اللغات محايدة الجنس النحوي والنظام الأبوي وأمومية اللغة العربية (4)


حسين علوان حسين
الحوار المتمدن - العدد: 8569 - 2025 / 12 / 27 - 20:13
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات     

أمومية اللغة العربية
في الحلقات السابقة، بيّنت بإيجاز كيف أن وجود النظام الصرفي العربي في التذكير والتأنيث – عكس النظام اللغوي الحيادي المبهم والمفتقر لمفهوم "الجنس النحوي"واللاغي للذكر وللأنثى على حد سواء (مثلما تفعل الإنجليزية)– إنما يساهم في الموازنة بين الجنسين وذلك باتاحته الإفصاح الواضح في الإشارة إلى أي منهما وبما يمنع الإبهام والإلغاء. ولكون الأنظمة الصرفية والقاموسية والنحوية العربية تصنف كل الأسماء على كونها إما مذكرة أو مؤنثة بغض النظر عن حقيقتها البيولوجية؛ لذا، فإن هذه الخاصية تفتح نافذة للتعرف على "المنطق" الذي يحكم هذا التصنيف.
هذه النافذة يفتحها الجواب على السؤال: ما هي المسميات التي اختارت اللغة العربية تذكيرها، وأيها تأنيثها؟ وعندما نتحدث عن المفهوم اللنحوي للتذكير والتأنيث فإن هذا ينصرف على المفردات القاموسية التي تعتبر مؤنثة إما لإلحاق أدوات التأنيث بآخرها، أو لكونها مؤنثة بحكم الإشارة اليها بالضمائر الخاصة بالتأنيث للغائب. ومن المعلوم أن علامات التأنيث في الأسماء والصفات العربية هي التاء المربوطة (ة : سيدة)، والألف الكاف (ى : سلوى)، والألف الممدودة (اء : حمراء). أما ضمائر الشخص الثالث الغائب فهي "هي" للمفرد، و"هما" للمثنى (تشترك فيه مع المذكر)، و "هنَّ" لجمع الإناث. وفي الجمع المؤنث السالم (ات : بنات). أما في الأفعال، فمضارعها يستهل بالتاء، وماضيها تلحق تاء التانيث بآخره، وأمرها يختم بالياء. كما يشار للمؤنثة القريبة بالضمير "هذه"، وللبعيدة بالضمير "تلك".
ويمكن ملاحظة وجود الأبنية اللغوية الأنثوية أدناه التي تطلق على الذكور فقط:
1. أسماء العلم: حمزة، عكرمة، معاوية، حيدرة، إبرهة، حنظلة، أُسامة ..
2. جمع الجموع: رجال/رجالات، سيد/سادات، صاحب/صحابة، عات/عتات..
3. جواز استخدام ضميري التأنيث "هي/تلك" مع جمع التكسير بحمله على معنى الجماعة الواحدة: هذه/تلك الرُّسُلُ والأنبياء والعلماء والشُّعراء والرُّواة والأدباء والقرّاء..
4. جواز استهلال الفعل المضارع بتاء التأنيث أو إلحاق تاء التأنيث بالفعل المضارع مع جموع التكسير والمذكر السالم: تقول/قالت الحكماء والخطباء والشعراء والرجال والملوك والأنبياء والبنون والمعلمون...
الأبنية أعلاه تُظهر ليس فقط حيادية النوع الجنسي - مذكر/مؤنت - في العربية، بل وتؤكد كذلك وجود إنحياز (bias) بنيوي واضح للتأنيث في العربية، تعززه الظواهر البنيوية أدناه:
5. جواز تأنيث أسماء الأجناس الدالة على الجمع (التي تصدق على الذكور والإناث العاقلة) وليس لها صيغة مفردة من لفظها مثل: قوم، رهط، ملأ، نفر، جيش، ناس، يهود، فرس، روم، ترك، مجوس.
6. أعتبر البصريون أن كل الجموع في العربية هي مؤنثة ولا يُذكَّر منها إلا جمع المذكر السالم؛ فيما أجاز الكوفيون التذكير والتأنيث للجموع كافة سواء كانت جمع تكسير أو مذكر سالم أو مؤنث سالم أو ملحقاتها.
السؤال هو: كيف يمكن تفسير هذا الإنحياز البنوي لصالح التانيث في العربية؟
برأيي، هذا الإنحياز يستبطن الأصل الأمومي الأول للغة العربية، والذي تدلل عليه على نحو قاطع دلالة مفردة البطن/ البطون على جماعة العشيرة/القبيلة (بطون قريش، مثلاً) المتحدرة من أُرومة واحدة، لتوكيد مسؤولية المرأة عن خلق حياة البشر. ولدينا في العراقية كلمة "حمولة" التي تطلق على كل عائلة أو مجموعة تربطها روابط القربي من الأم الأولى التي حملت بهم؛ بل وترتبط كذلك هذه الجماعة بأصالة المحتد والأخلاق الإجتماعية بفضل شرف المنبت الأمومي في المخيال الجماعي. ولدينا في أغنية الراحل ناظم الغزالي التي مطلعها:
يا ابن الحمولة، عليّا شبدَّلك، حُسنَك مرقّيك، لو عادة إلك؟
خير دليل راسخ فولكلورياً على أمومية اللغة العربية التي تسمح بمخاطبة المؤنث بالمذكر، وليس العكس...
وعلى هذا، فإن أي كلام عن "سيطرة/هيمنة/ أولوية" المذكر على المؤنث في العربية هو خرط غير علمي، ومثله الكلام عن "ذكورية اللغة العربية"، ببساطة للإنحياز الأمومي الواضح في أبنيتها المؤنثة. ومن نافلة القول أن "الذكورية" هي بنية أجتماعية-طبقية، وليست لغوية؛ وهي لا تنتهي بتاتاً إلا بانهاء الطبقات الإجنماعية.
إنتهت.