آذار الأسود والبرغل المر- علي السوري الجزء الرابع 29-


لمى محمد
الحوار المتمدن - العدد: 8638 - 2026 / 3 / 6 - 22:49
المحور: الادب والفن     

لم أكره أحداً في كل حياتي: غضبت، حزنت، تجاهلت، انسحبت، لكنني لم أعرف يوماً معنى أن تكره أو أن تطعن في عشرة أو أن تبصق في خبز وملح… وزعتر…


مجازر الساحل في آذار الأسود عام 2025 جمعت كل غضبي، حزني و قلة حيلتي في وعاء برغل بحمص كبير، اعتاد أبناء الثقافة العلويّة الطيبون أن يقدمونه للمحتاجين والفقراء في الأعياد..

غليناه وغلينا.. حتى صار مراً، مرٌ بطعم صورة قلب الشاب الذي قالوا لأبيه: “ اقتلعنا قلبه لتدفئته!” ، مر بطعم الماء في حلق من قتلوا عائلته كلها: الأم، الأب، الأخ ، الأخت و الأقرباء، ونجى هو بصدفة هجرة!

مرٌ كصوت بكاء طفلة في الرابعة داس الهمج عليها وهم يجرجرون تكفيرهم فوق كل محرمات الديانات في دماء عائلة فتحت لهم الباب ظانة أنها إن كانت بريئة ستنجو من أحكام ابن تيمية!

برغلٌ مرّ كصور شهادات الطب على الحائط لمئات الأطباء والصيادلة الذين ذبحهم الهمج بدم بارد بعد أن استباحوا بيوتهم ونهبوا ما فيها، وكأن القضاء على المتعلمين يكفل زهو الجهلة!

ما حدث في المجازر ضد العلويين في رمضان 2025 لم يكن آثاراً جانبية لبضع عشرات من الشباب المحقون الغبي ولا كان نتيجة انقلاب مزعوم كما حاول (الشرفاء) تصديره للغرب، ما حدث كان سلسلة من مجازر قرأنا عن مثلها فيتواريخ التكفيريين:
عندما اجتاحت قوافل الهمج بيوت المدنيين واستباحتها بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ثم ارتكبت أكثر من ستين مجزرة على أعين هذا العالم المنافق وفي زمن الفضاء الافتراضي والعولمة.

من نجا من القتل لم ينجُ من الاستباحة، من السرقات، من العواء، لقد عوينا جميعنا -وأنا أول من عوى- في مقدمة لعواء الشعب -شعبي أيضاً- بكله.

البرغل بحمص، المر، المر، المر.. لم يُعتَرف به، لنحاول كمثقفين إنقاذ حلم البلاد، لا حاول (الشرفاء) تحويله إلى برغر وبيتزا بحسب دولهم المضيفة، بل وبعضهم تجاهله وكأنه لم يكن، وكأن كارما آلاف الأرواح التي زهقت لن تلاحقهم وأولادهم..
هكذا عرفت أن الشعب بكله سيعوي، اليوم، غداً.. وإلى الأبد.. فثقافة الأبد لم تنتهِ ولن تنتهي قريباً.
المجازر لا تسقط بالتقادم لا مجازر النظام السابق ولا الحالي.


لم أكره أحداً في كل حياتي: غضبت، حزنت، تجاهلت، انسحبت، لكنني لم أعرف يوماً معنى أن تكره أو أن تطعن في عشرة أو أن تبصق في خبز وملح… وزعتر..
لن أكره، فالكراهية تأكل صاحبها قبل أي آخر، مرورة البرغل بالدم، يجب أن تضمن معادلة الإنسان: لا حقد ولا كراهية، لكن أيضاً لا نسيان ، فالطب النفسي علمني أن كارما الأبرياء لن تترك مُبرِّراً ولا متجاهلاً في حاله، من يزرع الكراهية، لن يحصد الوطن.

***********

لم أكره أحداً في كل حياتي: غضبت، حزنت، تجاهلت، انسحبت، لكنني لم أعرف يوماً معنى أن تكره أو أن تطعن في عشرة أو أن تبصق في خبز وملح… وزعتر…

عندما دخلت أمريكا منذ أكثر من سبعة عشرة عاماً، رأيتُ الشعب الأمريكي -شعبي اليوم- في غالبيته تحت مظلة القانون، تعددت معتقداتهم، ألوانهم، أديانهم، أعراقهم، طوائفهم وتوجهاتهم السياسية، بينما يقفون بالدور لشراء كوب قهوة، يبدأ صباح عملهم في الخامسة وينتهي في الخامسة..

يعيشون ليعملوا ويعملون ليعيشوا.. يثقون بنظامهم وحكوماتهم في كونها ستحمي مواطنتهم وتمنع ظلمهم..
يتعاملون مع ضباط الشرطة والقضاة كما كنا في سوريا نعامل الأطباء.. احترام كبير، أنتم يد الله على الأرض، أنتم من ستأخذون لنا حقوقنا ولن تسألوا عن أي إطار وضعنا موروثنا فيه…

رأيتُ كثيراً من الأمريكيين لا يعرفون أي شيء عن الشرق الأوسط إلا ما يصدره لهم الإعلام، ولا يعرفون عن طوائفه إلا ما حكاه التاريخ عن تاريخ الظلم والأقليات بكلها، بكثرتها حول العالم.

اليوم الغالبية الساحقة من الشعب الأمريكي لا تريد الحرب، الشعب هنا في غالبيته يتوجه إعلاميّاً.. ومن يظن هوليوود مكاناً لصناعة الفن فقط فهو لم يسبر الأفلام والمسلسلات كما يجب..
هوليوود وكثير من إعلام البلاد موجه سياسياً، ودراستي للطب النفسي السياسي علمتني أن هذا من أكثر أشكال تعمية الشعوب نجاحاً.


-هل تعلم يا رفيق: تسير اليوم في الشوارع لتشاهد مظاهرات لمواطنين إيرانيين أمريكيين يشرحون لماذا يجب إسقاط النظام الايراني ويبررون الحرب والقتل...
لا تستطيع أية دولة في العالم ولا أية مؤامرة أن تحرك إبرة في دولة أخرى إلا بتعاون قسم من شعب الأخيرة.
الديكتاتوريات هي من يستجلب الحروب والموت قبل أي آخر.

-هل برأيكِ سيكسب الأمريكيون الحرب؟ هل تؤيدين قسماً كبيراً من مثقفي المعارضة الايرانية وهم يدعمون حرباً لن تبقي ولن تذر؟

-سؤالك مثال للمغالطات.. كيف يكون الكاتب أو الفنان أو الأديب أو الطبيب أو الشاعر أو المؤمن من السفالة بأن يؤيد أي حرب وأي موت لطفل في أية بقعة من هذا العالم الملعون؟
كيف يصفق أي (شريف) لحرب مهما كانت غايتها (المزعومة)؟

يجب أن تسألني من سيكسب ترامب أو الشعب الأمريكي؟ عندها سأجيبك:
سيكسب الشعب الأمريكي وسيخسر ترامب الحرب، وغيرها.

********

من يحاول تبرئة النظام السوري السابق اليوم مساهمٌ في مرورة البرغل.. يكفي غباء.. يكفي مزاودة.
أجل كانت المعركة سابقاً سياسية بين الموالين والمعارضين.. واليوم هي طائفية تكفيرية، ومعكم حق ما حدث من استباحة للأقليات أعادنا إلى زمن الجاهلية، لكن هذا لا يعطي أبداً صك الغفران للديكتاتورية السابقة، هل تقارنون بين السرطان والطاعون؟
شاهدونا مهجرين في السابق ومهجرين اليوم.

عشتُ في سوريا أعواماً كثيرة من شبابي:
رأيت أبي يحبس دموعه عندما تم نفيه وتعيين واحد من أكسل تلاميذه مديراً لمكان عمله بسبب الواسطة والمحسوبية..
رأيتُ أمي تبكي لأن إحداهنّ قالت لها: “ نحن الدولة، ولست ِ إلا معلمة تعمل في مدارسنا”.
بكيتُ أخي مقهوراً في سجن صيدنايا بسبب فراره من خدمة إجبارية لم يردها..
رأيتُ عمتي بكل علمها تعمل موظفة عند من يسرقون أفكارها…
رأيتُ خالي تُقَصْقصُ أجنحةُ أحلامه بسبب انتمائه لأسرة، كُتِبَتْ عليها سمعة المعارضة.
رأيت أفراداً كثراً في أسرة تحتوي من جميع الأخلاق -كما كل الأسر في العالم- يدفعون ثمن المحسوبيات، الواسطة و(القضية)!
مع هذا وأنا في داخل البلاد لم أفتح فمي بحرف، وإن أشارت كتاباتي إلى مواقع الخلل، لم تصرح بها أبداً..
ليس لأنني جبانة، بل على العكس لأنني أعلم تماماً أنني سأتكلم يوماً بصوتٍ عالٍ يُسمعُ، وأن عليّ تهيئة الطريق لذلك بالعلم..بالعلم.. بالعلم.

درستُ ستة عشرة ساعة في اليوم، درستُ جائعة، درستُ على ضوء الكاز وضجيج أبنية تقوم بلا تراخيص أو تجدد بلا مراعاة لحق الجوار.
في كل سنة تمر، كنت أعرف تماماً أن القوة ليست بصوت عالٍ، ولا إسهال كلامي، بل بقدرتك على ضبط النفس وفعل ما بوسعك لغد أفضل.. مستقبل أحلى لأولاد الله جميعاً، فالخلق كلهم عيال الله وأنا أردتُ أن أكون من الأحب إلى قلبه.
عندما قال لي عضو الكونغرس أن روايتي كانت مما راجعه المهتمون بالشأن السوري في أمريكا، عرفت عندها أن صوتي كان كالعطر، إن تعتق أثر وآثر.

في سوريا اليوم مشروع هزيمة، ادرسوا ولا تساهموا في زمن الهزائم.


يتبع…