هويتنا التي لم نكنها بعد


كمال غبريال
الحوار المتمدن - العدد: 8843 - 2026 / 9 / 29 - 10:57
المحور: قضايا ثقافية     

من يتأمل خطاب النخب الثقافية والسياسية المتحدثة بالعربية، لابد وأن يحكم أن هذه الشعوب المسماة بالعربية تعاني مرضن عضالاً ناتجاً عن التهاب مزمن في الهوية!!
فما يصوره الخطاب العربي هو حالة استنفار لدرجة الفزع، خوفاً وحرصاً على هويتنا الثمينة. نخاف عليها مما نسميه غزواً ثقافية، ونخاف من الهيمنة والاستلاب الثقافي الهوياتي. نخاف من التقدم والمتقدمين. نخاف من العلم وأهله. نخاف من تيار الحداثة الذي تسبح فيه الأمم الحية، مخافة أن يجرفنا بعيداً عن هويتنا العزيزة!!

فما حكاية هذه الهوية؟
ثمة تصور شائع للهوية يتعامل معها باعتبارها جوهراً مكتملاً، يرقد في الماضي، وما علينا إلا أن نعود إليه لنستعيد ذواتنا. ووفق هذا التصور، كلما ابتعدنا عن ذلك الماضي ابتعدنا عن هويتنا، وكل تغيير يصبح تهديداً للأصل، وكل جديد موضع شبهة.
لكن لماذا نفترض أن هويتنا الحقيقية وراءنا؟
لماذا لا تكون أمامنا؟
الإنسان ليس قطعة أثرية، والشعوب ليست متاحف لتاريخها. نحن كائنات تتغير، تتعلم، وتجرب، وتكتشف إمكانات لم تكن تعرفها. وما ينطبق على الفرد ينطبق على الجماعة: لا تتشكل الهوية فقط مما ورثناه، وإنما أيضاً مما نستطيع أن نصنعه بما ورثناه.

الماضي ذاكرة لا وصاية
لا معنى لهوية بلا تاريخ. فاللغة والذاكرة والتجارب والقيم والمعارف التي راكمها السابقون تشكل جزءاً من تكويننا. لكن الاعتراف بأهمية الماضي لا يعني منحه سلطة مطلقة على الحاضر والمستقبل.
هناك فرق بين أن نعرف من أين أتينا وأن نعتقد أن علينا أن نبقى حيث كنا.
الماضي يمنحنا مادة للفهم، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى سقف للإمكان. والأخطر أن نختار من التاريخ فترة معينة، ننتقي منها ما يعجبنا، ثم نعلنها “العصر الذهبي” ونجعلها النموذج الذي يجب استعادته. فالتاريخ ليس كتلة واحدة، وكل اختيار لجزء منه هو في النهاية قراءة انتقائية له.
ومن ثم فالسؤال ليس فقط: ماذا كان ماضينا؟
بل: من اختار لنا الماضي الذي يجب أن نعتبره هويتنا؟

حين تتحول الهوية إلى سلطة
هنا يمكن للهوية أن تتحول من ذاكرة إلى أداة للسيطرة.
حين يُقال للإنسان إن هويته قد اكتملت، وإن الخروج عن النموذج الموروث خيانة للأصل، يصبح التفكير المستقل تهديداً، والتجديد اغتراباً، والاختلاف خروجاً من الجماعة.
وهكذا لا تعود السلطة بحاجة دائماً إلى أن تفرض نفسها بالقوة؛ يكفي أن تجعل الإنسان يعتقد أن طاعته للماضي هي دفاع عن ذاته.
أخطر القيود هي تلك التي يتولى الإنسان حراستها بنفسه.
لكن التراث ليس المشكلة. المشكلة هي تقديس التراث وتحويله من خبرة تاريخية إلى أمر أبدي. فالقدم ليس دليلاً على الحقيقة، والجدة ليست دليلاً على الخطأ. ما يهم هو قدرة الفكرة على الصمود أمام العقل والتجربة والنقد.
الهوية ليست تكراراً. . الهوية الحية لا تعني أن نظل نسخة من أسلافنا. فلو كان الحفاظ على الهوية يعني التكرار، لما نشأت الحضارات أصلاً. كل جيل ورث شيئاً ثم أضاف إليه، وأعاد تفسيره، وتجاوز بعضه، وخلق شيئاً لم يكن موجوداً من قبل.
الأصالة، إذن، ليست في أن نكون نسخة من الماضي، بل في أن نمتلك القدرة على الإضافة إليه.
الجذور تمنح الشجرة ثباتها، لكنها لا تمنعها من النمو.
وكذلك التاريخ ينبغي أن يمنح الإنسان عمقاً، لا أن يمنعه من الحركة.

من “من كنا؟” إلى “من يمكن أن نكون؟”:
ربما نحتاج إلى تغيير سؤال الهوية نفسه.
بدلاً من أن نسأل دائماً:
من كنا؟
علينا أن نسأل:
من يمكن أن نكون؟
الأول يبحث عن الذات في الذاكرة.
والثاني يبحث عنها في الإمكان.

وهنا تنتقل الهوية من كونها شيئاً نستعيده إلى كونها شيئاً نشارك في بنائه.

فالإنسان لا يجد ذاته فقط؛ إنه يصنع جزءاً منها من خلال اختياراته وأفعاله وتجربته. وكذلك المجتمع لا يكتشف هويته في الكتب وحدها، بل في قدرته على مواجهة مشكلاته، وإنتاج المعرفة، وبناء المؤسسات، وتطوير حياته، وخلق أشكال جديدة من التعاون والإبداع.
ما نفعله اليوم ليس خارج الهوية؛ إنه جزء من تشكيلها.

الفاعلية الإنسانية وصناعة الهوية
وهنا تلتقي الهوية بالفاعلية الإنسانية.
إذا اعتبرنا هويتنا قدراً مغلقاً، يصبح دورنا مجرد الحراسة والتكرار.
أما إذا اعتبرناها صيرورة، يصبح الإنسان شريكاً في تشكيلها.
لا نختار كل الظروف التي ولدنا فيها، ولا كل ما ورثناه، ولا كل القوى التي تؤثر في حياتنا. لكن ذلك لا يلغي مساحة الفعل.
نستطيع أن نتعلم، ونراجع، ونرفض، ونبتكر، ونتعاون، ونبني، ونغير.
الحرية ليست أن يكون كل شيء ممكناً؛ وإنما أن توجد داخل الواقع الذي لم نختره بالكامل مساحة نستطيع أن نفعل فيها شيئاً.
ومن هذه المساحة تبدأ صناعة الذات.

نحن أيضاً نصنع الماضي
ثمة مفارقة تستحق الانتباه: نحن لا نرث الماضي فقط؛ نحن نصنع الماضي الذي سيرثه القادمون. ما نبتكره اليوم قد يصبح غداً تراثاً. وما نبنيه اليوم قد يصبح جزءاً من هوية من سيأتون بعدنا.
لذلك لا ينبغي أن يكون سؤالنا: “ماذا ترك لنا أسلافنا؟ فقط.
بل أيضاً: “ماذا سنترك نحن لمن سيأتي بعدنا؟”
وهنا تصبح الأصالة أكثر من مجرد وفاء للماضي؛ تصبح مسؤولية تجاه المستقبل.

الهوية التي أمامنا
لهذا فالهوية ليست جوهراً ثابتاً قابعاً في الماضي، ولا صورة مكتملة في عصر تاريخي نختاره ونطالب الأجيال بتكراره.
هي صيرورة مفتوحة: علاقة متحركة بين ما ورثناه، وما نحن عليه، وما نستطيع أن نصبحه.
الماضي جزء من هويتنا، لكنه ليس نهايتها.
والحاضر لحظة منها، لكنه ليس صورتها الأخيرة.
أما المستقبل ففيه ما لم يتحقق بعد: إمكاناتنا، واختياراتنا، وقدرتنا على تجاوز ما أصبحناه.
لذلك ربما لا يكون السؤال الأهم: من نحن؟
ولا: من كنا؟
بل: أي إنسان، وأي مجتمع، ما زال في إمكاننا أن نصبحه؟
فالهويـة التي تستحق أن نحياها ليست تلك التي تمنعنا من التغير باسم الأصالة، وإنما تلك التي تمنحنا جذوراً دون أن تسلبنا أجنحتنا.
إنها ليست ما كنا عليه فقط؛ إنها أيضاً ما نستطيع أن نصير إليه.
وربما تكون هويتنا الأكثر أصالة هي، paradoxically، تلك التي لم نكنها بعد.