من -حصر السلاح بيد الدولة- إلى -حماية السيادة-: أي دولة نريد في العراق، ولمن تعمل؟


نادية محمود
الحوار المتمدن - العدد: 8813 - 2026 / 8 / 30 - 15:51
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

تغيّر خطاب رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي من الحديث عن "حصر السلاح بيد الدولة" إلى الحديث عن "حماية سيادة العراق" ليس مجرد تغيير في المفردات السياسية. فهو يفتح سؤالًا أعمق بكثير: أين يقع مركز القوة الحقيقي في العراق؟ ومن يملك القرار الأخير؟ ومن يستطيع أن يفرض القرار، ومن يستطيع أن يمنع تنفيذه؟ لم يعد لسؤال فقط: بيد من يجب أن يكون السلاح؟ بل أصبح: من يمتلك القوة السياسية والعسكرية التي تمكنه من وضع قرار حصر السلاح وتنفيذه؟ ومن يملك القدرة على مقاومة هذا القرار؟

هذه الأسئلة مهمة لأن احتكار الدولة للسلاح ليس غاية في ذاته. إنه أحد شروط قيام الدولة الحديثة. فالدولة التي تحتكر القوة تستطيع، من حيث المبدأ، أن تفرض القانون بصورة متساوية، وأن تحاسب من يخالفه، وأن توفر الأمن والخدمات، وأن تدير مواردها العامة، وأن تكون مسؤولة أمام مواطنيها.

أما عندما تتوزع القوة بين الدولة وقوى أخرى تمتلك السلاح والنفوذ السياسي والاقتصادي، فإن المشكلة لا تبقى أمنية فقط. إنها تتحول إلى مشكلة تتعلق بطبيعة الدولة نفسها. أن طبيعة العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة في العراق هي ليست وجود جماعات مسلحة تقف خارج الدولة، فهذه الفصائل مرتبطة بالمؤسسات الرسمية، وفي الوقت نفسه تحتفظ بدرجات مختلفة من الاستقلال السياسي والعسكري والاقتصادي. أنها تعمل داخل الدولة ومن خلالها، وتمول من قبل الدولة، وتدفع رواتب اعضاءها من الدولة وفي الوقت نفسه تحتفظ بقدرة على الحركة خارجها.

انها دولة موازية لدولة، وهي قوة تستطيع أن تنافس الدولة في بعض وظائفها أو تؤثر في قراراتها منذ اعلان الحشد الشعبي عام 2014، ومن ثمة اقراره قانونيا. ان هذا اعطى فرصة كبيرة لتوسع مكانة الفصائل المسلحة، سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا. وبذلك لم يعد الحديث عن "مليشيات" مقابل "الدولة" لفهم الواقع، بل نحن أمام تشابك بين قوى مسلحة، وأحزاب سياسية، ومؤسسات رسمية، وشبكات اقتصادية ومصالح اجتماعية.

وما نشهده في العراق ليس ظاهرة جديدة على الاطلاق، فما حدث في ايران بعد ثورة 1979و تأسيس الحرس الثوري كان أحد أهم الترتيبات المؤسسية للنظام الجديد: إنشاء قوة عسكرية عقائدية مسلحة موازية للمؤسسات التقليدية للدولة، تكون مهمتها حماية النظام الجديد ومصالحه، وتضمن للقيادة الجديدة امتلاك قوة لا تعتمد بالكامل على مؤسسات الدولة التقليدية.ومع مرور الوقت، لم يبق الحرس الثوري مؤسسة عسكرية فقط، بل تحول إلى قوة ذات امتدادات سياسية واقتصادية وأمنية واسعة.

لا يعني ذلك أن العراق يكرر التجربة الإيرانية حرفيًا، أو أن الحشد الشعبي والحرس الثوري مؤسستان متماثلتان. لكن المقارنة مهمة من ناحية وظيفة "القوة الموازية" أي إنشاء أو ترسيخ قوة تستطيع حماية النظام السياسي، والتأثير في الدولة، والعمل داخل مؤسساتها، مع الاحتفاظ بقدر من الاستقلال عنها.

الا ان ما يهمني في هذا الموضوع، هو ليس حصر السلاح بيد الدولة، فالتناغم ليس معدوما بين الميلشيات والدولة الحالية في العراق، والدليل على ذلك، حين شهدت الدولة انتفاضة تشرين عام 2019 هبت الميلشيات للدفاع عنها. فهم، ان اتفقوا او اختلفوا هم اصحاب البيت الواحد.

ما يهمني في هذه المقالة هو ماذا يعني ذلك للمجتمع؟ الموضوعة التي تختفي خلف النقاش السياسي حول السلاح. فالمواطن يعيش في سوق العمل، وفي المدرسة والمستشفى، وينتظر الكهرباء والماء، ويبحث عن وظيفة، ويدفع الضرائب، ويطالب بحقه، ويذهب إلى المحكمة، ويحاول حماية أسرته. لذا السؤال الاكبر هو ليس من يملك السلاح؟ بل:من يملك الدولة؟ ولمن تعمل؟ ومن يستطيع المواطن أن يحاسبه؟

إذا كانت السلطة موزعة بين أكثر من مركز للقوة، تصبح المساءلة نفسها مشكلة. من يحاسب عندما تفشل الحكومة في توفير الخدمات؟ من يحاسب عندما لا يحصل الخريج على فرصة عمل؟ من يحمي العامل عندما يطالب بحقوقه؟ ومن يضمن للمرأة أن القانون يحميها ويحمي أطفالها؟ هذه ليست أسئلة منفصلة عن قضية السيادة. إنها جوهر السيادة. الخريج العراقي الذي يتظاهر بحثًا عن وظيفة لا يطالب فقط بوظيفة. إنه يسأل بصورة غير مباشرة: هل الدولة قادرة على توفير فرصة عادلة لمواطنيها؟ وعندما يتحول الحصول على العمل أو الوصول إلى الموارد إلى مسألة مرتبطة بالشبكات السياسية والحزبية والاجتماعية، فإن مفهوم المواطنة يتراجع لمصلحة مفهوم آخر: الانتماء إلى شبكة القوة.

العراق بلد يمتلك ثروة نفطية هائلة، لكن امتلاك الدولة للنفط لا يعني تلقائيًا أن عائداته تتحول إلى حقوق اجتماعية واقتصادية للمواطنين. وعندما يتظاهر العمال مطالبين بحقوقهم، فإن القضية لا تكون مجرد نزاع عمالي؛ إنها سؤال عن من يملك الموارد ومن يقرر كيفية توزيعها، ومن يملك القدرة على مساءلة السلطة التي تديرها. فتوفير الخدمات، من الكهرباء والماء إلى الصحة والتعليم، فهي الاختبار اليومي للدولة.

"السيادة" التي لا تصل إلى حياة المواطن تبقى مفهومًا سياسيًا مجردًا. والمرأة التي تحتاج إلى دولة تحمي حقوقها داخل الأسرة والقانون والمجتمع، ستفكر لاحقا و بعدها بدولة تحمي حدودها من التدخل الخارجي. فالسيادة ليست فقط سيطرة الدولة على الأرض، وإنما أيضًا سيادة القانون العام على حياة المواطنين، وضمان المساواة في الحقوق والحماية. إذا كان المقصود بالسيادة هو فقط خروج القوات الأجنبية من العراق، فإن المفهوم ضيق جدا.

السيادة تعني أيضًا أن تكون الدولة قادرة على اتخاذ قرارها الأمني دون قوة مسلحة تستطيع تعطيله، وأن تكون قادرة على إدارة مواردها دون شبكات نفوذ غير خاضعة للمساءلة، وأن يكون القانون واحدًا لجميع المواطنين، وأن تكون المؤسسات العامة أقوى من الولاءات السياسية والطائفية والحزبية. ولهذا فإن الانتقال من شعار "حصر السلاح بيد الدولة" إلى شعار "حماية السيادة" ينبغي أن ينقلنا الى السؤال الأول، هل الدولة العراقية هي صاحبة القرار الأخير فعلًا؟

فإذا لم تكن كذلك، فإن المشكلة لا تتعلق بالسلاح وحده. إنها تتعلق بمن يمتلك القدرة على تحديد السياسات، وتوزيع الموارد، وحماية المصالح، وتحديد من يحصل على ماذا، ومن يستطيع الاحتجاج، ومن يستطيع فرض القانون.إذا كانت الدولة تملك النفط، لكنها لا تضمن العمل والخدمات والحقوق الاقتصادية للمواطنين، فمن الذي يستفيد فعليًا من الدولة ومن مواردها؟ الدولة التي تعجز عن ضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين لا تنقل كلفة هذا العجز إلى فراغ بل تعيد توزيعها داخل الأسرة والمجتمع.