حسين علوان حسين
أديب و أستاذ جامعي
(Hussain Alwan Hussain)
الحوار المتمدن-العدد: 3337 - 2011 / 4 / 15 - 21:53
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
للبصير مكانة متميزة قل نظيرها بين رجالات العراق في القرن العشرين ، حيث جمع في شخصية واحدة بين خدمة المنبر الحسيني ، و التأليف بصفته أديبا شاعراً و ناقداً، و النضال السياسي ضد الإستعمار البريطاني ، و البحث الأكاديمي بصفته أستاذاً للأدب العربي ومربياً فاضلاً تخرجت على يده أجيال من الأساتذة و الأدباء و المربين .
الولادة و النشأة
ولد محمد مهدي البصير عام 1895في محلة الطاق بمدينة الحلة في عائلة تنتمي إلى قبيلة بني كلاب، و كان أبوه أحد كبار خدام المنبر الحسيني في الحلة . و أصيب وهو طفل صغير بمرض سبب له العمى ، و لكن ذلك لم يمنعه من تلقي العلم في الكتاتيب ، و قد حباه الله بذاكرة قوية بقيت موضع إعجاب كل معارفه . و ما أن بلغ الخامسة عشر من عمره حتى أخذ يعاون والده في إحياء المجالس الحسينية ، فأصبح له باع طويل فيها و أخذ ينافس أباه . كما بدأ بكتابة الشعر في مختلف المناسبات بعد دراسته للدواوين الشعرية لصفي الدين الحلي و المتنبي و السيد حيدر الحلي و غيرهما من شعراء العربية القدماء و المحدثين .
مرحلة النضال ضد الإستعمار البريطاني
عندما أحتل الجيش البريطاني بغداد عام 1918 ، كان البصير من أوائل المنخرطين في النضال ضد المحتلين الغزاة ، فانتمى إلى حزب "حرس الاستقلال" الذي كان يطالب بإستقلال العراق تحت قيادة ملك هاشمي ، و الذي أسسه السيد محمد الصدر في الكاظمية ببغداد ، و أصبح البصير أمين سره في الحلة . ثم انتقل إلى بغداد عام 1919 ، و هناك عمل على رصّ صفوف البغداديين عن طريق إحياء المجالس الخطابية الحماسية في مساجد بغداد القديمة مثل مسجد سيد سلطان علي و الحيدرخانة ، حيث أخذ يجمع لأول مرة في تاريخ العراق بين مجالس الذكر لمناقب سيد المرسلين النبي محمد (ص) و بين التعزية الحسينية . و كانت هذه المجالس يشارك فيها الأدباء بإلقاء القصائد و الخطب الحماسية . و لم يرق لأذناب الإستعمار البريطاني هذا النشاط الوطني ، فعاقبت حكومة الاحتلال الإنكليزي أحد الشعراء الذين ألقوا قصيدة في التنديد بهم ، فانعقد في اليوم التالي مجلس كبير في جامع الحيدرخانة ، و اعتلى البصير المنبر و طالب الحضور بالخروج معه في مظاهرة إحتجاج ضد الإستعمار . و بالفعل فقد خرجت الجموع في مظاهرة قوية تهتف ضد الإحتلال و تطالب بخروج المستعمر ، فواجه الإنكليز المتظاهرين العزل بفتح النار عليهم من مدرعاتهم الحربية و استشهد أحد المتظاهرين . و في اليوم التالي ، إنطلقت في بغداد مظاهرة أكبر لتشييع الشهيد ، و قام البصير بالصلاة عليه و تأبينه . و استمرت مقارعة البصير للإحتلال بخطبه و قصائده الرنانة ، ومنها قصيدته " وطني" الشهيرة بمطلعها :
إن ضاق يا وطني عليَّ فضاكا فــــلتـتسع بي للأمام خـطاكا
أجرى ثراك دمي فإن أنا خنته فليـنـبذنـني إن ثـويت ثــراكا
بك همت أو بالموت دونك في الوغى روحي فداكا متى أكون فداكا؟
و التي أصبحت نشيداً وطنياً يردده الطلاب في المدارس صباح كل يوم .
و قد تعرض البصير للاعتقال عدة مرات في معسكرات الجيش الإنكليزي بسبب نشاطه الوطني ، و لكنه لم يبالي بالاعتقال لما يتمتع به من قوة العزيمة ووضوح الرؤية و الإيمان بقضية استقلال العراق العادلة و حرية شعبه بكافة فئاته . و قد عرض الإنكليز عليه مختلف المغريات مثل الأراضي الزراعية الخصبة و المناصب الرفيعة ، و لكنه رفضها كلها بإباء و شمم رغم كفاف بصره و ضيق ذات يده . و عندما ثار الشعب العراقي ضد الإنكليز في ثورة العشرين ، كان البصير في مقدمة الثوار . و بعد نجاح ثوار العراق في فرض الإستقلال على الإنكليز ، و تنصيب الأمير فيصل الأول ملكاً على العراق تحت صك الانتداب عام 1921، واصل البصير خطبه الحماسية ضد الانتداب البريطاني لتحقيق الإستقلال الناجز ، إلى جانب قيامه بالتدريس في جامعة آل البيت في بغداد . فألقت سلطات الانتداب عليه القبض مع كوكبة من المناضلين العراقيين الشرفاء ، و منهم الزعيم الوطني جعفر أبو التمّن ، و نفاهم المندوب السامي البريطاني إلى جزيرة "هنجام" القاحلة و الكائنة في أعماق الخليج العربي و ذلك عام 1922. و بعد فترة ستة شهور من النفي القاسي ، و فشل الإنكليز في كسر شكيمة الزعماء الوطنيين العراقـيـين الأحرار ، عاد المنفيون من هنجام إلى العراق . و كان البصير آخر من سمح له بالعودة إلى بغداد حيث بقي منفياً في البصرة ، فأستغل هذا النفي الجديد و كتب أول و أدق كتاب عن تاريخ ثورة العشرين المجيدة ، كما طبع أولى دواوينه الشعرية .
فترة البحث العلمي و التدريس الجامعي
بعد عام 1925 ، واصل البصير نشاطه السياسي ضد الإنتداب الإنكليزي ، مع قيامه بالتدريس في جامعة آل البيت و التأليف الأدبي . و قد اتضح للبصير من خلال نضاله السياسي المستمر أن أغـلب المتصدرين للمشهد السياسي العراقي هم من المنافقين و المنتفعين ، و لـيسوا وطنيين حقيقيين . و لكونه يأبى على نفسه المساومات ، لذا فقد قرر ترك العمل السياسي نهائياً ، و التفرغ التام للبحث العلمي . و بهذا فقد خسرت الساحة الوطنية العراقية مناضلا جباراً في سبيل الحرية . و سافر في بعثة إلى فرنسا لإكمال دراساته العليا في الأدب . و هناك إتقن اللغة الفرنسية بمساعدة زوجته الفرنسية مدام البصير ، و كانت أستاذة فاضلة ، و رفيقة عمره المخلصة . و بالفعل فقد حصل على شهادة الدكتوراه الدولية في الأدب بتقدير عال عن أطروحته "الشعر الوجداني في مسرحيات كورنييه"، و عاد مع زوجته إلى بغداد عام 1931 ، و عين أستاذاً في قسم اللغة العربية في معهد المعلمين العالي (كلية التربية بعدئذٍ) . و من هذا التاريخ و حتى تقاعده عام 1959 اشتغل البصير و زوجته - التي عملت أستاذة للغة الفرنسية في كلية الآداب - بكل جد و إخلاص في إلقاء المحاضرات لخدمة طلبتهم النجباء . و ألف البصير عشرات الكتب و الكراريس في الأدب العربي ، و طبع عدة دواوين شعرية و منها ديوان الشهير "البركان" ، و نال مرتبة الأستاذية في جامعة بغداد . و لم يهادن يوماً حكومات الانتداب البريطاني ، و بقي عـفيف اللسان و اليد ، و مربياً فاضلاً و كريماً يجتمع حوله خيرة الشباب من الشعراء و الأدباء و الكتاب من المناضلين الوطنيين الأحرار . و ساهم كأديب كبير في مختلف المؤتمرات العلمية و الأدبية العربية و العالمية ، و في إلقاء الكلمات في مختلف المناسبات من الإذاعة و التلفزيون حتى وفاته في بغداد عام 1974. رحم الله الدكتور محمد مهدي البصير الحلي ، الشيخ المجاهـد ، و الشاعر الثائر ، و الأستاذ و المربي الفاضل .
#حسين_علوان_حسين (هاشتاغ)
Hussain_Alwan_Hussain#
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟