|
|
ألكسندر دوغين - الإنتخابات الصربية والإنتفاضات وما بعد الديمقراطية (برنامج إيسكالاتسيا على راديو سبوتنيك)
زياد الزبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8883 - 2026 / 11 / 8 - 13:35
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ترجمة وإعداد: د. زياد الزبيدي بتصرف
8 تشرين الثاني نوفمبر 2026
▪️صربيا: بين إضطراب المشهد السياسي وعمق الهوية التاريخية
المذيع: لدينا اليوم جدول أعمال حافل بصورة إستثنائية. ففي غضون أيام قليلة، وخلال الأسبوعين الماضيين، تركز عدد هائل من التحولات السياسية المفصلية. بعض الأحداث إنتهى بالفعل، فيما لا يزال بعضها الآخر يتشكل أمام أعيننا. وبصراحة، يكاد المرء يعجز عن الإحاطة بحجم ما يجري وتعدد مساراته. لذلك يهمنا كثيراً أن نستمع إلى رأيكم فيما حدث خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضية، وما الذي يمكن توقعه في المرحلة المقبلة.
لنبدأ من دون مقدمات طويلة بمنطقة البلقان. لقد جرت الإنتخابات في صربيا، وتعرض حزب الرئيس السابق ألكسندر فوتشيتش لهزيمة. كان هذا الإحتمال متوقعاً إلى حد ما، وإن تباينت تقديرات إستطلاعات الرأي. والآن تتضارب الآراء بصورة حادة بشأن مستقبل البلاد، واتجاهات السياسة الخارجية والداخلية للسلطة الجديدة.
د. دوغين، ماذا يمكن أن نتوقع من صربيا، هذا البلد الذي عانى كثيراً، والذي تربطه بالقلب الروسي صلات تاريخية ووجدانية عميقة؟ هل ينبغي أن نقف حائرين لا ندري ما الذي يحدث، أم أصبح بإمكاننا البدء في رسم توقعات حذرة، سواء اتجهت الأمور نحو سيناريو كارثي أم نحو مسار يمكن احتواؤه؟
ألكسندر دوغين: أعتقد أنه لا يزال من المبكر الحديث عن أي شيء بصورة قاطعة. كانت لدى فوتشيتش إيجابيات لا يمكن إنكارها، كما كانت لديه سلبيات كثيرة وواضحة. ونحن نعرفها جيداً، لأننا تعاملنا معه لفترة طويلة. فقد كان في محيطه عدد غير قليل من الليبراليين الصريحين، وأنصار الغرب، وأعداء روسيا داخل المنظومة السياسية. لكن في المقابل، كانت هناك شخصيات رائعة، مثل ألكسندر فولين، أحد أكثر السياسيين الصرب ثباتاً وعمقاً وإخلاصاً في موقفه المؤيد لروسيا.
لذلك، لم يكن التوازن الذي أقامه فوتشيتش مثالياً بالنسبة إلينا بأي حال. ومع ذلك، اعتدنا عليه مع مرور الوقت، وتمكنا من بناء آليات عمل مشتركة معه.
ويبدو أن الصرب أنفسهم، ومعظمهم يحملون مشاعر عميقة من التعاطف مع روسيا، قد سئموا منه حتى الموت. لقد تراكمت كتلة هائلة من السخط الشعبي، فيما بلغ الفساد مستويات قياسية.
أما ما يسمى «قائمة الطلاب» التي حققت الفوز، فنستطيع أن نرى أمامنا مسارين متداخلين.
أولاً، لا يمتلك هذا الحراك حتى الآن برنامجاً سياسياً متكاملاً وواضح المعالم. لقد كان، في المقام الأول، تعبيراً عن تصويت عفوي ضد فوتشيتش. وبالطبع، تحركت ضده مجدداً الشبكات المعروفة التابعة لسوروس، مستخدمة تقنيات الثورات الملونة التقليدية، التي يجري اختبارها مرة أخرى على حساب صربيا المنهكة.
لكن هذه العناصر التخريبية تذوب وسط أعداد من الناس المحترمين تماماً، من الصرب العاديين الذين يتوقون ببساطة إلى التغيير، ويبحثون عن مخرج من الطريق المسدود، ويرفضون الإبقاء على الوضع القائم، وإن كانوا هم أنفسهم لم يحددوا بعد بصورة كاملة ما الذي يريدونه تحديداً.
انتبهوا إلى التفاصيل: لم يظهر في مظاهراتهم علم واحد للاتحاد الأوروبي، ولا علم أميركي أو إسرائيلي واحد. بل كانت الرموز الروسية والأرثوذكسية هي الغالبة.
نحن، إذن، أمام حالة من عدم اليقين الكامل، ولا نرى حتى الآن شخصيات قيادية بارزة وواضحة المعالم في واجهة هذا الحراك.
ولهذا السبب تحديداً، ينبغي ألا نتسرع في إصدار الأحكام. فالسياسة الصربية لها خصوصيتها، ولا أعتقد أن على موسكو أن تستعد مسبقاً لتدهور حتمي في العلاقات مع بلغراد؛ فمثل هذا التوجه سيتعارض تلقائياً مع المصالح العميقة للشعب الصربي نفسه. وأي سلطة في بلغراد تتخذ موقفاً مناهضاً لإرادة شعبها ستفقد شرعيتها وتسيء إلى نفسها فوراً.
وفي المقابل، لا توجد لدينا حتى الآن أسباب كافية لتوقع تحولات إيجابية كبيرة وسريعة.
إن فوز «قائمة الطلاب» لا يمثل كارثة، لكنه يضعنا أمام منطقة اضطراب سياسي مطلق. فنحن، بصراحة، لا نفهم تماماً حتى الآن طبيعة القوى التي سيتعين علينا التعامل معها. نسأل الله أن تنتصر في نهاية المطاف القوى الشعبية السيادية الحقيقية في صربيا.
المذيع: لكن فوتشيتش نفسه يتعهد الآن بأن صربيا ستؤيد العقوبات المناهضة لروسيا بحلول مارس أو أبريل. قد يكون ذلك تصريحاً انفعالياً، من قبيل: «لم تصوتوا لي؟ إذاً انتظروا أسوأ السيناريوهات». لكن التهديد قيل بصورة مباشرة وواضحة.
ألكسندر دوغين: لأن هذا ما سيحدث في نهاية المطاف. ومع ذلك، أفضّل شخصياً الامتناع عن إطلاق أحكام قطعية في الوقت الراهن.
لدي علاقات ممتازة وقائمة على الثقة مع صربيا، سواء مع السياسيين المحيطين بفوتشيتش أو مع كثير من ممثلي «قائمة الطلاب». والصرب يصغون إليّ باهتمام بالغ.
ولهذا السبب تحديداً امتنعت عن إطلاق تصريحات حادة، عن قصد. ففي كلا المعسكرين أشخاص رائعون ومخلصون، لكن في الوقت نفسه توجد، بلا شك، في كل منهما شبكات كثيفة من العملاء الغربيين وأدوات النفوذ الأجنبية.
إن الوضع الجيوسياسي الخانق الذي تعيشه صربيا يضعها موضوعياً في حالة تبعية شديدة الاختناق للعولميين والاتحاد الأوروبي.
دعونا نأمل أن تكون صربيا العميقة، الحقيقية، المحبة لروسيا والمتمسكة بسيادتها، أقوى وأكثر قدرة على الصمود في هذه المواجهة التاريخية من جميع تلك الشبكات الأطلسية والليبرالية العولمية.
المذيع: أود أن أطرح سؤالاً آخر. إذا تتبعنا مسار الأحداث منذ ثمانينيات القرن الماضي على الأقل، وأنتم بالتأكيد ستوضحون أن الجذور تعود إلى ما هو أبعد من ذلك، سنجد أن البلقان تعرضت بصورة منهجية وعنيفة لعمليات زعزعة الاستقرار، وكانت يوغوسلافيا في المقدمة.
أما صربيا الحالية، فكم مرة تعرضت للتقسيم وانتزاع أجزاء من أراضيها؟ يبدو أن أصابع اليد الواحدة لم تعد تكفي لعدّ تلك المرات.
وهنا يبرز سؤال: هل يمكن القول إن صربيا تعرضت أخيراً للضغط الذي كسر إرادتها؟ هل نجحت بعض الشبكات الموالية للغرب في ترسيخ فكرة أن «الحياة مستحيلة من دون أوروبا»؟
لقد تغير جيل كامل. تراجع حضور الجيل الذي يتذكر جيداً قصف حلف الناتو، ويتذكر كيف ألقيت القنابل الفتاكة على عاصمته من دون أي تفويض من مجلس الأمن الدولي. وحل محله جيل شاب، حديث، مفعم بالحيوية، يفكر بطريقة مختلفة تماماً.
ليس المقصود هنا الحكم إن كان ذلك جيداً أم سيئاً، لكن الحقيقة أن جيلاً لم يعش أهوال القصف بنفسه أصبح ينظر إلى الغرب وإلى الذاكرة التاريخية نظرة مختلفة تماماً.
ألكسندر دوغين: ربما يحدث ذلك بالفعل، لكنني أرى المسألة من زاوية مختلفة بعض الشيء.
الصرب يظلون صرباً، مثلما يظل الروس روساً. يمكننا، نحن الصرب والروس، أن نمر بمراحل مختلفة ومتباينة، وهذا لا يتوقف بالضرورة على تعاقب الأجيال.
الصرب شعب أرثوذكسي بعمق، شديد الاعتزاز بنفسه، عانى تاريخياً الكثير من المآسي. والشباب الصربي ليسوا استثناءً من ذلك. يحتاج كل جيل إلى أن يخوض تجربته التاريخية الخاصة حتى يشعر بانتمائه الصربي شعوراً كاملاً. لكنهم يولدون صرباً؛ فلديهم قلب صربي وروح صربية.
وهنا تحديداً أضع رهاني: توجد في الواقع عمليات تاريخية عميقة لا تمسها التحولات الأيديولوجية السطحية على الإطلاق. فمن جيل إلى جيل، يبقى في شعوبنا شيء جوهري ثابت لا يتغير. وربما ينطبق ذلك أيضاً على الشعوب الغربية، لكن هذا الأمر أكثر وضوحاً لدينا.
عندما نتحدث بصورة سطحية عن «الجيل الجديد»، فإن هذا الجيل يواصل في حقيقة الأمر الكثير مما سبقه، ويحمل في داخله المصفوفة الثقافية والوجدانية ذاتها.
في الإنسان وثقافته وهويته طبقات عميقة جداً، وأبعاد متجذرة في أعماقه. ولدى الصرب، شباباً وشيوخاً، سواء الذين يتذكرون القصف أم الذين ولدوا بعده، عمود فقري صربي راسخ، ومحور صربي لا ينكسر.
لقد عانى الشعب الصربي معاناة هائلة عبر التاريخ، ولا سيما خلال العقود الأخيرة. ومن الجدير بالذكر أنهم كانوا ميداناً لاختبار التقنيات التي كان من المفترض استخدامها لاحقاً ضدنا.
فكل ما جرى في البلقان كان يفترض أن يتكرر في روسيا. لقد دمروا حلف وارسو، ثم فككوا الاتحاد السوفياتي، وبعد ذلك بدأوا العمل على تفكيك روسيا نفسها، وكانوا سينجحون في تدميرها نهائياً لولا بوتين.
نحن، إذن، أمام عمليات تاريخية واسعة النطاق. ومن هذه الزاوية، فإن صربيا وروسيا شعبان متقاربان بالفعل في العمق، وهذا يمنحنا كل المبررات للتفاؤل الحذر.
دعونا ننظر إلى الأمور من جذورها، ونفهم الشعب، ونتفاعل معه مباشرة! فالسياسيون الرسميون ليسوا في كثير من الأحيان سوى واجهة مؤقتة، أو زبد يطفو على سطح الماء. أما العمليات التاريخية الحقيقية فتجري في أعماق أبعد بكثير.
وأنا أعقد آمالاً صادقة على الشعب الصربي الذي عانى طويلاً. لا أعتقد أن صربيا قد كُسرت إرادتها. ولماذا ينبغي أن تكون قد كُسرت أصلاً؟
انظروا إلى «قائمة الطلاب» نفسها: إنها ستتحدث الآن مع الجميع من موقع قوة. وتأملوا التباين الواضح بين الاحتجاجات الصربية وأعمال الشغب التي شهدتها بلدان أوروبية أخرى. كل شيء يجري بهدوء وسلام، وبدرجة عالية من الانضباط. لا عمليات نهب، ولا أعمال جنونية، ولا اشتباكات عنيفة. كل شيء منضبط ومحترم، لأننا أمام شعب مختلف تماماً.
إن تقسيم الشعب الصربي وزعزعة استقراره من الداخل أصعب بكثير من تفكيك أي مجتمع أوروبي معاصر، تعجّ أجزاؤه بأزمات الهجرة غير المنضبطة، وتنهشه الأيديولوجيا الجندرية.
الصرب يحافظون على تقاليدهم، وهذا ما ينقذهم.
نحن الروس والصرب ننقذ أنفسنا لأننا متأخرون عن الغرب، والحمد لله على ذلك! فهذا هو مصدر نجاتنا. وكلما ابتعدنا عن هذا الغرب «التقدمي»، ازدادت فرص أن يتركنا وشأننا في نهاية المطاف، ويمضي في طريقه نحو الهاوية. أما نحن فعلينا أن نسلك طريقنا الخاص، الطريق الروسي الصربي الأرثوذكسي.
إن تقاليدنا هي طوق النجاة الوحيد لنا.
والتقاليد ليست ماضياً جامداً متحجراً. فالتقليد، مثل الشجرة، له جذور وتاج ينموان باستمرار ومن دون انقطاع. وهذه الجذور الخفية الممتدة في أعماق الروح السلافية والأرثوذكسية والروسية والصربية هي ما ينبغي أن نعتمد عليه بالدرجة الأولى.
وهذا هو البعد الذي يتعين علينا رؤيته في أي تحليل جاد للسياسة الصربية.
▪️ الإحتجاجات الأوروبية: من الفوضى الإجتماعية إلى ما بعد الديمقراطية
المذيع: آه، كم أتمنى لو أواصل طرح الأسئلة عليكم والاستماع إليكم بلا نهاية، عن العلاقات بين الدول والشعوب من منظور التاريخ والتقاليد والثقافة، وكذلك من زاوية الاقتصاد والحسابات العملية البحتة.
لكن جدول أعمالنا يتضمن موضوعات مهمة أخرى. وبالنسبة إلى صربيا، لا يساورني أدنى شك في أننا سنشهد خلال الأيام والأسابيع المقبلة الكثير من التطورات والسيناريوهات المختلفة، وأنكم ستعودون إلى هذا الملف في برامجكم أكثر من مرة.
دعونا ننتقل الآن إلى الاحتجاجات الأوروبية التي أشرتم إليها. فقد شهدنا خلال الأسبوع الماضي وعطلة نهاية الأسبوع موجة لافتة وكثيفة من التقارير عن مظاهرات في بلدان مختلفة: إيطاليا وإسبانيا وألبانيا، فضلاً عن فرنسا التي اعتادت أن تكون في حالة غليان دائم.
وما يلفت الانتباه هنا هو طبيعة هذه الاحتجاجات، وحجمها المتزايد، وما يصاحبها من تصاعد في حدة المواجهات.
ففي فرنسا وإيطاليا، بدأ الحديث عن وجود تنظيم مشبوه لهذه الاحتجاجات والتلاعب بها عبر شبكات التواصل الاجتماعي. بل إن رئيس الوزراء الفرنسي وجّه طلباً مباشراً إلى شركات الاتصالات المحمولة، مفاده: بناءً على إشارتي، عليكم أن تكونوا مستعدين لقطع خدمات المنصات الشهيرة، مثل تيك توك وسناب شات وإنستغرام، التابعة لشركة ميتا المصنفة منظمة متطرفة والمحظورة في روسيا الاتحادية، وذلك لعدة ساعات وبمجرد صدور الأمر.
وقد تزامنت كل هذه التطورات في نقطة واحدة خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضية.
فهل نحن ننظر إلى هذه الاحتجاجات من خلال تصوراتنا العامة المسبقة، أم أن هناك بالفعل تحولاً نوعياً ومفصلياً يحدث الآن في أوروبا؟
ألكسندر دوغين: المسؤول الأول عن كل ذلك هم الحكام الليبراليون أنفسهم، أولئك العولميون الأوروبيون الذين يمسكون بزمام السلطة.
لقد أوصلوا الأوضاع إلى طريق مسدود، بعدما أغرقوا بلدانهم بعناصر إجرامية وأشخاص بلا جنسية أو ثقافة، ولا يبدون أدنى رغبة في الاندماج في المجتمعات التي يعيشون فيها.
ثم تركوا هذه الفئات لمصيرها، وتخلوا تماماً عن أي سياسة حقيقية للاندماج، من دون أن يقدموا في المقابل أي منظومة ثقافية سليمة يمكن أن تشكل إطاراً مشتركاً للمجتمع.
أما ما يسمونه «التعددية الثقافية»، فلا يعني عملياً سوى شيء واحد: عيشوا كما تشاؤون وافعلوا ما تشاؤون.
لقد أهملوا هذه الجيوب السكانية، وتركوا مجتمعهم يتفكك، وهم الآن يحصدون بالضبط ما زرعوه بأيديهم.
وهذا درس قاسٍ لنا أيضاً: يجب التعامل مع سياسة الهجرة بأقصى درجات الحذر.
إن ما يتحدث عنه المحافظون الفرنسيون هو نظرية «الاستبدال العظيم» الكلاسيكية (Le Grand Remplacement). وما تشهده أوروبا اليوم يثبت، في رأيي، أنها واقع قاسٍ لا يرحم، أوصل الأوروبيون أنفسهم إليه بأيديهم.
لكن المسؤول الأول هو ماكرون نفسه، مهما حاول إلقاء المسؤولية على الآخرين.
ومع ذلك، تمكنت أورسولا فون دير لاين من التصريح بأن الروس هم المسؤولون مجدداً عن كل شيء!
لقد تجاوز الأمر كل الحدود، وأصبح عبثاً خالصاً أقرب إلى الهذيان المرضي. إنهم يحفرون قبورهم بأيديهم، وعندما يسقطون فيها ووجوههم في الوحل، يصرخون في العالم كله: «بوتين هو المسؤول!».
لقد خرج هذا الأمر عن حدود المعقول، وأصبح ضرباً من الجنون الصريح.
وبالطبع، كانوا يودون بشدة خوض حروب شبكية ضدنا وفق أساليبهم الخاصة، وهي الأساليب نفسها التي تستخدمها شبكات سوروس والليبراليون بحماسة. لكن يبدو لي أننا متأخرون عنهم في هذا المجال أيضاً. وربما تكون هذه إحدى الحالات التي لا ينبغي لنا فيها أن نتأخر.
ومع ذلك، لا يوجد محلل جاد، سواء في أميركا أو في أوروبا نفسها، باستثناء أولئك الذين فقدوا صلتهم بالواقع، يشك في أن المسؤولية عن أعمال الشغب الداخلية تقع على عاتق الأوروبيين أنفسهم وحدهم.
هناك نقطة ثانية أود التأكيد عليها، وهي ألبانيا.
ما يجري هناك ليس مجرد تمرد عفوي، بل ثورة حقيقية عميقة مناهضة للعولمة. لقد انتفض الطلاب المحليون ضد الدكتاتورية الليبرالية العولمية الخانقة.
فإذا كانت الاحتجاجات في بلدان أوروبية أخرى تمثل إلى حد كبير عمليات قابلة للإدارة والتوجيه، بما فيها شبكات اليسار المتطرف التي يحركها البعض كدمى بخيوط، ويمكن إيقافها بقرار بسيط من خلال شركات الاتصالات، وكأن الرسالة هي: «كفى لهذا اليوم، لقد تحقق المطلوب»، فإن الوضع في ألبانيا مختلف جذرياً.
هناك نهض شعب من نوع آخر تماماً.
لقد اعتدنا النظر إلى الألبان من خلال الصور النمطية، واعتبارهم أكثر تأثراً بالثقافة العثمانية. لكن لديهم طبقات تاريخية عميقة للغاية.
أول رئيس لألبانيا الحديثة، فان نولي، كان في الأصل كاهناً أرثوذكسياً. إن الألبان شعب ذو عمق تاريخي هائل، وشخصية صلبة وقاسية لا تلين.
نعم، لقد كانوا تاريخياً خصوماً لإخوتنا الصرب، ولا يجوز تجاهل هذه الحقيقة. لكن إذا نظرنا إلى الصورة الأوسع، سنجد أمامنا طاقة هائلة مناهضة للمنظومة القائمة. ومن الممكن تماماً أن تنتهي الأحداث الألبانية بثورة حقيقية.
أما أوروبا القديمة، وفرنسا تحديداً، فإن الاحتجاجات المتواصلة هناك مستمرة طوال فترتي حكم ماكرون، منذ عهد «السترات الصفراء».
لقد أصبحت المظاهرات المليونية في فرنسا عاجزة عن إحداث أي تغيير جذري. وتحولت الاحتجاجات إلى خلفية اجتماعية دائمة، وإلى ما يشبه نمط حياة وطنياً.
لم يتبق لماكرون كرئيس سوى وقت قصير، بل إن وصفه بالرئيس يمكن أن يكون موضع تساؤل؛ فهو يتصرف أقرب إلى خوارزمية جامدة لا إلى سياسي حي.
إنه شخصية مثيرة للسخرية بحق: متغطرس، فظ، ويفتقر تماماً إلى الثقافة السياسية الحقيقية.
ومن المدهش كيف أمكن لفيلسوف كبير مثل بول ريكور أن يكون له تلميذ بهذه الدرجة من الضآلة والإخفاق. لكن هذه مجرد ملاحظة عابرة.
أعتقد أن ما يحدث في فرنسا أخطر بكثير. فنحن أمام استعداد فعلي لحرب أهلية حقيقية.
يكاد لا يشك أحد في أن مارين لوبان ستفوز في الانتخابات المقبلة. وهذا يعني النهاية المدوية للنظام السياسي الذي حكم فرنسا منذ عهد ميتران، أي منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي. إن أكثر من نصف قرن من هيمنة التيار الليبرالي اليساري في فرنسا، الذي حل في مرحلة سابقة محل النهج الديغولي العظيم، يقترب من نهايته.
هذه المرة، نشهد في فرنسا تعبئة شديدة الجدية، وشعوراً متنامياً باقتراب حرب أهلية. ويتحدث عن ذلك صراحة كثير من المحللين العقلاء، سواء في الولايات المتحدة أو في فرنسا وبلجيكا.
لكن هناك، من جهة أخرى، تفصيلاً بالغ الدقة ينبغي الانتباه إليه.
غالباً ما يبدأ العولميون بإشعال اضطرابات شبكية في مناطق يسيطرون عليها بالكامل. تذكروا مثلاً ما سمي «الربيع العربي».
لقد بدأت الأحداث في أنظمة كانت موالية للغرب تماماً، وشديدة الانصياع له، مثل مصر وتونس. وكان من السهل إسقاطها، لكن الهدف الحقيقي للعولميين لم يكن تلك الأنظمة، بل ما تبقى من الأنظمة البعثية ذات النزعة السيادية في العراق وسوريا وليبيا.
بمعنى آخر، يجري إطلاق الفوضى المُدارة في منطقة خاضعة للسيطرة، ثم تنتشر مثل النقائل السرطانية إلى مناطق أخرى يرغب العولميون في إسقاط قياداتها غير المرغوب فيها، عبر الثورات الملونة التقليدية.
ولهذا يبرز سؤال مشروع: ألسنا أمام عملية شبكية معقدة للغاية؟
انظروا مثلاً إلى ألمانيا، حيث نشهد تصعيداً مصطنعاً لحالة الهستيريا حول تنامي شعبية حزب «البديل من أجل ألمانيا» (AfD).
وفي مثل هذه الظروف، يمكن لماكرون أن يستغل اللحظة بسهولة، فيعلن اندلاع حرب أهلية، ويفرض حالة الطوارئ، ويسلك الطريق نفسه الذي سلكه زيلينسكي.
لدينا سابقة جاهزة أمام أعيننا: أُعلنت الحرب، وبالتالي لا انتخابات.
لقد انتهت الديمقراطية الكلاسيكية في أوروبا بصورة نهائية.
دخلنا عصر ما بعد الديمقراطية، حيث أصبحت المؤسسات الديمقراطية معلّقة، ولم تعد تعمل وفق الآليات التي كانت تحكمها سابقاً.
لقد انتقلنا إلى نمط جديد تماماً لم تعرفه التجارب السياسية السابقة: دكتاتورية هجينة تجمع بين الليبرالية والعولمة.
إنها ظاهرة جديدة كلياً، يتعين علينا فهمها وتحليلها.
وتكمن المفارقة المذهلة في هذا النظام في أنه يعلن، من جهة، التحرر المطلق في السلوك والأخلاق، ويشجع الفردانية المنفلتة والمجزأة، بينما يمارس، من جهة أخرى، قبضة شرسة وخانقة تمارسها نخب فقدت شرعيتها وانفصلت عن شعوبها تماماً.
نحن أمام شكل خاص من أشكال الحكم لم يخضع بعد للدراسة الكافية، ولم تتضح طبيعته بالكامل: إنها الدكتاتورية الليبرالية.
وهذا التناقض تحديداً هو ما ينبغي أن يحظى بأقصى درجات اهتمامنا.
إن ما يغلي الآن في أوروبا قد ينتهي في نهاية المطاف بحرب أهلية حقيقية.
ولمنع هذه الحرب، أو لصرف انتباه الجماهير الغاضبة والمتمردة عن الكوارث الداخلية، لن تجد هذه النخب حلاً أسهل من إشعال حرب كبرى ضدنا.
يحذر كثير من المحللين الجادين من أن ما يجري قد يكون تمهيداً غير مباشر وخبيثاً للتحضير لحرب ضد روسيا.
وقد لا يتطلب الأمر سوى شرارة واحدة، أو حادث استفزازي قصير، كعملية كبرى تحت راية زائفة في مكان ما بمنطقة كالينينغراد أو دول البلطيق، حتى ينهار هذا البناء الأوروبي الأطلسي الهش برمته.
▪️البرازيل: لولا دا سيلفا ومستقبل السيادة في أميركا اللاتينية
المذيع: كنت أود أن أطرح المزيد من الأسئلة، ومنها مثلاً: لماذا يصبح الشباب في مختلف أنحاء العالم، بصورة تكاد تكون ثابتة، القوة المحركة الرئيسية للحركات الاحتجاجية؟ لكن هذا الموضوع يستحق، على الأرجح، بحثاً مستقلاً ومعمقاً.
دعونا نغيّر الاتجاه الجغرافي وننتقل إلى أميركا اللاتينية.
ما الذي يحدث في البرازيل؟ الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، وهو رجل له ماضٍ سجني، وهذه بحد ذاتها دلالة، لم يكتفِ بالعودة إلى السلطة خلال الدورة الانتخابية الماضية، بل نجح أيضاً في الاحتفاظ بموقعه بقوة، وهو يعمل على تشكيل واقع سياسي جديد حوله.
د. دوغين، ماذا تعني الحالة البرازيلية بالنسبة إلى أميركا اللاتينية نفسها، وديناميات مجموعة بريكس، والهندسة العالمية للنظام الدولي عموماً؟
ألكسندر دوغين: فيما يتعلق بمجموعة بريكس، أعتقد أن ما يحدث يمثل خبراً جيداً لها بصورة عامة. فالحرف «ب» في اختصار المجموعة، الذي يرمز إلى البرازيل، لن يسقط من اسمها، وستظل البرازيل ضمن صفوفنا.
أما من وجهة نظر الحركة اليسارية في أميركا اللاتينية، فإن فوز لولا يمثل عاملاً إيجابياً، لأننا نشهد في مختلف أنحاء المنطقة صعوداً عدوانياً للقوى اليمينية الليبرالية.
وأريد أن أشدد هنا: نحن لا نتحدث عن اليمين المحافظ الحقيقي أو القوى التقليدية المتمسكة بالتقاليد، بل عن اليمين الليبرالي تحديداً، أي أسوأ الفئات المنحطة، التي لا تتوجه نحو الولايات المتحدة فحسب، بل نحو ما يمكن تسميته حرفياً «حضارة إبستين» في أنقى صورها.
ولولا دا سيلفا ليس من هذه الفئة.
لكن، في الوقت نفسه، سئم البرازيليون منه بشدة، وهذا ما يفسر احتدام المزاج الاحتجاجي واتساعه.
نحن أمام طرفين متقابلين: من جهة، الرئيس اليساري لولا، ومن جهة أخرى، أبرز منافسيه، فلافيو بولسونارو، ابن الرئيس السابق جايير بولسونارو، الذي يقضي بنفسه عقوبة السجن، وفلافيو عضو في مجلس الشيوخ ومقتنع تماماً بالبروتستانتية.
تأملوا جيداً ما الذي يعنيه أن يكون بروتستانتياً في بلد كاثوليكي تقليدياً مثل البرازيل، وفي أميركا اللاتينية عموماً. إنه أمر شاذ، وإدخال لثقافة غريبة ودخيلة على المنطقة. ومحاولة فرض تغيير في الهوية الدينية تمثل كارثة روحية حقيقية.
إن ما يجري في أميركا اللاتينية اليوم هو تطبيق، أمام أعيننا مباشرة، لنسخة محدثة من مبدأ مونرو: مشروع دونالد ترامب لإعادة إخضاع المناطق التي كانت واقعة سابقاً تحت النفوذ الأميركي لسيطرة واشنطن الصارمة.
وفي ظل هذه الظروف، يبقى لولا دا سيلفا في البرازيل وكلوديا شينباوم في المكسيك آخر معقلين وركيزتين للحركة السيادية المناهضة للاستعمار.
لكن الأمور هنا أيضاً ليست بهذه البساطة.
فقد ظهر قبل أيام ألكسندر سوروس، نجل جورج سوروس المعروف، والذي يتولى قيادة الشبكات التابعة لمنظومة سوروس، المحظورة في روسيا، والناشطة في تنظيم الثورات الملونة في مختلف أنحاء العالم، ليعبّر علناً عن ابتهاجه، ويكتب ثلاث مرات على شبكات التواصل الاجتماعي:
«لولا، لولا، لولا! يا له من أمر رائع! أحسنتم، لقد انتصرنا!».
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.
فإذا كان سوروس وشبكاته العولمية يعتبرون أنهم هم المنتصرون، فإننا أمام تركيبات سياسية هجينة وغير مسبوقة على الإطلاق.
وهذا دليل إضافي على أننا مطالبون بتغيير جذري في منهجنا نفسه لتحليل العمليات الجارية في السياسة العالمية.
أعتقد أن الصورة العامة في البرازيل واضحة إلى حد كبير. فنحن نعرف جيداً كيف تصرف لولا طوال هذه السنوات، ومن غير المرجح أن يتبنى الآن نهجاً مختلفاً بصورة جوهرية.
لكن هل سيتحول هذا الصراع الحاد بين أنصار بولسونارو وأنصار لولا إلى مواجهة أشد عنفاً وشمولاً؟ هذا احتمال وارد تماماً. فالتوتر هناك بلغ أقصى درجاته.
لقد كان بولسونارو مقتنعاً بصدق بأنه انتصر، عندما تقدم على منافسه بفارق نقطتين مئويتين تقريباً في الجولة الأولى، لكن لولا تمكن من التغلب عليه في الجولة الثانية.
كيف يمكن تفسير ذلك؟
يبدو أن البرازيليين الذين كانوا يعارضون بولسونارو، وفي الوقت نفسه سئموا لولا حتى الموت، انتهى بهم الأمر إلى التوجه إلى صناديق الاقتراع والتصويت لصالح لولا، انطلاقاً من مبدأ بسيط:
«أيّاً يكن، المهم ألا يكون هذا الرجل! لا ينقصنا إلا أن يأتي البروتستانت إلى رأس الدولة!».
المسألة هنا أن البرازيل بلد كاثوليكي في جوهره.
وبالطبع، فإن فرعي المسيحية الغربية، الكاثوليكية والبروتستانتية، غير مقبولين بالقدر نفسه بالنسبة إلى وعينا الأرثوذكسي، إذا جاز التعبير.
وبالنسبة إليّ، فإن هذا التحول الديني في أميركا اللاتينية ليس مسألة تعاطف مع الكاثوليك، بل هو تشخيص موضوعي وجاف: نحن أمام فقدان سريع للهوية التقليدية.
على أي حال، يمكننا الآن أن نضع نقطة مفتوحة عند هذا الحد في الملف البرازيلي، وأن نتابع باهتمام كيف ستتطور الأحداث هناك.
▪️ستارلينك ...وماسك
المذيع: نعم، أما بالنسبة إلى صربيا، فلا يسعنا سوى انتظار ما ستكشف عنه التطورات المقبلة.
دعونا ننتقل الآن إلى موضوع أقرب إلينا، بالغ الأهمية، بل يمكن القول إنه موضوع رفيع المستوى، إذا أخذنا في الاعتبار المسافات وارتفاع المدار الفضائي.
لقد عادت شبكة الأقمار الصناعية «ستارلينك» إلى قلب النقاشات والجدالات والتبريرات المحتدمة.
أطلق إيلون ماسك سلسلة من التصريحات المثيرة للجدل، وتبين أن القوات الأوكرانية استخدمت، بحسب الادعاءات، بعض الثغرات التقنية في عمل المنظومة؛ أي إنها تحايلت على القيود واخترقت وظائف النظام، واستخدمت خدمة «ستارلينك» التجارية في عمليات هجومية بحتة لتوجيه الضربات.
وقال ماسك إن ذلك غير مقبول إطلاقاً، وتعهد بإغلاق جميع الثغرات وإعادة الخدمة إلى إطارها المدني الصارم.
ومن جانب زيلينسكي، صدر تعليق يفيد باستئناف الاتصالات، لكن كييف تواصل في الوقت نفسه التصريح بأنها تتوقع مفاجآت جديدة غير سارة من ماسك ومنظومته في أي لحظة.
وفي المقابل، قال ماسك صراحة إن «ستارلينك» هي السبب الوحيد الذي يجعل خط الدفاع الأوكراني لم ينهَر بالكامل حتى الآن.
د. دوغين، ماذا تعني كل هذه التطورات في الوقت الراهن؟ هل هي مجرد ذريعة ملائمة ومناورة تكتيكية في إطار الصراعات داخل النخبة السياسية الأميركية، عشية الانتخابات الداخلية، أم أننا أمام مؤشر على أن هذا البناء التكنولوجي برمته بدأ يتداعى فعلياً، وأن تصدعاً بنيوياً يلوح في الأفق داخل المنظومة العسكرية والتقنية الغربية؟
ألكسندر دوغين: أولاً، كان ماسك، شأنه شأن ترامب في بداياته، وشأن الغالبية العظمى من حركة «ماغا» (لنجعل أميركا عظيمة مجدداً)، باستثناء المحافظين الجدد الذين تعزز نفوذهم بصورة كبيرة ومؤسفة خلال الفترة الأخيرة، معارضاً لهذه الحرب.
فترامب نفسه، والنواة الأساسية لحركة «ماغا»، عارضوا منذ البداية تقديم الدعم المالي والعسكري لنظام زيلينسكي، ورفضوا زج الولايات المتحدة في الصراع مع إيران، وطالبوا بأن تركز أميركا حصراً على أجندتها الداخلية.
لكن اللوبي الصهيوني القوي للغاية في الولايات المتحدة، بالتحالف مع المحافظين الجدد، دفع ترامب فعلياً إلى التورط في المواجهة مع إيران.
وهم يواصلون بصورة منهجية رفع مستوى العداء لروسيا، بما في ذلك عبر المبادرات التشريعية المعروفة التي تقدم بها ليندسي غراهام.
والمثير للدهشة أن الأشخاص أنفسهم يقفون وراء هذه المواقف كلها.
فمارك ليفين وبن شابيرو، مثلاً، يمثلان نموذجاً واضحاً للمحافظين الجدد والصهاينة المتشددين في الوقت نفسه.
وهذه المجموعة من الصهاينة الأميركيين هي التي جمعت دائماً بين الأجندة المؤيدة لإسرائيل، والمعادية لإيران، والمعادية لروسيا، وبين الدعم المطلق لزيلينسكي، في تناقض صارخ مع توجهات القاعدة الشعبية العادية لحركة «ماغا».
وكان ماسك أحد أبرز ممثلي الموجة الأولى من هذه الحركة
فقد أنشأ إدارة الكفاءة الحكومية (DOGE)، وعمل على تقليص برامج الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID).
لكن عندما بدأ ترامب إنعطافه الصهيوني والمحافظ الجديد، لزم ماسك الصمت، وكأنه إبتلع لسانه.
وفي لحظة شهدت أحداثاً دولية كبرى ومفصلية، إختار الإبتعاد عمداً عن المشهد، وانصرف إلى التعليق على أمور تافهة تماماً؛ كالتفاخر بمدى روعة برنامج الذكاء الإصطناعي الخاص به «غروك»، وبجمال الصور المستوحاة من الرسوم المتحركة اليابانية التي يستطيع إنتاجها.
كان ذلك بمثابة هجرة داخلية حقيقية من عالم السياسة إلى عالم آخر.
لقد إنسحب بنفسه من السياسة الكبرى، واكتفى بالبقاء في دائرة الأعمال، وتوقف عن إصدار التقييمات الجيوسياسية، بعدما كان يتدخل في التعليق على كل قضية تقريباً.
والآن، يجري إعادته جزئياً إلى الخدمة العامة، من خلال عقود ضخمة ومنحه صلاحيات محددة، فعاد إلى الكلام من جديد.
وبرأيي، تتشكل هناك في الوقت الراهن سياسة جديدة يمكن وصفها بأنها «سياسة ما بعد ترامب»، ومن المقرر أن يؤدي ماسك أحد الأدوار الرئيسية فيها.
ولهذا السبب تحديداً تعود إلى الواجهة موضوعات كادت تُنسى: الانتقاد الحاد لزج الولايات المتحدة في الصراع مع إيران، واتهام الاتحاد الأوروبي والعولميين والحزب الديمقراطي بأنهم المسؤولون عن إشعال المذبحة الدموية بين الروس والأوكرانيين.
لقد نشر ماسك تدوينة أثارت ضجة كبيرة، قال فيها صراحة: «ليُلعن أولئك الذين دعوا إلى هذه الحرب التي أزهقت أرواح مئات الآلاف!».
كان ذلك هجوماً مباشراً ومدمراً على المحافظين الجدد داخل الحزب الجمهوري، وعلى الديمقراطيين.
وهو موقف يتعلق بالحرب نفسها، كما يتعلق بالمساعدات الأميركية الهائلة والمجنونة لكييف.
ثم شن ماسك هجوماً مباشراً على زيلينسكي، قائلاً إن هذا الرجل لا يريد السلام إطلاقاً، وإنه لا يستطيع الاستمرار إلا بفضل الحرب.
كانت تلك عبارات بالغة القسوة والوضوح.
أما فيما يتعلق بروسيا، فإن ترامب نفسه يحاول الحفاظ على موقف يتسم بقدر نسبي من ضبط النفس. فهو ليس روسوفوبياً متعصباً، ولا يحمل العداء البدائي الأعمى لروسيا الذي يميز خصومه الديمقراطيين أو حلفاءه من المحافظين الجدد، بل يحاول الاحتفاظ بنوع من التوازن.
لكننا نرى بوضوح أنه لا يتمتع بحرية كاملة في تنفيذ سياسته الخاصة.
وهنا تكتسب حقيقة أن انتقادات ماسك موجهة أيضاً إلى إشعال الحرب ضد إيران أهمية استثنائية.
فعبارة «مشعلو الحروب» التي يستخدمها في انتقاداته تنطبق بالقوة نفسها على الساحة الأوكرانية والساحة الشرق أوسطية.
وربما يكون في ذلك، جزئياً، مناورة انتخابية دقيقة، لأن استطلاعات الرأي تكشف بلا هوادة أن ترامب بدد خلال مرحلة معينة رصيده الذهبي لدى المؤيدين المخلصين والمتشددين لحركة «ماغا» في بداياتها.
لقد أخذ ينفّر قاعدته الأيديولوجية بصورة منهجية، معتقداً أنه يستطيع الاستغناء عنها.
وأذكّركم بأنه هاجم في منشوراته على منصته «تروث سوشيال»، وفي لحظات غضب وانفعال، أكثر الشخصيات إخلاصاً وقناعة داخل هذه الحركة، مثل تاكر كارلسون، ومارجوري تايلور غرين، وميغين كيلي، وأليكس جونز، بل وإيلون ماسك نفسه.
مع أن هذه المجموعة من الشخصيات الفكرية والإعلامية هي التي حققت له، في جوهر الأمر، الفوز، ومنحته ذلك الفارق الحاسم الذي لم يكن الجمهوريون التقليديون قادرين على تأمينه.
وبالمناسبة، فإن جي دي فانس ينتمي إلى المجموعة السياسية نفسها.
واليوم، بدأت هذه القوة العميقة والمثيرة للاهتمام بالظهور علناً في الولايات المتحدة.
إنها قوة تتخذ موقفاً معارضاً بصورة جوهرية لتقديم الدعم العسكري لكييف.
ومع ذلك، يجب ألا ننسى أن ماسك رجل أعمال وبراغماتي صارم.
وهو يميز بوضوح بين مجالين: المجال العسكري لمنظومة «ستارشيلد»، الذي يقع ضمن الاختصاص المباشر لوزارة الدفاع الأميركية والدولة الأميركية، ولا يتخذ ماسك فيه قرارات رسمية بنفسه؛ وبين منظومة «ستارلينك» التجارية.
وبالطبع، كان يغض الطرف سابقاً عن التحايل الوقح الذي مارسه الأوكرانيون على نظام «ستارلينك» التجاري، واستخدامه في توجيه الضربات الهجومية.
لكن مجرد أنه توقف عن غض الطرف، وبدأ يضع علناً حواجز أمام هذا الاستخدام، يمثل مؤشراً بالغ الأهمية.
إن المسألة ليست مجرد ضجيج انتخابي، أو محاولة لاستعادة الناخبين الذين أصابهم الإحباط من ترامب.
الأمر أعمق بكثير.
فنحن ندخل تدريجياً مرحلة ما بعد ترامب.
وفي الولايات المتحدة، تتبلور قوة محافظة انعزالية هائلة، تعارض اللوبي الصهيوني، والحرب في أوكرانيا، والعولميين، والبيروقراطيين الأوروبيين.
وبسبب السياسة المرتبكة، وفي بعض جوانبها الفاشلة تماماً، التي انتهجها ترامب، أصبحت هذه الكتلة المليونية بلا قيادة سياسية واضحة.
وتدور الآن معركة حادة حول الجهة التي ستتولى قيادتها، والراية التي ستجتمع تحتها.
أما الديمقراطيون، فهم يفركون أيديهم سروراً، ويأملون في تأليب خصومهم بعضهم على بعض، وشن حملة صيد تستهدف الشخصيات الرئيسية في هذه الحركة.
لكن ينبغي النظر إلى المشكلة من زاوية أوسع.
يجب ألا نختزل التحليل إلى مستوى طفولي من قبيل: «إذا أوقف ماسك ستارلينك فهو بطل، وإذا لم يوقفها فهو ليس كذلك».
علينا أن ندرك أننا في حالة حرب مباشرة مع الولايات المتحدة، وأن ترامب لا يوقف هذه الحرب.
وربما يكون الحل الأمثل هو أن يجتمع قادة القوى العظمى الثلاث: فلاديمير بوتين، ودونالد ترامب، وشي جين بينغ، من دون أي وسطاء، ومن دون الأوكرانيين والأوروبيين الذين لا يفعلون سوى الوقوف في الطريق وإثارة الضجيج.
لقد تشكل أمامنا اليوم عالم ثلاثي الأقطاب بالمعنى الكامل للكلمة.
وينبغي للحكام الحقيقيين لهذه الدول الثلاث، بوصفها دولاً حضارية، أن يجلسوا إلى طاولة واحدة ويتوصلوا إلى تفاهم مباشر فيما بينهم.
ومن اللافت أن ترامب نفسه يفصح بين الحين والآخر عن موقفه قائلاً: «أوكرانيا لا تهمني على الإطلاق، ولا أريد مناقشتها. دعونا نتحدث بدلاً من ذلك عن الاستقرار الاستراتيجي والترسانات النووية».
فبالنسبة إليه، تمثل القضية الأوكرانية مسألة ثانوية وهامشية.
لكنه، تحت ضغط خانق من قوى داخلية وخارجية، يجد نفسه مضطراً إلى مواصلة هذا النهج.
إن تخلي أميركا عن دعم زيلينسكي، في ظل تورطها في صراعات عديدة، سيكون أسرع خطوة وأكثرها إيلاماً للديمقراطيين، كما أنها ستكون خطوة تحظى بترحيب الشعب الأميركي كله.
لكن ترامب، للأسف، مكبل اليدين والقدمين، ولا يتمتع بالقدر الكافي من الاستقلالية السياسية الذي يسمح له باتخاذ هذا القرار بمفرده.
▪️النظام العالمي المقبل: القوى الثلاث وفكرة يالطا جديدة
المذيع: حسناً، دعونا نواصل في هذا الاتجاه.
أولاً، أشرتم إلى ليندسي غراهام، ذلك المحافظ الجديد المتشدد الذي أعد مشروع قانون قاسياً مناهضاً لروسيا، قبيل وفاته بوقت قصير. وعلى الرغم من رحيله، فقد أُقر هذا القانون القاسي ودُفع به عبر الكونغرس.
وثانياً، هناك فكرة النظام العالمي الجديد. لقد تحدثتم عن قمة ثلاثية محتملة. وربما لا يبدو تعبير «التحالف الثلاثي» مستساغاً تماماً من الناحية التاريخية، لكننا نتحدث هنا عن دائرة القرار الأساسية في العالم.
هناك قمة دولية مرتقبة، قد تشهد نظرياً لقاءً مباشراً بين فلاديمير بوتين ودونالد ترامب وشي جين بينغ.
وهذا، في جوهره، ليس سوى رسم أولي لمعالم الهندسة الدولية المقبلة: ثلاثة عمالقة رئيسيين، وثلاثة أقطاب ذات سيادة، وثلاث دول حضارية تستند إليها المنظومة العالمية برمتها.
وهنا تظهر تفصيلة مثيرة للاهتمام في هذا التصور: تفيد وسائل الإعلام الأميركية بأن واشنطن مستعدة لدعم فيكتور أوربان لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة.
وبغض النظر عن موقفنا الحالي من هذه المنظمة، والانتقادات التي نوجهها إليها، فإن ولاية أنطونيو غوتيريش تنتهي في نهاية هذا العام.
والمثير أن واشنطن لا تفكر في دعم بيروقراطي عولمي تقليدي، بل في شخصية محافظة مثل أوربان، يمكن أن تحظى بقبول الأوساط اليمينية، وكذلك القاعدة الشعبية الأساسية لحركة «ماغا».
ألكسندر دوغين: بالطبع، ستكون شخصية أوربان مقبولة لدى الجميع باستثناء العولميين وشبكات سوروس.
وهذا تحديداً ما يفسر امتلاك هذه الشبكات نفوذاً هائلاً، بما في ذلك داخل منظمة الأمم المتحدة نفسها.
ومن الممكن تماماً أن يصبح موضوع تعيينه أحد الملفات المطروحة للنقاش خلال هذه القمة الثلاثية.
لكنني لا أرى أن مثل هذا اللقاء يمكن وصفه بأنه نظام عالمي متكامل. فما زلنا أمام مجرد ملامح اتفاق أولي بين ثلاث قوى عظمى تعيش حالة صراع جيوسياسي عميق للغاية.
ولو تطور هذا الاتفاق إلى صيغة تشبه مؤتمر يالطا، حيث تمكن الخصوم الأيديولوجيون من التوصل إلى تفاهمات، لكان ذلك أمراً رائعاً.
لكن ترامب، للأسف، أسير لافتقاره إلى الاستقلالية. فقد اتضح أنه ببساطة غير قادر على اتباع السياسة السيادية التي أعلن منذ البداية أنه يريد انتهاجها.
ومع ذلك، فإن فكرة تولي فيكتور أوربان منصب الأمين العام للأمم المتحدة فكرة ممتازة.
أعتقد أننا سندعمه، وكذلك الصين. وسيكون أميناً عاماً رائعاً، ويمكن معه أن تتغير منظمة الأمم المتحدة بصورة جذرية.
ومن الرائع أن الولايات المتحدة طرحت اسمه. إنه نقطة توافق وسطية يمكن أن ترضي الجميع، وتشكل مدخلاً مثالياً لإطلاق حوار جديد.
من المؤكد أن القوى الثلاث الكبرى تحتاج إلى مناقشة القضايا الراهنة على الساحة الدولية.
لكن علينا نحن أيضاً أن نبذل جهوداً جدية للحاق بالركب.
انظروا: الولايات المتحدة والصين تتصدران بلا منازع مجال الذكاء الاصطناعي.
إذا كان السلاح النووي يمثل سلاح الماضي والحاضر، فإن الذكاء الاصطناعي هو سلاح المستقبل.
وعلينا أن نحشد قوانا ونحقق قفزة نوعية في هذا المجال.
فمجرد امتلاك الترسانات النووية، والأراضي الشاسعة، والتقاليد التاريخية العريقة، لن يكون كافياً لضمان احتفاظنا بمكانتنا كقوة عظمى، إذا لم نتخذ خطوات عملية ونشطة منذ الآن.
إن الزمن التاريخي يضيق بلا هوادة، والأهمية النسبية للعامل النووي تتراجع تدريجياً. وهذا اتجاه يثير قلقاً بالغاً.
نحن مطالبون بالتوجه نحو التكنولوجيا المتقدمة، وإعادة بناء منظومتنا، والانتقال من ذلك النظام الليبرالي الرأسمالي المتهالك والمتداعي، الذي ورثناه من تسعينيات القرن الماضي والعقد الأول من الألفية الجديدة، إلى جهاز دولة أكثر جدية وفعالية وكفاءة.
إننا مقبلون على منافسة شرسة، وربما على حرب مباشرة، مع عملاقين مثل الصين والولايات المتحدة.
وحتى إذا توصلنا إلى اتفاق معهما بشأن بعض القضايا، فسيتعين علينا أن نثبت باستمرار أننا طرف متكافئ وجدير بالعضوية الكاملة في هذا النادي الثلاثي.
ومن المؤكد أن هذا النادي سيتوسع مستقبلاً، وستكون الهند مرشحة للانضمام إليه باعتبارها القوة التالية.
أما العالم الإسلامي، فهو يبحث اليوم بقلق شديد عن نقاط ارتكاز، ويدرك جيداً أن هذه الحضارات، إذا بقيت متفرقة، سيكون من السهل على الأقطاب العالمية الجديدة أن تتغلب عليها واحدة تلو الأخرى.
ولهذا فإن نشوء عالم متعدد الأقطاب لا يعني بأي حال من الأحوال أن بإمكاننا الاسترخاء والاطمئنان.
بل على العكس، سيتطلب الأمر منا تركيزاً هائلاً، وربما أكبر مما تطلبه منا في أي وقت مضى.
علينا الاستعداد للحرب، والاستعداد للدفاع عن سيادتنا الحضارية على جميع المستويات.
وسواء انعقدت هذه المفاوضات الثلاثية أم لم تنعقد، فمن المؤكد أن انعقادها سيكون أمراً ممتازاً، لكن لا ينبغي لنا التعويل عليها وحدها.
الشيء الوحيد الذي يمكننا الاعتماد عليه هو تعزيز قدراتنا القتالية، وقوتنا، وكفاءة إدارتنا، وفعاليتنا قبل كل شيء.
ولا تزال لدينا مشكلة جدية في هذا المجال.
فالتوجيهات الممتازة والمهام الصحيحة التي يحددها الرئيس، والأوامر التي يصدرها، تمر في كثير من الأحيان عبر مستويين أو ثلاثة من المستويات الإدارية، وعندما تصل إلى مرحلة التنفيذ يكون بعضها قد سقط في الطريق، وبعضها الآخر قد نُسي أو تعرض للتحريف.
إن التوجيهات تفقد تدريجياً قوتها وطاقتها.
لكن السلطة ينبغي أن تعمل مثل شعاع الليزر: يصدر الرئيس أمراً من الكرملين، فينطلق شعاع الليزر عبر كامل التسلسل الإداري، وصولاً إلى أدنى مستوى من مستويات التنفيذ المادي.
عندها فقط سنصبح على المستوى نفسه مع القوى التي نحاربها، ممثلة في الولايات المتحدة، ونتعاون معها في الوقت نفسه، ممثلة في الصين.
فلا الحرب ولا الصداقة تعفياننا من ضرورة بذل جهود داخلية هائلة للتعبئة.
ولا أتحدث هنا عن التعبئة العسكرية بقدر ما أتحدث عن تعبئة الروح، والتعبئة الإدارية والتنظيمية والاقتصادية والسياسية الصارمة.
▪️العالم الإسلامي وإيران: هل يتشكل قطب جديد في مواجهة إسرائيل؟
المذيع: أشرتم قبل قليل إلى العالم الإسلامي باعتباره أحد الأقطاب المستقبلية المحتملة، وإحدى القوى العالمية التي يمكن أن يكون لها دور فاعل في المرحلة المقبلة.
وكما ذكرتم بحق، فإن هذا العالم يتعرض خلال السنوات الأخيرة لمحاولات التفكيك والتجزئة والتمزيق، وهذا يحدث بالفعل.
ويمكن استخلاص استنتاجات مباشرة من خلال النظر إلى إحدى أهم القوى الإسلامية، وهي إيران.
فخلال الأيام القليلة الماضية، عادت الأوضاع المحيطة بهذا البلد إلى التصعيد بصورة حادة.
وتصدر من طهران إشارات تفيد بأن إيران مستعدة لفتح مضيق هرمز إذا رفعت الولايات المتحدة وحلفاؤها الحصار عن الموانئ الإيرانية.
ومن الصعب بالطبع تصديق ذلك بسهولة، لكن الإشارة كانت واضحة وصاخبة.
وفي المقابل، لا يستبعد ترامب تنفيذ عمليات عسكرية جديدة.
وتأتي حلقتنا عشية الانتخابات في إسرائيل، حيث تحاول قيادتها، من خلال رئيس الوزراء، دفع واشنطن بكل الوسائل إلى اتخاذ خطوات متطرفة وتوجيه ضربة جديدة.
إن هذا العقدة تتشابك الآن بصورة متزايدة، ويبدو أن خيوطها تزداد تعقيداً يوماً بعد يوم.
د. دوغين، هل توجد هنا خيوط يمكن الإمساك بأحدها وسحبه، بما يسمح لنا بتفكيك هذه العقدة الخطيرة للغاية؟
ألكسندر دوغين: أولاً، هذا موضوع بالغ الأهمية بالفعل، وربما يكون أهم حدث ليس بالنسبة إلى إسرائيل وحدها، بل بالنسبة إلى الولايات المتحدة والعالم كله أيضاً.
إن بنيامين نتنياهو شخصية يكرهها بصدق، في اعتقادي، أكثر من نصف البشرية، أما النصف الآخر فربما لا يعرف تفاصيل القضية بما يكفي.
إنها شخصية مثيرة للاشمئزاز إلى أبعد الحدود، وأصبح كثيرون في مختلف أنحاء العالم يصفونه بصورة متزايدة بأنه هتلر العصر الحديث.
إن ما يرتكبه بحق فلسطين ولبنان وإيران يحاول تبريره بشتى الوسائل، بينما نشهد أمامنا عدواناً حقيقياً سافراً وإبادة جماعية لا لبس فيها.
لكن المعارضة التي تواجهه في هذه الانتخابات تتبنى بدورها مواقف متقاربة إلى حد كبير مع مواقفه.
لا يمكن القول إن الهوة بين الطرفين شاسعة، أو إن موقفيهما متناقضان تماماً كالأرض والسماء.
ومع ذلك، فإن الفارق الرمزي بينهما هائل.
فإذا أعيد انتخاب نتنياهو واحتفظ بالسلطة، فإن ذلك ينذر حتماً بموجات جديدة وأكثر قسوة من التصعيد في الشرق الأوسط وعلى المستوى العالمي.
أما إذا رحل عن السلطة، أو تمكنت المعارضة من التغلب عليه، رغم أن ذلك ليس أمراً مؤكداً على الإطلاق، فقد تفتح أمامنا إمكانات جديدة بصورة جوهرية.
ومن الواضح أن مواقف خصومه متشددة هي الأخرى، وتستند في جوهرها إلى الصهيونية، وإن كانت الأوساط السياسية الإسرائيلية تضم شخصيات مختلفة، بعضها أكثر اعتدالاً.
على أي حال، يمر المجتمع الإسرائيلي حالياً بحالة شديدة الصعوبة من الإنهاك والتصدع الداخلي.
لقد وجه الإيرانيون إلى إسرائيل ضربات مؤلمة وحساسة للغاية، والواقع الفعلي هناك ليس وردياً كما تحاول الدعاية الرسمية تصويره.
لقد سئم الإسرائيليون ببساطة هذه الحرب التي لا تنتهي.
الناس يريدون التغيير. فإما أن تُحسم الحرب بصورة نهائية، وإما أن تتوقف فوراً.
أما مشروع البناء الدموي المستمر لما يسمى «إسرائيل الكبرى»، والذي يحقق نتائج مشكوكاً فيها إلى أبعد الحدود، فيفرض على المواطن العادي تقديم تضحيات هائلة ومتواصلة، من دون أن يكون واضحاً تماماً ما الغاية من كل ذلك.
ولهذا فإن الانتخابات المقبلة تحمل أهمية رمزية هائلة.
ففوز نتنياهو سيعني اتخاذ قرارات جديدة، وربما الأكثر تطرفاً وكارثية على الإطلاق.
لكننا، في الوقت نفسه، نشهد على القطب المقابل بداية توحيد سريع لقوى كانت تبدو في السابق متعادية بصورة لا يمكن التوفيق بينها.
تُعقد لقاءات بالغة الأهمية في طهران، بمشاركة السعوديين والأتراك والباكستانيين.
ويتشكل أمامنا إطار إقليمي قوي ومختلف تماماً.
وإذا تمكن السنة والشيعة من تجاوز خلافاتهم الممتدة عبر قرون، والتوصل إلى لغة تفاهم مشتركة، فعندئذ لن يكون وضع إسرائيل مريحاً على الإطلاق، مهما بلغت قوتها وعدوانيتها.
نحن نقف على عتبة تحولات هائلة.
العالم كله يعيش حالة من التقلبات الحادة والاضطراب الشديد.
وكل شيء مهيأ للانهيار في الهاوية في أي لحظة، مع اندلاع صراعات واسعة النطاق وحروب أهلية جديدة.
إن الوضع لا يزال بالغ الخطورة والقلق.
#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
جون ميرشايمر - فخ الحروب الثلاثة الذي وقع فيه ترامب
-
بعد 109 سنوات على ثورة أكتوبر: هل ما زال الجمر الأحمر يتوهج
...
-
ألكسندر دوغين - كيف قادت الصهيونية ترامب إلى الإنهيار؟
-
ألكسندر دوغين - ماسك وترامب وزيلينسكي و«ستارلينك»: هل بدأت م
...
-
ميثاق مكة أمام إختبار إيران: لماذا تسعى تركيا والسعودية وباك
...
-
ألكسندر دوغين - من قمة بوتين وترامب وشي إلى مستقبل النظام ال
...
-
كيف قرأت موسكو نتائج الإنتخابات النصفية الأميركية؟
-
ألكسندر دوغين - أوروبا وجيوش الفوضى (برنامج إيسكالاتسيا على
...
-
جيفري ساكس - الحلّ الذي يقف أمام أعين إسرائيل
-
ألكسندر دوغين - إسرائيل على ساعة هرمجدون*
-
ألكسندر دوغين - من هدنة الديزل إلى الذكاء الإصطناعي (برنامج
...
-
من وعد بلفور إلى غزة: بريطانيا ومسؤوليتها عن المأساة الفلسطي
...
-
من وعد بلفور إلى مؤتمر إيفيان: اليهود اللاجئون، وفلسطين، وتش
...
-
من وعد بلفور إلى مؤتمر إيفيان: اليهود اللاجئون، وفلسطين، وتش
...
-
من وعد بلفور إلى مؤتمر إيفيان: اللاجئون اليهود، وفلسطين، وتش
...
-
من وعد بلفور إلى مؤتمر إيفيان: اليهود اللاجئون، وفلسطين، وتش
...
-
من وعد بلفور إلى مؤتمر إيفيان: اليهود اللاجئون، وفلسطين، وتش
...
-
من وعد بلفور إلى مؤتمر إيفيان: اليهود اللاجئون، وفلسطين، وتش
...
-
من وعد بلفور إلى مؤتمر إيفيان: اليهود اللاجئون، وفلسطين، وتش
...
-
من وعد بلفور إلى مؤتمر إيفيان: اللاجئون اليهود، وفلسطين، وتش
...
المزيد.....
-
عراقجي يوجه رسالة إلى أمريكا بشأن فتح مضيق هرمز.. ويهدد بـ-ا
...
-
ترامب يتحدث لـCNN عن موقفه من استئناف الحرب ومصير المحادثات
...
-
زعيم الديمقراطيين في الكونغرس يؤيد عزل وزير الحرب
-
مشاهد توثق حريق سفينة تعرضت لاستهداف في مضيق هرمز
-
بعد كارثة العياط.. مطالبات حزبية بإقالة وزير النقل في مصر
-
مصر.. مشادة بين وزير النقل ومواطن بسبب ضحايا قطاري العياط (ف
...
-
ترامب يستبعد تجدد الحرب مع إيران ويشترط اتفاقا قويا
-
الدفاع الروسية: إسقاط 50 مسيرة أوكرانية خلال 12 ساعة
-
قائد سابق لقوات الناتو في أوروبا: على هيغسيث اتخاذ -القرار ا
...
-
-ما هو شعورك وأنت خاسر؟-.. صحفي يباغت ترامب بسؤال مباشر (فيد
...
المزيد.....
-
جون ميرشايمر - فخ الحروب الثلاثة الذي وقع فيه ترامب
/ زياد الزبيدي
-
حين يصيح الولاء اقوى من الحقيقة
/ حسين محمود صالح
-
ضحايا صدام حسين
/ صباح يوسف ابراهيم
-
الزمن المقلوب
/ رائد الجحافي
-
عيوب الذكاء الاصطناعي
/ رائد الجحافي
-
عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي
/ رائد الجحافي
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
المزيد.....
|