فؤاد النمري - كاتب ومفكر ماركسي بلشفي - في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: ثورة البلاشفة الروس لم تزل تقرر شروط التطور في العالم.


فؤاد النمري
الحوار المتمدن - العدد: 5676 - 2017 / 10 / 22 - 17:42
المحور: مقابلات و حوارات     

من اجل تنشيط الحوارات الفكرية والثقافية والسياسية بين الكتاب والكاتبات والشخصيات السياسية والاجتماعية والثقافية الأخرى من جهة، وبين قراء وقارئات موقع الحوار المتمدن على الانترنت من جهة أخرى، ومن أجل تعزيز التفاعل الايجابي والحوار اليساري والعلماني والديمقراطي الموضوعي والحضاري البناء، تقوم مؤسسة الحوار المتمدن بأجراء حوارات مفتوحة حول المواضيع الحساسة والمهمة المتعلقة بتطوير مجتمعاتنا وتحديثها وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وحقوق المرأة والعدالة الاجتماعية والتقدم والسلام.
حوارنا -209- سيكون مع الأستاذ فؤاد النمري - كاتب ومفكر ماركسي بلشفي - حول: ثورة البلاشفة الروس لم تزل تقرر شروط التطور في العالم.

 

 
ثورة البلاشفة الروس لم تزل تقرر شروط التطور في العالم

في البداية وأنا أُكلف لمحاورة قراء الحوار المتمدن للمرة الثالثة أود أن أستسمح الماركسيين خصوصاً من مختلف الطبقات والنحل للكشف عن حقيقة صادمة وهي أن أحداً منهم لم يتعرف بعد على حقيقة ثورة أكتوبر الإشتراكية العظمى من غير البلاشفة الجدد .
في ليلة 6/7 نوفمبر 1917 أعطى فلاديمير إيلتش لينين، وهو أعظم قائد سياسي في تاريخ البشرية، تعليماته لقيادة البلاشفة الروس في أن يستولوا في تلك الليلة بالذات على السلطة في روسيا القيصرية التي امتدت على عرض قارتي آسيا وأوروبا كي يبدأ تاريخ جديد للبشرية جمعاء، تاريخ التحرر من قيد الإنتاج الصدء الموروث من العهود الحيوانية السحيقة واستغلال الإنسان لأخيه الإنسان، فكان صبيحة 7 نوفمبر 1917 في التقويم الجريجوري هو حقاً 01/01/01 في تاريخ الإنسانية الجديد حسب "التقويم البولشفي" . ولذلك نحن الماركسيين البلاشفة الجدد سنحتفي بالذكرى القادمة لثورة أكتوبر الإشتراكية العظمى والقادم بعد نحو اسبوعين بتاريخ 01/01/ 100 (BO) ـ التقويم البولشفي .

في العيد المئوي القادم المصادف 01/01/ 100 (BO) سننشد مزمورين ..
(1) اامزمور الأول يقول .. ثورة أكتوبر الإشتراكية العظمى لم ولن تفشل وما زالت تحكم شروط تطور العالم .
(2) والمزمور الثاني يقول .. إن أعدى أعداء الثورة الشيوعية هم أبناؤها من الشيوعيين المنحرفين والماركسيين المفلسين .


سيقلب أبناء الثورة الشيوعية أكفهم وبلوون شفاههم متسائلين باستهجان عما يتحدث دعيّ البولشفية هذا !؟
الكثيرون من أبناء الثورة الشيوعية تحدثوا عن فشل ثورة أكتوبر وقال العديدون منهم أن الفشل كان بسبب أن الثورة جاءت من خارج التاريخ وبلغ الأمر بأحد كبارهم أن طالب بكل وقاحة بمحاكمة لينين .
ثورة أكتوبر ما زالت شروطها تحكم تطور العالم .
ما جرى تجاهله لفترة طويلة دون تحسّب لأهمية ذلك هو أن لينين لم يدعُ لثورة اشتراكية (Socialist Revolution) في موضوعات نيسان 1917 الشهيرة، بل دعا إلى انتفاضة بولشفية (Bolshevik Insurrection) وكرر في رسالته إلى أعضاء الحزب في الشمال أن شعار " كل السلطة للسوفيتات " يعني مباشرة الدعوة إلى إنتفاضة (Insurrection) إنتفاضة وليس ثورة (Revolution) ، انتفاضة تبقي على علاقات الإنتاج كما هي في حالة الثورة البورجوازية، والسوفييت هو مجلس مفوضي العمال والجنود والفلاحين، والجنود والفلاحون هم من الشرائح الكبرى في طبقة البورجوازية الوضيعة (Petty-bourgeoisie)التي كانت العدو الرئيسي للإشتراكية في الاتحاد السوفياتي . وقائع التاريخ في الإتحاد السوفياتي تقول أن لينين أعلن الثورة الاشتراكية العالمية في مارس آذار 1919 فقط بعد أن تأكد له أن البروليتاريا السوفياتية هي أقوى حتى من البروليتاريا في ألمانيا وفي انجلترا وعليه فإن أمور العالم كما أكد لينين ستتقرر في موسكو من قبل البروليتاريا السوفياتية . أعلن لينين الثورة الاشتراكية العالمية قبل أن يكون هناك اشتراكية في الاتحاد السوفياتي . فقط في المؤتمر العام العاشر للحزب في مارس آذار 1921 ، بعد أن تمكنت البروليتاريا السوفياتية بقيادة حزبها الشيوعي من سحق تسعة عشر جيشاً أرسلتها الدول الرأسمالية مجتمعة إلى روسيا لسحق الثورة البولشفية في مهدها وارتدت خائبة مهزومة، فقط في ذلك المؤتمر دار نقاش حامي الوطيس حول إذا ما كان بالإمكان بناء النظام الإشتراكي في بلد واحد هو الاتحاد السوفياتي . وفي نهاية المؤتمر قرر لينين أن بناء الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي من شأنه أن يشد من عزيمة القوى الإشتراكية في أوروبا الغربية . وقدم في هذا الإتجاه للحزب الخطة الإقتصادية الجديدة "النيب" (New Economic Plan) التي تسمح بإقامة شركات رأسمالية أجنبية في الإتحاد السوفياتي، وكانت حجة لينين في تلك الخطة هي أن يتعلم المدراء السوفيات إدارة المشاريع بهدف تعظيم العائد المادي كما هي الإدارة الرأسمالية، وحذر لينين كوادر الحزب من التباطؤ في أن يتعلموا إدارة المشاريع الصناعية لأن ذلك سيمد في عمر النيب وسيشكل ذلك خطراً على الثورة، كما حذر من أن تفهم الخطة على أنها عودة إلى النظام الرأسمالي ورأسمالية الدولة، وأكد أن الدولة السوفياتية وهي تسمح بإقامة مشاريع رأسمالية لأغراض محددة هي دولة دكتاتورية البروليتاريا بقيادة الحزب الشيوعي .
في العام 1922 كانت الشعوب السوفياتية تبيت على الطوى، وفي العام 1926 عاد مستوى الإنتاج القومي في الاتحاد اسوفياتي إلى مستواه فيما قبل الحرب في العام 1913 وبدأت الدولة السوفياتية تحد من نشاط النيب . ما بين 1928 و 1932 حقق الاتخاد السوفياتي اختراقين في التنمية حيث تم إنجاز الخطة الخمسية الأولى في أقل من أربع سنوات، تلك الخطة التي استهولها تشيرتشل حتى أنه تحدى الحالم في الكرملين ـ يقصد ستالين ـ إذا ما تم إنجاز كل ما جاء في الخطة في خمس سنوات فإنه هو نفسه سيتحول إلى الشيوعية . أنجزت الخطة في أقل من 4 سنوات لكن تشيرتشل حنث بوعده . وفي نفس الوقت تم التغلب على عقدة كأداء في التنمية الزراعية كان يتخوف منها لينين وهي تحويل الزراعات الفردية المتخلفة إلى زراعة تعاونية تعتمد على أحدث الوسائل ألزراعية . في العام 1936 بعد انجاز الخطة الخماسية الثانية كانت الصحافة الأميركية تسخر من الرأسمالية الأميركية وتقارن رغد العيش في الاتحاد السوفياتي بطوابير الشوربة في الولايات المتحدة . ما بين العام 1929 و 1938 تضاعف الإنتاج الصناعيى خمس مرات وتضاعفت طبقة البروليتاريا عشر مرات وهو ما يؤكد أن الدولة السوفياتية هي دولة دكتاتورية البروليتاريا خلافاً لكل التخرصات الوضيعة.

في الحرب العالمية الثانية 1939 – 1945 ثبت بما لا يدع مجالاً للشك في أن المجهودات الحربية السوفياتية لم تقو على مثلها الدول الرأسمالية العظمى مجتمعة فقد استسلمت فرنسا لهتلر بعد بضعة أسابيع من مقاومة الغزو النازي وظلت طيلة الحرب بريطانيا والولايات المتحدة تحاربان 30 فرقة ايطالية سيئة التدريب والتسليح بعيداً على شواطئ المتوسط بينما كان الاتحاد السوفياتي يواجه 180 فرقة نازية جيدة التدريب والتسليح دون أدنى مشاركة من جانب الحلفاء . وفي 6 نيسان ابريل 1943 كتب تشيرتشل إلى ستالين يقول .. " أنا أعي بكل جوارحي الحمل الكبير الذي تقومون به في قضيتنا المشتركة فأنتم المردة ونحن لا نستطيع مجاراتكم " . الحرب العالمية الثانية أثبتت في الواقع أن المستقبل للنظام الإشتراكي وقد خرج الإتحاد السوفياتي من الحرب أقوى قوة في الأرض . وبإثر ذلك نهضت شعوب الدول المستعمرة والتابعة تطالب بفك الروابط مع مراكز الرأسمالية الإمبريالية وهو ما أغلق دورة الإنتاج الرأسمالي (نقد ـ بضاعة ـ نقد) فكان نتيجة ذلك الإنهيار . وقرأ الخمسة الكبار (G 5) في مؤتمر رامبوييه 16 نوفمبر 1975 صلاة الميت على روح النظام الرأسمالي . وهكذا فعندما قال لينين في العام 1919 أن مصائر العالم ستقررها البروليتاريا السوفياتية لم يكن يرجم في الغيب .
ومن نتائج الحرب أيضاً هو أن شعوب أوروبا الرأسمالية أخذت تميل إلى النظام الإشتراكي بعد أن رأت الفرق في مواجهة النازية وهو ما أفقد الرأسمالية الأميركية رشدها فأخذت تنفق كل مقدراتها في مقاومة الشيوعية بدءاً بمشروع مارشال 1947 حيث أنفقت لولايات المتحدة 13 مليار دولار وهو ما يعادل اليوم أكثر من 500 مليار دولار على دول أوروبا الغربية كيلا تلتحق بالشيوعية . أما في دول شرق وجنوب شرق آسيا التي كانت كوريدورات لعواصف الثورة الشيوعية فلم يكن لذلك من علاج سوى نقل النظام الرأسمالي من أميركا إلى دول المنطقة وبدأ الشعب الأميركي يستورد قوى العمل من شرق آسيا ويتحول تبعاً لذلك إلى إنتاج الخدمات التي لا قيمة تبادلية لها . أميركا التي استنفذت كل مقدراتها في مقاومة الشيوعية عملت على جلب الشيوعية إلى عقر دارها فرأينا في الانتخابات الأخيرة المرشح الإشتراكي بيرني ساندرز (Bernard Sanders) يحظي بتأييد واسع مما اضطر هيلاري كلنتون لتعديل برنامجها الإنتخابي لصالح الفقراء من أجل احتواء ساندرز .

ما يجدر ذكره في هذا السياق هو أن الدول الرأسمالية الإمبريالية مجتمعة كانت قد لحقت بها هزيمة كبرى في العام 1921 على أيدي البلاشفة وهي الهزيمة التي أكدت نهاية النظام الرأسمالي الإمبريالي في وقت قريب . لذلك استبدلت الدول الإمبريالية بقيادة بريطانيا ومخابراتها المعروفة بانحطاطها القيمي والأخلاقي أولوية السياسة الإمبريالية بأولوية مقاومة الشيوعية وهو ما سمح بتجنيد يمينيين من بلاد محايدة فكان أن نجحت بدفع الفاشيين في ايطاليا بقيادة بنيتو موسوليني إلى رأس السلطة في العام 1922، وتشكيل منظمة للإخوان المسلمين بقيادة حسن البنا في مصر في العام 1928، ومساعدة الحزب النازي بقيادة أدولف هتلر في تولي السلطة في ألمانيا في العام 1933 . المخابرات البريطانية وقد انحطت إلى الدرك الأسفل كانت تظن أن التاريخ بات لعبة في يديها فكانت مؤامراتها في ايطاليا وفي مصر وفي ألمانيا ضد بريطانيا نفسها قبل أن تكون ضد الشيوعية، ومن سخرية الأقدار أن الشيوعية ليس غيرها هي من حمى بريطانيا ومخابراتها من الغول النازي .

مواجهة العدوان النازي كان لها أن تضع حداً لسياسة الصراع الطبقي وهي المبدأ الأساسي للعمل الشيوعي في الإتحاد السوفياتي . لذلك لم يعقد الحزب الشيوعي أي مؤتمر عام له خلال الحرب وإعادة إعمار ما دمرته الحرب حيث في تلك الأثناء لم تمتلك الدولة بكل ملاكاتها جدولاً للأعمال فالحرب بتقلبات شروطها في كل ساعة هي ما يملي عمل الدولة بصورة عاجلة ومفاجئة ، كما أن إعادة الإعمارالهائلة تطلب تكريس كل الجهود لمختلف الطبقات من أجل إنجازه في أقل من خمس سنوات بينما استغرق ذلك في غرب أكثر من عشر سنوات رغم الفارق الكبير في حجم الدمار .

مرة أخرى نقف أمام قصور ماركسي جلب أفدح الأخطار للثورة الشيوعية . لم يدرك ذاك القصور وتلك الأخطار أحد آخر غير ستالين القائد الملهم والطليعي لجبهة البروليتاريا العالمية . الإنتصار التاريخي الذي حققه الاتحاد السوفياتي على النازية في أوروبا وحملة إعادة الإعمار الكبرى التي تطلبت تعبئة وطنية شاملة كما في الحرب الوطنية، تلك الجهود العملاقة بكل المقاييس شاركت فيها طبقة البورجوازية الوضيعة السوفياتية بمقدار ما شاركت البروليتاريا، وهو ما نجم عنه أزمة اجتماعية كبرى واجهها الحزب الشيوعي دون أن يتمكن من تجاوزها . لم يعِ تلك الأزمة الكبرى في الحياة السوفياتية غير ستالين وهو ما زاد من خطورة الأزمة . كيف للحزب الشيوعي أن يستأنف الصراع ضد البورجوازية الوضيعة !؟ كيف يمكن لستالين أن ينكر آلاف الأوسمة والنياشين التي علقها هو نفسه على صدور عشرات المارشالات وآلاف الجنرالات تقديراً لإنجازاتهم وشجاعتهم في الدفاع عن الوطن !؟ وكيف له أن ينكر دور الفلاحين في الحرب وقد وفروا أفضل الغذاء للعسكر وللأهالي لعشرسنوات صعبة !؟ تلك هي الأزمة الخطيرة التي لم يواجهها أحد آخر غير ستالين ؛ نقول ستالين ليس لأنه كان قائد الحزب والدولة بل لأنه كان أيضاً الماركسي الرفيع الذي لم يقربه أحد آخر في القيادة .

لاستجلاء عمق الأزمة وخطورتها يلزم تتبع نشاط ستالين في السنوات الثلاث الأخيرة من حياته وكيف واجه ستالين تلك الأزمة الخطيرة . في العام 1950 بعد انتهاء إعادة الإعمار دعا ستالين لعقد ندوة تجمع الخبراء في علم الإقتصاد وبعض قادة الحزب وكان موضوع الندوة "القضايا الإقتصادية للإشتراكية في الاتحاد السوفياتي" . لأول مرة يطلب ستالين عقد ندوة عامة غير حزبية للنظر في قضايا اقتصادية ذات أولوية في الاتحاد السوفياتي والقرار فيها موكول للحزب الشيوعي فقط دون غيره . طبعاً ما كان ذلك ليكون إلا ليتعرف ستالين كيف يمكن استئناف الصراع الطبقي الذي ستخوضه البروليتاريا ضد البورجوازية الوضيعة السوفياتية صاحبة الأفضال على الوطن طالما أنه ليس هناك اشتراكية بدون صراع طبقي . في تلك الندوة ظهر ستالين على غير ماهو ستالين الذي نعرف ؛ عرفنا ستالين يؤكد في العام 1938 أنه كلما تقدم العبور الاشتراكيي كلما احتدم أكثر الصراع الطبقي، أما في تلك الندوة المفصلية فقد انتصر ستالين إلى التآخي الطبقي وأكد أن الصراع الطبقي سيشكل خطراً حقيقياً على الثورة الإشتراكية . السؤال الحدي الذي يفرض نفسه هنا هو ما أسباب هذا الإنقلاب في القائد الرائد لعمال العالم وثورتهم الشيوعية!!؟
الجواب الوحيد على هذا هو فقط الإنقلاب الطبقي داخل المجتمع السوفياتي فقد ألحقت الحرب خسائر عظمى بطبقة العمال السوفييت وسُجلت الإنتصارات في الحرب باسم مارشالات وجنرالات الجيش الأحمر وهم طلائعيو البورجوازية الوضيعة . ذلك كان أصعب مسألة يواجهها البلاشفة الروس . وهنا نستذكر قولاً لتشيرتشل عن ستالين .. "يعرف كيف يخرج من مخلف الصعوبات التي تواحهه" . فعلاً رأى ستالين أن اختلال ميزان القوى بين البروليتاريا السوفياتية والبورجوازية الوضيعة له علاج واحد فقط وهو توجيه قوى الإنتاج من الصناعات الثقيلة إلى الصناعات الخفيفة حيث يوفر ذلك رغد العيش لكل السوفياتيين وهو ما يسمح بتنعيم الصراع الطبقي من جهة وتعظيم الطبقة العاملة ويعيد ميزان القوى إلى ما كان عليه قبل الحرب . لكن لماذا لم يتم ذلك !؟
لم يتم ذلك بسبب اغتيال ستالين غلى ايدي رفاقه في المكتب السياسي أثناء العشاء في 28 فبراير 1953 خاصة وأن ستالين كان في نوفمبر 1952 قد طلب من المؤتمر العام للحزب إستبدال جميع أعضاء المكتب السياسي الكهول بشباب متحمسين للعمل الشيوعي وشدد على أن القلق على مصائر الثورة بقيادة كهول المكتب الحالي يستبد به ليل نهار . والسبب الثاني هو أسلوب ستالين في العمل الشيوعي الذي اعتمد دائماً على السرية التي ورثها من العمل الشيوعي السري إبان الحكم القيصري فكان بسبب ذلك أن انتحرت زوجته لأنه لا يتكلم مهعا عن قضايا الدولة والحزب وهي تشغل كل وقته، وأبعد مولوتوف عن الدائرة الضيقة القيادية علما أن مولوتوف هو رفيق لينين ومؤسس جريدة البرافدا ورئيس الوزراء طيلة الثلاثينيات وسبب ذلك هو أنه يتحدث مع زوجته عن امور الحزب والدولة فلو لم يبعد مولوتوف لما جرى اغتيال ستالين ولما تم الإنقلاب على الاشتتراكية في العام 53 . سرية العمل الشيوعي في الدولة الإشتراكية إنعكس ضد الإشتراكية ؛ فلو كان الحزب بمختلف كوادره على علم بأن الخطة الخمسية ليست فقط لتوفير الرفاه للشعوب السوفياتية بل هي قبل ذلك لاستعادة البروليتاريا كل السلطة في قبضتها الحديدية لما سمح الحزب بكل قواه بإلغاء الخطة الخمسية ولظلت ثورة أكتوبر تتقدم بكل ثباتها ولرأينا اليوم تاريخاً مختلفا للعالم، كل العالم .
أغتيل ستالين وهو القلعة البولشفية التي أعيت مختلف أعداء البروليتاريا تجاوزها، فحانت الفرصة للمارشالات والجنرالات السوفييت لتلميع أوسمتهم بعد أن كان ستالين قد فرّقهم أيدي سبأ وتحول خروشتشوف الذي كان يرنو لإشغال مركز ستالين إلى ألعوبة بيد العسكر فأرغموه في سبتمبر ايلول على استدعاء اللجنة المركزية لتقرر إلغاء الخطة الخمسية فتم ما أرادوا خلافاً للنظام والقانون وزادوا في وقاحتهم بأن أعلنوا أن أسباب إلغاء الخطة هي أنها توهن وسائط الدفاع عن الوطن !! وزادوا كذباً بأن قرروا العودة إلى الصناعات الثقيلة وهو ما كان في الحقيقة إنتاج الأسلحة الذي إنعكس في 240 قمراً صناعياً تحوم في السماء بلا هدف مقابل 240 طابوراً من المواطنين في المدن السوفياتية لشراء شريحة من اللحم وحبات من البطاطا، ووصل الأمر لأن يناشد رئيس الدولة السوفياتية ليونيد بريجينيف زعماء الدول الرأسمالية ملاقاته في منتصف الطريق فيكون صديقاً مخلصاً لا يضمر سوءاً للنظام الرأسمالي الإمبريالي !!
حال رحيل ستالين آلت السلطة إلى البورجوازية لوضيعة بقيادة الجيش تنوب عنه المخابرات وهؤلاء لا ينتجون ما يسوى، مثل حربهم في سوريا التي قطعت الحرث والنسل .
هؤلاء عطلوا الثورة الشيوعية لكنهم لم يلغوها . إلغاء الثورة لا يتم إلا بإلغاء نظام الإنتاج الإشتراكي واستبداله بنظام إنتاج مواز أو أفضل منه . عدد من الماركسيين المفلسين يدعون بأن روسيا تسير اليوم في المسار الرأسمالي . لا أدري لماذا لا يسأل هؤلاء المفلسون أنفسهم .. لماذا يؤيد الشعب الروسي بناء النظام الرأسمالي في روسيا خاصة وأن البورجوازية الوضيعة تحارب النظام الرأسمالي لأنه يعمل على تحويلها إلى بروليتاريا كما أكد ذلك كارل ماركس !؟
تعطيل الثورة الشيوعية في روسيا يعني تعطيلها في كل أطراف الدنيا حيث ترتقي البورجوازية الوضيعة إلى سدة السلطة وتعيش على ما تنتجه فلول البروليتاريا أو البروليتاريا المقموعة في الصين وشرق آسيا .
عالم اليوم يمر في فوضى الهروب من الاستحقاق الإشتراكي وهو ما يشير إلى انهياره الوشيك جداً
ثورة البلاشفة الروس ما زالت منزرعة في المستقبل وليس من قوى قادرة على تفتيتها وإزالتها .

المزمور الثاني ..

ثورة أكتوبر كانت ثورة اشتراكية النموذج بالرغم مما شابها من اعتوارات، لكنها ليست هي الثورة المثال الذي استشرفه ماركس . ثورة أكتوبر فكت التناقض الرئيس في المجتمع الرأسمالي فقضت على البورجوازية الرأسمالية وعلى طبقة الملاك العقاريين لتجد نفسها بعد كل هذا أمام تناقض أشد وأصعب وهو التناقض بين البروليتاريا من جهة والبورجوازية الوضيعة من جهة أخرى، ذلك التناقض الذي حذر منه لينين في كتابه "الضريبة العينية" 1921 إذ كتب يقول .. " يتوجب فضح أولئك الذين لم يدركوا بعد الدور الذي تقوم به البورجوازية الوضيعة وأنها العدو الرئيسي ـ يؤكد الرئيسي ـ للإشتراكية في بلادنا " . وبالمقابل لم يتوقع ماركس أن يتواجد بعد الثورة الاشتراكية طبقة بورجوازية وضيعة تهدد دولة دكتاتورية البروليتاريا . صحيح أنه حذر من الطبيعة الرجعية للبورجوازية الوضيعة (Lower Middle Class) في الفصل الأول من البيان الشيوعي، لكن لم يدر في خلده أن البورجوازية الوضيعة يمكن أن تدحر دولة دكتاتورية البروليتاريا وتحل محلها وما كان يجب أن يدور ذلك في خلده حيث أن هذه الطبقة لا تنتج ما هو ذو قيمة مادية حيث لا يتبوأ السلطة إلا تلك الطبقة التي تنتج إنتاجاً مادياً كافٍ لتموين المجتمع . لكن لماذا البورجوازية الوضيعة السوفياتية استطاعت أن تدحر دولة دكتاتورية البروليتاريا وتستولي على السلطة، كل السلطة ؟
ما يشد الإنتباه في مثل هذه المقاربة هو آن البورجوازية الوضيعة لم تصل إلى السلطة من خلال ثورة مضادة كما حدث في تشيكوسلوفاكيا وفي رومانيا بل وصلت بأيدي أبناء الشيوعية وأولهم نيكيتا خروشتشوف وجورجي جوكوف . هذان الرجلان هما اللذان وضعا نهاية للحزب الشيوعي اللينيني بالرغم من أن الإنقلاب الطبقي كان قد حدث في سبتمبر ايلول 1953 على أيدي هذين الرجلين تحديداً ؛ وهما على العموم من أبناء الثورة الشيوعية الأمر الذي يحول دون اعتبار إنقلاب الخمسينيات ثورة مضادة . حيث هذان الرجلان مرسومان من قادة البروليتاريا والثورة الشيوعية . لولا النهوض السياسي والثورة الشيوعية لظل خروشتشوف راعياً للماشية أوعامل منجم . فيما قبل الثورة تعرف خروشتشوف على الفكر الاشتراكي وانتصر للمناشفة ولتروتسكي تحديداً . إلتحق خروشتشوف بالحرس الأحمر في العام 1919 بعد أن حقق البلاشفة الإنتصار في الحرب الأهلية على كافة القوى المعادية ومنهم المناشفة بالطبع . ما وفر لخروشتشوف الرقي في سلم الحزب بالرغم من غبائه الملحوظ هو نشاطه العملي ودقته في تنفيذ الأوامر والتعليمات كما تصل إليه . ذلك فقط ما قربه من ستالين رغم أن ستالين كان يدرك غباءه المفرط .
إذا كانت ملكة خروشتشوف هي التطبيق العملي للتعليمات، فملكة جوكوف كانت في علوم الحرب لكن الرجلين خلوٌ تماما من العلوم الماركسية . كان ستالين يكره كل ما هو حربي وعسكري باعتبار ذلك نقيضاً للإشتراكية ولذلك عمد ستالين بعدالحرب إلى تفريغ العسكريين من خيَلائهم نتيجة الإنتصار في الحرب حيث كان الإنتصار بفعل قوى المجتمع الإشتراكي الذي قدم جهودا لم تعرفها المجتمعات من قبل . فكان أن عين جوكوف بعد الحرب والانتصارات التي ارتبطت باسمه عينه في وظيفة إدارية في الأورال ؛ وقبل اغتيال ستالين بثلاثة شهور بقي جوكوف في موسكو بلا شغل حيث أعفاه ستالين من كل وظائفه بعد أن حوكم بتهمة السرقة واعترف بذلك وقد سرق من برلين ملء ثلاث عربات من القطار من نفائس الأثاث والمعلقات أثناء حكمه العسكري لبرلين . فيما بعد الإغتيال صار لجوكوف دور كبير في الحياة السوفياتية . إلغاء الخطة الخمسية في سبتمبر ايلول 53 وتحويل نفقاتها إلى الصناعات العسكرية لم يكن بلا أثر من جوكوف . وفي المؤتمر العشرين المشبوه انتخب المارشال اللص جوكوف عضواً في اللجنة المركزية ومرشحاً للمكتب السياسي !!
وقائع الأمور فيما بعد اغتيال ستالين كانت تشي بأن الاتحاد السوفياتي أصبح تحت إدارة فرد واحد هو المارشال اللص جورجي جوكوف . فحين قرر المكتب السياسي إزاحة خروشتشوف كأمين عام للحزب وقف جوكوف ضد القرار رغم أنه مرشح المكتب السياسي وليس عضواً فيه ليرفض القرار، بل وزاد في ذلك أن نظم اجتماعاً للجنة المركزية غير شرعي وغير قانوني لتقرر اللجنة المركزية طرد الأعضاء الذين قرروا إزاحة خروشتشوف من المكتب السياسي ومن الحزب علما أنه ليس من صلاحية اللجنة المركزية إعفاء أو طرد عضو المكتب السياسي . عضو المكتب السياسي لا تنتهي عضويته إلا باجتماع المؤتمر العام للحزب أو بقرار إدانة صادر عن محكمة شرعية وبمحاكمة علنية .
بعد أن تم طرد سبعة أعضاء من المكتب السياسي والإبقاء على إثنين فقط هما خروشتشوف وميكويان تقرر بذلك مصير الاتحاد السوفياتي الذي كان في العام 1990
مبكراً في العام 1963 أنذرت الحزب الشيوعي الأردني بأن الاتحاد السوفياتي سينهار في العام 1990 وهو ما كان .
نحن الشيوعيين أبناء لينين وستالين نواجه من أبناء الشيوعية أمثال خروشتشوف وجوكوف وهم أولئك الذين يصرون على أن الخدمات تنتج قيمة وفائض قيمة الأمر الذي يعني بالضرورة أن الدولة الرأسمالية تتحول إلى إنتاج الخدمات ولا تعود تعاني من فائض الإنتاج ومن الأزمات الدورية، وبإمكانها أن تقلص طبقة البروليتاريا من 70 مليوناً إلى 30 مليوناً كما هو الحال في أميركا، ومن 30 مليونا إلى 12 مليونا كما الحال في بريطانيا وبذلك لا يعود هناك ضرورة للعبور إلى الإشتراكية .
خروشتشوف وجوكوف اللذان شقا الطريق لانهيار الثورة الإشتراكية، رفاقهم اليوم يصرون على أن الخدمات تنتج قيمة وقيمة تبادلية ويغلقون الطريق للوصول إلى الإشتراكية .

أبناء الشيوعية العاقّون الضالون سدوا طريق العبور إلى الإشتراكية فإلى أين وصلوا بالمجتمع السوفياتي !؟
البطالة في روسيا اليوم وهي أكبر الجمهوريات السوفياتية في الإقتصاد تتجاوز نسبتها 40% . متوسط الأجر لا يزيد عن 100 دولار . كثيرون لا يقبضون أجورهم لعدة أشهر واحياناً لسنوات وفي حالات كثيرة يقبل العمال بدل الأجر من منتوجاتهم سواء كان ذلك أحذية ام زجاجات فودكا أم درلاّت . لو كان الإقتصاد في روسيا يتقدم على المسار الرأسمالي كما يدعي بعض السَوَقه لاستلم العمال أجوراً عادلة وفي موعدها حيث النظام الرأسمالي يتنامى في اسواق التبادل السلعي وهي كما تشير الدلائل غير موجودة في روسيا .
لو أن الإدارة الأميركية لم تستعض عن إنتاج الأحذية وزجاجات الفودكا والدرلات باإنتاج الخدمات والإستدانة من الأسواق الخارجية ما وصل حتى اليوم إلى ما يزيد على 20 ترليون دولار لكانت أحوال عمال أميركا أسوأ من عمال روسيا .
ثمة تساؤل غير شرعي وغير منطقي يدور على ألسنة العامة وأنصاف الماركسيين بصورة خاصة يقول .. إذا ما كان النظام القائم اليوم في العالم ليس هو النظام الرأسمالي فأي نظام هو هذا إذاً !!؟
مثل هذا التساؤل غير شرعي وغير منطقي طالما أنه ينطلق من اعتبار ما هو قائم اليوم نظاماً !!
ما هو قائم اليوم ليس له من سمات النظام سمة واحدة على الأقل .
كيف بكوم نظاماً والمنتجون في الصين والمستهلكون في الولايات المتحدة !؟
كيف يكون نظاماً والدولار وقد غدا نقداً معولماً تصدره أميركا وتكفله وتقرر قيمته الصين !؟
كيف يكون نظاماً وقد غدا الدولار لا يساوي في العام 2012 أكثر من سنتين من دولار 1975 !؟
كيف يكون نظاما وقلعة الرأسمالية تستدين ترليون دولار كل سنة تحاشياُ للإنهيار !؟
النظام الرأسمالي دفن ميتاً في السبعينيات، والنظام الإشتراكي سدت طريقه بإحكام في خمسينيات القرن الماضي لينتهي العالم فيما بعد السبعينيات إلى اللانظام، إلى الفوضى، فوضى الإنتاج وفوضى الإستهلاك وفوضى التبادل، الفوضى التي تحتم على العالم أن يستدين سنوياً 2 ترليون دولار على حساب الأجيال القادمة !!
تلك هي فوضى الهروب من الاستحقاق الإشتراكي .