أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الطاهر المعز - فرنسا : من دواعي الغضب – الحلقة الرابعة















المزيد.....



فرنسا : من دواعي الغضب – الحلقة الرابعة


الطاهر المعز

الحوار المتمدن-العدد: 8880 - 2026 / 11 / 5 - 10:04
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تولي هذه الفقرات اهتمامًا خاصا بالمُقدّمات السياسية والإقتصادية التي أدّت إلى تعزيز صف اليمين المتطرف، ولا تهتم بالنتائج الكمِّيّة للإنتخابات، مثل عدد الأصوات المُصرّح بها ونسبة التّصويت لكل مجموعة أو تيار أو ائتلاف وعدد نواب كل مجموعة… كما تُرَكّز الحلقة الثالثة وكذلك الحلقة الرابعة ( هذه الحلقة) على التّقاطعات بين اليمين التقليدي واليمين المتطرف في فرنسا، كنموذج لبلدان الإتحاد الأوروبي، حيث يحكم اليمين المتطرف بعضها ويُشارك في سلطة (حكومة) بعضها الآخر…

توطئة :
ثالث عطلة نهاية أسبوع على التوالي من الاحتجاجات في فرنسا
اعترضت وزارة الداخلية على خيار مكان انطلاق ووصول مظاهرة يوم 31 تشرين الأول/اكتوبر 2026 وأقَرّ القضاء هضا الإعتراض الذي لا يهدف سوى تشتيت الصفوف وعرقلة حرية التعبير والتظاهر والإحتجاج، وما القضاء سوى جهاز من أجهزة الدولة تنحصر مهمته في تطبيق القوانين الزجرية، وتم تنظيم المظاهرة في منطقة خالية من السكان على الطريق الحزامية شرق باريس، بعيدة عن مركز باريس، وحصل نفس الأمر في مدن أخرى مثل ليون وتولوز وبوردو ومرسيليا وغيرها، واحتجزت الشرطة أكثر من 290 شخصا من المُشاركين في المظاهرة التي ضمت مئات الآلاف (حوالي نصف مليون في المُدُن الكبرى) إلى ثالث عطلة نهاية أسبوع على التوالي من المُحتجين على ارتفاع الأسعار وعلى إرهاب الشرطة التي أطلقت الغاز المسيل للدموع بكثافة رغم الهدوء الذي ساد المظاهرة التي جمعت العمال والسترات الصفراء والطلاب، كاحتجاج على ارتفاع تكاليف المعيشة، لكنها توسعت لتشمل مطالب بمزيد من الحريات المدنية والحق في التظاهر.
تجدر الإشارة إلى تنظيم مظاهرات مماثلة في إيطاليا وألمانيا وبلجيكا وغيرها، وتظاهر آلاف الأشخاص في أكثر من ثلاثين مدينة في ألمانيا مطالبين بزيادة الاستثمار في التعليم بدل الإستثمار في الأسلحة وفَرْض الخدمة العسكرية الإلزامية، ورفع المتظاهرون شعارات "من أجل السلام والحرية، بدلا من الحرب والإكراه”، و"التززيع العادل للثروات وتقديم دعم أفضل لنظم الصحة والتعليم"، واعتقلت الشرطة عدة مئات من المتظاهرين، معظمهم من الشباب…

فرنسا مناخ مُلائم لنُمُوّ اليمين المتطرف
تجسيدً التواطؤ بين الحكومة اليمينية واليمين المتطرف
استغل اليمين المتطرف تجمعاً نُظّم في مدينة ليون (ثاني أو ثالث أكبر مدينة فرنسية وموطن العديد من القطاعات الصناعية) مساء الاثنين 19 تشرين الأول/أكتوبر 2026 دعت إليه قوى اليمين التقليدي (الموصوف بـ"المعتدل") تحت شعار "دعم التجار والشرطة" وذلك قبيل بدء سريان حظر التجول، وعمل اليمين المتطرف على استغلال هذا التجمع لصالحه؛ حيث تشكلت مجموعة من أفرادٍ صنّفتهم "محافظة الشرطة" على أنهم ينتمون إلى "أقصى اليمين" -سواء كانوا أعضاءً أو متعاطفين مع حزب "التجمع الوطني" وذلك بعد أن اندسّوا بين المشاركين في التجمع بهدف السيطرة عليه وتوظيفه لأجندتهم، ووفقاً لمقطع فيديو بثته وكالة الصحافة الفرنسية - فرانس برس (AFP) وموقع "ليون كابيتال" (وسيلة إعلام محلية)، سار موكب تابع لليمين المتطرف وهو يهتف بشعارات مثل "الشارع وفرنسا ملكٌ لنا" و"السجن للحثالة"، وقد تحدى هؤلاء الفاشيون حظر التجول بتواطؤ من عناصر الشرطة المفترض بهم ضمان الالتزام بهذا الحظر، ويُظهر مقطع فيديو آخر، انتشر على شبكات التواصل الاجتماعي، أفراداً في طليعة المجموعة يحملون لافتات ذات شعارات فاشية، وأعلاماً فرنسية (ثلاثية الألوان) يتوسطها "صليب سلتيكي" - وهو رمز تستخدمه مجموعات اليمين المتطرف، وبحسب مديرية الشرطة، توجهت المجموعة -التي ضمت بضعة عشرات من الأشخاص- نحو حدود المنطقة الخاضعة لحظر التجول، ثم تفرقت في حوالي الساعة التاسعة مساءً خارج النطاق المحدد.
في المقابل كانت مشاهد القمع ضد المتظاهرين السلميين في مختلف المدن الفرنسية صادمة ومدانة، فيما تحاول وسائل الإعلام طَمْسَ الأسباب التي أثارت هذا الغضب وأدت إلى مثل هذه التظاهرات الضّخمة. إن العنف الشعبي هو أيضا نوع من الرّد على صَمَم الحكومة، وجزء من سياق الظلم الاجتماعي والاقتصادي المرتبط بسياسة الدولة ورئيسها إيمانويل ماكرون (رئيس الأثرياء) ورد على الإزدراء يشعر به جزء كبير من السكان، الذين تتجاهل الدولة مطالبهم البسيطة، رغم التعبئة السلمية، مما زاد من تأجيج هذا الغضب.
يَسْتَمرّ الرئيس إيمانويل ماكرون وحكومته في تجاهل المطالب الاجتماعية، وتقليل التعبئة السلمية، على أمل اختفاء الغضب الشعبي في نهاية المطاف، وهذا بالضبط ما فعله إيمانويل ماكرون في خطابه مساء 18 تشرين الأول/أكتوبر 2026، ولكن طالما استمرت أسباب السخط، فإن حركات أخرى ستندلع، وبدون استجابات سياسية ملموسة، من المرجح أن تتكاثر المواجهات وتكثف.
ازداد المناخ السياسي ملاءمة لليمين المتطرف خصوصًا منذ اندلاع العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران في 28 فبراير 2026، وما تلاها من إغلاق لمضيق هرمز، شهدت أسعار الوقود ارتفاعاً صاروخياً؛ إذ بلغ متوسط ​​سعر لتر الديزل 2.40 يورو بحلول نهاية سبتمبر (بزيادة قدرها 40% مقارنة بشهر فبراير). وكما جرت العادة، تصب الأزمات في مصلحة الشركات متعددة الجنسيات. ففي هذا الأسبوع، كشفت شركة "توتال إنيرجي" (TotalEnergies) عن أرباحها الصافية للربع الثالث من عام 2026، والتي بلغت 8.3 مليار دولار (أي ما يعادل 7.4 مليار يورو). وكان رد فعل الحكومة هو توجيه طلب "لطيف" للشركة النفطية بخفض أسعارها، دون فرض أي ضرائب إضافية. وفي الوقت الذي تزداد فيه الأسر الفرنسية فقراً بسبب أسعار الوقود، تحقق شركات النفط ثروات فاحشة. فقد حصدت "توتال إنيرجي" أرباحاً قاربت 20 مليار دولار في الفترة ما بين يناير وسبتمبر 2026 - وهو ضعف ما حققته في الفترة نفسها من عام 2025 - دون أن تخضع هذه الأرباح الاستثنائية لأي ضريبة إضافية. هذا ما أكده تحالف من المنظمات غير الحكومية التي احتجت على رفض تعديلات قانونية كانت تهدف إلى فرض ضرائب على "الأرباح الفائقة" لشركات الوقود الأحفوري ضمن ميزانية عام 2027. كما نددت هذه المنظمات بـ "الابتزاز" الذي مارسه الرئيس التنفيذي لشركة "توتال إنيرجي"؛ إذ هدد بأن فرض ضرائب على الأرباح الفائقة سيدفع الشركة إلى التوقف عن تثبيت أسعار الوقود في محطات التوزيع - علماً بأن تكلفة هذا التثبيت لا تتجاوز 2.6% من إجمالي الأرباح الصافية التي حققتها الشركة (17 مليار يورو) خلال الأرباع الثلاثة الأولى من عام 2026. وأمام هذا الظلم الضريبي، تبدي المنظمات غير الحكومية عزمها الراسخ على مواصلة الضغط على المسؤولين السياسيين. مع اقتراب الانتخابات الرئاسية، لن يتمكن أي مرشح من التهرب من هذه المسألة، وسيتعين عليه اختيار معسكره: إما معسكر الأرباح أو معسكر الناس. فمن غير المقبول خفض مخصصات الخدمات العامة والمطالبة بتضحيات من الطبقات الشعبية، في حين لا تدفع شركة "توتال إنيرجي" (TotalEnergies) أي ضرائب على الشركات في فرنسا! ويعارض نواب اليمين واليمين المتطرف اتخاذ تدابير في ميزانية عام 2027 لفرض ضرائب على الأرباح المفرطة، أو تطبيق نظام الضريبة الموحدة للحد من التهرب الضريبي الذي تمارسه الشركات متعددة الجنسيات. بل إن هؤلاء النواب يؤيدون -بل ويزيدون- من حجم المساعدات العامة الممنوحة للشركات التي تمارس التهرب الضريبي. وعلى الرغم من الحراك الاجتماعي ضد غلاء المعيشة الذي تشهده فرنسا منذ أكثر من ستة أسابيع، فقد وقف حزب "التجمع الوطني" (اليمين المتطرف) ضد فرض ضرائب على الأرباح الفاحشة لشركات النفط. ففي يوم الأربعاء 28 أكتوبر 2026، رفضت الجمعية الوطنية المقترحات الثمانية التي قدمها اليسار لفرض ضرائب على الأرباح النفطية الفائقة. لقد تشكل تحالف بين اليمين التقليدي -الذي يوصف بالمعتدل- واليمين المتطرف لعرقلة هذه المقترحات الضريبية الثمانية، التي كانت تستهدف الشركات التي تحقق في فرنسا رقم أعمال لا يقل عن 750 مليون يورو، بشرط أن يأتي 75% منه من أنشطة استخراج أو تكرير أو تخزين أو بيع النفط أو الغاز أو الفحم. ... في عام 2017، كان هناك 358 ألف أسرة تخضع لضريبة الثروة، والتي كانت تدر على الدولة 4.2 مليار يورو، قبل أن يقوم إيمانويل ماكرون بإلغائها. وبحلول عام 2025، أصبحت "ضريبة الثروة العقارية" -التي حلت محل ضريبة الثروة السابقة- لا تشمل سوى 193,600 أسرة، وتوفر إيرادات بقيمة 2.3 مليار يورو. في يوم الجمعة 16 أكتوبر 2026، رفض نواب اليمين واليمين المتطرف عدة تعديلات كانت تقترح إعادة فرض ضريبة على الثروة أو استحداث ضريبة على الثروات الضخمة للغاية؛ وهو ما يبرهن على تواطؤ كافة أطياف اليمين مع فئة فاحشي الثراء. وقد جاءت عمليات التصويت هذه خلال مناقشة ميزانية عام 2027 في جلسة علنية، في وقت تتفاقم فيه التفاوتات الاجتماعية بشكل حاد في فرنسا. وتُعد ذريعة "هجرة المليارديرات" الحجة الأكثر تداولاً من قِبل اليمين واليمين المتطرف لتبرير الإعفاءات الضريبية الممنوحة لأصحاب الدخول المرتفعة. ومع ذلك، تُظهر تجربة النرويج أن فرض ضرائب على فاحشي الثراء لا يؤدي إلا إلى هروب ضئيل جداً لرؤوس الأموال، وهو ما يتم تعويضه بشكل وافٍ من خلال الإيرادات التي تحققها هذه الضرائب. إن هذا المناخ السياسي والإعلامي هو ما يمهد الطريق لليمين المتطرف وللأعمال العنصرية الإجرامية؛ ومن بينها الهجوم الذي وقع في مدينة "تراب" (Trappes) في 23 أكتوبر 2026، والذي نُفذ بدوافع عنصرية، وأسفر عن مقتل شخص وإصابة ستة آخرين على الأقل. وتُوجه الاتهامات إلى اليمين المتطرف ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة الكبرى بأنها ساهمت في تغذية الكراهية لدى منفذ الهجوم، البالغ من العمر 39 عاماً. ومثل هذه الهجمات تتأجج بفعل القصف الإعلامي المكثف من قِبل وسائل الإعلام السائدة (mainstream media) وخطابات السياسيين العنصريين، وذلك في ظل حالة من الغضب الاجتماعي. ومن هنا تبرز أهمية وضرورة التصدي لظاهرة "تطبيع العنصرية"، وتسليط الضوء على مسؤولية السلطة السياسية ووسائل الإعلام التي همّشت الطابع العنصري للجريمة، وركزت بدلاً من ذلك على التساؤل حول الحالة النفسية للمشتبه به؛ رغم أن الجاني صرح للشرطة بأنه استهدف أشخاصاً من ذوي البشرة السمراء وعرباً، وذلك انتقاماً لتجار تعرضت محلاتهم للنهب، ثم عُثر على منشورات تابعة لـ "التجمع الوطني" في سيارته، وعلى نسخة من كتاب "كفاحي" (Mein Kampf) لأدولف هتلر في منزله، كما وصفه العديد من أفراد عائلته بأنه عنصري.
ثمة ازدواجية في المعايير فيما يتعلق بكيفية التعامل مع هذا النوع من العنف، فالعنصرية تُعدّ جريمة جنائية، ومع ذلك، نلحظ تفاوتًا صارخًا في التعاطي معها؛ إذ يُحمَّل الشخص "غير الأبيض" المسؤولية الكاملة عند ارتكابه عملاً إرهابياً، بينما يختلف الأمر تماماً إذا كان الجاني "أبيض البشرة"، وهنا تبرز بوضوح ما يمكن وصفه بـ "ازدواجية المعايير"، ولا تقتصر المسألة على المسؤولية الجنائية للمشتبه به فحسب، بل تمتد لتشمل مدى اعتراف المجتمع -أو عدم اعترافه- بالعنف العنصري. إن هذا القلق يتجاوز بكثير دائرة المقربين من الضحايا، ولا يقتصر على مجرد إحياء ذكراهم؛ فالهجوم الذي وقع في مدينة "تراب" (Trappes) يُجَسّد مخاوف قديمة من تحول الكراهية العنصرية إلى أمرٍ مألوف وعادي، وصولاً إلى كونها كراهيةً قاتلة، وهذا يضع السلطة السياسية وبعض وسائل الإعلام في قفص الاتهام المباشر لدورهم في تطبيع الخطاب العنصري. كما يشير المناضلون المناهضون للعنصرية إلى تناقضٍ سياسي واجتماعي؛ ففي الوقت الذي تستمر فيه السياسات المنحازة للأثرياء، يجد قطاعٌ من السكان نفسه في حالة من البؤس والمعاناة، وهو ما يمثل أرضية خصبة للحزب الرئيسي لأقصى اليمين (التجمع الوطني) الذي يعمل على توجيه هذه الفئة نحو كراهية مجموعات من الفُقراء مثلهم، بدل توجيه الغضب ضد الأثرياء والشركات الإحتكارية، ويؤدي ذلك إلى تمزيق نسيج المجتمع، في ظل مناخٍ باتت فيه الخطابات العنصرية أكثر جرأةً وعلانية، وتزايدت فيه التهديدات، لدرجة أن المستهدفين بهذه العنصرية باتوا يخشون اليوم على مصير أطفالهم، وهكذا، تحولت مسيرة التضامن مع ذوي الضحايا -التي شارك فيها 12 ألف شخص- إلى ما يشبه لائحة اتهام ضد أولئك الذين سمحوا للكراهية بالاستفحال؛ إذ لم يعد كافياً الاكتفاء بإبداء الاستياء، ولا يمكن فصل هذا الهجوم عن "العنصرية الهيكلية" التي تغذيها خطابات سياسية وإعلامية معينة، وعن شيطنة الأحياء الشعبية، وكذلك شيطنة العرب والسود. في المقابل، ثمة قصور (أو حتى غياب تام) في الاستجابات المؤسساتية، مما يترك الفئات المعنية في حالة ترقب للمأساة القادمة... لم يعد مقبولاً الاكتفاء بمراقبة ما يحدث، وإبداء الاستياء، ثم العودة إلى الحياة اليومية بانتظار وقوع كارثة جديدة، فالعرب والسود لهم الحق في الأمان، وهو حقٌّ يتقدم في أهميته على حماية واجهات البنوك والمتاجر. إن غالبية هؤلاء العرب والسود هم مواطنون فرنسيون، ولا ينبغي أن يُستهدفوا بسبب لون بشرتهم أو انتمائهم الديني المُفْتَرَض، وذلك استناداً إلى "نظرية الاستبدال الكبير" - وهي نظرية يروج لها الرئيس الأمريكي ومُقَرَّبُوهُ، إلى جانب اليمين المتطرف وأطراف من اليمين الأوروبي، الذين ينشرون خطاباً حول "التخريب عبر الهجرة"، رابطين بذلك بين الهجرة والإرهاب. إنه مناخ أيديولوجي يغذي خطاب الكراهية على نطاق واسع، مما أدى إلى تلويث المجتمع بأسره، فلم يعد الفاشيون يختبئون؛ إذ باتوا يتلقون التشجيع من وسائل إعلامٍ تُسهم، من خلال تغطيتها المُشَوّهة لما يحدث في الأحياء الشعبية، في تطبيع الخطاب العنصري ووصم السكان العرب والسود، إلى أن أصبح خطاب اليمين المتطرف يحتل اليوم موقعاً مركزياً في النقاش العام؛ فهو يصوّر أبناء وأحفاد المهاجرين الأفارقة والعرب كأعداء لفرنسا، مما يغذي الانقسام في صفوف العمال والفقراء. كما أن تصريحاتٍ عديدة لسياسيين من اليمين واليمين المتطرف قد "عززت" قناعة المعتدي في مدينة "تراب" (Trappes) لاتخاذ قراره بتنفيذ هجومه، وفي هذا السياق، تخصصت قناة "سي نيوز" (Cnews) -التي يملكها ملياردير ينتمي لليمين المتطرف- في بثّ أطروحاتٍ تصوّر السود، والمغاربيين، والمسلمين، وسُكّان الأحياء الشعبية عموما، على أنهم "تهديد للأمة"، فيما ساهمت تصريحات أعضاء حكومة إيمانويل ماكرون (وغيره من الرؤساء، مثل نيكولا ساركوزي) في خلق مناخ من الريبة تجاه الأشخاص الذين يُعتبرون أو يُفترض أنهم مسلمون.

حصيلة مقلقة
تتزايد جرائم القتل العنصرية التي يرتكبها اليمين المتطرف في فرنسا، فخلال السنوات الخمس والعشرين الماضية -وبمعزل عن الضحايا الكثر الذين سقطوا على يد الشرطة- وقعت 15 جريمة قتل عنصرية أسفرت عن مقتل 21 شخصاً. وتستند هذه الأعمال إلى أيديولوجية اليمين المتطرف التي تستهدف بالوصم والتشهير الأشخاص من أصول أجنبية، وأبناءهم وأحفادهم، وكذلك الأشخاص الملونين (أو من يتعرضون للعنصرية العرقية)، وذلك وفقاً لتقارير صادرة عن أجهزة الاستخبارات. وفي يوم السبت الموافق 24 تشرين الأول/أكتوبر 2026، نظّم اليمين المتطرف مظاهرات -حصلت على تصريح من وزارة الداخلية- في نحو خمس عشرة مدينة، منها ليون ونيس وبوردو ومونبلييه وروان وديجون، وقد هاجم عناصر من اليمين المتطرف مسيرات نقابية، وسط تغاضٍ وتسامح من جانب الشرطة، وتُظهر مقاطع فيديو متداولة على شبكات التواصل الاجتماعي رجالاً ملثمين يعتدون على المتظاهرين، بينما تقف قوات الأمن موقف المتفرج غير المكترث أمام عنف اليمين المتطرف؛ وهو ما يظهر بوضوح في لقطات من مدن مثل روان ونانسي وغيرها، حيث شوهد رجال ملثمون يرمون المتظاهرين بالمقذوفات، ثم يلوذون خلف طوق أمني لقوات مكافحة الشغب (CRS)، وعقب ذلك، قامت قوات الأمن بمهاجمة المتظاهرين، وسط تصفيق الرجال الملثمين. وقبل ذلك بيوم واحد، تسببت الأيديولوجية العنصرية -التي تروج لها هذه المجموعات الصغيرة التابعة لليمين المتطرف- في مقتل شاب يبلغ من العمر 26 عاماً في مدينة "تراب" (Trappes)، وإصابة آخرين، بينهم طفلة في الثانية عشرة من عمرها، وذلك في هجوم إرهابي عنصري استهدف الضحية لكونه أسود البشرة. يقول الإرهابي إنه أراد الانتقام من «السود» و«العرب» رداً على أعمال النهب التي وقعت يوم 17 تشرين الأول/أكتوبر 2026. ووفقاً لشهادة أحد المقربين منه، فإنه قد يكون تبنى الفكر المتطرف من خلال متابعة القنوات الإخبارية التي تبث على مدار الساعة، ومنذ عام 2001، سُجلت ما لا يقل عن 15 جريمة قتل عنصرية أسفرت عن 18 ضحية، وذلك وفقاً لإحصاءات المنظمات غير الحكومية، ولا يشمل هذا الرقم التهديدات، وخطابات الكراهية، والإهانات العنصرية الموجهة ضد الأفراد «بسبب العرق أو الإثنية أو الجنسية أو الدين»، بحسب النيابة العامة، وقد حمّل عمدة مدينة «تراب» (Trappes) مسؤولية هذه المأساة لـ «خطابات الكراهية [...] الصادرة عن اليمين المتطرف»، مشيراً بشكل خاص إلى دور وسائل الإعلام المرئية والمسموعة الكبرى في نشرها، وصرح المسؤول المنتخب، عقب حادث إطلاق النار مباشرة، قائلاً: «إن هذه المنابر الإعلامية هي أيضاً المكان الذي يُصنع فيه الخطاب الأيديولوجي الذي يتيح للأفراد التخطيط لهجماتهم».
كيف تساهم «المحاباة الصحفية» في نشر أفكار اليمين المتطرف؟ بعد يومين من الهجوم الإرهابي العنصري في مدينة «تراب»، أي يوم الأحد 25 تشرين الأول/أكتوبر 2026، وصفت قناة «تي إف 1» (TF1) اليمينية - المملوكة لمجموعة «بويغ» (Bouygues)، وهي أكبر شركة للبناء والأشغال العامة في العالم - الحادث بأنه «عمل إرهابي عنصري»، بينما وصفته قناة «إم 6» (M6) اليمينية بأنه «هجوم عنصري». في المقابل، اكتفت قناة «فرانس 2» (France 2) - وهي قناة تابعة للمرفق العام - باستخدام مصطلحي «إطلاق نار» و«المهاجم في منطقة إيفلين». صوّرت النشرات الإخبارية التلفزيونية الثلاث مساء الأحد (25 تشرين الأول/أكتوبر 2026) هذا الهجوم على أنه مجرد "حادث جنائي" عادي، بدلاً من كونه هجوماً عنصرياً، في حين بدت الضحايا شبه مغيّبات عن التغطية، فقد أطلق الجاني النار من سلاح حربي (مسدس رشاش) وهو داخل سيارته في شوارع مدينة "تراب" (Trappes)، مستهدفاً حصراً أشخاصاً من غير البيض، وتُجْري النيابة الوطنية لمكافحة الإرهاب (Pnat) تحقيقاً في جرائم القتل والشروع في القتل "على صلة بمشروع إرهابي"، مع اعتبار العنصرية ظرفاً مشدداً للجريمة.
ندد العديد من الباحثين ووسائل الإعلام وتنظيمات اليسار الراديكالي وعلماء الاجتماع بـ "تطبيع خطاب اليمين المتطرف" وبالمناخ العنصري الذي أدى إلى مقتل رجل خلال الهجوم الإرهابي في "تراب"، وبعد مرور عدة أيام على الهجوم، لم يُبدِ أيٌّ من المتحدثين المحسوبين على اليمين المتطرف -الذين سبق أن صوّروا هذه المدينة كرمز لنظرية "الاستبدال الكبير" العنصرية- ولا وسائل الإعلام التي منحتهم منبرها، أي رغبة في القطيعة مع المناخ العنصري الذي يحيط بهذه المأساة... إن العنف المفرط الذي اتسم به هذا الحدث لا ينبغي أن يحجب الجذور العميقة التي جعلت ارتكاب مثل هذا الفعل ممكناً؛ وهي جذور عنصريةٍ بنيويةٍ تتجلى سواء في أشكال التمييز اليومي أو في ما يُعرف بـ "العنصرية البيئية"، التي تجعل أجساد الأشخاص الملونين (أو "المعرّضين للعنصرية") أكثر عرضة للمخاطر الصحية.
خلال الأيام والأسابيع التي سبقت الهجوم في "تراب" (Trappes)، انتشر خطاب عنصري - دون أي معارضة تُذكر - عبر بعض وسائل الإعلام الكبرى. ويُعدّ هذا تجسيداً لتوجه أو انزلاقٍ مستمر منذ سنوات، يتسم بتطبيع خطابات اليمين المتطرف، ورغم المحاولات الرامية للإيحاء بأن حزب "الجبهة الوطنية" (الذي تحول إلى "التجمع الوطني") قد غيّر طبيعته، إلا أن الوقائع تثبت عكس ذلك؛ إذ ثمة ثباتٌ لافت في طروحاتهم، والجديد هو أن هذه الخطابات لم تعد محصورة في أوساط اليمين المتطرف فحسب، بل باتت تتغلغل بشكل أوسع في المشهد السياسي التقليدي؛ ويتجلى ذلك، على سبيل المثال، في تبني اليمين التقليدي لمصطلح "الاستبدال الكبير" (grand remplacement)، كما يحظى خطاب اليمين المتطرف بحضورٍ غير متناسب في وسائل الإعلام، وسط تساهلٍ ملحوظ من قِبل الصحفيين. ورغم تزايد الخطاب العنصري في وسائل الإعلام حالياً، إلا أن العودة إلى أرشيف "المعهد الوطني للسمعي البصري" (INA) تكشف عن وجود تصريحات قاسية للغاية، لا تجد حرجاً في التعبير عن نفسها، وقد بُثّت عبر وسائل الإعلام الكبرى منذ زمن طويل. ففي مطلع الألفية الثانية، على سبيل المثال - إبان النقاش حول قانون حظر الرموز الدينية الظاهرة في المدارس - كان هناك أشخاص يظهرون يومياً على شاشات التلفزيون ليعلنوا صراحةً عن كراهيتهم للإسلام (الإسلاموفوبيا)، بل ويطالبون بحقهم في تبني هذه الكراهية، وعليه، فإن الموجة العنصرية الراهنة تندرج ضمن سياقٍ زمنيٍّ أطول، ومن الأهمية بمكان تسليط الضوء على هذا الاستمرار والترابط، مما يستدعي فتح نقاشٍ جاد حول الآليات المحددة التي تغذي كراهية السود (negrophobie) وكراهية المسلمين ( إسلاموفوبيا - Islamophobie ) فضلاً عن الكراهية الموجهة ضد العرب في هذا البلد الإستعماري، كما ينبغي التذكير بالمسؤوليات الجماعية التي "تُبرر" - في نظر البعض - أن يقرر فردٌ ما استهداف أشخاصٍ بقصد قتلهم، لمجرد كونهم سوداً أو عرباً، وهذا يدفعنا أيضاً إلى التساؤل عن أوجه الاستمرارية بين أشكال العنصرية المختلفة، وإلى التفكير في الروابط التي تجمع بين ممارسات العنصرية اليومية -التي قد تبدو أكثر اعتيادية- وبين أحداث متطرفة كهذه.
هل ثمة أيضاً تواصلٌ مستمرٌ بين هذا النوع من العنف وبين "العنصرية البيئية" التي تقتل ببطء أكبر؛ كتعريض البشر للتلوث الصناعي، أو للتربة الملوثة، أو للسكن في ظروف غير لائقة؟
تُعد العنصرية نظاماً يقوم على تراتبية الحياة البشرية، وعلى منح قيمةٍ أقل لحياة بعض المجموعات أو الأشخاص مقارنةً بغيرهم، فهي التي تضع قواعد هذا التمييز: بين من نخصص لهم "دقيقة صمت" حداداً ومن لا نحظيهم بذلك؛ وبين من نعتبر موتهم أمراً لا يُطاق ومن يبدو موتهم أقل فداحةً؛ وبين من نتركهم يعيشون في مناطق تشكل خطراً على صحتهم، مقابل آخرين نرى لزاماً حمايتهم تماماً، وهكذا، وبهذا المعنى، فإن العنصرية نظامٌ فَتّاك، فكيف ينبغي لنا أن نستجيب بشكلٍ جماعي؟ يجب البدء برفض الفكرة القائلة بأن وجود أجسادٍ "مُعرَّقة" (أي مُصنَّفة عرقياً) -كالسود أو العرب- في فرنسا، وفي مدينة عُمّالية شعبية مثل "تراب" (Trappes)، يمثل مشكلةً بحد ذاته. علينا رفض مثل هذا الافتراض المسبق، فاعتبار مدينة "تراب" رمزاً لما يُسمى "الاستبدال الكبير" (grand remplacement) هو بحد ذاته ممارسةٌ لتراتبية الحياة البشرية بناءً على انتماءٍ عرقيٍّ مزعوم، وبناءً على مدى "مشروعية" وجود هؤلاء الأشخاص أو "رغبة" المجتمع في وجودهم في حيزٍ مكانيٍّ وزمانيٍّ معين، كما ينبغي التصدي لحالة اللامبالاة أو التطبيع مع الخطاب العنصري، وفضح مسؤولية وسائل الإعلام والأحزاب والمنظمات السياسية والحكومة ومعظم المؤسسات عن تصاعد الكراهية العرقية؛ وذلك من خلال ترويجها لخطاباتٍ تزعم -دون أي أساسٍ واقعي- أن مثيري الشغب والمخربين والناهبين هم من العرب والسود. لقد قُتل هذا الرجل الأسود، البالغ من العمر 26 عاماً، بفعل العنصرية، ولم يكن استهدافه وليد الصدفة، بل كان اغتياله نتيجةً حتميةً لمضايقاتٍ ممنهجةٍ لا تستند إلى أي أساس؛ إنها العنصرية في أبشع صورها وأكثرها تجرداً من أي قيود، وهي اليمين المتطرف في ذروة تجلياته. لم تدعُ أي سلطةٍ إلى التعقل أو الاعتدال أو الاحترام، ولم تلوّح حتى باحتمالية الملاحقة القضائية، فبعد حوادث إطلاق نارٍ بالقرب من مساجد في يوم صلاة، استهدفت أشخاصاً من ذوي البشرة السوداء وعرباً ومسلمين، لم ترتفع أصواتٌ كثيرةٌ للتنديد بذلك، وحين عُثر على إسماعيل علي، البالغ من العمر 20 عاماً، جثةً هامدةً في بركة مياه في منطقة "لوار-سور-رون" (Loire-sur-Rhône)، لم تكن هناك أصواتٌ كثيرةٌ تعبّر عن استنكارها، وكذلك حين قُتل هشام ميراوي -ضحية الإسلاموفوبيا- بخمس رصاصاتٍ (أيار/مايو 2025 ) داخل صالون الحلاقة الخاص به، لم ترتفع أصواتٌ كثيرةٌ تندد بالحادثة؛ ولم تُخصص دقيقة صمتٍ واحدةٌ في الجمعية الوطنية، وعندما قُتل شابٌ يُدعى أبو بكر سيسي، يبلغ من العمر 22 عاماً، طعناً بـ 57 طعنةً داخل أحد المساجد، لم يكلّف رئيس الوزراء، سيباستيان ليكورنو، ولا حتى وزير الداخلية آنذاك، برونو ريتايو، أنفسهم عناء الحضور، وكان من المتوقع أن يزور برونو ريتايو -المعروف بعدائه الشرس والصريح للعرب وللمسلمين- ذلك المسجد ليقدم كلمات المواساة، لكنه لم يضع قدمه هناك، ولم تُخصص دقيقة صمتٍ في الجمعية الوطنية أيضاً، في حين وقف أعضاء الحكومة والنواب، وبإجماع تام، دقيقة صمتٍ حداداً على النازي الجديد "كانتان ديرانك" -الذي لقي حتفه في شباط/فبراير 2026 خلال شجار في مدينة ليون- وتواصل وسائل الإعلام (بشقّيها العام والخاص) الترويج لأيديولوجيا اليمين المتطرف، وفي الوقت ذاته، تقوم هذه الوسائل بالتشهير بمئات الآلاف من المتظاهرين الذين يطالبون بتوفير فرص العمل والسكن ودخلٍ يضمن لهم حياة كريمة، بالإضافة إلى توفير المعلمين والفصول الدراسية في المؤسسات التعليمية العامة.

تفكيك نظرية "الاستبدال الكبير" ديموغرافياً في فرنسا:
إن هذا "الاستبدال الكبير" هو نتاجٌ للنزعة العسكرية العدوانية "الغربية"، وليس غزوًا همجيًا من قِبل ذوي البشرة السمراء القادمين من أصقاع العالم، وفي تبنٍّ لأطروحات رينو كامو -مبتكر المفهوم الزائف حول "الاستبدال الكبير للسكان الفرنسيين"-، زعم إريك زمور، الكاتب والصحافي الفرنسي المنتمي إلى اليمين المتطرف والمُرشّح السّابق لرئاسة الجمهورية، عبر إحدى القنوات التلفزيونية الفرنسية -ودون أن يواجه أي اعتراض على كلامه- أن "تعميم استخدام الروبوتات سيتيح لفرنسا التخلص من المهاجرين"؛ وذلك لأن الروبوتات ستحل محل البشر في أداء العديد من المهام، وهنا تجدر الإشارة -لتذكير إريك زمور واليمين المتطرف بأسره- إلى أن ثلث الفرنسيين هم من أصول أجنبية، وأن فرنسا تعاني من عجز ديموغرافي يتم تعويضه بفضل تدفق المهاجرين، ويُذكر أن إريك زمور يعد أحد قادة اليمين المتطرف، وهو ممن يحنُّون إلى حقبة "الجزائر الفرنسية"، كما يُعرف بعدائه الصريح للعرب وللمسلمين، وينبغي تذكيره بالحقائق التاريخية التالية: على الصعيد العالمي خلال الحرب العالمية الثانية، بلغت حصيلة الضحايا 100 مليون قتيل، معظمهم من ذوي الأصول القوقازية - وفقاً للمصطلح الأمريكي - أي من العرق الأبيض (ألمان، فرنسيون، إنغليز، روس، شعوب أوروبا الشرقية - مثل بولندا والنمسا والمجر وتشيكوسلوفاكيا ودول البلطيق وغيرها - بالإضافة إلى كنديين وأستراليين ونيوزيلنديين). لقد كانت خسارة بشرية فادحة، وفي نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، كان العرق الأبيض يمثل 35% من سكان العالم، بينما كان يسيطر على أربعة أخماس مساحة الكرة الأرضية. أما في العام 2026، فقد انخفضت نسبة العرق الأبيض لتصبح 21% فقط من سكان العالم، ولم يعودوا يسيطرون سوى على 30% من مساحة الكوكب؛ وذلك نتيجة لاستقلال جميع دول آسيا (مثل الصين والهند وباكستان وفيتنام وكمبوديا وإندونيسيا وغيرها)، ودول أفريقيا، والعالم العربي، وبعبارة أخرى، حدث تقلص في النفوذ الغربي.
على الصعيد المحلي تكبدت فرنسا خسائر بشرية فادحة خلال الحرب العالمية الأولى، حيث فقدت 1,4 مليون قتيل (من ضمنهم 250 ألف من مُستعمرات المغرب العربي)، بالإضافة إلى 900 ألف شخص أصيبوا بعجز دائم؛ أي أن 11% من سكانها أصبحوا خارج دائرة القوى العاملة، وفي المقابل، كانت هناك 4,2 مليون هكتار من الأراضي المدمرة، و285 ألف منزل سُوّي بالأرض، و500 ألف منزل آخر لحقت به أضرار؛ فضلاً عن الحاجة إلى إصلاح 4800 كيلومتر من السكك الحديدية و 800 ألف كيلومتر من الطرقات، وإعادة بناء 23 ألف مصنع، وردم 330 مليون متر مكعب من الخنادق، واستوردت فرنسا خمسمائة ألف جزائري لأجل إنجاز هذه المهمة الضخمة لإعادة الإعمار، ثم جاءت الحرب العالمية الثانية لتُحدث استنزافاً بشرياً مماثلاً بعد عشرين عاماً فقط؛ وهي فترة زمنية تقل عن المدة الطبيعية لتجدد الأجيال، وتلتها حروب الهند الصينية، والجزائر، والمعارك في مناطق النفوذ الأفريقي (كولويزي، سانغاريس، سرفال، برخان)، وغيرها... إنه نزيفٌ مستمرٌ لا يتوقف، في الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة تعاني هي الأخرى من استنزافٍ مماثل، في فيتنام والعراق وأفغانستان وغيرها، وترافقت هذه الحروب العدوانية مع تزايد المديونية في كلا البلدين، وفي المقابل، نأت الصين بنفسها عن أي مغامرات عسكرية خارج حدودها منذ الحرب الكورية عام 1952، أي منذ 65 عاماً، ونتيجةً لهذا الهوس بالحرب، باتت مركزية "الرجل الأبيض" في طريقها إلى الزوال، وكذلك تلاشى دور الغرب كمرجعٍ يحدد المسارات؛ مما يؤذن بنهاية ستة قرون من الهيمنة الغربية المطلقة على بقية كوكب الأرض، وكان العدوان على أفغانستان واحتلالها لفترة عقْدَيْن من قبل الولايات المتحدة ودول حلف شمال الأطلسي إيذاناً بظهور عالمٍ "ما بعد غربي"، فيما أشّرَتْ مجموعة بريكس والمبادرة الصينية "الحزام والطريق" ( 2013) والحرب في أوكرانيا، منذ 2022، على بروز "الجنوب العالمي"، وبناءً على ما سبق، ينبغي أن يحلّ الروبوتات وما سُمّي "الذكاء الإصطناعي" محلّ العقول المُخْتَلَّة التي يجسّدها دونالد ترامب وإريك زيمور واليمين "المُعْتَدل" والمُتطرّف الذي يدّعي إن الخطر الأكبر على البلدان الإمبريالية يتمثل في ما أطلقوا عليه "الإستبدال الأكبر" المزعوم الذي يمثله الفُقراء الذين اجتثّتهم الحُروب والنهب الذي تمارسه الشركات العابرة للقارات، فهاجروا بحثًا عن مكان ظَنُّوه آمنا يُوفر لهم عملا يثيهم من الجوع والفقر والموت.



#الطاهر_المعز (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- غلادش بعد عام ونصف
- فرنسا – من دواعي الغضب – الحلقة الثالثة
- فرنسا : من دواعي الغضب – الحلقة الثانية
- فرنسا : من دواعي الغضب – الحلقة الأولى
- الإنحياز الطّبَقي لخُبراء صندوق النقد الدّولي
- اليمن – تحالفات إقليمية ودولية ضد المُقاومة
- من المُتحَكّم بمصير العالم : اللُّوبي الصهيوني أم الإمبريالي ...
- إعادة تَدْوير الرأسمالية باسم - الطاقة النّظيفة - و -الإقتصا ...
- هل عدم المساواة فطْري أو طبيعي، أم مكتسب؟
- بإيجاز: فلسطين - الإحتلال = مجازر ودمار وخراب
- الولايات المتحدة – هل الرعاية الطبية ترف؟
- المغرب- مسار التطبيع العَلَني
- أيلول في الذّاكرة العربية والأمريكية
- شمال إفريقيا - الدَّوْرُ الوَظيفي للمغرب
- من حلف بغداد إلى اتفاقية مَكّة
- القواعد العسكرية الأمريكية والأجنبية في إفريقيا
- تونس بعد خمس سنوات 25 تموز/يوليو 2021 - 2026
- أوروبا - اختلال التوازن بين رأس المال والعمل
- الرياضة من منظور طَبَقي - كأس العالم 2026 والعنصرية الصريحة
- الحرب التكنولوجية الجزء 2/2


المزيد.....




- -توقف الآن!-.. مشادة بين النائبين راسكين وكرينشو على الهواء ...
- حول عبدالرحمن السيد.. ساويرس يرد على مقال -لا علاقة له بمصر- ...
- بين موقفي -الشاباك- و-النائب العام-.. ما الذي يجري في إسرائي ...
- الحرس الثوري يستولي على مسيرتين أمريكيتين في هرمز
- حين يصاب القادة بالنسيان: من رونالد ريغان إلى جاك شيراك
- الدفاع الروسية: تدمير مركز لوجستي ومحطة كهرباء شرق أوكرانيا ...
- اتهام عشرة أشخاص بالاحتيال الانتخابي في كاليفورنيا
- شهيد وجرحى في قصف على غزة وإسرائيل تواصل خروقها
- الحرس الثوري: حرائق في ناقلتين وقاطرة بحرية بمضيق هرمز
- من التوافق إلى الانقسام.. انتخابات النواب الأردني تكشف هشاشة ...


المزيد.....

- حين يصيح الولاء اقوى من الحقيقة / حسين محمود صالح
- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الطاهر المعز - فرنسا : من دواعي الغضب – الحلقة الرابعة