كمال الجزولي
الحوار المتمدن-العدد: 977 - 2004 / 10 / 5 - 07:57
المحور:
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان
لم يجد السيد وليد جنبلاط ما يعبر به عن مدى غضبه بإزاء الحيف الواقع على أنصاره فى ملابسات الأزمة اللبنانيَّة الناشبة هذه الأيام ، على خلفية تباين المواقف حول الدور السورى وتداعيات تعديل الدستور بما يسمح بالتمديد للرئيس إميل لحود ، أبلغ من أن يصف خصومه بأنهم محض (جنجويد) ، جاعلاً شعاره: "لا لحكم وطاويط الليل والاشباح و .. الجنجويد!" (النهار البيروتية ، 19/9/04).
وبرغم دقة الدلالة الاصطلاحيَّة فى هذا الاستخدام ، وبخاصة حين أردف السياسى اللبنانى الكبير فى معرض استهجانه لحملة الدهم والاعتقالات التى طالت أنصاره فى منطقة الشوف قائلاً: "لن تخيفنا السجون ، فليعتقلونا جميعاً ، نعم للعروبة الحرة ، لا لعروبة السجن" ، فقد ساءنى ، مع ذلك ، ألا تسعف ثقافة المستعربين المسلمين السودانيين رئيس (اللقاء الديموقراطى) و(الحزب التقدمى الاشتراكى) فى لبنان ، والذنب فى المقام الأول ليس ذنبه ، بغير هذا اللفظ الشؤم الذى لا نكاد نحن أنفسنا نعرف له أصلاً أو فصلاً أو تصريفاً أو أىَّ معنى لغوى مباشر خارج دلالته الاصطلاحيَّة القبيحة!
***
واستطراداً ، فإن أكثر ما يصدم السودانى لدى خروجه الأول إلى المنطقة العربيَّة الكبرى إكتشافه أن جُلَّ (الأشقاء) لا يعرفون عن بلده ، والذنب أيضاً ليس ذنبهم ، سوى كلمة (زول) وأغنيتَى (إزَّيَّكم) و(المامبو) وربما أضافوا إلى ذلك إسم رئيس الدولة! فرغم أننا "كلنا فى القمع شرق!" إلا أن النصيب الذى خصَّصته آلة الاعلام فى الكثير من بلدان المنطقة العربيَّة الكبرى ظلَّ كافياً ، إلى حدٍّ كبير ، لتعريفنا بأحوالهم ومشكلاتهم ولهجاتهم وفنونهم وأسماء أصغر مغنييهم وممثلاتهم ، بل أصغر نجوعهم وقراهم ، بينما لا تزال أغلب تلفزيونات وإذاعات الأقربين منهم إلينا تتأتئ وتفأفئ ثلاثاً قبل أن تلفظ خطأ إسم مدينة مهمَّة فى دارفور أو حتى وزير مركزىٍّ فى الخرطوم!
أما (إعلامنا) ، فبعد أن يستفرغ طاقته (الدعائيَّة) ، حتى آخر قطرة ، فى تقصِّى (إنجازات) الحكومة بالحقِّ وبالباطل ، وفى التسبيح بحمد رموزها من رأس الدولة ونوَّابه إلى أصغر وكيل وزارة أو مدير مصلحة ، وفى كيل السباب للمعارضين من أكبر الأحزاب إلى أقل اتحادات الطلاب شأناً ، فإن آخر ما يعنيه هو الترويج لتعدُّدنا الاثنى ، وثرائنا اللغوى ، وتنوُّعنا الابداعى ، المرئى منه أو المقروء أو المشاهَد. وحتى المساحة الضيِّقة من اشتغاله البائس بمثل هذه (الأمور) فمخصَّصة فى غالبها لشأن (العروبة) فى طبعتها (السلطويَّة) ، لغة وثقافة .. واستعلاءً! وتكفى المرءَ نظرة ولو عابرة ليرى كيف جفف هذا (الاعلام) منابر (الثقافة) ، فصفى الكثير من مؤسَّساتها ، وكرَّس المتبقى منها لخدمة مطلوباته السياسيَّة ، حيث حوَّل فرقة الفنون الشعبيَّة ، مثلاً ، إلى شاهد زور ، وطمر مجلتى (الخرطوم) و(الثقافة السودانيَّة) فى مقبرة جماعيَّة ، وأقصى من ساحاته مبدعين حقيقيين ومبدعات حقيقيات بدعوى (الصالح العام) ليحل محلهم (جربنديَّة) الترويج لثقافة العنف السلطانى ، وراح يسلط الأضواء كلها على مادحى البلاط ومادحاته ، فكافأوه وكافأنه وفاءً بوفاء ، مثلما انطلق يحجب كلَّ قطرة ضوء عن المنتديات غير الرسميَّة ومثقفيها (الهامشيين) ومثقفاتها (الهامشيَّات) ، فبادلوه وبادلنه جفاءً بجفاء ، قبل أن يتحلل نهائياً من عبء (الثقافة) كلها باستئصالها من مؤسَّسته ، كما يُستأصل الدِّمِّلُ من الجسد ، كونها علقت به منذ الاستقلال ، إدارياً ومالياً ، فعطلت (انطلاقه) ، فى ما يبدو ، باتجاه ما هو (أهم) ، وقعدت (بقدراته) عن خدمة (أمَّهات) القضايا!
***
و(العروبة الحرة) ، بمصطلح جنبلاط ، لم تقع لدينا بحمولة دلالتها هذه. (فالعروبة) ، كمفهوم تاريخى ، حمَّالة أوجه! وعلى حين ظلت الروح الوطنيَّة الديموقراطيَّة تنزع لمعانقة وجهها المجلوِّ (بالحريَّة) هذا ، فإن الوجه الذى انتهى إليه شأنها معنا (بفضل) المؤسَّسة الرسميَّة ، حتى إشعار آخر ، هو ، للأسف ، ذات الوجه الذى نعاه عليها القيادى اللبنانى البارز: (عروبة السجن/القمع/القهر) ، حيث (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة) ، وحيث المناداة بالمساواة (زندقة) ، والمطالبة بحقوق الانسان (هرطقة) ، والدعوة إلى الديموقراطيَّة (خيانة للقضيَّة) ، والدفاع عن حقوق الأقليَّات (خروج عن المِلة) ، ودعم أوضاع التعدُّد والتنوُّع (تجديف على الثوابت) ، أى ما اجترح جنبلاط اختزاله فى مصطلحه الجديد: (عروبة الجنجويد!) الذى ساءنى كثيراً ، على حقيقته الجارحة ، أن يشكل ، دون سائر إبداعاتنا فى شتى المجالات ، الإضافة النادرة التى نرفد بها ، كمستعربين سودانيين ، الثقافة العربيَّة فى حقل الاجتماع والسياسة!
لقد تسرَّب إلينا (المكوِّن الخارجى) لقسمات هذا الوجه الكالح ، خلال خمسينات وستينات القرن الماضى ، محمولاً على أجنحة (الدعاية) القوميَّة العربيَّة المعاصرة ، منتَج البرجوازيات الصغيرة العربيَّة التى انهمكت ، أوان ذاك ، فى إنجاز انقلاباتها العسكريَّة ، وتأسيس أنظمتها الشموليَّة ، وعقد تحالفاتها المرتبكة ، ونشر رايات (فهمها) الخاص (للعروبة) و(الوحدة العربية) ، بكل ما تنطوى عليه خطاباتها من تعدُّد ، وشعاراتها من تناقض ، وسياساتها من اضطراب ، على كلا المستويين القطرى والاقليمى.
وانطلق هذا (المكوِّن الخارجى) يغـذى (المكوِّن المحلى) المتوارث فينا ، كمستعربين ومسلمين ، منذ زهاء الخمسة قرون ، ضمن أمة سودانيَّة لمَّا تبلغ ، بعدُ ، أشراط الحد الأدنى من التجانس المطلوب لانصهارها فى مجرى واحد ، حالة كوننا ظللنا غارقين ، قبل ذلك ، وحتى أسناننا ، فى مأزق (الاستعلاء) المقيت على (مُساكنينا) بالثروة والسلطة والعرق والدين واللغة والثقافة ، وعاجزين ، بالتالى ، تماماً عن استيعاب مقتضيات البناء الوطنى بتركيبته شديدة الفرادة والتعقيد.
هذا الوجه من (العروبة) هو الذى شكل ، بالنسبة لطبقات وفئات وشرائح المستعربين المسلمين المتمكنة اقتصادياً وسياسياً وثقافياً ، ومن ثمَّ لدى الجماعة الاثنيَّة كلها ، بحكم (الاعلام الرسمى) وسلطة (الثقافة السائدة) منذ فجر الاستقلال ، أيديولوجيَّة التعريب والأسلمة (المقدَّسة) ، و(خارطة الطريق) لسياساتها وبرامجها (الوطنيَّة) ، بهدف (إعادة صياغة) منظومة التنوُّع السودانىِّ بأسرها فى قالبها ، بأكثر مِمَّا وقع لديها كانتماء وجودى محدَّد ومبرَّر تاريخياً ، الأمر الذى كان يستلزم التعاطى معه من خلال الادراك العميق لموجبات (الوحدة مع التنوُّع) أو (التنوُّع فى الوحدة) ، مِمَّا لم يكن خافياً منذ البداية أنه لن تقوم للأمَّة السودانيَّة قائمة بدونه.
***
على أن تينك الخطة والأيديولوجيَّة ما لبثتا أن انفجرتا ، وبخاصة فى عقابيل تأسيس النخبة الاسلامويَّة لنظامها بانقلاب الثلاثين من يونيو عام 1989م ، ليس فقط فى وجه المساكنين من غير المستعربين أو المسلمين ، بل وبين يدى الجماعة المستعربة المسلمة نفسها ، حيث تسارعت خطى التشقق الثقافى والتشرذم الاثنى والاستقطاب السياسى والانقسام الاجتماعى ، فى أمَّة لم يتح لها أصلاً أن تتجاوز هشاشة تكوينها القومى لتصوغ من واقع تنوُّعها وتعدُّدها عوامل تماسكها وشروط لحمتها.
ولئن كانت الجماعة العربيَّة المسلمة الكبرى فى المنطقة قد كلفتنا ما لا طاقة لنا به لجهة (إعادة) صياغة (الآخر) على صورتها ، فإن أقصى ما قدرنا عليه ليس هو فقط سدَّ الطريق أمام الانسياب الهادئ (لعروبة الحريَّة) و(إسلام العدل) فى هذه التخوم ، بل و(رفع) مردود هذا التكليف المستحيل إلى هذه الجماعة الكبرى فى شكل إعادة صياغة (عربوأعجميَّة) لأوهامها التى لا أرضاً قطعت ولا ظهراً أبقت!
هكذا فإن ظاهرة (الجنجويد) التى أسعفت وليد جنبلاط بالتعبير الاصطلاحى المناسب عن وجه من (العروبة) يجده مشابهاً لأوضاع خربة فى بلده هى محض عَرَض لمَرَض سودانىٍّ مُزمن. وهو مَرَض ناشب ، بالأساس ، فى بنية التكوين الذهنى والوجدانى للجماعة المستعربة المسلمة فى بلادنا ، فأضرَّ بها و(بالآخر) فى آن ، بقدر تأثيره على وتأثره ، جدلياً ، بالأوضاع الاقتصاديَّة السياسيَّة والاجتماعيَّة الثقافيَّة الجائرة تاريخياً. ولذا فإن أنجع وصفات علاجه ينبغى أن تطبَّق داخل هذه الجماعة أولاً ، قبل عرضها على الأغيار من مساكنيها ، بل إن أكثر مناهج التفكير فى هذا العلاج سداداً هى مِمَّا ينبغى أن تصوغه هذه الجماعة بنفسها ، لا ما يُفرض عليها من خارجها!
#كمال_الجزولي (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟