخذ يعانقها، مهمهمًا، متوسلاً، بينا جوديت تحتج، وترغمه على التوقف، لأنها لم تعد ترى الطريق. وبعد قليل، رأته يبكي، فضغطت على الفرامل. صعدت على الرصيف، وشدته طويلاً بين ذراعيها.
لم يتوصل الموظفون الإداريون إلى شيء مع الإدارة، ونتيجة لذلك كان الإضراب العام الذي شاركوا فيه، بمن فيهم جوديت، إلى جانب العمال. انتشرت فرق المضربين في أركان المصنع الأربعة، إلا أن الإدارة توصلت إلى كسر الإضراب بالقوة، وطردت عددًا لا يستهان به من الموظفين، بمن فيهم جوديت.
في وسط الليل، استيقظ وحيد على زوجته، وهي تبكي. كانت تبكي بمرارة، وعندما أراد جذبها إلى صدره، لاحظ أنها تشد بين أصابعها نجمة داود المعلقة على عنقها، كانت طريقتها في الصلاة.
- تعالي، يا حبيبتي!
لكنها نهضت إلى النافذة، وفتحتها، فدخلت أنسام الخريف. كان الليل باردًا، وفي السماء، كانت الغيوم تعدو كالأحصنة. وجد وحيد نفسه مضطرًا لسحبها إلى السرير، وجوديت لا تتوقف عن البكاء.
* * *
مضت شهور طويلة دون أن يجد وحيد العمل الذي يبحث عنه، وكذلك جوديت، خاصة أن بطنها قد انتفخ كثيرًا، وغدت ضخمة كبقرة. عندما كانت تسير في الشارع، كان الرائي يظنها جبلاً متحركًا في أرض جرداء.
ذات ليلة، قالت جوديت:
- فاطمة تتحرك بعصبية.
والعرق يتصبب غزيرًا من جبينها، فسأل وحيد:
- هل آخذك إلى المستشفى؟
- ستأخذني عندما أقول لك.
- بانتظار ذلك، سأنادي إحدى الجارات.
- لا أعرف واحدة منهن. في هذا البلد، كل واحد يعيش لنفسه كما تعلم.
- إذن، سأنادي جارنا المغربي.
وهب واقفًا، لكنها أوقفته:
- ستناديه عندما أقول لك. تعالَ!
وذهب إليها.
- اخلع ثيابي!
وخلع ثيابها، ثم راح يتأمل بطنها الضخم كالجبل الناهض على ساقين آدميتين.
- خذني!
وأخذها.
أخذ بطنها بأصابعه وبشفتيه، وجوديت تتأوه كحوت مهيض الجناح، فأين الطريق إلى البحر؟ وأين الطريق إلى القبر؟ بدأ يرتقي هضاب سيناء العاصية، ومن حول جسدها يقيم الأسوار، فأخذت تصرخ، وهو فيها. وفي اللحظة التي دار فيها القتال المستميت، إذا بها تطلق من بين فخذيها وفخذيه، وليدًا رأسه انفصل عن جسده، هولوفيرنَ عائدًا من أنهر الدماء.
تلاقوا ثلاثتهم في حصار البِتولا، فنظر وحيد وجوديت إلى جسد ابنتهما فاطمة، وإلى رأسها المنفصل عن جسدها، وهما يمسحان براحتهما عليهما، ويضعانهما على لحمهما، ويبكيان عليهما، على الجسد وعلى الرأس المنفصل عن الجسد، والفم في وسط رأس فاطمة يضحك، ويضحك ملء شِدْقيه.

باريس يناير 1982
تم تصحيحها يوم الاثنين 23/7/1990

* من "حلمحقيقي" المجموعة الرابعة لأفنان القاسم بمناسبة نشره للأعمال الكاملة.



#أفنان_القاسم (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ناتاشا والفنان
- العاطل عن اليأس
- انتحار الشاعر
- أطول ليلة في الحي اللاتيني
- القصيدة-القصة الأولى في الأدب العربي: الإبحار على متن قارب ه ...
- محمد حلمي الريشة وعلبة أسبرين
- 39 شارع لانكري
- الابن والبحر
- الله والنقود
- الطفل الآتي من هناك
- حلمحقيقي
- حبيبتي في صنعاء
- حرير دمشق
- إرادة الورد
- الهامشيون
- ساعة الصفر
- على طريق دمشق
- الموت
- الأعشاش المهدومة
- الإرجاء


المزيد.....




- -جزيرة العرائس- باستضافة موسكو لأول مرة
- -هواة الطوابع- الروسي يعرض في مهرجان القاهرة السينمائي
- عن فلسفة النبوغ الشعري وأسباب التردي.. كيف نعرف أصناف الشعرا ...
- -أجواء كانت مشحونة بالحيوية-.. صعود وهبوط السينما في المغرب ...
- الكوفية: حكاية قماش نسجت الهوية الفلسطينية منذ الثورة الكبرى ...
- رحيل الكوميدي المصري عادل الفار بعد صراع مع المرض
- -ثقوب-.. الفكرة وحدها لا تكفي لصنع فيلم سينمائي
- -قصتنا من دون تشفير-.. رحلة رونالدو في فيلم وثائقي
- مصر.. وفاة الفنان عادل الفار والكشف عن لحظات حياته الأخيرة
- فيلم -سلمى- يوجه تحية للراحل عبداللطيف عبدالحميد من القاهرة ...


المزيد.....

- مداخل أوليّة إلى عوالم السيد حافظ السرديّة / د. أمل درويش
- التلاحم الدلالي والبلاغي في معلقة امريء القيس والأرض اليباب ... / حسين علوان حسين
- التجريب في الرواية والمسرح عند السيد حافظ في عيون كتاب ونقا ... / نواف يونس وآخرون
- دلالة المفارقات الموضوعاتية في أعمال السيد حافظ الروائية - و ... / نادية سعدوني
- المرأة بين التسلط والقهر في مسرح الطفل للسيد حافظ وآخرين / د. راندا حلمى السعيد
- سراب مختلف ألوانه / خالد علي سليفاني
- جماليات الكتابة المسرحية الموجهة للطفل في مسرحية سندس للسيد ... / أمال قندوز - فاطنة بوكركب
- السيد حافظ أيقونة دراما الطفل / د. أحمد محمود أحمد سعيد
- اللغة الشعرية فى مسرح الطفل عند السيد حافظ / صبرينة نصري نجود نصري
- ببليوغرافيا الكاتب السيد الحافظ وأهم أعماله في المسرح والرو ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أفنان القاسم - وحيد وجوديت