بين أمجد يوسف وسمير كعكة: العدالة والسياسة في سورية
ياسين الحاج صالح
الحوار المتمدن
-
العدد: 8691 - 2026 / 4 / 28 - 18:16
المحور:
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
قبل يوم واحد من اعتقال أمجد يوسف بطل مجزرة التضامن في نيسان 2013، بث الإعلام الرسمي السوري صوراً لرئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع في دوما، وهو يقف يداً بيد في دوما مع سمير كعكة، شرعي جيش الإسلام، وبطل خطف وتغييب، وربما قتل، سميرة الخليل ورزان زيتونة ووائل حمادة وناظم الحمادي، ووقائع إجرامية أخرى. واقعة الخطف حدثت في عام 2013 نفسه، في الشهر الأخير منه.
المعلومات عن الجريمة متوفرة ومتاحة للعموم، نشرت مراراً وتكراراً في هذا المنبر الذي كان، بالمناسبة، أول منبر سوري نشر تقريراً مفصلاً بالعربية عن مجزرة التضامن وأبطالها، وبقلم الباحثيْن الذين كشفاها، أنصار شحود وأور أونغر، وهذا يوم نشرت صحيفة الغارديان تقريراً مختصراً عنها. القاتل أمجد يوسف على مسرح المحاسبة اليوم، والقاتل سمير كعكة على مسرح السلطة.
ليس ما يحول دون معرفة الحقيقة وتحقيق العدالة بخصوص تغييب المرأتين والرجلين هو نقص المعلومات والقرائن الموثوقة، بل السياق السياسي والإيديولوجي الراهن. فبينما يلقى طلب العدالة لضحايا مجزرة التضامن التعزيز من هذا السياق، فإن إغفال العدالة لضحايا جريمة جيش الإسلام هو ما يلقى التعزيز من السياق السياسي والإيديولوجي الحالي. وفي هذا ما يثير سؤال العلاقة بين العدالة والسياسة في سورية اليوم، ولعله السؤال الأساسي بخصوص الشرعية بالمعنى الجذري والعميق: إلى أي مدى تستقل اعتبارات العدالة عن التفضيلات السياسية الآنية للفريق الحاكم؟ أي كذلك إلى أي مدى تستقل الشرعية عن السلطة، فتُساءل السلطة عن شرعيتها وعن عدالتها، من قبل جميع من يتأثرون بتصرفاتها ومسالكها؟
نعلم الإجابة على السؤال في الحقبة الأسدية. لقد خضعت العدالة وكل شيء لأولوية الحكم الأسدي في الاستئثار بالسلطة كلها كل الزمن، إلى الأبد". سميرة الخليل التي حبست أيام حافظ أكثر من أربع سنوات دون تهمة أو محاكمة تعرف ذلك جيداً، وتعرفه رزان زيتونة، المحامية التي دافعت أيام بشار أمام محكمة أمن الدولة العليا في دمشق عن المعتقلين السياسيين، بمن فيهم السلفيون. يعرفه جميع السوريين في واقع الأمر. كانت سورية صحراء حقوقية مثلما كانت صحراء سياسية، وأُنكر الحق في العدالة كما الحق في السياسة على الجميع، ليس على البعض دون البعض. وإنما لذلك لا يستقيم أن يجري الدفاع عن الحق في العدالة وفي السياسة للبعض دون غيرهم (فالحق لا يكون حقاً إلا إذا كان عاماً)، ثم إنه لذلك أيضاً كان استقلال القضاء بنداً ثابتاً في مطالبات المعارضين الديمقراطيين طوال العقود الأسدية، إلى جانب الحريات السياسية والتعدد الحزبي.
السؤال اليوم مطروح بخصوص حق المعارضين الديمقراطيين في العدالة والسياسة، والكاشف الأول هو قضية سميرة الخليل ورزان زيتونة ووائل حمادة وناظم الحمادي. لماذا؟ ليس بحال لأن حرية وحياة الأربعة أهم أو أرفع شأناً من حرية أو حياة أي أربعة من نحو 200 ألف من المغيبين السوريين، ولكن لأنه تتقاطع في قصتهم المأساوية أشياء لا تتقاطع في أي قضية أخرى. فللأربعة تاريخ مشهود في معارضة النظام الأسدي سابق للثورة وللقوى التي نبتت بعدها، وهناك قرائن وافرة ووافية لتوجيه الاتهام إلى تشكيل جيش الإسلام، بما يكفي لإطلاق عملية قضائية بخصوص مصير الأربعة، ثم إننا نعرف المشتبه بهم بالاسم، وعلى رأسهم كعكة نفسه؛ وأخراً وبصورة خاصة لأن مختطفي المرأتين والرجلين إسلاميون، يشاركون حاكمي اليوم إيديولوجيتهم، ما يجعل تحقيق العدالة في هذه القضية الاختبار الحاسم لاستقلال العدالة عن الإيديولوجية والسلطة. لا يمتحن اعتقال ومحاكمة عاطف نجيب استقلال العدالة في سورية اليوم، ولا يثبته. إطلاق عملية قضائية في شأن جريمة كعكة وأتباعه هو ما يمتحن هذا الاستقلال، وما يثبته. إنها القضية التي تُعرِّف مصير العدالة، مِحكّها ومِعيارها، في سورية اليوم.
لقد بنى أمثال رزان وسميرة ووائل ناظم، وأنصار شحود وأور أونغر، وما لا يحصى من سوريين وشركائهم في العالم الدعوة الأخلاقية والحقوقية للثورة السورية. ليس غير رزان زيتونة من أعدت أوثق تقريرين عن المجزرة الكيماوية في الغوطتين في آب 2013، بناء على متابعة شخصية مباشرة ومخاطرة بحياتها، وذلك بعد أيام قليلة من المجزرة. وليس غيرها من عمل على بناء جسم مستقل للعدالة في الغوطة الشرقية كي لا تحل القوة محل الحق، وليس لغير ذلك خطفها مع شريكتها وشريكيهما كعكة وأعوانه. وليس غير أنصار شحود من كرست عامين من حياتها الشابة وخاطرت بصحتها من أجل كشف الحقيقة عن الجريمة التي تستثمر اليوم لجني مكاسب سياسية، دون أن يذكر المتكسِّبون اسم أنصار وشريكها في البحث. وجازف شبان علويون بحياتهم، وخاصة حازم العبد الله، من أجل تهريب الفيديوهات إلى أوربا ووضعها بين أيدي الباحثين، وهو ما يُفضِّل التكتم عليها طائفيون متلهفون على تجريم جماعة سورية بأكملها. وليس غير محامين وناشطين حقوقيين سوريين هم من يلاحقون مجرمي الأسدية وشبّيحتها في أوربا ويعملون على تحقيق قدر من العدالة لمواطنيهم ضدهم. ما يجمع هؤلاء هو أنهم معنيون بقضية الديمقراطية والعدالة والمواطنة في سورية. وكلهم مغيبون اليوم سياسياً وإعلامياً مثلما غيبت من الوجود رزان وسميرة ووائل وناظم، هذا بينما يُحتضَن مفتي القتل كعكة، وينفش ريشهم، ناسبين الفضل حصراً لأنفسهم في قضية ضحايا التضامن، من لم تشغل بالهم قضايا الحقيقة والحرية والحقوق المتساوية في أي وقت.
في اختلاف التعامل مع القضيتين اللتين يرمز لهما سمير كعكة وأمجد يوسف ما يتجاوز ازدواج معايير مسيطري اليوم إلى تقرير من يملك الثورة والبلد. القوم جاؤوا متأخرين إلى ثورة لا فضل لهم فيها من قريب أو بعيد، وكانوا على عداء عنيف لها طوال سنوات، واليوم يضعون أيديهم على ما ناضل وضحى من أجله ملايين السوريين دون أن يشكروا أحداً غير أنفسهم، ودون أن يشركوا أحداً في سلطة أو قرار أو رأي، فكأن سورية ملكيتهم الخاصة مثلما كانت في الحقبة الأسدية.
قضية سميرة ورزان ووائل وناظم قضية وطنية وسياسية وعامة مثل قضية ضحايا مذبحة التضامن، ومثلما أن هذه القضية الأخيرة لم تنتظر دعاوى شخصية من الأهالي حتى تجري متابعتها، وصولاً إلى القبض على الجاني الأول، وهذا بفضل ما وفره باحثون وإعلاميون مستقلون من معلومات عنها، فلا يجب أن يختلف الأمر بخصوص جرائم كعكة وأشباهه. وهذا المنبر الذي وفر أوسع تقرير عن الجريمة الأولى هو نفسه الذي وفر أوسع معلومات عن الجريمة الثانية. والملف والدعوة الشخصية موجودان على أي حال. ما ليس موجوداً هو العدالة المستقلة.
قضية سميرة ورزان ووائل وناظم لن تموت، ولن تتقادم. لن نتركها لقوى الكره والنسيان. إنها قصة معروفة في سورية والعالم، مفصلة ومثبتة بالمعلومات والتفاصيل والأسماء. جريمة في العلن، الجناة فيها معلومون. لذلك فإن استثناءهم من العدالة وإفلاتهم من العقاب هو تعريف صالح لانعدام العدالة في سورية ما بعد الأسدية، أو هو مِحك العدالة الغائبة ومعيارها.
نخاطب بهذه الكلمات عموم السوريين، التزاماً بواجب قول الحقيقة عن السلطة في كل حال، ولكن كذلك بأمل أن نرى تحريكاً للقضية بعد 12 عاماً وأربعة أشهر و18 يوماً من تغييب سميرة ورزان ووائل وناظم. القضية بالنسبة لنا قضية حق وحقيقة: حياة وحرية أحبابنا، وإلا فمعرفة الحقيقة كاملة عن مصيرهم، والحصول على أجسادهم المقتولة إن كان كعكة وعصابته قد قتلوهم. نريد قبوراً معلومة لأحبابنا، وحداداً لأنفسنا، وذاكرة لقضيتنا العامة.
نخاطب السوريين كذلك للقول إن ما يحمي حياتهم وحريتهم وحقوقهم ليس السلطة ولا الطائفة، بل العدالة المستقلة والحق المتساوي في العدالة للجميع. درس بشار الأسد ونظامه ليس بعيداً.