جهاد علاونه
الحوار المتمدن-العدد: 2629 - 2009 / 4 / 27 - 03:23
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
الشخصية الروائية قريبة من حياة الناس ومنك أنت , والشخصية الشاعرية بعيدة عن حياة الناس وبعيدة عنك أنت .
كاتب الشعر وكاتب الرواية شخصيتان مختلفتان عن بعضهما البعض وأكاد أن أقول أن كاتب الرواية وكاتب الشعر مثل المحبوس إنفرادياً ومثل العصفور الطليق, فالشخصية الروائية مثل العصفور الحر الطائر , والشخصية الشاعرية محبوسة حبست نفسها في ذاتها وعوالمها الداخلية والتي لا تتشابه عوالمها إلا مع عوالم التكعيبيين والسرياليين والفنتازيين .
فأنا أعيش طوال اليوم معهم جميعاً فكل أصدقائي تقريباً من كتاب الرواية والشعر أي أنني طوال النهار أتنقل بين أبواب الجنة وأبواب النار , هذا يفتح لي وحده وذاك أفتحه بيدي , الجنة أفتحها بيدي والنار تفتح لي لوحدها ..وأنا واحد منهم فأنا أكتب الشعر.
الشخصية الشاعرية شخصية مجتمعة في (الأنا) فالأنا والأنانية مرفوضة رفضاً قاطعاً أو هي مكروهة كرهاً بغيضاً فالذي تجلس معه ويبقى يقول لك أنا...وأنا ..وبحب أنا ..وأنا بحب ..وبكره انا ..وأنا بكره ..وأنا هيك .و...وأنا ..وأنا إلخ. فمن المؤكذ أنك ستكره تلك الجلسة وتلعن اليوم الذي صادفت به شخصاً من هذا النوع ...والشعراء طوال جلساتهم إذا جلسوا مع الناس تجدهم يحبون التحدث عن أنفسهم وعوالمهم الداخلية حتى أن الناس تقرف من جلساتهم , أما الشخصية الروائية فإنها دائمن ما تحدثك عن نفسك وعوالمك الخارجية , وعن حياة الناس ,الشخصية الروائية قريبة منك , والشخصية الشاعرية بعيدة عنك .
أما إذا كان ذلك الشخص شاعراً يكتب الشعر فإنه أكثر ما يجذبك إليه هو كلمة أنا , وهنا مقولة يحق للشاعر ما لا يحق لغيره , ليست في اللغة فقط وإنما أيضاً في الأنا .
كلمة أنا مكروهة عند كل الناس ولكنها محبوبة عند الشعراء , فالشاعر لا ينفع بدون أنا , الشاعر بدون أنا يكون شخصية غير شاعرية , فالشرط الأساسي لكتابة الشعر هو الأنا , الأنا المفرطة والأنا العليا والأنا اللوجستية والأنا الأنانية والنرجسية والسادية والمزدكية والأنا الأنا ....فحين تجلس مع شخصية شاعرية تجده يقول لك أنا وأنا وأنا بعتقد , أما الشخصية الروائية فتجدها تقول : الناس بحكوا هيك والناس بقولوا هيك والناس بعتقدوا هيك وحياة الناس هيك , وكل إنسان له خصوصياته , والشخصية الروائية خبيرة في التحليل النفسي , ولديها خبرة كافية لتحديد أنواع الناس والشخصيات , أما الشاعر فيا دوب يعرف حاله , ذاته يجهلها ويريد من يرشده عن ذاته, وتجده ضائع وتائه في تلافيف الحياة والكون ومتوحد في جلساته , فتجده في المنزل يعاني من حالة (التوحد والإغتراب).
كتابة الشعر لا تصلح حالها بدون أنا أو الأنا والشخصية الشاعرية شخصية متجمعة في الأنا ,ومتوحدة في الذات, فمعظم الشعراء إنطوائين, منطويون على أنفسهم ,لا يرغبون بالتفاعل مع المجتمع والناس ومعظم الشعراء يجلسون لوحدهم في الوقت الذي تجلس به الناس مع بعضها البعض وكذلك في المنزل فالشاعر في المنزل يغلق الباب على نفسه ويفضل أن يجلس لوحده بنفس الوقت الذي يجلس به أفراد عائلتهم مع بعضهم البعض, الشاعر كخازن النار يأكل النار لوحده يشعلها ويزيدها حرارة , يكبر المواضيع جداً يتعامل مع الناس بدون مشاعر ولا أحاسيس بنفس القت الذي يطلب به من الجميع إحترام مشاعره النبيلة , فهو يرى أنه سوبر وغير عادي ويرى ألناس كلهم عاديون ومملون , معظم الشعراء يكرهون رؤية الشوارع والناس والأماكن العامة ويحبذون المشي في الطرقات لوحدهم , والجلوس لوحدهم , ولكن لماذا؟
لأنهم أصحاب مهنة التأمل فأشعارهم تأتيهم من خلال تأملهم في الكون الخارجي وفي الفضاء الخارجي , ولكن من خلال جوانيتهم المتعبة , الشعراء أي شيء يخدش حياأهم, ينتجون أدبهم حين يمتد الحزن بداخلهم وإلى عوالمهم الجوانية وذلك بخلاف الشخصية الروائية.
الشخصية الروائية شخصية مبعثرة منتشرة هنا وهناك ويحب الروائيون أن يعانقوا الناس في الشوارع وأن يجلسوا مع الكبير والصغير , وأن يشاركوا الناس أفراحهم وأحزانهم , كاتب الرواية يحبُ أن يعيش مع العامل البسيط ومع الوزير ومع الباشوات ومع الفلاحين , الشخصية الروائية تحب رؤية الشارع والناس , وتحب أن تلامس السطح ولا تحب الخوض في الداخل , الشخصية الروائية شخصية مهتمة بمنظرها الخارجي وتحبذ أن تعرف كيف تسير الحياة العامة , وتحبُ أن ترى نبضات قلبها في قلوب الناس .
الشخصية الروائية تستمد أبطال رواياتها مما تشاهده بين الناس , فحتى يكتب الروائي عن العامل لا بد وأن يشاهد أولاً كيف يعيش العامل حياته اليومية , كيف يأكل؟وكيف يشرب ؟وكيف يلبس ؟, وكيف يدبر يومه ؟ وكيف يتعامل مع طبقات المجتمع ومن هم أصدقاء العامل والفلاح.
الشخصية الروائية شخصية مندفعة إلى الشارع , وإلى الناس , وتجد كاتب الرواية في المنطقة التي يسكن بها وكأنه محلل فني إجتماعي , ويرفض الجلوس في المنزل كثيراً ولا يحب الوحدة , ولا يحب الإنطواء على نفسه , وأهم شيء في حياة الروائي هو أن يشاهد الناس كل يوم أكثر من أربعين مرة , ذلك أن الشخصية الروائية تستمد نتاجها الأدبي من حياة الناس, بعكس الشاعر الذي يستمد نتاجها الأدبي من حياته الجوانية , فالشاعر يرى العالم من خلال منظاره الداخلي ,وأهم شيء في شخصية الروائي أن يعانق بواب العمارة ويناقش مهندس العمارة وأن يرافق إبن الجيران إلى السينما أو إلى حضور حفلة أو الذهاب في رحلة , بعكس الشاعر الذي أحبُُّ وأهم ما عنده هو تجاوز الناس وعدم الجلوس مع بواب العمارة والإختصار في النقاش والكلام مع صاحب السوبرماركت التي تقع أسفل العمارة ,
الشخصية الروائية هي شخصية نجيب محفوظ والشخصية الشاعرية هي شخصية أحمد شوقي , رغم أن هنالك فارق كبير بين....و حافظ إبراهيم الذي كان شاعراً شعبياً تقليدياً لمفهوم الشعبية , فلم يكن شعبياً في اللغة , فلقد كان بلغته برجوازيأ , والمهم أنه كان يستوحي نتاجه الأدبي من رؤية الناس ومعرفة حياتهم الواقعية,لذلك جاء خياله الشاعري مشوهاً وناقصاً بعكس شوقي الذي كان خياله جامحاً.
وإن الواقعية الجديدة أو واقعية ما بعد الواقعية الجديدة أعطت للرواية صفة الشاعرية , فأصبحت كتابة الرواية اليوم تجسيد لرؤية الروائي للحياة العامة كما يراها هو , وليست كما تحدث في الخارج , أصبح الروائي شاعر , وتقاربوا في مقاعدهم , فالواقعية الجديدة التي إنتشرت في الخمسينات وإخترقت السينما في السبعينيات والثمانينيات , لم تعد اليوم موجودة , إنها تلاشت مع نهاية فلم باب الحديد ليوسف شاهين ومع فلم اتلبداية لعلي بدرخان , إن الواقعية الجديدة اليوم ليست هي الواقعية التي كانت منذ زمن بل أصبحت عبارة عن رؤية العالم الخارج من منظار الروائي الداخلي تتداخل بها عناصر اليوتوبيا والخيال والفنتازيا, كأن يولد بطل الرواية من رحم حنظلة ويعود بنهاية الرواية إلى رحم حنظلة كما هي الرواية في رواية هاشم غرايبه .
#جهاد_علاونه (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟