الهوية بين مركزية الكلمة ومركزية الفعل
كمال غبريال
الحوار المتمدن
-
العدد: 8849 - 2026 / 10 / 5 - 10:12
المحور:
قضايا ثقافية
ليست مشكلة الهوية في أن الإنسان يحتاج إلى الانتماء، بل تبدأ في اللحظة التي يتحول فيها الانتماء من وصف تاريخي للإنسان إلى جوهر متعالٍ يُفرض عليه.
وهنا تتصل إشكالية الهوية بإشكالية أعمق:
من يملك الأولوية: الفكرة أم الواقع؟ الكلمة أم الفعل؟
إذا كانت «مركزية الكلمة» تفترض أن الفكر يستطيع أن يسبق الواقع ويحدد صورته، فإن «مركزية الفعل» تنطلق من أن الإنسان لا يعرف العالم إلا من خلال علاقته الفعلية به؛ يلاحظ، ويجرب، ويستخلص المفاهيم، ثم يعيد إدخالها في الواقع، فتأتي النتائج لتختبر المفاهيم من جديد:
واقع ⬅ فعل ⬅ خبرة ⬅ مفهوم ⬅ فعل جديد ⬅ نتيجة ⬅ نقد ⬅ إعادة بناء.
وهذه ليست مجرد آلية للمعرفة العلمية؛ إنها صورة عامة للصيرورة الحضارية حين يصبح الواقع مصدرًا دائمًا لتصحيح الفكر.
أما حين تنقلب العلاقة، فيصبح لدينا مفهوم سابق على الواقع، ثم يصبح الواقع مطالبًا بالتطابق معه. وعندما يفشل التطبيق، لا تعود الفكرة موضع السؤال، بل يصبح الواقع نفسه هو المتهم.
وهنا تبدأ الدوجما.
أولًا: الهوية الأصولية — جوهر الماضي
الهوية الأصولية هي الصورة الأكثر وضوحًا لمركزية الكلمة.
إنها تفترض أن للجماعة ماهية ثابتة، وأن هذه الماهية تكمن في ماضيها، وأن الحاضر لا يكون أصيلًا إلا بقدر اقترابه منها. ولهذا فالسؤال المركزي عندها ليس:
ماذا يمكن أن نصبح؟
بل: ماذا كنا؟
ويعود هذا التصور، في خلفيته الفلسفية، إلى تقليد أوسع في الفكر الغربي، جعل مفهوم الجوهر أساسًا لفهم الأشياء. ففي ميتافيزيقا أرسطو، مثلًا، ترتبط ماهية الشيء بما يجعله ما هو عليه، وتميز فلسفته بين التغيرات العرضية والتغيرات التي تمس الهوية الجوهرية.
لكن نقل مفهوم الجوهر من الأشياء إلى الجماعات التاريخية يفتح مشكلة مختلفة تمامًا.
فالجماعة البشرية ليست نوعًا طبيعيًا ثابتًا؛ إنها تاريخ.
وهنا يصبح السؤال:
أي لحظة من التاريخ تمثل جوهر الجماعة؟
فالتاريخ لا يقدم لنا هوية واحدة نقية، بل يقدم طبقات من التحولات والتفاعلات والاقتباسات والصراعات وإعادة التكوين. وهذا ما يجعل البحث عن «الأصل النقي» عملية انتقائية بالضرورة.
وقد ساهم هيردر، في سياق مختلف وأكثر تعقيدًا مما يسمح به الاختزال، في بلورة فهم للهوية القومية والثقافية يربط الشعوب باللغة والثقافة والتاريخ الخاص. لكنه لم يدعُ ببساطة إلى عزل الشعوب أو تجميدها؛ بل أكد أيضًا التطور الثقافي والتبادل بين اللغات والثقافات والتعاون بين الأمم.
وهنا تظهر نقطة مهمة:
الهوية الثقافية لا تصبح أصولية لمجرد أنها تعترف بالتاريخ؛ تصبح أصولية عندما تحول التاريخ إلى جوهر مغلق. فعندئذ يتحول التراث من مادة للوعي إلى سلطة على الوعي. والاختلاف لا يعود اختلافًا في الرأي، بل اختلافًا في الشرعية:
أنت لا تختلف معي في تفسير الحقيقة، بل أصبحت خارج الحقيقة التي أمتلكها.
ومن هنا تتحول الهوية إلى معيار للقبول والإقصاء.
وكلما ازدادت قداسة الهوية، تقلصت مساحة التسامح؛ لأن التسامح يفترض أن الآخر يستطيع أن يكون مختلفًا دون أن يكون فاقدًا لقيمته الإنسانية.
وهكذا يمكن أن تنزلق الهوية الأصولية من الانتماء إلى التعصب، ومن التعصب إلى احتكار الحقيقة، ومن احتكار الحقيقة إلى إقصاء الآخر.
المشكلة إذن ليست في أن يكون للإنسان ماضٍ، بل في أن يصبح الماضي مالكًا للإنسان.
ثانيًا: الهوية الجدلية المثالية — جوهر المستقبل
يبدو أن الفكر الجدلي يتجاوز المأزق الأصولي لأنه لا يبحث عن جوهر الهوية في الماضي. لكنه قد ينقل المشكلة من مكان إلى آخر.
فبدل أن يكون السؤال: ماذا كنا؟
يصبح: ماذا سنصبح؟
وهنا يمثل هيجل لحظة فلسفية حاسمة.
فالهوية عنده لا تُفهم كشيء ساكن، بل داخل حركة تاريخية تتشكل من خلال التناقض والتجاوز. والتاريخ، في فلسفته، ليس مجرد تعاقب عشوائي للأحداث، بل عملية يمكن فهمها بوصفها تطورًا نحو تحقق الحرية والوعي بالحرية.
وهذا يمنح الهوية معنى أكثر ديناميكية من الهوية الأصولية. لم يعد الجوهر وراءنا. إنه أمامنا. إنه هناك في مستقبل مثالي نسعى إليه.
لكن هنا تظهر المشكلة من جديد:
إذا أصبح هناك مستقبل مثالي نتجه إليه، فأن هذا المستقبل نفسه سيصبح معيارًا مطلقًا للحاضر، والحاضر يُدان لأنه لم يصل بعد إلى الصورة التي يفترض أن يصل إليها.
في الأصولية: الماضي يحاكم الحاضر.
وفي الجدلية المثالية (الغائية): المستقبل يحاكم الحاضر.
وفي الحالتين يوجد معيار يتجاوز الواقع العيني ويطالبه بالتطابق معه.
ومن هنا يمكن أن تتحول فلسفة التاريخ إلى أيديولوجيا للتاريخ: حزب أو طبقة أو دولة تدعي أنها تعرف اتجاه التاريخ، فتقدم نفسها باعتبارها ممثلة للمستقبل. كما في المادية الجدلية الماركسية.
وعندما يحدث ذلك يصبح الاختلاف معها، لا مجرد اختلاف سياسي، بل اعتراضًا على «منطق التاريخ».
وهنا يكمن الخطر الفلسفي في تحويل الضرورة التاريخية إلى شرعية سياسية.
تبدو هذه الصيرورة جدل هيجلي. لكن من المهم ألا نختزل هيجل في هذا النقد وحده. ففلسفته أكثر تعقيدًا من مجرد القول بأن التاريخ يسير آليًا نحو نهاية معلومة؛ وهو يرى أن تطور الحرية يتم من خلال أشكال اجتماعية وتاريخية فعلية، لا بمجرد أحلام ذاتية.
غير أن ما يهمنا هنا هو البنية التي تكشفها هذه القراءة:
حين يصبح للتاريخ معنى نهائي مفروض عليه، يمكن أن يتحول الإنسان من صانع للتاريخ إلى منفذ لمنطق يُقال إن التاريخ نفسه قد قرره.
وهنا تصبح «مركزية الكلمة» أكثر خطورة لأنها لم تعد محافظة فقط؛ بل تستطيع أن تصبح ثورية.
ثالثًا: من هيجل إلى ماركس — حين تنتقل الكلمة إلى المادة
يمثل ماركس محاولة كبرى لقلب المثالية الهيجلية وتحويل تفسير التاريخ إلى أساس مادي واجتماعي.
وهذا تطور مهم؛ لأنه يعيد الإنسان إلى شروطه المادية، والعمل، والإنتاج، والعلاقات الاجتماعية.
لكن الإشكال يبدأ عندما تتحول القراءة المادية للتاريخ نفسها إلى قانون كلي ضروري يحدد مسبقًا اتجاه الصيرورة التاريخية.
هنا يصبح السؤال: هل نحن نكتشف علاقات فعلية في التاريخ، أم نستخرج من التاريخ نموذجًا نظريًا ثم نعيد تفسير التاريخ كله وفقه؟
وهذا هو الحد الفاصل بين النظرية بوصفها أداة لفهم الواقع والنظرية بوصفها قالبًا يُجبر الواقع على الدخول فيه.
فحين تصبح النظرية غير قابلة للتكذيب بنتائج الواقع، تتحول من أداة تفسير إلى عقيدة.
وهنا يعود شبح «مركزية الكلمة» حتى عندما ترتدي الكلمة ثوب المادية.
رابعًا: الهوية الوجودية — سقوط الجوهر
مع الوجودية تنقلب المسألة من أساسها.
لا يبدأ الإنسان، عند سارتر، بجوهر مكتمل ثم يأتي وجوده لكي يحققه؛ بل يوجد أولًا، ثم تتشكل ماهيته من خلال اختياراته ومشروعاته. وهذا هو المعنى الأساسي لعبارة: الوجود يسبق الماهية.
فالإنسان ليس شيئًا مكتمل التعريف قبل أن يعيش.
إنه كائن يصنع نفسه داخل وجوده.
وتؤكد الأدبيات الفلسفية حول الوجودية أن الإنسان عند سارتر ليس حرًا بمعنى القدرة على فعل أي شيء بلا قيود، (وإلا كنا نعود هكذا للمثالية)، بل هو حر داخل وضع واقعي أو «واقعية معطاة» لا يختارها بالكامل. الحرية هي طريقة تعامله مع هذه المعطيات، وتحويلها إلى مشروع وفعل.
وهنا يحدث التحول الحاسم:
لم تعد الهوية شيئًا أبحث عنه في الماضي.
ولا شيئًا أكتشفه أو أحدده لنفسي في المستقبل.
بل شيئًا أصنعه في وجودي.
فالإنسان ليس «ماهيته» فقط، وإنما ما يفعله بهذه الماهية التي لم تكتمل بعد.
وهنا تلتقي الوجودية مع «مركزية الفعل» من زاوية عميقة:
ما يثبت الإنسان ليس ما يقوله عن نفسه، بل ما يفعله.
لكن الوجودية لا تعني أن الإنسان يستطيع أن يخترع نفسه من العدم.
فالإنسان مولود في جسد لم يختره، ولغة لم يخترها، وتاريخ لم يختره، ومجتمع لم يختر شروطه الأولى.
إنه لا يختار نقطة البداية، ولا يحدد بحزم محطة وصول، لكنه يشارك في تحديد المسار.
وهذا هو معنى الحرية الوجودية في صورتها الأكثر دقة:
ليست حرية خارج العالم، بل حرية داخل العالم.
خامسًا: هايدجر — الهوية بوصفها أصالة في الوجود
وهنا يضيف هايدجر بعدًا آخر.
فالإنسان ليس ذاتًا منعزلة تقف خارج العالم ثم تختار علاقتها به؛ إنه موجود أصلًا في-العالم.
ولهذا تصبح الأصالة عنده ليست اختراع شخصية منفصلة عن الآخرين، بل استعادة علاقة أكثر أصالة بوجودنا، بدل الذوبان في ما يسميه عالم الـ«هم»؛ أي الحياة وفق ما يفعله الناس وما يتوقعه المجتمع.
وهذا مهم بالنسبة إلى مفهوم الهوية.
فالهوية الأصيلة ليست بالضرورة العودة إلى أصل جماعي قديم، وإنما يمكن أن تكون تحرير الوجود الفردي من الاستسلام الأعمى لما هو سائد.
وهنا تلتقي الأصالة الوجودية مع نقد الهوية الأصولية:
الأولى تسأل: هل أعيش وجودي؟
بينما الثانية تسأل: هل أكرر ما ورثته؟
وهما ليسا السؤال نفسه.
سادسًا: نيتشه — الهوية كصيرورة وخلق للذات
يذهب نيتشه أبعد من ذلك في تفكيك فكرة الذات الثابتة. فالذات، في بعض القراءات المؤثرة لفلسفته، ليست شيئًا جاهزًا نعثر عليه، بل شيئًا يُنجز ويُشكَّل. ولذلك يرتبط مشروعه بفكرة صناعة الذات وخلق القيم وإعطاء الحياة أسلوبًا.
ومن هنا تصبح الأصالة نقيضًا للتقليد.
ليست الأصالة أن أكون مثل أجدادي، بل أن أمتلك القدرة على أن أكون أنا في علاقتي الفعلية بالعالم.
ولهذا يلتقي نيتشه مع أطروحتنا في نقطة جوهرية:
الهوية ليست كنزًا مدفونًا نكتشفه؛ إنها عمل نقوم به.
لكن نيتشه يضيف شيئًا مهمًا: الإنسان لا يكتفي بتكييف نفسه مع العالم، بل يستطيع أن يشارك في إعادة تقييم القيم التي يعيش بها.
وهنا تبلغ مركزية الفعل مستوى أعمق:
الفعل ليس مجرد تنفيذ لفكرة؛ قد يكون الفعل نفسه مصدرًا لقيمة جديدة.
سابعًا: الحرية والمسؤولية — ماذا يبقى بعد سقوط الجوهر؟
لكن سقوط الجوهر يطرح سؤالًا خطيرًا:
إذا لم توجد هوية ثابتة ولا قاعدة أخلاقية مطلقة، فما الذي يمنع الفوضى؟
الجواب الوجودي ليس العودة إلى الجوهر، وإنما المسؤولية.
أنا حر لأنني أختار.
وأنا مسؤول لأن اختياري يحدث في عالم حقيقي ويؤثر في الآخرين.
ولهذا فإن الحرية ليست انفلاتًا من الواقع، بل تحملًا لعواقب الفعل.
وتؤكد الوجودية، في صيغها الأساسية، أن الحرية والمسؤولية متلازمتان، وأن غياب الضمان الأخلاقي المطلق لا يعني بالضرورة العدمية؛ بل يحمّل الإنسان عبء الاعتراف بحريته ومسؤوليته عن اختياراته.
وهنا تصبح المفارقة واضحة:
القانون الأخلاقي الجاهز قد يمنح الإنسان راحة الطاعة، أما الحرية فتمنحه عبء المسؤولية.
والتاريخ نفسه يقدم مفارقة أخرى: فالكثير من الجرائم لم ترتكب بسبب غياب القيم، بل باسم قيم اعتقد أصحابها أنها مطلقة وغير قابلة للنقد.
إذن ليست المشكلة في وجود القاعدة وحده، وإنما في تحويل القاعدة إلى حقيقة فوق التاريخ والإنسان والواقع.
ثامنًا: الهوية بين الماضي والمستقبل والحاضر
إذا جمعنا هذه المسارات الفلسفية الثلاثة، أمكننا رؤية ثلاثة أنماط أساسية للهوية:
الهوية الأصولية
جوهرنا موجود في الماضي، وعلينا أن نعود إليه.
وهي أقرب إلى منطق الجوهر والثبات.
الهوية الجدلية المثالية
جوهرنا يتحقق في المستقبل، وعلينا أن نمتثل لمسار الصيرورة.
وهي تجعل الهوية مشروعًا تاريخيًا ذا اتجاه وغاية.
الهوية الوجودية
لا يوجد جوهر جاهز؛ الإنسان يصنع نفسه في وجوده.
وهنا تصبح الهوية صيرورة مفتوحة، مرتبطة بالاختيار والفعل والمسؤولية.
وبذلك ننتقل فلسفيًا:
من الجوهر إلى الصيرورة،
ومن الصيرورة الحتمية إلى الإمكان،
ومن الإمكان إلى الفعل.
وهذا هو المسار الذي يقودنا من «مركزية الكلمة» إلى «مركزية الفعل».
تاسعًا: الهوية ليست جوهرًا بل تاريخًا مفتوحًا
نحن لا نرث هوية مكتملة.
نرث مواداً أولية:
لغة، ذاكرة، جغرافيا، عادات، مؤسسات، معتقدات، فنونًا، صراعات وتجارب.
ثم نعيد تركيبها بالفعل.
لذلك فالهوية الحية ليست ما يبقى ثابتًا، بل ما يستطيع أن يتغير دون أن يفقد استمراريته.
أما الهوية التي تحتاج إلى تجميد نفسها لكي تبقى، فقد بدأت تتحول من ثقافة إلى عقيدة.
ومن هنا يمكن إعادة تعريف الأصالة:
الأصالة ليست التطابق مع الماضي، بل القدرة على إنتاج امتداد جديد له.
فليس أصيلًا من يكرر ما فعله الأجداد، وإنما من يمتلك القدرة التي امتلكها الأجداد أنفسهم في أفضل لحظاتهم: القدرة على الإبداع والاستجابة للواقع.
ولهذا فإن أعظم خيانة للتراث قد تكون أحيانًا هي تحويله إلى شيء لا يجوز تجاوزه.
عاشرًا: السؤال الحضاري
من هنا ربما يكون السؤال: «من نحن؟»
أقل أهمية من: «ماذا نفعل؟»
ثم يصبح السؤال الأعمق: «ماذا يمكن أن نكون؟»
فالسؤال الأول قد يحبسنا في الماضي.
والثاني يضعنا أمام الواقع.
والثالث يفتح المستقبل دون أن يحوله إلى قدر.
وهنا تتحدد المسافة بين الإنسان الذي يعيش داخل هوية مغلقة والإنسان الذي يعيش داخل إمكان مفتوح.
الأول يريد أن يجد تعريفه.
الثاني يريد أن يصنع وجوده.
ولهذا لا تكمن الأصالة في تكرار الماضي، بل في امتلاك القدرة على إنتاج شيء لم يكن موجودًا من قبل.
التراث مادة للفعل، لا سلطة على الفعل.
خاتمة: من «من نحن؟» إلى «ماذا يمكن أن نكون؟»
الأصولية تقول: كان لنا جوهر، فعلينا أن نستعيده.
والجدلية المثالية تقول: لنا غاية، فعلينا أن نحققها.
والوجودية تقول: ليس لنا جوهر مكتمل؛ علينا أن نصنع أنفسنا.
الأولى تجعل الماضي معيارًا.
والثانية تفترض معياراً مستقبلياً.
أما الثالثة فتضع الإنسان في الحاضر، حيث تتقاطع الذاكرة والإمكان والاختيار.
ومن هنا يصبح الانتقال من «مركزية الكلمة» إلى «مركزية الفعل» أكثر من انتقال بين منهجين في التفكير؛ إنه انتقال في أنطولوجيا الإنسان نفسه:
من الإنسان بوصفه حاملًا لماهيّة سابقة عليه، إلى الإنسان بوصفه كائنًا يصير.
وعند هذه النقطة لا تعود الهوية شيئًا نمتلكه، بل شيئًا يحدث.
لا تكون حقيقة مكتملة، بل صيرورة.
لا تكون جوابًا نهائيًا، بل إمكانًا مفتوحاً.
فالهوية ليست ما نكتشفه في الماضي، ولا ما نفترضه مقدماً في المستقبل؛ إنها ما نُخرجُه من الإمكان إلى الوجود بالفعل.
ولذلك فإن السؤال الفلسفي الأرسخ ليس: «من نحن؟»
بل: «ماذا يمكن أن نكون؟»
لأن الإنسان لا تسبقه هويته لكي تحدد وجوده؛ إنما يتحدد وجوده بقدر ما يحوّل إمكانه إلى فعل، وفعلَه إلى صيرورة، وصيرورته إلى معنى.