تطورات الحرب في الخليج في يومها الخامس عشر وتاثيرها على النظام المالي العالمي
أحمد رباص
الحوار المتمدن
-
العدد: 8647 - 2026 / 3 / 15 - 02:50
المحور:
الارهاب, الحرب والسلام
يتصاعد الصراع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل مع دخول الحرب يومها الخامس عشر. وتشمل أبرز التطورات شن القوات الأمريكية غارات على جزيرة خارك، وهي مركز حيوي لصادرات النفط الإيرانية. كما امتد الصراع عبر الخليج، حيث ضربت إيران مجمع السفارة الأمريكية في بغداد، واستهدفت مركزا رئيسيا لتخزين النفط في الإمارات العربية المتحدة، وكثفت هجمات الطائرات بدون طيار والصواريخ على دول المنطقة، بينما نفذت إسرائيل ضربات جديدة في لبنان والعراق.
ردت إيران بهجمات صاروخية وطائرات مسيرة استهدفت إسرائيل ومواقع مرتبطة بالولايات المتحدة في منطقة الخليج.
في دبي، أصاب حطام صاروخ اعترضته أنظمة الدفاع الجوي الإماراتية واجهة مبنى في وسط دبي يوم السبت، وهو الحادث الثاني من نوعه خلال عدة أيام، ولم يتم الإبلاغ عن أي حريق أو إصابات.
وفي واحدة من أكثر عمليات التصعيد مأساوية اليوم، أصاب صاروخ أو طائرة بدون طيار مجمع السفارة الأمريكية في المنطقة الخضراء شديدة التحصين ببغداد، وشوهد الدخان يتصاعد من الموقع.
وبحسب وكالة الأنباء (AP)، أصاب صاروخ مهبط طائرات الهليكوبتر داخل المجمع. ولم يصدر تعليق فوري من السفارة الأمريكية. جاءت غارة السفارة بعد أن أصابت غارة جوية سابقة منزلا في منطقة الكرادة ببغداد، مما أسفر عن مقتل شخص واحد على الأقل وإصابة اثنين آخرين. وقال التقرير إن الهجوم استهدف على ما يبدو شخصيات الجماعات المسلحة المدعومة من إيران.
وفي الإمارات، شوهد الدخان يتصاعد من الفجيرة، موطن ميناء رئيسي ومحطة لتصدير النفط، في الضربة الأخيرة على البنية التحتية النفطية في الخليج.
كما اندلع حريق بالقرب من ميناء الفجيرة بعد اعتراض طائرة بدون طيار، دون الإبلاغ عن وقوع إصابات. وقالت وزارة الدفاع الإماراتية إن تسعة صواريخ باليستية و33 طائرة بدون طيار أطلقت على البلاد يوم السبت.
جاء ذلك في الوقت الذي أصاب فيه حطام صاروخ آخر تم اعتراضه بنجاح مبنى في وسط دبي يوم السبت، بعد يوم من سقوط حطام مماثل على مبنى في الحي المالي بدبي. وقال شاهدان استشهدت بهما وكالة (فرانس برس) إنهما شاهدا أضرارا في مركز دبي المالي العالمي بعد سماعهما صوت انفجار قوي يوم الجمعة.
وحذرت إيران السكان من إخلاء مناطق موانئ الإمارات العربية المتحدة، قائلة إن الموانئ والأرصفة والمخابئ العسكرية الأمريكية في الإمارات أصبحت الآن أهدافًا مشروعة. واعترضت الإمارات أكثر من 1500 طائرة إيرانية بدون طيار وما يقرب من 300 صاروخ منذ بدء الحرب في 28 فبراير، مما يجعلها الدولة الخليجية الأكثر استهدافا في الصراع.
واعتقلت شرطة أبوظبي 45 شخصًا، من بينهم أجانب، بسبب تصوير الهجمات وزُعم أنها نشرت معلومات مضللة عبر الإنترنت، بعد أن تلقى السكان تنبيهات نصية تحذر من مشاركة صور حساسة أو محتوى لم يتم التحقق منه.
استمرت التداعيات الإقليمية في الانتشار، حيث اعترضت المملكة العربية السعودية ست طائرات بدون طيار، واعترضت قطر صاروخًا، وأبلغت البحرين عن هجمات جديدة بطائرات بدون طيار وصواريخ.
وتصور تطورات اليوم الخامس عشر كيف أن الصراع لم يعد يقتصر على إيران وإسرائيل، بل يضرب الآن بشكل مباشر المواقع الدبلوماسية والبنية التحتية النفطية والمراكز الحضرية عبر الخليج الأوسع. وأفادت عدة دول خليجية، من بينها السعودية وقطر، باعتراض طائرات مسيرة وصواريخ.
وفقًا لوكالة الأنباء الفرنسية، أدت الضربات على كتائب حزب الله إلى مقتل عضوين، بما في ذلك “شخصية رئيسية".وواصلت إسرائيل هجومها على لبنان، حيث قالت وزارة الصحة اللبنانية إن غارة ليلية على مركز للرعاية الصحية في برج قلاوية أسفرت عن مقتل 12 طبيبا وممرضة ومسعفا، وفقا لوكالة (فرانس برس).
ارتفعت الحصيلة الأوسع بين المسعفين إلى 26 قتيلاً و51 جريحاً. وأصابت غارة إسرائيلية مبنى سكنيا في إحدى الضواحي الشمالية لبيروت، في حين أسفرت غارة أخرى في صيدا بجنوب لبنان عن مقتل أربعة أشخاص.
في وقت سابق، ضربت القوات الأمريكية أهدافا عسكرية في جزيرة خرج الإيرانية، المركز الرئيسي لتصدير النفط الخام في البلاد. وقال ترامب إن الولايات المتحدة ضربت “أهدافا عسكرية لكنها تعمدت إنقاذ البنية التحتية النفطية، بينما حذر من أنه قد يعيد النظر في ذلك إذا تدخلت إيران في الشحن عبر مضيق هرمز.
وعلى الرغم من الضربات، قال مسؤولون إيرانيون إن عمليات النفط في خرج مستمرة بشكل طبيعي ولم تتضرر أي منشآت نفطية، حسبما ذكرت وكالة (أسوشييتد برس). ويستمر عدد الضحايا في الارتفاع مع تصاعد حدة الغارات الجوية والهجمات الانتقامية.
كما يؤثر الصراع على أسواق الطاقة العالمية، وسط مخاوف من أن تؤدي الهجمات على البنية التحتية النفطية أو الملاحة عبر مضيق هرمز إلى تعطيل جزء كبير من الإمدادات العالمية.
تقودنا الفقرة السابقة إلى الحديث عن تأثير الحرب في الخليج على النظام المالي العالمي، حيث من المحتمل أن يكون لها تداعيات عميقة عليه، وهو الذي يقوم منذ ما يقرب من خمسين عاما على هيمنة الدولار الأمريكي في تجارة الطاقة.
هذا النظام المعروف باسم "بترودولار" تأسس في السبعينيات وعزز الهيمنة المالية للولايات المتحدة. ورغم أن الدولار ليس على وشك الانهيار، فإن عدم الاستقرار الجيوسياسي في الخليج من الممكن أن يؤدي إلى التعجيل بالاتجاهات القائمة التي تعمل بالفعل على إعادة تشكيل المشهد النقدي الدولي.
ولد نظام البترودولار سنة 1974 انطلاقا من الاتفاق بين واشنطن والمملكة العربية السعودية، الذي نص على أن يتم بشكل حصري تسعير النفط السعودي بالدولار، وأن يتم إعادة استثمار الإيرادات الزائدة في الأسواق المالية الأمريكية. وقد أدى هذا الترتيب إلى خلق حلقة من ردود الفعل المالية، وربط النفط هيكلياً بالدولار وضمان استمرار الطلب العالمي على العملة الأمريكية.
واليوم، لا يزال الدولار يمثل حصة كبيرة من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية وأغلبية المعاملات النفطية. ومع ذلك، فإن الأنظمة النقدية لا تعتمد فقط على الاقتصاد؛ كما أنها تعكس هياكل السلطة الجيوسياسية. تتبع هيمنة العملة عمومًا القيادة الجيوسياسية. يعتمد نظام البترودولار على ثلاث ركائز مترابطة: إنتاج الطاقة المستقر في الخليج، وتجارة النفط المقومة بالدولار، والأمن الإقليمي الذي توفره الولايات المتحدة. إن صراعاً كبيراً يشمل إيران يهدد هذه الركائز الثلاث.
إن مضيق هرمز الذي يمر عبره جزء كبير من نفط العالم منطقة حساسة بشكل خاص. وقد أدت التوترات المحدودة في هذا المجال بالفعل إلى ارتفاع أسعار النفط. إن المواجهة العسكرية لن تؤدي إلى تعطيل الممرات الملاحية فحسب، بل إنها قد تؤدي أيضاً إلى تقويض الثقة في الخليج باعتباره مرساة مستقرة لنظام الطاقة العالمي. إن الثقة هي البنية الأساسية غير المرئية للتمويل العالمي، وقد يؤدي ضعفها إلى دفع رأس المال إلى البحث عن مراكز بديلة للاستقرار.
يظهر التاريخ أن المراكز المالية العالمية تتحول مع التغيرات في القوة الجيوسياسية، حيث انتقلت من أمستردام إلى لندن ثم إلى نيويورك. ونحن نلاحظ حاليا تحولا هيكليا آخر: التحول في الطلب العالمي على الطاقة نحو آسيا. فالصين أصبحت أكبر مستورد للنفط، وتشهد الاقتصادات الآسيوية الأخرى نمواً سريعاً في الاستهلاك. ولهذا التغيير آثار نقدية، حيث يمكن تسوية حصة متزايدة من تجارة النفط بعملات أخرى غير عملة الدولار.
وقد أصبحت علامات التنويع واضحة بالفعل، حيث تعمل الصين على تشجيع تدويل هذه الظاهرة واستكشاف الاقتصادات الناشئة الأخرى لصفقات التجارة بالعملة المحلية. ورغم أن هذه التطورات لا تزال متواضعة، فإنها تشير إلى إعادة تشكيل بطيئة للجغرافيا المالية العالمية، ويمكن لهذه الإعادة أن تتسارع بسبب التوترات الجيوسياسية. لقد أصبحت العقوبات والقيود المالية أدوات للسلطة، مما دفع البلدان المستهدفة إلى البحث عن سبل لتقليل اعتمادها على الأنظمة القائمة.
وفي الأمد البعيد، يستطيع العالم أن يتحرك نحو نظام نقدي أكثر تجزئة وأقل تركيزاً على الدولار. ومع ذلك، فمن غير المرجح حدوث انهيار وشيك للدولار، نظراً لعمق وسيولة الأسواق المالية الأمريكية ووضع وزارة الخزانة الأمريكية كأصل آمن. ومن المرجح أن يتطور النظام تدريجياً إلى مشهد متعدد الأقطاب حيث يظل الدولار مركزياً ولكنه يتقاسم مساحة أكبر مع العملات الأخرى.
وبالنسبة للدول ذات الأغلبية المسلمة، فإن العواقب كبيرة، لأن الخليج مركز اقتصادي رئيسي. ومن الممكن أيضاً أن يؤدي النظام المالي الأكثر تنوعاً إلى خلق فرص جديدة للتعاون الاقتصادي في آسيا وإفريقيا وفي دول الجنوب عامة. ويتمثل التحدي الذي يواجه العديد من البلدان في وضع نفسها بشكل استراتيجي في نظام دولي متطور.
إن الأنظمة المالية العالمية لا تنهار فجأة، بل تتحول ببطء، وهو ما يعكس التغيرات في الحقائق الاقتصادية والجيوسياسية.