نصر القوصى
الحوار المتمدن-العدد: 2159 - 2008 / 1 / 13 - 05:17
المحور:
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان
أرسل لى صديقى المفكر القبطى نشأت عدلى مقالة غاية فى الروعة تحكى تفاصيل الزمن الجميل بين مسلمى ومسيحى مصر والذى تغير دون أن نعرف الأسباب ونظرا لجمال هذه المقالة ارسلها لكم للنشر حيث أكد نشأت فى بداية مقالته قصة شادية وحوادث قرية الشغب ومدينة إسنا وما قبلها (اسكندرية وقرية مها ) قصص غـريبة السيناريو ذات ردود أفعال عنيفة ولا تتناسب مع القرن الواحد والعشرين ، وليست القصص ذاتها هى المؤلمة ولكن المؤلم فيها هو موقف مجتمع ملتهب نحو الأخر وشديد الحساسية ، ليس فى القضايا العامة فحسب بل حتى فى الخلافات العادية التى تُهدر فيها كل الحقوق والقوانين الأنسانية ، إن الأعراف القبلية التى عاشها أبائنا وأجدادنا ، كان الحب والعدل أساس أحكامهما ، أمّا الأن ، أين العدل الذى تستند عليه الأحكام ضد الآخر؟ !! هل هو حبس المجنى علية وترك الجانى ؟ !! ، لقد كان الحب الصادق والإنتماء هما القوة المحركة لكل إنفعالاتنا تجاه كل مايحدث لبلادنا أو أسُرّنا وجيراننا وحتى لمشاكلنا الخاصة ، أما الأن التعصب الأعمى هو المحرك الوحيد للتشنجات المدمرة التى نراها والإحتكاكات المقصودة التى نعيشها ، وقد تحدث فى أى ّ لحظة ، وأمام أصغر مشكلة عادية !! ، لقد عشنا الإنتماء كحياة داخلنا المعايشة الحقيقية للوطن وللعلاقات الأنسانية ، إنتماء للأسرة ، وإنتماء لكل الذين نعيش بينهم ، فكان الإنتماء والحب هما الأساس الصادق لكل علاقاتنا وتصرفاتنا ،أما الآن إذا سألت أحداث السن عن معنى الإنتماء ؟ولمن يكون ؟ صدقونى ستجدوا إجابات فلسفية ولكن دون معنى ، لأننا أولا ُ قد تناسينا هذا الإنتماء أو قل سقط من ذاكرتنا وثانيا أبنائنا لم يشعروا به أو أحسوا به ، بل فقدوه من مهدهم بفقدنا له ، ولن يعرفوا معناه الحقيقى إذا سألناهم !!.. لماذا ؟؟ لأن كل الأحداث التى عاشوها وشاركوا فيها تؤكد لهم عدم الإنتماء ، مثل عدم الإحترام للمواطن وعدم إحترام مشاعـره وإهانات رجال الأمن وحبس المظلومين وترك الجناة ..الخ ، هذا أدى إلى عدم إهتمامهم أو معرفتهم بمعنى الإنتماء أو الإحساس به كشعور بديهى داخلهم هذا بالإضافة لمشاهدتهم إلى فرق التعامل المواطن الغربى فى بلده وبلادنا وتعاملهم المشين والتفرقة الواضحة مع أبناء البلد كل هذا أدى إلى فقد الإنتماء لمعناه الحقيقى لديهم ، بالإضافة إن مدارسهم لم تعلمهم الإنتماء للأسرة الكبيرة بل زرعـوا فى نفوسهم التمّيُز بينهم وبين الآخر وأن الإنتماء للدين فقط ولا شيئ أخر، وأبنائنا أيضا لم يشعروا بحرص الأسرة الكبيرة عليهم أو الإهتمام بمستقبلهم لينتموا بعشق لها مثل - النظام التعليمى المتخبط والكثير الحركة – عدم ضمان مستقبل الخريجين والبطالة – الحركة السريعة للأسعار وإزديادها الجنونى فى السلع ورسوم المدارس والجامعات وعدم ملاحقة الدخل لهذه الزيادة وأشياء أخرى كثيرة ، كل هذه جعلت أبنائنا متمردين على مبادئنا التى عشناها ونعيشها بل فى بعض الأحيان ساخرين من أقوالنا عن حب الوطن والإنتماء له وعن المحبة والعلاقات الأصيلة لزماننا الذى مضى للأبد ، فعلاقاتنا لازالت قائمة للآن على المحبة وحسن الجوار والمعاملة ، لم تكن قائمة على أساس المصلحة ولكنها على أساس الأصالة والصدق فى المشاعر، لم نكن نعرف ديانة هذا أو ملة ذاك لكننا نعرف أن هذا إنسان ذو خُلق حسن ، فكنا نعامله ونتعامل معه ، أما الآن وقبل أى تعامل مع أى إنسان تجد سؤلا ظاهرة مهذب أنت بتصلى يوم الجمعة أو الأحد وبناءً على الإجابة يبدأ الحديث أو لا يبدأ أو ربما يبدأه بخباثة وتشكيك..
كانت الوظائف لكل فرد ذو كفائة ، تعتمد على الأمانة أو المؤهل الحاصل عليه ، أما الأن فلا وظائف تعتمد على الكفائة أو الأمانة أو حتى الخبرة وأصبحت تعتمد على أشياء أخرى لم نكن نعرفها أو حتى نفكر بها...
منازلنا كانت متلاصقة ، كذلك نحن وجيراننا وأصدقائنا أكتافنا متلاصقة لنحتمى ببعضنا ونتقى من الشرور وتدفئنا محبة القلوب ، (الفطار عند أم محمد والغدا عندك يأم مرقس والعشاء كلنا مع بعض نتلم فى الحوش شيماء وأم سعيد وراحيل ومريم ) ، أمّا اليوم ذهبت شيماء وراحيل وتفككت الجدار والأكتاف المتلاصقة تباعدت كما لو كانت خجلى من تصرفاتنا ، وأصبحَ لكل أحد جداره المنفصل، وكلٌ يأكلُ بمفردة..
كانت المشاعر ملتهبة حبا ولهفة على أخبار الكل بصدق ،( فلانة عيانة انتى تروحى النهاردة الصبح، وأنا العصر، وانتى بكرة ،وأنا حأجهز الغدا لعيالها ، وانتى عليكى العشا) ، حب صادق دون غش ورياء، حب للحب فقط ، أما الأن فالمشاعر ملتهبة ولكن ليست حبا أو تعاونا ولكنها ملتهبة حقدا وكراهية وكلٌ يترصد لكل ويتصيد الأخطاء للقريب والبعيد ، وآه لمن يقع تحت يده ، وتزيفت المشاعر خداعا ..
عندما كنا نسافر للمصيف نرى الجيران حولنا (دى تستف الشنط ودى تخيّط السّبْت اللى فية العيش وواحد يجيب قفة مملؤة من خيرات ربنا) وبإصرار شديد يوصلونا لمحطة القطار ودموع الوداع الحارقة تنهار فى صدق ، ومليون توصية بعدم الغياب كثيرا وإرسال الخطابات للإطمئنان لذا كنا نتلهف كثيرا للعودة إلى الديار التى بها كل أحبائنا بحب واشتياق ، أما الأن نهاجر إلى أبعد البلاد ولا نجد حتى مانسميهم أصدقاء يأتوا حتى للسلام أو الوداع وربما يكون الأخير....
إذا جاءت وظيفة لأحد ما فى المدن كالقاهرة أو بنى سويف تجد الكل يحوط بك بحنان وإشفاق صادق وعجيب ويحاولوا أن يثنوك عن هذا العمل حتى لاتفترق الأحباب ، وإيه ياولدى اللى يغربك عن بلدك وحبايبك، خليك معانا محدش بيموت من الجوع ، وتيجى العشية كلها متعشية ، ولقمة هنية تكفى ميه ، تسمعها بكل الصدق والحب والحنان، وتجد هذا يدس فى الخفاء ليدك جنيهات قليلة وتجد نفسك مُحاط بحنان يكاد يثنيك عما اعتزمت علية من سفر ، واليوم نحن الذين نشجع أبنائنا وبناتنا على السفر ليس داخل البلاد بل خارجها هربا من مشاعر اندثرت ومن أحقاد قد تؤدى إلى فقد الحياة نفسها ومن مجاعة أسعار فى تزايد مرعب دقت الأبواب ...
لقد كانت أبواب منازلنا دائما مفتوحة لا تُغلق أبدا ، وكان ابنائنا مع أبناء جيراننا دائما ، أنام وانا مطمئن إن حسين مع مريم بنتى يذاكر لها ويشرح لها الدروس الصعبة - عشان مافيش دروس خصوصية فى تلك الأيام – يعدى عليها الصبح بدرى تروح معاه المدرسة لأنها صغيرة ولسه مش عارفة المكان ، يقعد حسين وأحمد ومرقس يتغدوا مع بعض وأبواب منازلنا مفتوحة عشان يدخل هوا ربنا النظيف داخل رئتينا فيقذف مابها من غبار الأفكار الخبيثة، مش خايفين لكن بالعكس مطمنين واحنا ملمومين ، كانت الطبلية تجمعنا والشاى يجمعنا ، المذاكرة والنجاح وحتى الفشل كان يجمعنا ، كل الأحداث كانت تجمعنا ، لو بنتى أو ولدى أتأخروا عن ميعاد حضورهم للمنزل البلد كلها تتقلب وتدور لغاية ما تجمعهم ، وتجمعنا معاهم ، فى الأفراح والأتراح كنا ملتصقين متحابين ، كانت أكتافنا مُلتصقة بأكتاف أصدقائنا وجيراننا فنقى أنفسنا من لفحات الشر والدسيسه ، نحتمى ببعضنا وندافع عن بعضنا ، لكنة أتى الزمن التى قُفلت فيه أبوابنا ، وتباعدت أكتافنا ، ونجحوا فى تفرقة (لمّتنا) وتجمُعنا ،حتى بناتنا أصبح يلذ لهم خطفها ، إعتقدوا أنه بذلك يرضون الله والدين، وهم لا يدرون أن هذا ضد الدين ، لأن كل مايؤذى الإنسان أو يضرة ضد الدين ، لأن الدين جاء لإسعاد الإنسان والحفاظ على كرامتة ، وبهذه الأفعال أغلقوا الأبواب ، أبواب المحبة والخير ، أبواب الوفاء والعشرة الطيبة ، وتفتحت أبواب أخرى ولكنها للشر والغدر والتربص للوقيعة واستبدلت النسمة الجميلة برياح مسمومة إمتلئت بها الأمخاخ والنفوس ...
أين نحن اليوم ياسادة من هذا الأمس القريب ؟ ان الشعب هوهو ، من الذى تغير ؟ ومن الذى غيرنا ؟هل أهالينا لم يعرفوا الله مثلما تعرفونه اليوم ؟ هل لم تكن لديهم ثقافة أو معرفة دينية مثل التى لديكم اليوم ؟ أم أن التطرف والتعصب الأعمى أصبح هو المعرفة الحقيقية وهو الذى يبنى الدول ويؤسس السياسات ؟ إننا لا نتعامل بديانتنا ولكن بأخلاقنا وتربيتنا ومعاملاتنا ،اننا نعمل على حسب كفائتنا ليس على حسب مذاهبنا...
إننا نعيش مع الناس وبينهم ونتعامل معه ومع كل تعامل تكون هناك خلافات، ولكن كيف نتعامل مع هذه الخلافات ؟؟ هذا هو الفرق بين زماننا وهذا الزمان الكئيب الذى يقف فيه كلٌ للآخر ..
#نصر_القوصى (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟