أحوال الوضع البشري بين الهشاشة الوجودية والمسؤولية الأخلاقية


زهير الخويلدي
الحوار المتمدن - العدد: 8739 - 2026 / 6 / 17 - 09:35
المحور: قضايا ثقافية     

مقدمة:
يظل الوضع البشري، منذ أن وعى الإنسان ذاته، معلقاً بين قطبين أساسيين: الهشاشة الوجودية التي تكشف عن محدوديته وتعرضه للزوال والصدفة، والمسؤولية الأخلاقية التي تفرض عليه أن يتجاوز هذه الهشاشة باتخاذ موقف وتحمل تبعات وجوده. هذا التوتر ليس عارضاً، بل هو جوهر الإنسانية نفسها. في عصرنا الراهن، الذي يجمع بين تقنيات تبدو قادرة على تجاوز الحدود البيولوجية وبين أزمات تكشف عن هشاشة الحضارة برمتها (تغير المناخ، الذكاء الاصطناعي، الانهيارات الاجتماعية)، يصبح استكشاف هذا التوتر أمراً ملحاً. تعتمد هذه الدراسة على مقاربة تدبيرية، أي منهج يركز على "تدبير" الوجود: كيف يدير الإنسان حياته اليومية والمصيرية بحيث يحول الهشاشة من مصدر يأس إلى مصدر وعي أخلاقي، ويجعل المسؤولية ليست عبئاً ثقيلاً بل ممارسة حية متوازنة. التدبير هنا ليس إدارة تقنية بحتة، بل فن حكم الذات والعلاقات والعالم، يجمع بين القبول بالمحدودية والالتزام بالفعل الأخلاقي. فماهي مميزات الوضع البشري؟ وكيف يمكن التعامل مع الوضع البشري كتوتر أصيل؟
الهشاشة الوجودية: كشف الحدود والتعرض
الهشاشة الوجودية هي الإدراك الواعي بأن الإنسان كائن معرض للخطر، غير مكتمل، ومرتبط بظروف خارجة عن سيطرته الكاملة. تتجلى هذه الهشاشة أولاً في الجسد: المرض، الشيخوخة، والموت. ثم في الزمن: الصدفة، عدم اليقين، والتغير المستمر. وأخيراً في العلاقات: الاعتماد على الآخر الذي قد يغيب أو يخون أو يموت. في السياق المعاصر، تتخذ الهشاشة أشكالاً جديدة. الثورة الرقمية تجعل الذات مشتتة بين هويات متعددة ومتعرضة للتتبع والتلاعب. أزمة المناخ تكشف هشاشة الكوكب بأكمله، وبالتالي هشاشة المشروع الحضاري. الذكاء الاصطناعي يثير تساؤلاً وجودياً: إذا استطاعت الآلة القيام بما كان يميز الإنسان، فما قيمة هشاشتنا؟
هذه الهشاشة ليست نقصاً يجب إنكاره، بل هي مصدر الوعي الإنساني. من يواجهها بصدق يخرج من حالة "اللامبالاة" إلى حالة اليقظة. إنكار الهشاشة يؤدي إلى استلاب: الاعتقاد بأن التقنية أو السلطة أو المال يمكن أن يحمينا تماماً. أما قبولها فيفتح الباب أمام التضامن الإنساني، إذ نكتشف أن الجميع معرضون للخطر نفسه.
المسؤولية الأخلاقية: الاستجابة لنداء الوجود
تقف المسؤولية الأخلاقية في الجانب المقابل، كقدرة الإنسان على الاستجابة لنداء يتجاوز ذاته. هي ليست مجرد التزام بقواعد، بل موقف وجودي يفترض أن وجودي مرتبط بالآخر، وأن أفعالي تشكل العالم. تشمل هذه المسؤولية الذات (تدبير النفس)، والآخر (العدل والرحمة)، والعالم (الاستدامة والأجيال المقبلة).في مواجهة الهشاشة، تصبح المسؤولية تحدياً: كيف أتحمل مسؤولية حياتي رغم علمي بأنها قد تنتهي في أي لحظة؟ كيف أكون مسؤولاً تجاه الآخر الذي هو هش أيضاً؟ هنا تظهر المسؤولية كـ"استجابة" ، أي قدرة على الرد بطريقة تخلق معنى داخل اللامعنى.
التوتر بين الهشاشة والمسؤولية يولد القلق الأصيل، لكنه في الوقت نفسه مصدر الحرية. من يهرب من الهشاشة يفقد المسؤولية (فيصبح استهلاكياً أو نرجسياً)، ومن يغرق في الهشاشة دون مسؤولية يقع في اليأس أو العبث.
المقاربة التدبيرية: فن التوازن والحكمة العملية
تقدم المقاربة التدبيرية طريقاً وسطاً يتجاوز الثنائية. "التدبير" يعني النظر الدقيق في الأحوال، وتنظيم الموارد الداخلية والخارجية، واتخاذ قرارات حكيمة في ظل عدم اليقين. إنه فن يجمع بين القبول والفعل، بين التواضع أمام الهشاشة والشجاعة في تحمل المسؤولية.
أولاً: تدبير الذات
يبدأ التدبير بتربية النظرة إلى النفس. يتطلب ذلك ممارسات يومية: التأمل في الموت (ليس للخوف، بل لتعميق الحضور)، وتنمية الفضائل التي تحول الهشاشة إلى قوة (الصبر، التواضع، المرونة). كما يشمل حماية الذات من الإغراق في الهشاشة (بالانغماس في العمل المعنوي) أو الإنكار (بالحفاظ على وعي دائم بالمحدودية).
ثانياً: تدبير العلاقات
في العلاقة بالآخر، يصبح التدبير توازناً بين التعاطف مع هشاشته والمطالبة بمسؤوليته. يرفض الاستغلال والضعف المتبادل، ويبني تضامناً يقوم على الاعتراف المتبادل بالهشاشة المشتركة. هنا تتحول المسؤولية إلى "رعاية" مدروسة، لا عفوية.
ثالثاً: تدبير العالم
على المستوى الجماعي والكوني، يعني التدبير سياسة وأخلاقاً بيئية تتعامل مع هشاشة الكوكب بمسؤولية استدامة. لا يعني ذلك السيطرة التكنوقراطية، بل "الوصاية" الحكيمة: استخدام التقنية مع الحفاظ على الوعي بالحدود.
التطبيقات المعاصرة للمقاربة التدبيرية
في مواجهة الذكاء الاصطناعي، يدعو التدبير إلى استخدامه مع الحفاظ على المسؤولية البشرية، دون الاستسلام لهشاشة الذات أمام الآلة. في الأزمات الصحية أو البيئية، يجعل من الهشاشة دافعاً للتضامن العالمي بدلاً من الأنانية. أما في الحياة اليومية، فيتحول إلى ممارسة: كيف أدير وقتي، علاقاتي، واستهلاكي بحيث أحترم هشاشتي وأفي بمسؤوليتي؟
هذه المقاربة تتجنب الرومانسية (تمجيد الهشاشة) والتفاؤل الزائف (إنكارها)، وتقدم طريقاً واقعياً يعتمد على الحكمة العملية.
خاتمة:
يقف الوضع البشري دائماً بين الهشاشة الوجودية التي تذكرنا بأننا لسنا آلهة، والمسؤولية الأخلاقية التي تطالبنا بأن نتصرف كأن وجودنا يهم. المقاربة التدبيرية هي الفن الذي يجعل هذا التوتر مثمراً: فن يدير الضعف بالقوة، والقلق بالحكمة، والمحدودية بالإبداع. في نهاية المطاف، الإنسان المدبر هو من يعيش هشاشته بكامل الوعي، ويحمل مسؤوليته بكامل الشجاعة. هذا التوازن ليس حالة نهائية، بل ممارسة يومية مستمرة، هي جوهر الحياة الأصيلة. في عصر يهدد فيه كل شيء بالانهيار أو الاستلاب، تبقى المقاربة التدبيرية دعوة لاستعادة فن تدبير الوجود: قبول ما لا نستطيع تغييره، وتغيير ما يجب أن نتحمله، بحكمة وإنسانية. فمتى يتسنى لنا التعامل مع التوازن كفن وجودي؟
كاتب فلسفي