أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - آصف ملحم - الحقيقة والنفس واللاهوت العلوي-النصيري















المزيد.....



الحقيقة والنفس واللاهوت العلوي-النصيري


آصف ملحم
باحث وكاتب

(Assef Molhem)


الحوار المتمدن-العدد: 8883 - 2026 / 11 / 8 - 09:14
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


حتى وقت قريب، عانى الفكر من ازدواجية متناقضة: فقد دُرِسَ الوعي بمعزلٍ جوهري عن العضو الذي يُنتجه - النفس - وبالمقابل، بمعزلٍ عن العضو الذي يُنتج هذه النفس نفسها – أي الجملة العصبية. ولأسباب يصعب تفسيرها الآن، قسّمت الفلسفة وعلم النفس بينهما ما لا يمكن فصله من حيث المبدأ - النفس ومحتواها. ويجب القول إن كليهما تجاهل الجملة العصبية بشكلٍ واضح.
في هذا السياق، وقبل الاستطراد، لا بد من طرح السؤال التالي:
هل النفس الإنسانية هي حصيلة العمليات الفيزيائية-الكيميائية-البيولوجية التي تجري في الجملة العصبية فقط، أم أن هذه "النفس" مرتبطة بباقي أجزاء الكون والعالم؟
طبعاً عبارة "الكون والعالم" تشير إلى "كل ما تم اكتشافه وما لم يتم اكتشافه"، فنحن لا نعرف كل شيء عن الكون المحيط بنا بجزئية المادي أو اللامادي!
سنعود إلى مناقشة هذه النقطة لاحقاً، والحقيقة أننا لا نمتلك أيَّ جواب على هذا السؤال، كما أن الإجابة عليه بدقة ليست ضرورية في مناقشاتنا المرتبطة بموضوع هذه المقالة.
بحلول نهاية القرن التاسع عشر، ابتعدت وعادت "النفس" أخيرًا إلى علم النفس الذي نشأ حديثًا، بينما بقي "محتوى النفس" (في الواقع "الوعي" و"التفكير" وغير ذلك من "العمليات الذهنية") من اختصاص الفلسفة. ومع ذلك، لم يُحدَد الحد الفاصل بينهما بوضوح قط، لكن هذا لم يُضعف حدة المواجهة التي نشأت في هذه المنطقة الحدودية. حارب الفلاسفة، أمثال غوتلوب فريجه و إدموند هوسرل و كارل بوبر بشدة "النزعة النفسية" Psychologism، أو النَفسَنة، وكان لكل منهم فهمه الخاص لهذا المصطلح. أما علماء النفس، فقد زادوا الطين بلة، فقد شكّك بعضهم في إمكانية وجود "الفلسفة" نفسها!
أصبح الحفاظ على "ميتافيزيقا" لا يمكن اختزالها أو إرجاعها أو تبسيطها أو تفكيكها إلى "أصول نفسية" مبدأً أساسياً في الفلسفة الوجودية والظاهراتية ونظرية المعرفة والأنثروبولوجيا الفلسفية وغيرها. وليس من قبيل المصادفة أن كبار علماء النفس، أمثال: ويليام جيمس و كارل ياسبرز و سيرغي روبنشتاين، قسّموا أعمالهم عمداً إلى فلسفية ونفسية. وكان من المحظورات تقريباً الإخلال بهذا التوازن الدقيق والهش بينهما.
تمكًن الفلاسفة، بدورهم، من الكتابة عن الإدراك والمشاعر والدوافع والذاكرة واللغة والوعي، وغيرها من العمليات العقلية، غير مكترثين تمامًا بحقيقة وجود أو عدم وجود أي تأكيد علمي لنظرياتهم التخمينية-التأملية في الطبيعة أو الإنسان.
في الواقع، تكمن المشكلة الحقيقية في أعماق أكبر بكثير. نعم، يبدو التمييز بين "النفس" و"محتواها" واضحاً، لكن لم يُشر أحدٌ إلى هذه الحقيقة الواضحة بشكل مباشر أو غير مباشر. بدلًا من ذلك، أعلنت كل من الفلسفة وعلم النفس عن موضوعات بحثية مجرّدة وافتراضية؛ فبدا أن الفلاسفة يبحثون عن "الحقيقة"، وعلماء النفس عن "النفس"، في الوقت نفسه، لم يخبرنا أي فيلسوف بمعايير "الحقيقة"، ولم يخبرنا أي عالم نفس أين تبدأ حدود "النفس" وأين تنتهي. على الأقل، إنّ السؤال حول أين يقع المحتوى "الثقافي-التاريخي"، كما عبّر عالم النفس السوفيتي ليف فيغوتسكي، في نفس محددة أو في مجتمعٍ مجرّدٍ، سيُحيّر أي عالم نفس لا محالة.
عاجلاً أم آجلاً، كان لا بد لهذه المفاهيم التخمينية-التأملية، أي "الحقيقة" و"النفس"، أن تتلاشى. وهذا ما حدث بالفعل في نهاية القرن العشرين: فقد طُردت "الحقيقة الميتافيزيقية" من الفلسفة الأوروبية على يد مجموعة من الفلاسفة، أمثال: جاك لاكان، ميشيل فوكو، جاك دريدا، جان بودريار؛ وفي الخطاب الفلسفي الأمريكي (التحليلي-البراغماتي)، تحولت إلى نوع من المنطق المجرّد الفارغ على يد مجموعة من الفلاسفة، أمثال: رودولف كارناب، ويلارد كواين، شاول كريبك، جون سورل. كما أن "النفس" بدورها تعرضت لهجومات كثيرة، من جراء جهود مختلف التيارات كـ: التحليل النفسي، وعلم النفس الغشتالتي أو الشكلي gestalt psychology، والسلوكية behaviorism، وعلم النفس المعرفي، وعلم نفس العمليات العقلية، وعلم النفس الاجتماعي، وما إلى ذلك، الأمر الذي أدّى إلى تشظيّها وتفتيتها إلى درجة هائلة، لم تتيح أي فرصة للتعافي أو جمع هذه الشظايا والأجزاء.
يصعب تصور وجود علم عاجز إلى هذا الحد عن تحديد موضوع بحثه، فمن جهة تتضاءل الفائدة العملية لهذا البحث في كل من الفلسفة وعلم النفس، كما أن هذه المعرفة غير مرتبطة بالواقع وغير متأثرة به من جهة أخرى، ولن يكون هناك طلب أو حاجة حقيقية لهذه المعرفة من جهة ثالثة. فكيف يمكن أن ننجح في دراسة المناخ دون دراسة درجة الحرارة، أو باستبعاد كوكب الأرض؟!
شكّل "الانعطاف اللغوي" في الفلسفة و"الثورة المعرفية" في علم النفس نقطة تحول جذرية، إذ أحدثا نقلة نوعية في المفاهيم. فقد أقرّ "الانعطاف اللغوي" بالطبيعة اللغوية للواقع، أو باختصار "نقل فضاء الواقع إلى فضاء اللغة"، أي إلى "الوعي". بينما حوّلت "الثورة المعرفية" تركيز علم النفس من دراسة النفس إلى طرائق فهم الواقع. وهكذا، تقارب علم النفس والفلسفة، بمعنى ما، على الجانب نفسه من الحدود الوهمية لمواجهتهما التي دامت قرونًا. لكن هذا التوفيق الشكلي لم يُفضِ، ولا يمكن أن يُفضي، إلى أي نتائج عملية!
الحقيقة هي أنه في ظل الظروف الراهنة، فُقد الاهتمام تمامًا بـ "النفس" كما نتصورها تقليدياً، ولم يعد بالإمكان دراسة "وظيفتها" مع تجاهل "العضو" المرتبط بها، أو الحاوي لها أو المنتج لها، إلا إذا كنّا منفصلين تماماً عن الواقع. فلقد أصبح بالإمكان دراسة الخيال والوهم والتجريد والخداع والتضليل، وتحوّلت هذه الوظائف النفسية-العقلية إلى محاور للتحليل والبحث. ولإدراك أهمية هذا التحول الكبير، يكفي النظر إلى المفاهيم التي ظهرت عن "الوعي": فبالنسبة للبعض، "الوعي" هو انعكاس للواقع ومساحة للتفكير؛ وبالنسبة لآخرين، هو واقع ذاتي محض؛ وبالنسبة لفريق ثالث، هو الواقع الفعلي الذي يبرز أو ينبثق فيه، أو بتعبير هايدغر "يتواجد فيه"، "وجود إنساني محدد"؛ بينما يعتبر فريق رابع "الوعي" نوعًا من القوة المتعالية التي لا يمكن التحقق منها. في الحقيقة، هذه مجرد قائمة مختصرة من التفسيرات المقترحة لـ "الوعي"؛ ولكن عددها الفعلي على عدد المؤلفين الذين تحدثوا عن هذا الموضوع.
إذا تحدثنا بموضوعية، لم نعد نواجه أزمة، بل "نهاية حقيقية للفيلم". وفي تلك اللحظة التي اعتقد فيها الباحثون أنهم وصلوا إلى الحضيض، صدر نداء من القاع، من مصدر غير متوقع، من طرف ثالث، وتحديداً من علم النفس العصبي. لقد أظهر مجال علم وظائف الأعصاب (علم النفس العصبي)، الذي يتطور بسرعة وبشكل مستقل، مخرجًا غير متوقع من هذا المأزق ثنائي الاتجاه. فبالإستناد إلى مناهج أساسية وبفضل أحدث الأبحاث في علم وظائف الأعصاب ستتغير نظرتنا إلى مجمل العمليات الذهنية-النفسية التي ينتجها الإنسان.
كان بإمكان الفلسفة وعلم النفس سابقًا أن يتبادلا الاتهامات بـ "التخمين"، ولكن مع ظهور طرف ثالث – "علم وظائف الأعصاب" – يقدم لنا، بمعنى ما، "بيانات موضوعية"، فقد زال هذا الاحتمال تمامًا.
كلما ازداد علمنا، ازداد فهمنا للآليات الفعلية التي يُعيد بها جهازنا العقلي "النفس" بناء "الحقيقة"، ولآليات عمل هذا الجهاز نفسه، أي منهجية التفكير. وقياسًا على "التحول اللغوي" و"الثورة المعرفية"، يُمكن تسمية التغييرات القادمة بـ "ثورة فيزيولوجية عصبية" في علم التفكير.
نعم، لا تزال "الفلسفة" و"علم النفس" تبدوان لنا كأبراج عاجية شامخة. ولا نزال نُعجَب، أحيانًا بشغفٍ محموم، بالأنماط المعقدة على جدرانها: النظريات، والمفاهيم، والأنظمة. علاوة على ذلك، لا يزال الناس يعيشون وينشطون في تلك الأبراج، ولكن بنفس الوقت يدّعي بعض الباحثين أن أسوار هذه الجدران أصبحت خاوية!
من هنا سننتقل إلى البحث عن موقع "العلوية-النصيرية"، كمنظومة فلسفية-لاهوتية، في هذه المنظومة العلمية الحديثة. وهل حقاً ما زال اللاهوت الخصيبي (أو العلوي-النصيري) حبيساً في هذه الأبراج العاجية الشامخة الخاوية، أم أنه قابل للتكييف مع المعطيات التي عرضناها في الفقرات السابقة؟
أعتقد أن هذا البحث جدير بالاهتمام؛ لأن أي منظومة فكرية لا تنجح في التكيف و التطور ستفقد فائدتها العملية، وستندثر مع الأيام!
وقبل البدء، لا بد من الإشارة إلى نقطة هامة جداً، وهي موضوع المصطلحات؛ إذ يجب أن نكون حذرين جداً في استخدامها وفهمها، وسنحاول التوقف شرحاً وتوضيحاً عند المصطلحات الإشكالية!
كذلك الأمر، قد أستخدم بعض الأفكار التي تحدثتُ عنها سابقاً في مقالات أخرى، لذلك أرجو العودة إليها أيضاً، وهي:
-الوجود والماهية في إطار التفييئ المتعالي إبستمولوجياً، رابط هذه المقالة:

https://jsmcenter.org/society-and-culture/essence-and-existence-in-frame-of-epistemological-transcendence/

-الدياليكتيك الخصيبي والدياليتكتيك الهيغلي، رابط هذه المقالة:

https://ams7.org/alawite-theology/khasibian-dialectic-and-hegelian-dialectic/

بغض النظر عن التركيبة العقلية-النفسية للإنسان، أو أي تركيبة أخرى يمكن تصورها أو توليدها لأي كائن، افتراضياً كان أو غير افتراضي، إذا تمتع بوظيفة ما، وهذه الوظيفة تُمارس على كائن ثانٍ، فسيكون مخالفاً لـ "المنطق" ممارسة هذه الوظيفة على كائن ثالث ومن ثم الادّعاء بأن هذه الممارسة كانت على ذلك الكائن الثاني. ولن نحصل على أي نتائج دقيقة من ممارستها على الكائن الثالث حيال الكائن الثاني. فطرفا العلاقة واضحان، كائن أول يقوم بفعل ما على كائن آخر، وسنصبح أمام جملتين: كائن أول-كائن ثاني و كائن أول-كائن ثالث، وهاتان الجملتان وضوحاً مختلفتان!
ولو أخذنا مثالاً بسيطاً للغاية، يستطيع الإنسان تحريك الأشياء المحيطة به، كالقلم والكتاب وغيرها، فـ "التحريك" هي وظيفة يتمتع بها الإنسان ويقدر عليها. وضوحاً تحريك القلم لا يتطابق مع تحريك الكتاب. فإذا ما طُلب من شخص ما "تحريك الكتاب" فيجب أن يُحرّك الكتاب تحديداً، وليس كائناً آخراً!
والمعرفة بوصفها وظيفة ما، يستطيع كائن ما القيام بها حيال كائن آخر، لا يمكن وصفها بأنها معرفةً لذلك الكائن الآخر إلا إذا مورست تحديداً عليه. فالكائن الأول هو الكائن العارف والثاني هو موضوع المعرفة.
في هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى أننا لم نقم بتفكيك أو تحليل بنية الكائن العارف؛ فنحن لا نعرف كل الكائنات وطبيعتها وبنيتها. كما أننا لم نفترض أيةَ فرضية حيال آليات المعرفة وطرقها أو حتى ماهيتها. لذلك، بهذا المعنى، معرفة شيءٍ ما أو كائنٍ ما يشبه التحويل transformation الذي ينقل الأشياء والكائنات من "فضاء الواقع" إلى "فضاء الوعي"، أو أشبه بالإسقاط projection الذي يُسقِط الأشياء والكائنات من "فضاء الواقع" إلى "فضاء الوعي"، يمارسها كل كائن وفقاً لبنيته وتركيبه وآليات اكتسابها.
في الحقيقة، إن البحث عن جواب على السؤال حول ماهية المعرفة أو بنيتها، أو باختصار: ماذا يعني قولنا: "إننا نعرف"؟، هو مسألة مركزية وهامة للغاية، وسنعود إليها في مناسبات أخرى، في رحلتنا البحثية الطويلة في دراسة اللاهوت والفلسفة العلوية-النصيرية!
وفقاً للمصطلحات التي اعتمدناها في الفقرات السابقة حيال الإنسان، تصبح "النفس" وكأنها هي من تقوم بعملية التحويل أو الإسقاط التي أشرنا إليها، والآلة التي تستخدمها هي الجملة العصبية، التي افترضنا افتراضاً أنها تُنتِج النفس. فنحن أمام منظومة متكاملة: موضوع المعرفة-النفس-الآلة المنتجة للنفس-الوعي.
يشكل الله ومعرفته القضية المركزية في اللاهوت العلوي-النصيري. فالذات الإلهية هي الحقيقة المطلقة، وهي مطلقةٌ "بكل أنواع الإطلاق". يجب أن نكون حذرين جداً عند استخدام الكلمات التالية: "مطلق" و "بكل أنواع الإطلاق" وما شابه؛ لأنه عادةً نطلقها منسوبةً إلى من يطلقها، وقد يُدخلِنا هذا الاستخدام في تناقض ذاتي صارخ، فنسبة "المطلق" إلى "غير مطلق" تُفقدِه مطلقيته. فالله مستغنٍ عن كل مخلوقاته بدون استثناء، وأي وصف أو تقييم يصدر من هذه المخلوقات يجب أن يبقى منسوباً إليها وليس إليه.
وهكذا، فموضوع المعرفة هو "الذات الإلهية" نفسها؛ إذ أنه لا يجوز أن يُعبد مجهول البتة، فمن يعبد مجهولاً مؤهل لأن يعبد أي شيء آخر. وعبادة المجهول – علاوة عن كونها خطأ معرفي – هي إزدراء لقيمة العبادة نفسها! والحقيقة أن الدعوة إلى معرفة الله، والنهي عن عبادة "مجهول" تتكرر كثيراً في كتب فلاسفة الطائفة العلوية، سنكتفي بذكر بعضها للإستناس فقط:
قال الإمام علي (ع): "أول الدين معرفته، وكمال معرفته التصديق به" (انظر نهج البلاغة).
قال الإمام جعفر الصادق (ع): "لو يعلم الناس مافي فضل معرفة الله عز وجل ما مدّوا أعينهم إلى ما متّع الله به الأعداء من زهرة الحياة الدنيا ونعيمها" (انظر كتاب الكافي للكليني).
ومما رواه السيد أبو سعيد ميمون بن القاسم الطبراني في كتاب المعارف وتحفة كل عارف، قال: "ليس يريد الله من خلقه غير معرفته، والسبب الذي بينهم وبينه مواساة الأخوان".
ومما نقله الشيخ محمد بن مقاتل القطيعي في رسالته "منهج العلم والبيان ونزهة السمع والعيان"، المعروفة بـالرسالة المصرية: "من أعطاه الله المعرفة فأي شيء حرمه".
أصبحت المسألة أكثر وضوحاً الآن؛ فعندنا موضوع المعرفة "الذات الإلهية" و "الكائنات العارفة" أو التي تسعى إلى معرفتها. فكيف المخرج و أين السبيل إلى هذه المعرفة؟
يُعتبر "التجلي" و "الصورة المرئية" حجري الأساس في نظرية "معرفة الله" في اللاهوت الخصيبي، فلولا تجلّي الله بـ "صورة مرئية" لما تمكّن أحد من الخلائق التعرف عليه. ولقد عبّر الإمام الخصيبي عن ذلك بوضوح تام في رسالته الرستباشية:
"لكنّا نقول: إن تلك الصورة المرئيّة، هي هو إثباتاً وإيجاداً وعياناً وبياناً ويقيناً، لا هو هي جمعاً و لا كلاً و لا إحاطةً و لا إحصاراً".
تجدر الإشارة، في هذا السياق، أن الله لا يمكن معرفته بمعرفة مصنوعاته وأفعاله، فالمصنوعات والأفعال تدل على الصانع والفاعل، ولكنها مختلفة عنهما من جهة، كما أن هذا الاستدلال لا يمكن طرحه إلا إذا كان مبدأ السببية صالحاً من جهة أخرى. ولقد أشار إلى هذه النقطة المكزون السنجاري في رسالته "تزكية النفس في معرفة بواطن العبادات الخمس"، إذ قال: "ومنهم من قال: عرفته في مصنوعاته وآثار الصنعة، وذلك مقام المنقطعين". ولتبيان نجاعة هذا الطرح يكفي أن نأخذ مثالاً بسيطاً، الإنسان واختراعاته؛ فلقد اخترع الإنسان السيارة والطيارة والقطار والكمبيوتر.. وغيرها. جميع هذه المخترعات لا تشبه الإنسان، ودراستها جميعها لن تقود إلى التعرف على الإنسان!
السؤال الذي يطرح نفسه على هذه الخلفية:
هل اقترح الإمام الخصيبي نظرية التجلي في سياق حله لمعضلة منطقية بامتياز بأن "الأشياء لاتُعرَف إلا بذاتها"، وبالتالي يكون قد فرض على "الذات الإلهية" ما لا يجوز فرضه؛ أي "التجلي بصورة مرئية"؟
لو كان "موضوع المعرفة" كائناً نظرياً عقلياً أو تجريداً فلسفياً فهذا يعني أنه مسبقاً واقعٌ في "فضاء الوعي"، ولا داعي لنقله إلى "فضاء الواقع" لكي نَعيه أو نعرفه. كما أن هذا التحويل بحد ذاته غير ممكن، إلا من قبيل الشرح والتوضيح، لأن ذلك الكائن الافتراضي، أي "موضوع المعرفة"، لا يملك أيَّ حظ من الواقعية. وكون ماهيته عقلية صرفة، فالوعي وحده كافٍ للتعامل معه وفهمه وتفسيره. وخير مثال على ذلك الكائنات الرياضية، كالنقطة والدائرة والأعداد وما شابه، فهي غير موجودة إلا في "فضاء الوعي"، ومع ذلك نحن ندرس خصائصها ونبني النظريات حولها.
لذلك فإنّ الادّعاء بأن النفس الإنسانية، المُنتجِة للوعي، قادرة على بناء تصور ما عن كائن ما، سيضعنا أمام معضلة جديدة وخطيرة، وهي أن هذه النفس قادرة على توليد الكائنات غير الواقعية. وبالتالي سنكون مطالبين بتقديم برهان واضح على أن ما وعته أو عرفته أو تصوّرته مرتبط بشكل أو بآخر بذلك الكائن الواقعي الذي نتحدث عنه، وهنا نعني "الذات الإلهية"، و أن لا تكون القضية مجرّد أوهام وخداع وتضليل.
لا يمكن وسم "الذات الإلهية" بأي وسم على الإطلاق، فهي ليست كائناً عقلياً ولا مادياً ولا غير ذلك، كما أنه لا يمكن نفي وجودها، فهي "حقيقة مطلقة راسخة"، ويجب التعامل معها كونها واقعاً لا بد من التعاطي معه بطريقة أو بأخرى. فالتعاطي مع تصوراتنا الإنسانية عنها هو تعاطٍ مع هذه التصورات فحسب، وليس معها!
لو انتقلنا إلى الكائنات الأخرى، غير الإنسان، كالملائكة مثلاً، فبالرغم من أننا لا نعرف عنها شيئاً إلا أننا نستطيع تخيل وجودها وخصائصها. فقد تكون طبيعتها وتركيبها وبنيتها مختلفة عن الإنسان؛ النفس فيها قد لا تُسمَى نفساً كما هو الحال في الإنسان، بل شيئاً آخراً. وما تنتجه هذه النفس قد لا يكون وعياً مشابهاً لوعي الإنسان، أو حتى ليس وعياً بل شيئاً آخراً، أو فضاءً آخراً مختلفاً عن "فضاء الوعي" المألوف في الإنسان. باختصار هي كائنات مختلفة عن الإنسان في الطبيعة والنفس والوعي والعقل والمنطق والخصائص وآليات المعرفة...الخ. ولكن بغض النظر عن كل هذه الاعتبارات، لا يمكن التعامل مع ما تفرزه بنيتها "النفسية-العقلية الخاصة بها" في فضاء "وعيها الخاص" على أنه أشياء واقعية، بل هي أشياء مرهونة بها فقط، ولا تملك أي حظٍ من الواقعية، لأن تلك الكائنات هي التي انتجت هذه الأشياء في "أذهانها الخاصة". بالتالي، نستطيع تكرار نفس المحاكمة التي أجريناها على الإنسان على هذه الكائنات الأخرى.
أرجو العودة إلى مقالتي الموسومة بـ "الوجود والماهية في إطار التفييئ المتعالي إبستمولوجياً"، فقد أسهبتُ في الحديث عن العوالم الأخرى والكائنات الأخرى وبنية عقولها.
وهكذا فإن إرهاصات "البنى العقلية-النفسية" لأي كائن حول "الذات الإلهية" لا يمكن أن تكون دليلاً عليها إلا في حالة واحدة فقط؛ عندما تكشف "الذات الإلهية" عن نفسها وتُعلِن "أنا أنا".
الشيخ حسن بن حمزة الشيرازي في كتابه "التنبيه" يقبض على هذه المسألة قبضاً، ويطرح الأسئلة المباشرة التالية: "كيف تستدلون على الله عز وجل بما هو مفتقر في وجوده إليه؟ متى غاب حتى يحتاج إلى دليل يدل عليه؟ متى فُقِد حتى تكون الآثار هي التي تدل عليه؟".
فضلاً عن ذلك، فإن كل ما تولِّده "عقول" أو "وعي" أو "البنى العقلية-النفسية" أو غير ذلك من آليات الوعي عند الكائنات الساعية للمعرفة، سواء كانت من عالم البشر أو غيره، في فضاء وعيها ما هو سوى "آثارِ آثارِ" الذات الإلهية، وبالتالي الاعتماد عليها في معرفة هذه الذات غير ممكن البتّة.
أعتقد أن السؤال حول وسيلة التواصل بين "الذات المتجلية" و "الكائن المخاطَب"، أو كيفية تَثَبُّتْ هذا الكائن من أنها "الذات الإلهية"، هو سؤال عديم المعنى؛ لأن "الذات الإلهية" قادرة على الإطلاق ولا يُعجزِها شيء من الأشياء. وبالتالي فإن ذلك الكائن سيتمتع بـ "خاصية ما" تجعله يتيقن بأن ما "انكشف له" حقيقةً هو "الذات الإلهية".
بناءً على ما تقدم، فالإمام الخصيبي لم يفرض على "الذات الإلهية" ما لايجوز فرضه، بل إن التجلي يفرض نفسه بنفسه، ويمكن استنباطه بسهولة انطلاقاً من منظومته اللاهوتية-الفلسفية. بذلك يكون الإمام الخصيبي قد قدم حلاً واضحاً ودقيقاً وصارماً لإشكالية معرفة الله، وهذا الحل ينسجم منطقياً وصورياً مع مبادئ نظرية المعرفة، ولا يقبل الدحض.
لذلك، نلاحظ أن عبارة "ظهر لكل جنسٍ كجنسه" تتكرر تقريباً في كل رسائل وكتب فلاسفة المذهب العلوي-النصيري عند حديثهم عن التجلي والصورة المرئية. سنذكر بعضها للفائدة والتذكير:
كتب الإمام الخصيبي شعراً:
"والله يوري ظهوراً في مشيئته ... في كل جنس من الأجناس والعدد"
والمفضل بن عمر الجعفي قال في كتاب الظهورات: "إن المعنى ظهر بالجنس وهو مجنّس الأجناس ورب الجنة والناس".
قال أبو عبدالله محمد بن شعبة الحراني أيضاً في كتاب الأصيفر: "ظهر لخلقه كخلقه مجانساً وتقرّب إليهم برحمته مؤانساً، شاكلهم في الأجناس والصور وباينهم في الحقيقة والجوهر".
كذلك الأمر، قال السيد أبو سعيد ميمون بن القاسم الطبراني في كتاب البحث والدلالة في مشكل الرسالة:
"فمن قال إن تلك الصورة الأولى النورانية هي الآخرة البشرية في الحقيقة والجوهر لا في الجنس والمنظر فقد صدق. ومن قال إن الصورة النورانية غير الصورة البشرية في الجنس والمنظر لا في الحقيقة والجوهر فقد صدق. لأن نفس شرط التوحيد أن المعنى لا يحول عن كيانه وإن ظهر لعيانه"
قال الشيخ حسن بن حمزة الشيرازي أيضاً في كتاب التنبيه: "إنه لما وجب أولاً ظهور المعنى بذاته ليعبدوه وحده بلا شريك، لكونه تستحيل غيبته عن خلقه، كما يستحيل عدمه، وجب في الحكمة الإلهية أن ظهر لكل جنس كجنسه، تأنيساً للمؤمنين وتلبيساً على الجاحدين المنكرين".
والآن سنعود إلى نقطة، ذكرناها سابقاً، وهي منشأ النفس، أو الترابط بين النفس وباقي مكونات العالم. حيال هذا الموضوع يمكننا أن نذكر 5 احتمالات:
1-النفس هي نتاج جملة العمليات الفيزيائية-الكيميائية-البيولوجية للجهاز العصبي في الإنسان فقط، أو أي جهاز آخر مشابه له في الكائنات الأخرى، وبالتالي هي من آثارِ آثارِ "الذات الإلهية".
2-النفس هي نتاج الجهاز العصبي في الإنسان مع بعض، أو كل، مكونات باقي العالم، وبالتالي هي من آثارِ آثارِ "الذات الإلهية".
3-النفس ليست ناتجة عن عناصر الكائن العارف المرتبطة به، بل عن مكونات باقي العالم، بعضها أو كلها، وبالتالي هي من آثارِ آثارِ "الذات الإلهية".
4-النفس تملك الاستقلالية الكاملة، وكأنها "قائمة بذاتها"، فهي بذلك من آثارِ "الذات الإلهية"، كائن مستقل كأي كائن آخر. فإذا صحّت هذه الفرضية فإن السؤال حول ارتباطها بالكائنات العارفة يبقى قائماً.
5-هناك تشابه أو تناسب أو تماثل بين سنخية النفس و "الذات الإلهية"، أي أن طبيعة النفس من طبيعة "الذات الإلهية". قد تمكننا هذه الفرضية من حل مشكلة تجلي "الذات الإلهية" ومعرفتها، لأنها تكون في حالة تجلٍ مستمر في تلك النفس، وبالتالي معرفتها مكفولة ومضمونة تماماً. ولكن السؤال حول آلية ارتباط النفس بالكائنات العارفة يبقى قائماً أيضاً.
أعتقد أننا استوفينا كل الحالات الممكنة حول آليات إنتاج النفس، أو منشأ النفس، وأدعو القارئ الكريم لإبداء رأيه بالموضوع، سواء بتصحيح أو تعديل الفرضيات السابقة أو باقتراح حالات أخرى أغفلناها.
في كل الحالات المذكورة آنفاً نلاحظ أن قضية ارتباط النفس، أو الوعي، بالكائنات العارفة هي مسألة مشتركة، وبالتالي فإن البحث في هذه المسألة هو قضية أساسية لفهم بنية الوعي وطبيعته!
في الواقع، نحن لا نعرف شيئاً عن الكائنات الأخرى، والشيء الوحيد الذي يمكننا فعله هو فحص هذه العلاقة في الإنسان أو الكائنات الحية الأرضية. لذلك أعتقد أنه من الجدير بالبحث محاولة فهم العلاقة بين الوعي والبنية الفيزيولوجية للإنسان.
تطرّقنا سريعاً في بداية هذه المقالة إلى علم وظائف الأعصاب أو علم النفس العصبي، والآن سنتوسع قليلاً بالشرح في هذه المسألة لكي نفهم أين يتموضع اللاهوت العلوي-النصيري، أو كيف يمكن مقاربة اللاهوت العلوي-النصيري انطلاقاً من معطيات ونظريات علم النفس العصبي؟!
السؤال الكبير الذي يمكن طرحه في هذا السياق، والذي يُلخص المسألة بالكامل:
كيف يتبادل الوعي، بطبيعته اللامادية المثالية، التأثير مع المادة، مع العلم أن الوعي لا يتمتع بأية خصائص فيزيائية أو طاقية؟
كتب الفيزيائي والرياضي البريطاني روجر بينروز Roger Penrose: "علينا أن نفهم العالم العقلي انطلاقاً من العالم الفيزيائي"، وكتب أيضاً: "أي وجهة نظر فلسفية صارمة يجب أن تملك حظاً وافراً من الواقعية". بينروز نفسه لم يطرح نظرية لشرح وتفسير "الوعي" ولكنه اقترح طريقاً للخروج من المأزق في فهم العلاقة بين "الوعي" و "المادة".
في الواقع، أكثر المفاهيم شيوعًا وقبولًا في الفلسفة الحديثة هي المقاربة المعلوماتية information approach، التي تعتبر أن ظاهرة الوعي ناجمة عن المعلومات المخزنة في الدماغ. فهذه المعلومات متموضعة في البنى الميكروية العصبونية الديناميكية للدماغ على شكل شفرات، أو رموز مشفّرة. وبالتالي فإن "الوعي" يتبادل التأثير مع مجمل النشاط الجزيئي-البيولوجي-الفيزيولوجي للإنسان عن طريق هذه المعلومات تحديداً.
في الواقع، الوحدة الأساسية للوعي هي الكائن العقلي intellectual object، أو بالأحرى الـ operand، الذي يُنشئه الجهاز النفسي-العقلي، ويكتسب معنىً خاصًا به داخله. إن عملية إنشاء الكائنات العقلية، في جوهرها، وظيفة نفسسية-عقلية أساسية؛ إذ يستقبل الدماغ، عبر أجهاز الإستقبال والمسارات الواردة، ما يقارب 11 مليون بت من المعلومات "الأولية" كل ثانية، والتي يتم استخدامها في إعادة بناء أشياء وكائنات العالم الخارجي (أي خارجي النسبة للدماغ). عملية إعادة البناء هذه مهمة بالغة التعقيد ومتعددة الطبقات، وهي ذكية بالفعل - شكلاً ومضموناً؛ فالدماغ لا يعيد ببساطة إنشاء صورة لشيء خارجي، بحيث تكون انعكاساً للواقع، بل يُولّد بنشاطه شيئًا ما سيصبح كائناً عقلياً مرتبطًا بالمحتوى الخاص للدماغ. بمعنى آخر، لا يُنشئ الدماغ "نسخًا ذهنية" لبعض "الأشياء الموجودة خارجياً"، بل يُنشئ فقط كائناته العقلية الخاصة، ويفعل ذلك باستمرار وحصريًا لنفسه.
تترافق عملية إنشاء الكائن العقلي، كما أظهرت الدراسات ذات الصلة، مع عملية إضفاء "ماهية" معينة على هذا الشيء الخارجي المشار إليه. ما نسميه عادةً "معنى" ليس إلا "معنىً بالنسبة لنا"، أي نتاج العلاقة بين "الأنا" التقليدية والكائن العقلي الذي تم تخليقه في داخلنا. وبعبارة أخرى، فإن علاقتنا مع النافذة مثلاً تحوّلها إلى كائن عقلي تم تخليقه من قبلنا، وهذا الكائن أسبغنا عليه صفةَ كونه نافذة، أو "إنها نافذة". بذلك، فحقيقة كون النافذة نافذة، أو أنها تحمل ماهية النافذة، تحولها إلى كائن واقعي أُضفيَ عليه "ماهية النافذة".
لا بد من الإشارة في هذا السياق إلى أن عملية تخليق الكائنات العقلية المرتبطة بالكائنات المجردة لا تختلف إطلاقاً عن تلك العملية المرتبطة بالكائنات الواقعية، فعملية التخليق داخلية بامتياز، ومرتبطة بنشاط الدماغ تحديداً، وفق علمنا حتى الآن!
الدماغ يقوم بعمليات معالجة مستمرة لهذه الكائنات العقلية (أو العناصر) operands داخل الذهن، مما يُنشئ علاقات جديدة باستمرار بينها. وهذه العلاقات الجديدة هي في جوهرها كائنات عقلية جديدة مُشتقة من الأولى. علاوة على ذلك، ونظرًا لطبيعة هذه العملية متعددة المستويات، والتي تحدث في آنٍ واحد وبشكل متسلسل على مستويات مختلفة في "النفس"، فإن جميع الكائنات العقلية تتشكل بهذه الطريقة، أي أنها مشتقة من سابقاتها.
من الخطأ افتراض وجود كائنات عقلية أصلية (أولية أو ابتدائية). أولًا، يجب أن ندرك أن أي كائن عقلي، حتى أبسطها، يتكون على المستوى الفيزيائي من إثارات متنوعة ومنفصلة (تؤثر على مستقبلات متنوعة ومنفصلة). ثانيًا، لا تكتسب هذه الكائنات العقلية نفسها وضع كونها كائنات عقلية إلا عندما نُضفي عليها ماهيةً معينةً، أي عندما ندركها في علاقة معينة مع أنفسنا كـ "شيء" له معنى خاص بالنسبة لنا.
لم تكن الغاية من الفقرات السابقة سوى إضاءة موجزة وبسيطة حول آلية تشكُّل الكائنات العقلية، عرضتها نظراً لأهميتها في إمكانية تَلَمُّس النتيجة الأساسية لهذه المقالة. لذلك سنتوقف عند هذا الحد في تناول مواضيع "علم النفس العصبي"؛ فالخوض فيها طويلٌ ومعقّد وممتع ومفيد، ولكنّه سيُبعِدُنا عن الغاية من كتابة هذه المقالة. ومع ذلك سنجد أنفسنا مضطرين للعودة إلى معطياتها طوال رحلتنا البحثية في دراسة اللاهوت الخصيبي.
الآن، نعود إلى التركيبة الأساسية للاهوت العلوي-النصيري:
الذات الإلهية – الصورة المرئية – الكائن العارف (الإنسان)
فالذات الإلهية، أو الله، كما عبّر الإمام علي (ع): "لا تناله الأوهام فتقدره، ولا تتوهمه الفطن فتصوره". وقال أيضاً: "لا يدركه بعد الهمم، ولا يناله غوص الفطن". وفي موضع آخر أشار الإمام علي: "لا تقع الأوهام له على صفة". و أكد أيضاً: "ولا صمده من أشار إليه وتوهمه". (انظر نهج البلاغة).
فهل سنتمكن من مقاربة هذه التركيبة العصيّة على الفهم، وتفكيكها إلى سلسلة أو منظومة من الكائنات العقلية، انطلاقاً من المفاهيم الأساسية التي يقدّمها علم النفس العصبي؟
وهل سنتمكن من تحديد تلك القيود أو الحدود المفروضة على العقل الإنساني، على المستوى الجزيئي-الخلوي-الفيزيولوجي، والتي تمنعه من الغوص وإدراك "الذات الإلهية"؟
وكيف يمكن لآلة الوعي الإنسانية أن تتعاطى مع "تجلي الذات الإلهية"، وما هي آليات تبادل التأثير بين الوعي والصورة المرئية؟
كيف يمكن رسم حدود الوعي الإنساني انطلاقاً من تركيبة الدماغ الجزيئية والخلوية؟
ماهو المسموح وما هو الممنوع على الإدراك باستخدام العقل الإنساني؟
وحتى لا يعتقد القارئ الكريم بأنني شطحتُ أو شططتُ بهذه الإرهاصات، يكفي أن أذكر النحل، الذي يرى اللون فوق البنفسجي، في حين أن الإنسان لا يتمكن من رؤيته؛ فتفسير هذه الظاهرة مفهوم تماماً على المستوى الفيزيولوجي، ونابع من الاختلاف في تركيبة العين عند النحل و الإنسان!
يبدو المسار الذي فتحه "علم النفس العصبي" معقدًا، بل ومُخيفًا، لكن يوجد طريق واضح للتفكير (سواءً من حيث إنتاجه أو مضمونه). وقد نضطر إلى تقديم بعض التضحيات على طول الطريق الاستكشافي هذا، إذ سيتعين التخلي عن بعض الأمور، وإعادة النظر في بعضها الآخر، وتكييف بعضها مع منهج جديد ومختلف تمامًا. ولكن لا جدوى من مقاومته على الإطلاق، فلا يجب علينا، ولا يجوز، الاستغناء عن هذه الرؤية الجديدة لمسألتي "النفس" و "الحقيقة" وطريقة ربطهما بـ "الذات الإلهية" و "الصورة المرئية".
في الواقع، ومنذ سنوات، أكتم سراً، لم أَبُحْ به يوماً خوفاً من وعورة وخطورة ما خطر على بالي؛ إذ سألتُ نفسي آنذاك: "لماذا لا يُمكننا صياغة مبادئ وأسس علم جديد، سميّته وقتها "علم اللاهوت البيولوجي"، يبحث في الآليات التي تُمكِّن الإنسان، سواء أكانت على المستوى الجزيئي أو الخلوي أو الوظائفي، من التواصل مع "الذات الإلهية"؟". عكفتُ لمدة طويلة على تدوين ودراسة ومناقشة بعض الأفكار العامة المرتبطة بالموضوع، ولكنها بقيت أفكاراً متناثرة ومبعثرة، ولم أتجرأ على الخوض فيها عميقاً. لقد بَدَتْ لي أنها خطوة حالمة جداً، أو على الأقل شديدة التفاؤل؛ فأنا أدرك جيداً صعوبة اقتحام مواضيع أسهل من ذلك بكثير، فما بالك في موضوع مثل هذا! على كل حال، أعتقد أن السير في هذا المسار، بالرغم مما ينطوي عليه من صعوبات وعثرات، وخوف وتردد وشك، سيكون واعداً ومثمراً ومفيداً!
ما عرضناه في الأعلى لم يَكنْ سوى مقدمةً و أفكاراً عامة، فلقد تمكّنا من الإجابة على بعض الأسئلة، كما أنه أُفرِزت الكثير من الأسئلة الجديدة التي تبحث عن إجابة، وما زال هناك العديد من الأفكار التي تتطلب تعمّقاً وشرحاً وتمحيصاً، أرجو أن نتمكن من معالجتها في المستقبل. كما أرجو من القارئ الكريم أن يشارك معنا برأيه في هذه الرحلة البحثية-العلمية الشيّقة والرائعة.



#آصف_ملحم (هاشتاغ)       Assef_Molhem#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الدياليكتيك الخصيبي والدياليكتيك الهيغلي
- الدورة العاشرة للمنتدى الاقتصادي الشرقي في روسيا
- الخلفيات السياسية لانفجار ميناء بندر عباس
- استراتيجية ترامب في مقاربة الأزمة الأوكرانية
- الدور الفرنسي في الصراع المحتمل بين أرمينيا وأذربيجان
- صورة روسيا في دول بريكس
- يتسارع تحولُ أوكرانيا إلى دولة فاشلة يوماً بعد يوم!
- من مصادري الخاصة: أعدت أوكرانيا فبركات إعلامية مع الأسرى الر ...
- صفقة تبادل السجناء بين روسيا و الدول الغربية
- آفاق التعاون بين جمهورية إنغوشيا و الدول العربية
- من يقف وراء الهجوم الإرهابي على مجمع كروكوس سيتي هول في موسك ...
- مساهمة أولية في تطوير المفهوم الفينومينولوجي للحرية
- غربٌ مأزومٌ و شرقٌ أرهفته المِحَن!
- صفقة أمريكية-تركية لتهجير الفلسطينيين وتصفية القضية الفلسطين ...
- مصير تحالف المقاتلات بعد الانتخابات البرلمانية الهولندية
- ابتزاز فنلندي لروسيا على حساب اللاجئين
- دور المنتدى الإقتصادي الشرقي في تطوير الشرق الأقصى
- شكل النظام الدولي الجديد
- القمة الروسية-الأفريقية ودورها في حل مشاكل القارة السمراء
- ثالوث النفاق: أدونيس، القباني، الماغوط!


المزيد.....




- قبل محادثات أبوظبي.. ترامب: أعتقد أن روسيا وأوكرانيا تريدان ...
- بعد استهداف الرياض.. الكويت تعلن تضامنها مع السعودية وتدين ه ...
- لقطات ترصد ذعر حيوانات أليفة قبيل حدوث زلزال اليابان بلحظات ...
- صور ومشاهد لتضرر مبنى شركة -أرامكو- بالقصف الحوثي على العاصم ...
- نتنياهو أمام اختبار صعب.. الرئيس الإسرائيلي يكلف آيزنكوت بتش ...
- بعد 12 عاما.. مصر تستأنف عمل سفارتها في طرابلس
- الأمير هاري يطلب الاستئناف ضد ناشر -ديلي ميل-
- البابا لاوون الـ14: فخور بمشاركتي في انتخابات التجديد النصفي ...
- روسيا تسمي وفدها المشارك بمحادثات أوكرانيا وأميركا
- سلطات باراغواي تضع الرئيس المعزول بينيا قيد الإقامة الجبرية ...


المزيد.....

- من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية / غازي الصوراني
- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - آصف ملحم - الحقيقة والنفس واللاهوت العلوي-النصيري