|
المسألة اللغوية بين إمكانيات التعدد مع الوحدة ونزعة الإقصاء والمصادرة
عزيز باكوش
إعلامي من المغرب
(Bakouch Azziz)
الحوار المتمدن-العدد: 3355 - 2011 / 5 / 4 - 16:38
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
في سياق ربيع التغيير ، وبعد حركة 20 فبراير، وخطاب 9 مارس الذي تلاها، تعيش بلادنا مرحلة تاريخية حاسمة ، وتعرفُ مخاضاً فكرياً واجتماعياً وسياسياً، يقتضي إمعانَ النظر ، وتبَصّرَ مواقع الخُطَى ، واستحضارَ التجاربِ الناجحةِ لاِستلهامها، والعاثرةِ للتّنَكُّبِ عن سبيلها. وتطفو المسألة اللغوية على السطح بكل ما عرفته وتعرفه من تجاذبات، وتَأرجُحٍ بين الاختياراتِ والنهايات. وإسهاماً في جلاء الموضوع، وتجاوزِ عوامل التصدع والفُرقة، والبلبلةِ والشتات، آثرتُ جَرْدَ مرجعيات، واستحضارَ مُعطيات، عَلَّها تُنيرُ الطريق، وتبعثُ على تقويمٍ وإِغْناء؛ يستهدفانِ التعبئة والوحدة، وينأيان عن التفتيتِ والفُرقة. ولنبدأ من حيث انتهى الآخرون: ـ فاليابان وَحَّدتْ لغتها وبَنَتِ الإنسان فيها، رَسَّختْ لَدَيْهِ القيم، وأخذتْ بأسباب العلم والتكنولوجيا. فما ذا تحقق لها؟ مَكَّنَهَا ذلك من تأكيدِ حضورها، وتقويةِ اقتصادها، وأقْدَرَها على مواجهة كوارثَ ذَرية، وزلازلَ مُدَمِّرة، وتسونامياتٍ مُغْرقة، لا قِبَلَ لبلدٍ آخرَ بِهَا، فصارت تجسيداً لأسطورةِ طائر الفينيق الذي ينبعثُ من وسط الرماد: كُلَّمَا دَمّرَتِ الكوارثُ بها في لحظات ما بَنَتْهُ في عقودٍ وسنوات، لا يَلْبَثُ الإنسانُ فيها أن يُعِيدَ البناءَ في أيامٍ وساعات. ـ الفيتنامُ تتحررُ من الولايات المتحدة ، فيقررُ رئيسُها هوشي مين فَتْنَمَةَ التعليم في جميع مراحله، ويتجاوب الشعب فيصير ذلك مضربَ مثل، ومصدرَ قوة ووحدة. ونُواصلُ استحضارَ المرجعيات وجَرْدَ المُعطيات: ـ سكان الولايات المتحدة أعراقٌ مختلفة ، وأجناسٌ متباعدة، تجاوزوا الصراعات، وأَرْسَوْا أسسَ التعايش والتوافق، فوحَّدُوا اللسان، وطوَّرُوا الإنسان، سادوا العالم وارتادوا الفضاء. ـ الاتحاد الأوربي بدأ بدولٍ معدودة، وانتهى إلى تَكتّلٍ كبير ، وحَّد العُمْلَة والبرلمان، فتح الحدود، وطوَّرَ الاقتصادَ وأخذ بأسبابِ النماء. ونعودُ إلى البدايات : لِنُذَكِّرَ بمقولة حكيم الصين لإمبراطورها حين سأله عن السبيل للنهوض بالبلد، فأجاب: "ابْدَأْ بإصلاح اللغة". وإصلاحُ اللغة لا يتمُّ عن طريق البَلْبَلَة، وتركِ الحبلِ على الغارب، لتظلَّ لغةُ المستعمرِ سائدة، ولغاتُ الوطنِ مُتدافعة، والدارجةُ مَطيةً لِلْإضعافِ والاِبتعادِ عن اللغةِ المعياريةِ الرسمية. وتجاوُزاً للنعرات، ومظاهر التعصب والتطرف، نوثر التأكيد على ما يلي: سكانُ هذا البلد أجيالٌ مُوَلَّدَة عن تزاوجٍ ومُصاهرة ،يشكلون شعباً وَحَّدَهُ هَدْيُ الإسلام ، تآزر في مقاومة الاستعمار، ومواجهةِ مظاهر التخلفِ والفساد، وهو يتوق إلى الكرامةِ والعدالة والديمقراطية، رائدُهُ تحقيقُ الوحدة ، والأخذُ بأسباب التقدم والنماء. ولْنَذْكُرْ جيداً أن المغاربة عند فجر الاستقلال كانوا يستمعون إلى لغةٍ سليمةٍ من مصادر الإعلام ، ويقرؤون إعلاناتٍ وإشهارات بالعربية ، فكان ذلك يسمو بدارجتهم إلى حَدِّ أن لغة كثيرٍ من عَوًامِّهِمْ كانت تقتربُ من لغة القرآن ، ولنا في أدب الملحون الذي وجد فيه الحرفيون والصناع لغتهم الوسيطة خيرُ شاهدٍ ومثال. فما الذي يُسَوِّغُ اليوم هذا الإفراط في استعمال الدارجة بحجةِ الاقترابِ من مَدَارِكِ الناس وأفهامِهم؟ وَهَلْ يُتَصَوَّرُ أن تتخلى فرنسا عن لغتها، وتُعوِّضَها بالدارجة ؟ ومتى استُعملتِ الدارجة في تعبيرٍ علمي دقيق بدلاً من الفصحى المُتوافَقِ عليها ؟ الدقيقةِ لفظاً، والمضبوطةِ لغة ؟ ليس عندنا فقط، ولكن عبر مراحل التاريخ، وفي مختلف أنحاء المعمور. لعل أعجب ما في الأمر أن هذا الاقترابَ عندهم لا يتحقق إلا عن طريق الدارجة أو الفرنسية في سَعْيٍ دائبٍ ومكشوفٍ لإقصاءِ اللغة العربية. القرآنُ الكريمُ دعا إلى الوحدةِ ضداً على العصبيةِ والفُرقة: " وأن هذه أُمَّتُكُمُ أمةٌ واحدة"، وإلى لسانٍ يُوحِّدُ الأمة: "إنا أنزلناهُ بلسانٍ عربي مبين" فما تفطنت له دولُ العالم المعاصر، وصارتْ تعملُ على تحقيقه من توحيد اللسان، وتكتل الأمصار، كإكسيرٍ للنجاح، وعونٍ على النماء، هو ما ينبغي أن نأخذ به لتخطي وِهادِ التخلّفِ ، ومظاهرِ الاِختلاف. وبعيداً عن أي تعصبٍ أو تطرف ؛ تظلّ اللغة العربية لغةَ تكَتّلٍ بَشريٍّ مُرشَّحٍ ليُشكلَ قوة اقتصادية وسياسية ومُجتمعية يُحْسَبُ لها حسابُها، عِلْماً أن تداولَها ميسور، فَصِلَتُهَا بالتراثِ واقعٌ ملموس، وقابليتُها للمواكبة والدفع بعجلة التنمية أمْرٌ تتآزر في تأكيده التجاربُ السالفة ُالشاهدةُ على حضورها وعطائها، والحاضرةُ لدولٍ عملت على ترسيمِ وتفعيلِ لغةٍ معيارية رغم ما قد تعرفه من تَعَدّدٍ في اللغاتِ الوطنية . الاِعترافُ بالأمازيغية في تعدد مشاربها كلغة وطنية أمرٌ يَسْمُو عن التعصّبِ والمماحكة، يقتضي دَسْتَرَةً وتفعيلاً ، تيسيراً للتعليم والتواصل والتداول ، واستثماراً لتراثٍ غني ومتنوع، فقط ينبغي أن ينأى عن نزعةِ الإقصاءِ والمصادرة؛ التي لن تُفيدَ غير تفتيت الوحدة ، وتكريس الفُرقة . وصفوةُ القول أن عالَمَ اليوم لا يقبلُ الكياناتِ الصغرى، ولا مجالَ فيه لِضعيفٍ يستقوي بالغير، ولا لتائهٍ يَضِلّ عن السبيل. إنما الاعتبارُ للتكتلاتِ القويةِ المتكاملةِ المتساندة. وإنما البقاءُ لِلُغَةٍ تَخْدِمُ العلمَ وتدْعَمُ الاِقتصادَ، تتفاعلُ مع التنمية، تجنحُ نحو السلاسة والتبسيط، تَقْوَى بالتداول، وتزْكُو بالاستعمال . فالمغاربةُ قاطبة تعرضوا للاستعمار بغض النظر عن لغتهم، وعانوا من الظلم والفساد، وهم مدعوون جميعاً لِلاِنخراطِ في تعبئةٍ تتجاوزُ التخلّف، وترفعُ وتيرةَ التنميةِ، وتُعَبِّدُ مسارَ الإصلاح والتقدّم.
#عزيز_باكوش (هاشتاغ)
Bakouch__Azziz#
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
فاس والكل في فاس 227
-
- تجديد الثقة في المدرسة العمومية -
-
الباحث في علوم التربية ذ ميلود المسعدي في حوار تربوي
-
نادي صفرو للصحافة في طبعته الثانية دسم فكري واختلافات ملهمة
-
تجميع وبحث ودراسة حول بيداغوجيا الإدماج وبيداغوجيا الكفايات
...
-
الزمن الإلكتروني فرض نفسه و لايمكن للمدرسة المغربية أن تبقى
...
-
فاس والكل في فاس 226
-
لا للسيجارة الأولى بالأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بجهة
...
-
النهبماليون والرشوائيون والارتزاقيون على حراك 20 مارس
-
فاس والكل في فاس 225
-
البرمجيات الحرة في خدمة قضايا التربية والتكوين فاس المغرب
-
المهرجان الوطني للفيلم التربوي بفاس في دورته العاشرة أفلام ا
...
-
الرياضة المدرسية مشتل خصب لبروز المواهب والابطال في كل الريا
...
-
الترويج لنطاق taalim.ma الان ماالسياق وما هي الرهانات ؟
-
محمد رامي : المطلوب تطهير الصحافة الجهوية من الشوائب وتدعيم
...
-
فاس والكل في فاس 224
-
تجميع بحث ودراسة حول بيداغوجيا الإدماج وبيداغوجيا الكفايات (
...
-
جمعية رؤساء شركات مقاولتي بفاس تدق ناقوس الخطر
-
* في الندوة التي نظمها القطاع النسائي الاتحادي بتنسيق مع الك
...
-
فاس والكل في فاس 223
المزيد.....
-
السيسي وولي عهد الأردن: ضرورة البدء الفوري بإعمار غزة دون ته
...
-
نداء عاجل لإنهاء الإخفاء القسري للشاعر عبد الرحمن يوسف والإف
...
-
-الضمانات الأمنية أولاً-..زيلينسكي يرفض اتفاق المعادن النادر
...
-
السلطات النمساوية: هجوم الطعن في فيلاخ دوافعه -إسلاموية-
-
نتنياهو: انهيار نظام الأسد جاء بعد إضعاف إسرائيل لمحور إيران
...
-
نتنياهو: ستفتح -أبواب الجحيم- في غزة وفق خطة مشتركة مع ترامب
...
-
كيلوغ المسكين.. نذير الفشل
-
تونس تستضيف الدورة 42 لمجلس وزراء الداخلية العرب (صور)
-
-مصيركم لن يكون مختلفا-.. رسالة نارية من الإماراتي خلف الحبت
...
-
مصر تعلن بدء إرسال 2000 طبيب إلى غزة
المزيد.....
-
الانسان في فجر الحضارة
/ مالك ابوعليا
-
مسألة أصل ثقافات العصر الحجري في شمال القسم الأوروبي من الات
...
/ مالك ابوعليا
-
مسرح الطفل وفنتازيا التكوين المعرفي بين الخيال الاسترجاعي وا
...
/ أبو الحسن سلام
-
تاريخ البشرية القديم
/ مالك ابوعليا
-
تراث بحزاني النسخة الاخيرة
/ ممتاز حسين خلو
-
فى الأسطورة العرقية اليهودية
/ سعيد العليمى
-
غورباتشوف والانهيار السوفيتي
/ دلير زنكنة
-
الكيمياء الصوفيّة وصناعة الدُّعاة
/ نايف سلوم
-
الشعر البدوي في مصر قراءة تأويلية
/ زينب محمد عبد الرحيم
-
عبد الله العروي.. المفكر العربي المعاصر
/ أحمد رباص
المزيد.....
|