أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عزيز باكوش - الأعمى الذي يبصر














المزيد.....

الأعمى الذي يبصر


عزيز باكوش
إعلامي من المغرب

(Bakouch Azziz)


الحوار المتمدن-العدد: 2278 - 2008 / 5 / 11 - 07:52
المحور: الادب والفن
    


يلامس حافة الطوار الأحمر والأبيض وهو يتمتم بصلاة ، يرج بعصاه البيضاء المفككة برفق رغام الأرض الأصفر المتشقق ،ورأسه في السماء، يتحسس ذاته المشطورة على نحو قلق ، يبحث عن أشياء تعيق خطواته المترددة الواثقة فلا يجدها ، تنزلق قدمه فجأة ، تطأ فراغا ، يجنح به جهة مجهولة ، رصيف عبور الدراجات وحده يسنده، ينحرف يمينا ، ثم الى زاوية 180 درجة ، يقطع الممر المحاذي لمبنى مولد الكهرباء المنطقة في حذر ، ينعطف شمالا ، ثم يستعجل الارتماء في ثقة الى الرصيف الآخر ، كل مرة تنزلق خطاه يعيد فيها نظارته السوداء الى موقع متقدم من أرنبة انفه ، حين يدفع بجسده الضامر حد المنعطف الأول من شارع المدينة الرئيس ، تفجعه أبواق السيارات وتفرغ أحشاءه بكسل ، فلا يكترث ، فقط يتحسس بقلبه ما يمور به الشارع ، وببديهته يقود روحه الهامدة المسكونة بعناد وسط عربات مخبولة ، وأجساد مسطولة تبحث لنفسها عن موطئ قدم وسط بحر من صخب بلا ضفاف.
اللحظة ، لا شي ء يربطه بالأرض سوى قدميه. قبل أسابيع قرر مجلس المدينة تهيئ الممرات وتوسيعها من غير تثبيت علامات تنظم السير والجولان للمبصرين، بله، غير المبصرين .
وتبعا لذلك ، ظلت الخطوات العشر التي تفصله عن هدفه المنشود محفوفة بالمخاطر ، فعمليات الحفر والردم متواصلة ، في ارتجال مقصود ، مما حول الممشى المحسوب بدقة الى معسكر تدريب بالذخيرة الحية. يتوقف لحظة ، يأخذ نفسا ، الشارع حمام تغتسل بطقسه الكائنات المزحومة افتراضيا. تصدمه عربة بائع خضراوات ، يلتفت الى مصدر الصدمة متضايقا ، يسمع كلاما مألوفا، الله يلعن الأعمى الذي أنجبه...... تربيته وأصوله، حتما، لا يكترث .
ارتفعت حرارة جسمه ، وغلى الدم الإنساني في عروقه، وتوجه ناحية الصوت ، منقبض الأسارير. وبسخاء ، منح مهلة للصمت كي ينوب عنه في ما يعتمل داخله.
المسافة بينه وبين هدفه بدأت تتحدد، منذ 14 سنة مرت ، وهو يرفع عينيه كي لا يرى شيئا من ألوانه وخطوطه وصوره الجميلة الفاتنة ، فقط يأتي كي يسمع رجولته تتمرغ في تراب، وإنسانيته في وحل وطين . الأصوات والضوضاء والصدمات تتكالب على حسه المتهالك المرهف ، تتواطأ ، تتآمر ، يقترب شيئا فشيئا من هدفه ، الذي أدمنه كل صباح ، هدف بات أمره اليومي ، وشغله الذي لا يعترف بالأيام دون حدوثه ، وبعينين مفتوحتين على نفق عميق يحدج ، ويكبر توقه ، تجتمع في أحاسيسه كل الكائنات، فجأة ، تحيق به لحظة للهرب ، الى أي مكان ، يركض حيث هو ، ينتفض، يتحسس أشياءه ، وأشلاءه ، صدمة ثم صرخة ، وسيارة إسعاف . لكن نغما رتيبا ينبعث من ساعته التي يتحسس ميناءها الناتئ كصخر محيط هامشي. آه الوقت يزحف ، والهدف بات على مرمى حجر.
الآن يقف قبالة الهدف ، يحدق فيه بعينين بلا أهداب وبلا صور ، كما دأب مذ وقعت الواقعة ، يحاول أن يعثر للأشياء على لون فلا يستطيع ، كل الأشياء والأصوات والأحداث والوقائع لها طعم واحد ، صخب وصخب.
كان نحيفا كريشة في مهب ريح ، ونظيفا كحمامة وديعة ، صوته اختنق بفعل الصراخ الدائر من حوله ، "شوف قدامك".. ابتعد وإلا كسرت عظامك " أنت أيها الأبله".. ،" أيها الأعمى.".. لا يكترث، يفولذ أذنيه المتدليتان نحو المدى ، تصعد ثورة من الأعماق داخله تلعن نظام العالم بفوضاه . فيكتمها . عاد يمضغ حسراته من غير أن يذكر تفاصيل الماضي ، حين كان يقصد الهدف ولا يستغرقه سوى خمس دقائق ، ثم يشفي غليله ، ويعود بسرعة البرق ، الآن يتذكر كان طفلا وكان مشاغبا ، لكن سائقا متهورا كان الأعمى .
أحب الجريدة التي علمته كيف يرضى بالقهر ويسميه سترا وواقعية. وتمسك بقراءة صفحاتها من الافتتاحية حتى الأخيرة . وحين ينتهي من قراءتها يسلمها الى رفيقه في النضال.
تأمل المشهد من جديد أمامه ، مآت العناوين الملونة ، عشرات الصور ذات الجودة العالية ... مسح عينيه من دموع لم تسقط أبدا ، وقال لصاحبه: جئت متأخرا ..أليس كذلك ؟ لا باس يا أستاذ ..رد صاحب الكشك.
ثم ترجل عتبة الكشك، وبعد أن اقتعد كرسيا من اللدائن . شرع الكشكي يقرا عناوين صحف الصباح المحلية والعربية ، الواحدة تلو الأخرى ، فيما جفناه مرتبكتان مفتوحتان على ظلام اصطناعي لا ينتهي .

قبل أن يغادر الهدف ، كانت ذاكرته لا تتسع ، وقد رشفت من بئر الكلام كمية كبيرة ، انتابته شكوك وأحاطت به هواجس ، وهو الذي لا يرى ويعرف ، ونادى على صديقه الكتبي ليهمس في أذنه : لا شيء جديد إذن صديقي ، عناوين الصحف كلها باتت متشابهة .

عزيز باكوش



#عزيز_باكوش (هاشتاغ)       Bakouch__Azziz#          



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فاس /المغرب نيابة مولاي يعقوب تنظم ملتقى إقليميا تناقش فيه ت ...
- جميعا من اجل الانسانية
- عناوين الصحف متشابهة
- 43 ألف نسخة ل :500 مليون عربي في القارات الست بمعدل نسخة لكل ...
- إعلامنا متخلف أم افتراءات الإعلام الغربي ؟؟
- لا أرخص من أن تكون صحفيا
- المدرسة المغربية :انجازات حقيقية واختلالات ما تزال قائمة
- الإعلام العربي ..تلك الصورة النمطية
- تقرير في تسع كلمات لاحتلال الشرق العربي
- الأمريكي لا يبكي على شاشة التلفزة.. لماذا؟
- عاهات الكترونية2/12
- تبرع للموقع ..
- الشاعر المغربي بوجمعة العوفي يطرز البياض الذي يليق بسوزان
- حوار مع الدكتور الحبيب ناصيري باحث في الخطابات الفنية حول ال ...
- لغة شعرية راقية معتمدة في الدورة الخامسة من المسابقة الشعرية ...
- عاهات الكترونية..1/12
- الكاميرا المُواطِنة متسع لحفز السلوك المدني
- -الكفايات التواصلية اللغة وتقنيات التعبير والتواصل-
- ليل الغربة – جديد الشاعر والزجال المغربي محمد اجنياح
- حتى لا يكرر العرب أخطاءهم التاريخية


المزيد.....




- مبادرة جديدة لهيئة الأفلام السعودية
- صورة طفل فلسطيني بترت ذراعاه تفوز بجائزة وورلد برس فوتو
- موجة من الغضب والانتقادات بعد قرار فصل سلاف فواخرجي من نقابة ...
- فيلم -فانون- :هل قاطعته دور السينما لأنه يتناول الاستعمار ال ...
- فصل سلاف فواخرجي من نقابة فناني سوريا
- -بيت مال القدس- تقارب موضوع ترسيخ المعرفة بعناصر الثقافة الم ...
- الكوميدي الأميركي نيت بارغاتزي يقدم حفل توزيع جوائز إيمي
- نقابة الفنانين السوريين تشطب سلاف فواخرجي بسبب بشار الاسد!! ...
- -قصص تروى وتروى-.. مهرجان -أفلام السعودية- بدورته الـ11
- مناظرة افتراضية تكشف ما يحرّك حياتنا... الطباعة أم GPS؟


المزيد.....

- فرحات افتخار الدين: سياسة الجسد: الديناميكيات الأنثوية في مج ... / محمد نجيب السعد
- أوراق عائلة عراقية / عقيل الخضري
- إعدام عبد الله عاشور / عقيل الخضري
- عشاء حمص الأخير / د. خالد زغريت
- أحلام تانيا / ترجمة إحسان الملائكة
- تحت الركام / الشهبي أحمد
- رواية: -النباتية-. لهان كانغ - الفصل الأول - ت: من اليابانية ... / أكد الجبوري
- نحبّكِ يا نعيمة: (شهادات إنسانيّة وإبداعيّة بأقلام مَنْ عاصر ... / د. سناء الشعلان
- أدركها النسيان / سناء شعلان
- مختارات من الشعر العربي المعاصر كتاب كامل / كاظم حسن سعيد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عزيز باكوش - الأعمى الذي يبصر