انياسيو رامونه
الحوار المتمدن-العدد: 885 - 2004 / 7 / 5 - 06:40
المحور:
حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات
هذا يحدث في أوروبا. فالعنف الذي يمارس ضد النساء على يد شريك حميم ذكر، بلغ أبعاداً مريعة. ففي داخل المنزل، تحولت الخشونة في حق الأوروبيات بين 16 و44 عاما السبب الأول للعجز الجسدي والوفاة حتى قبل حوادث السير والسرطان...
وتبعا للبلدان، يعاني ما بين ربع النساء ونصفهن من سؤ المعاملة. ففي البرتغال مثلا، يصرح 52،8 في المئة من النساء أنهن تعرضن للعنف على يد الزوج أو العشيق أو المُساكن. في ألمانيا يقتل الرجال يومياً ما معدله 4 نساء يقاسمنهم السكن أي 300 في العام. في بريطانيا تفارق امرأة واحدة الروح في كل 3 أيام في ظروف مماثلة وتبلغ النسبة في اسبانيا امرأة كل أربعة أيام أي 100 في العام. في فرنسا تموت 6 نساء في الشهر (واحدة كل 5 أيام) نتيجة الاعتداءات الذكورية: الثلث طعناً، الثلث الثاني بإطلاق النار، الخمس خنقاً والعشر ضرباً حتى الموت[1]... وفي مجمل دول الاتحاد الأوروبي الخمس عشرة (قبل التوسيع إلى 25) تلقى أكثر من 600 امرأة حتفهن ـ أي بمعدل اثنتين في اليوم! ـ بسبب العنف الذكوري ضمن الدائرة العائلية[2].
أما المعتدي النموذجي فليس الشخص الذي نتخيله، إذ أن انحرافاً ايديولوجياً يدفع بالبعض إلى الربط بين هذا الموقف الإجرامي والأشخاص العديمي التعليم من أصول اجتماعية محرومة. هنا الخطأ. فمأساة الممثلة ماري ترانتينيان التي قضت على يد رفيقها الفنان المعروف في 6 آب/أغسطس 2003 خير دليل. يؤكد تقرير المجلس الأوروبي "أن تبعات العنف المنزلي تبدو على ازدياد مع ارتفاع المداخيل ومستوى التعليم". ويشير إلى أنه في هولندا "نصف الذين يقدمون على تعنيف النساء هم تقريبا من حملة الشهادات الجامعية"[3]. وتدل الإحصاءات في فرنسا أن المعتدي في غالب الأحيان هو رجل يحوز شيئاً من النفوذ بسبب وظيفته حيث تسجل نسبة كبيرة من الكوادر (67 في المئة) والعاملين في حقل الصحة (25 في المئة) وضباط الشرطة والجيش[4].
تقضي فكرة شائعة أخرى بالاعتقاد أن العنف في البلدان "الذكورية" في جنوب أوروبا أكثر منه في دول الشمال. هنا أيضاً يجب تصحيح الانطباع. فرومانيا تبدو مثلا في طليعة الدول الأوروبية لجهة خطورة ممارسة العنف ضد النساء حيث يمكن كل عام ومن اصل كل خمسين امرأة إحصاء 12،62 وفاة على يد الشريك الذكر. لكن في لائحة الجوائز المشؤومة للدول الأكثر قسوةً بالنساء، تأتي بعد رومانيا مباشرة ومن باب المفارقة الدول التي تحترم حقوق النساء أكثر من غيرها أمثال فنلندا حيث تقتل كل سنة 8،65 نساء لكل مليون امرأة داخل الدائرة العائلية المغلقة، تليها النروج (6،58)، لوكسمبورغ (5،56)، الدانمارك (5،42) والسويد (4،59). وتأتي في أسفل القائمة ايطاليا واسبانيا والبرتغال.
يعني ذلك أن هذا النوع من العنف هو الوباء العالمي الأكثر انتشاراً وأنه يمارس في جميع البلدان والقارات والأوساط الاجتماعية والاقتصادية والدينية والثقافية. يحدث بالطبع أن تلجأ النساء إلى العنف في علاقتهن مع الرجال. ولم يكن البرهان على وجود جلادين من النساء ينتظر صور التعذيب الذي مارسته جنديات في حق معتقلين ذكور في سجن أبو غريب في العراق[5]. يمكن أيضاً أن نضيف أن العلاقات المثلية جنسياً لم تعد منزّهة عن العنف لكن في الغالبية الساحقة للحالات تكون النساء في صف الضحايا.
هذا العنف الذي تحاول المنظمات النسائية لفت انتباه الحكام إليه منذ زمن طويل[6]، يصل على الصعيد العالمي إلى درجة من التفاقم بحيث بات يجب اعتباره انتهاكا رئيسيا لحقوق الإنسان يضاف إليه مشكلة كبرى على مستوى الصحة العامة.
لا يقتصر الأمر على الاعتداء الجسدي مهما يكن قاتلا، إذ يجب النظر أيضاً إلى العنف النفسي والتهديد والتخويف والوحشية الجنسية. وفي الكثير من الحالات تجتمع هذه الاعتداءات معا.
لطالما كان عذر السلطات في عدم التدخل أن هذا العنف يمارس ضمن حرمة منزل الضحية ليصنف ضمن دائرة "المشكلات الخاصة". ويمثل هذا الموقف تمنعا عن مد يد العون إلى أشخاص معرضين للخطر. انه رأي يقرب من الفضيحة. فالكل يعرف أن الخاص هو سياسي أيضاً وأن هذا النوع من العنف يعكس علاقات غير متوازنة تاريخيا بين الرجال والنساء تعود بصورة خاصة إلى النظام البطريركي القائم على فكرة "الدونية الطبيعية" للنساء و"التفوق البيولوجي" للرجال. هذا النظام هو الذي يولد العنف والمطلوب تصفية القوانين المرتبطة به. يعترض البعض بحجة أن الأمر يتطلب وقتاً طويلاً. فلماذا لا يصار إلى البدء فوراً، كما يطالب بذلك العديد من المنظمات النسائية، بإقامة محكمة دولية دائمة مختصة بالعنف ضد النساء؟
--------------------------------------------------------------------------------
[1] تقرير "هنريون"، وزارة الصحة الفرنسية، باريس، شباط/فبراير 2001. اقرأ ايضا Elisabeth Kulakowska “ Brutalité sexiste dans le huis clos familial ”, Le Monde diplomatique, juillet 2002.
[2] انظر التقارير Mettre fin à la violence contre les femmes, un combat pour aujourd hui, Amnesty International, Londres, 2004 ; Les violences contre les femmes en France. Une enquête nationale, La Documentation française, Paris, juin 2002 ; et le Rapport mondial sur la violence et la santé, en particulier le chap. 4 “ La violence exercée par des partenaires intimes ”, Organisation mondiale de la santé, Genève, 2002.
[3] Olga Keltosova, Rapport à l Assemblée parlementaire sur les violences domestiques, Conseil de l Europe, Strasbourg, septembre 2002.
[4] تقرير "هنريون" المذكور سابقا.
[5] Gisèle Halimi, “ Tortionnaire, nom féminin ”, Libération, Paris, 18 juin 2004.
[6] اقرأ مثلا نص "العنف بحق النساء: على العالم الآخر ان يتحرك" والذي قدم من قبل "المسيرة العالمية للنساء" في المنتدى الاجتماعي العالمي في بورتو اليغري في كانون الثاني/يناير 2002. يمكن مراجعة النص كاملا على موقع: http://www.marchemondiale.org
جميع الحقوق محفوظة 2004© , العالم الدبلوماسي و مفهوم
#انياسيو_رامونه (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟