|
|
تقرير جديد لمنظمة العمل الدولية يكشف مفارقة عالمية: النساء يتقدمن نحو مواقع القرار، لكن تنفيذ سياسات المساواة يتراجع. فهل تتحول المكاسب الإدارية إلى عدالة فعلية للعاملات؟
جهاد عقل
(Jhad Akel)
الحوار المتمدن-العدد: 8879 - 2026 / 11 / 4 - 13:00
المحور:
الحركة العمالية والنقابية
- مقدمة: المساواة بين الأرقام والواقع في الوقت الذي تتقدم فيه النساء تدريجياً نحو مواقع الإدارة العليا وقيادة الشركات والمؤسسات الاقتصادية، لا تزال الملايين من العاملات حول العالم يواجهن أشكالاً متعددة من التمييز في الأجور وفرص العمل والترقية والحماية الاجتماعية، فضلاً عن الأعباء غير المتكافئة للعمل المنزلي والرعاية الأسرية. هذه المفارقة تشكل إحدى أبرز الخلاصات التي يمكن استخلاصها من التقرير الجديد الذي أصدرته منظمة العمل الدولية في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر 2026، بعنوان "المرأة في قطاع الأعمال والإدارة: توسيع نطاق النجاح". ولا تقتصر أهمية التقرير على الأرقام التي يعرضها بشأن تقدم النساء إلى مواقع القيادة الاقتصادية، وإنما تكمن أيضاً في كشفه عن فجوة متزايدة بين الاعتراف المؤسسي بأهمية المساواة بين الجنسين وبين ترجمة هذا الاعتراف إلى سياسات وإجراءات فعلية داخل أماكن العمل. كما يكتسب هذا التقرير أهمية إضافية لأنه يستند إلى استقصاء عالمي أجرته منظمة العمل الدولية عام 2025، شمل 11,957 منشأة في 99 بلداً، إلى جانب استقصاءات سابقة وبيانات سوق العمل الممتدة على ثلاثة عقود. لكن من منظور نقابي، تطرح هذه النتائج سؤالاً يتجاوز مسألة التمثيل النسائي في مجالس الإدارة: هل يكفي أن تصل المزيد من النساء إلى مواقع اتخاذ القرار بينما تستمر الاختلالات البنيوية التي تحد من حقوق الغالبية الواسعة من العاملات؟ إن التقدم في التمثيل القيادي مكسب ينبغي الدفاع عنه وتوسيعه، لكنه لا يشكل وحده دليلاً على تحقق العدالة والمساواة في عالم العمل.
- تقدم في القيادة… وفجوة مستمرة في هرم الإدارة تكشف معطيات التقرير عن تحولات ملموسة خلال الفترة الممتدة بين عامي 2013 و2025. فقد ارتفعت نسبة المنشآت التي ترأس مجالس إدارتها نساء من 13.1% إلى 30.9%، كما ازدادت نسبة المنشآت التي تتولى رئاستها التنفيذية امرأة من 23.4% إلى 28.2%. هذه مؤشرات إيجابية تعكس تراجع بعض الحواجز التاريخية التي حالت دون وصول النساء إلى مراكز القيادة الاقتصادية، غير أن الصورة تصبح أكثر تعقيداً عندما ننظر إلى المستويات الإدارية الأخرى. فالنساء لا يشغلن سوى نحو 30% من المناصب الإدارية على الصعيد العالمي، كما يشير التقرير إلى أن التحسن في تمثيلهن داخل الإدارة العليا لم يواكبه تقدم مماثل في الإدارة الدنيا والوسطى، حيث شهد التوازن بين الجنسين تراجعاً خلال الفترة المدروسة. هنا تبرز مفارقة تستحق التوقف: كيف يمكن توسيع حضور النساء في قمة الهرم الإداري إذا كانت المسارات المهنية التي يفترض أن تقودهن إلى تلك القمة لا توفر فرصاً متكافئة؟ إن استمرار هذه الفجوة يعني أن التقدم المحقق قد يبقى محدوداً وغير مستدام، إذا لم ترافقه تغييرات جذرية في سياسات التوظيف والتدريب والترقية وتوزيع المسؤوليات داخل المنشآت. لكننا ومن وجهة نظر الحركة النقابية، نؤكد أنه يجب ألا تقتصر المساواة على كسر السقف الزجاجي الذي يمنع النساء من الوصول إلى الإدارة العليا، بل ينبغي أن تشمل إزالة الحواجز التي تعترض العاملات في مختلف مستويات العمل، من خطوط الإنتاج والخدمات إلى الوظائف المهنية والإدارية.
- المساواة تحقق مكاسب اقتصادية… لكن لمن تعود هذه المكاسب؟ من أبرز النتائج التي يعرضها التقرير أن المساواة بين الجنسين والتنوع داخل المنشآت لا يشكلان مجرد التزام أخلاقي أو اجتماعي، وإنما يرتبطان أيضاً بنتائج اقتصادية إيجابية. فقد أفادت قرابة سبع منشآت من كل عشر منشآت شملها استقصاء عام 2025 بأن مبادرات المساواة والتنوع ساهمت في تحسين نتائج أعمالها، بزيادة قدرها 11.1 نقطة مئوية مقارنة باستقصاء عام 2018. ومن بين المنشآت التي أفادت بتحقيق زيادات في الأرباح مرتبطة بمبادرات تعزيز وجود النساء في الإدارة، أشارت 87.4% منها إلى زيادات لا تقل عن 5%. كما وجد التقرير ارتباطاً بين وجود النساء في المناصب القيادية العليا وبين تحسن النتائج الاقتصادية للمنشآت. تمثل هذه المعطيات رداً على التصورات التي تقدم المساواة بين الجنسين باعتبارها عبئاً مالياً على أصحاب العمل أو عائقاً أمام المنافسة والإنتاجية. لكن نحن نقول بأنّ القراءة النقابية لا ينبغي أن تتوقف عند حدود الربحية. لذلك فأن السؤال الأساسي هو: إذا كانت المساواة والتنوع يساهمان في تحسين أداء المنشآت وزيادة أرباحها، فكيف تنعكس هذه النتائج على العاملات أنفسهن؟ هل تتحسن أجورهن؟ هل تتسع فرص ترقيتهن؟ هل يحصلن على شروط عمل أكثر أماناً واستقراراً؟ وهل تتمتع العاملات في الوظائف الأقل أجراً بالحماية والحقوق ذاتها التي تتوافر للنساء في المواقع الإدارية العليا؟ إن المساواة الحقيقية لا يمكن اختزالها في تحسين المؤشرات المالية للشركات، بل يجب أن تقترن بتحسين توزيع ثمار النمو والإنتاجية. من هنا تبرز أهمية المفاوضة الجماعية بوصفها أداة لتحويل المكاسب الاقتصادية إلى حقوق ملموسة، تشمل الأجور العادلة والحماية الاجتماعية والتقدم المهني والضمانات ضد التمييز. ومن الضروري أيضاً التمييز بين الارتباط الإحصائي والعلاقة السببية؛ فنتائج الاستقصاء بشأن تحسن الأرباح تستند إلى إفادات المنشآت وتحليل خصائصها، ولا تعني أن تعيين امرأة في موقع قيادي يؤدي تلقائياً إلى زيادة محددة في الأرباح.
- المفارقة الأخطر… السياسات تتوسع والتنفيذ يتراجع ربما تكون النتيجة الأكثر إثارة للقلق في التقرير هي اتساع الفجوة بين الالتزامات المعلنة والإجراءات المطبقة. ففي عام 2025، أفادت 74.8% من المنشآت بوجود سياسة للمساواة بين الجنسين والتنوع أو ما يعادلهان لكن متوسط نسبة المنشآت التي تنفذ مبادرات عملية في مجالات المساواة والتنوع تراجع من 37.4% عام 2018 إلى 26.5% عام 2025. أي أننا أمام تراجع يبلغ 10.9 نقاط مئوية في التنفيذ، رغم اتساع الاعتراف بأهمية المساواة وفوائدها. والأكثر دلالة أن هذا التراجع شمل إجراءات أساسية تمس الحقوق المباشرة للعاملات، ومنها برامج إجازة الأمومة والدعم المرتبط بها، التي تراجعت بمقدار 11.3 نقطة مئوية، ومبادرات المساواة في الأجر، التي تراجعت بمقدار 19.6 نقطة مئوية. لذلك فأن هذه النتائج تطرح تساؤلاً حول جدية الالتزامات المؤسسية عندما لا تقترن بموارد مالية وآليات تنفيذ ومراقبة ومساءلة. فوجود سياسة مكتوبة للمساواة لا يعني بالضرورة وجود مساواة فعلية. كما أن إعلان الالتزام بالتنوع لا يكفي إذا كانت نظم الأجور والترقية والتوظيف تستمر في إنتاج التفاوتات القائمة. هنا نعود لقراءة ذلك من منظور نقابي ونؤكد، إن أخطر ما تكشفه هذه المؤشرات هو احتمال تحول المساواة إلى شعار مؤسسي يُستخدم لتحسين صورة المنشأة، بينما تتراجع الإجراءات التي يفترض أن تضمن ترجمة ذلك الشعار إلى حقوق. ولهذا ينبغي الانتقال من قياس عدد الشركات التي تعلن تبني المساواة إلى قياس التغير الحقيقي في أجور النساء وفرصهن المهنية وظروف عملهن.
- النساء يتقدمن تعليمياً… لكن سوق العمل لا ينصفهن يؤكد التقرير أن النساء حققن تقدماً كبيراً في التعليم العالي، بل تجاوزن الرجال على المستوى العالمي من حيث معدلات الالتحاق. ففي عام 2023 بلغت نسبة الالتحاق بالتعليم العالي بين النساء 46.4% مقابل 40.3% بين الرجال. ومع ذلك، فإن هذا التفوق التعليمي لم يتحول إلى تكافؤ في فرص العمل أو المناصب القيادية أو الأجور.
ويشير التقرير أيضاً إلى استمرار فجوات الأجور، إذ يبلغ متوسط ما تكسبه النساء نحو 78 سنتاً مقابل كل دولار يكسبه الرجال، وفق المقياس العالمي الذي يستند إليه. كما تظل النساء أقل حضوراً في بعض القطاعات والوظائف التي تمثل مسارات رئيسية للترقي إلى المناصب القيادية، ولا سيما المجالات التقنية والعلمية وبعض الوظائف المرتبطة بالقرارات الاقتصادية والاستراتيجية. وتكشف هذه المعطيات أن المشكلة لا تكمن في نقص كفاءة النساء أو مؤهلاتهن، وإنما في الحواجز البنيوية والمؤسسية والاجتماعية التي تمنع تحويل المؤهلات إلى فرص متكافئة،هنا يصبح من الضروري النظر إلى التمييز بوصفه ظاهرة تتجاوز القرارات الفردية لأصحاب العمل، وترتبط ببنية سوق العمل، وأنماط تقسيم العمل، والسياسات العامة، وتوزيع المسؤوليات الأسرية.
- اقتصاد الرعاية… الوجه الآخر لعدم المساواة لا يمكن فهم الفجوات القائمة في عالم العمل من دون التوقف عند مسألة الرعاية غير مدفوعة الأجر، التي تتحمل النساء نصيباً غير متكافئ منها. فالمرأة العاملة لا تواجه دائماً الحواجز داخل المنشأة وحدها، وإنما قد تتحمل أيضاً مسؤوليات رعاية الأطفال والمسنين وأفراد الأسرة، وهو ما يحد من قدرتها على الاستمرار في العمل أو المشاركة في برامج التدريب والترقية أو قبول وظائف تتطلب ساعات عمل طويلة. عليه نرى أن تقرير منظمة العمل الدولية يشير إلى ضرورة معالجة هذه الحواجز الهيكلية التي تتجاوز حدود أماكن العمل. لكن من وجهة نظر نقابية، فإن الحل لا يكمن في مطالبة النساء بالتكيف مع ظروف العمل القائمة، وإنما في إعادة تنظيم العمل والرعاية على أسس أكثر عدالة. وهذا يتطلب توسيع خدمات الرعاية العامة، وضمان إجازات أمومة وأبوة مدفوعة الأجر وفق معايير الحماية الاجتماعية، وتوفير ترتيبات عمل مرنة لا تؤدي إلى تهميش العاملات أو إضعاف حقوقهن، وتشجيع التقاسم العادل للمسؤوليات الأسرية. كما أن العاملات في قطاعات الرعاية والصحة والتعليم والعمل المنزلي يحتجن إلى اهتمام خاص، لأن المجتمعات تعتمد على عملهن في إعادة إنتاج الحياة اليومية، بينما تعاني فئات واسعة منهن من تدني الأجور وضعف الحماية والتقدير المهني. إن تحرير النساء من القيود البنيوية المفروضة عليهن لا يتحقق فقط بفتح أبواب الإدارة العليا، وإنما أيضاً ببناء منظومة اجتماعية واقتصادية تعترف بقيمة أعمال الرعاية وتعيد توزيع مسؤولياتها بصورة عادلة.
-مسؤولية الحكومات… المساواة ليست التزاماً طوعياً فقط تكشف نتائج التقرير الحاجة إلى دور حكومي أكثر فعالية في تحويل مبادئ المساواة إلى التزامات قابلة للتنفيذ. فإذا كانت الشركات تعلن التزامها بالمساواة بينما تتراجع مبادراتها التطبيقية، فإن الاعتماد على الإرادة الطوعية لأصحاب العمل وحدها يصبح غير كافٍ. لذلك تتحمل الحكومات مسؤولية أساسية في سن التشريعات التي تمنع التمييز وتضمن المساواة في الأجر عن العمل ذي القيمة المتساوية، وتطوير أجهزة تفتيش العمل، وتعزيز شفافية الأجور، وتوفير آليات فعالة لتقديم الشكاوى والانتصاف. كما يقع على عاتقها الاستثمار في خدمات الرعاية العامة، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وضمان وصول النساء إلى التعليم المهني والتدريب والتكنولوجيا والوظائف الجديدة. وهنا نؤكد نقابياً بأنه يجب ألا تبقى هذه الإجراءات حبراً على ورق، بل ينبغي أن ترافقها موازنات كافية ومؤشرات معلنة لقياس النتائج. وفق ذلك توفر معايير منظمة العمل الدولية مرجعية مهمة في هذا المجال، وفي مقدمتها الاتفاقية رقم 100 بشأن المساواة في الأجور لعام 1951، والاتفاقية رقم 111 بشأن التمييز في الاستخدام والمهنة لعام 1958. كما تكتسب الاتفاقية رقم 156 بشأن العمال ذوي المسؤوليات العائلية، والاتفاقية رقم 183 بشأن حماية الأمومة، والاتفاقية رقم 190 بشأن القضاء على العنف والتحرش في عالم العمل، أهمية خاصة في بناء بيئة عمل أكثر مساواة وأمناً، مع ضرورة توسيع التصديق عليها وتطبيق أحكامها. إن الدولة التي تكتفي بالاحتفاء بزيادة عدد النساء في المناصب القيادية، دون معالجة الفجوات في الأجور والحماية وفرص التشغيل، لا تكون قد استكملت مسؤوليتها تجاه المساواة الفعلية.
- مسؤولية أصحاب العمل… من إدارة التنوع إلى احترام الحقوق تؤكد نتائج التقرير أن أصحاب العمل يملكون أدوات مباشرة لإحداث التغيير داخل المنشآت. لكن المطلوب هو الانتقال من المبادرات الدعائية والالتزامات العامة إلى إجراءات مؤسسية قابلة للقياس، ويشمل ذلك مراجعة هياكل الأجور، وضمان عدالة التوظيف والترقية، وإتاحة فرص التدريب لجميع العاملات، وتوفير بيئة خالية من التمييز والعنف والتحرش. كما يتطلب الأمر معالجة التفاوت في الوصول إلى الوظائف الفنية والإدارية ذات الأجور الأعلى، وعدم معاقبة النساء مهنياً بسبب الأمومة أو المسؤوليات العائلية. ومن المهم كذلك إشراك ممثلي العمال والنقابات في تصميم سياسات المساواة ومراقبة تنفيذها، بدلاً من حصر هذه السياسات في إدارات الموارد البشرية أو دوائر العلاقات العامة. ثم إذا كانت الشركات تعلن أن المساواة تحسن أداءها الاقتصادي، فإن عليها إثبات هذا الالتزام من خلال تحسين الحقوق وشروط العمل، وليس الاكتفاء بإظهار التنوع في صور مجالس الإدارة والتقارير السنوية، فالمساواة ليست امتيازاً تمنحه الإدارة للعاملات، وإنما حق ينبغي احترامه وضمان ممارسته.
- الحركة النقابية… من الدفاع عن المساواة إلى تنظيم القوة الجماعية تمنح نتائج التقرير الحركة النقابية الدولية فرصة لإعادة التأكيد أن المساواة بين الجنسين ليست قضية هامشية أو مطلباً فئوياً منفصلاً عن القضايا العمالية العامة. بل إنها جزء جوهري من النضال من أجل العمل اللائق والعدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة والسلطة داخل عالم العمل. وإذا كانت الفجوة بين السياسات والتطبيق تتسع، فإن النقابات تستطيع أن تلعب دوراً مركزياً في تقليصها من خلال تحويل مبادئ المساواة إلى بنود واضحة في الاتفاقيات الجماعية. كما يفترض أن تشمل هذه الاتفاقيات ضمانات المساواة في الأجور، ومعايير شفافة للترقية والتدريب، وحماية العاملات من الفصل أو التمييز بسبب الحمل والأمومة، وتنظيم ساعات العمل، والوقاية من العنف والتحرش. مع التأكيد أنه ينبغي أن تعمل النقابات على جمع البيانات المتعلقة بالفجوات بين النساء والرجال داخل المنشآت، ومراقبة مدى الالتزام بالاتفاقيات الموقعة، وتطوير آليات جماعية لمتابعة الشكاوى والانتهاكات،غير أن مسؤولية الحركة النقابية لا تتوقف عند مطالبة أصحاب العمل والحكومات بالتغيير. فالنقابات نفسها مطالبة بمراجعة بنيتها الداخلية، وتعزيز مشاركة النساء في مواقع القيادة والتفاوض وصنع القرار، وإزالة الحواجز التي تحد من انخراط العاملات في النشاط النقابي. ولا يمكن لحركة نقابية أن تدافع بصورة مقنعة عن المساواة في المجتمع وسوق العمل إذا كانت النساء لا يتمتعن بفرص عادلة للمشاركة في مؤسساتها القيادية. ويتطلب ذلك توسيع جهود تنظيم العاملات في القطاعات الهشة وغير المنظمة، بما فيها العمل المنزلي والزراعة والخدمات والعمل عبر المنصات الرقمية، وإيلاء اهتمام خاص للعاملات المهاجرات وصاحبات العقود المؤقتة. كما ينبغي الاستثمار في تدريب القيادات النقابية النسائية، وتطوير الوعي بقضايا المساواة لدى جميع الأعضاء، رجالاً ونساءً، فالهدف ليس إنشاء مسار نقابي منفصل للنساء، بل جعل المساواة جزءاً من السياسات العامة للحركة النقابية وبرامجها التفاوضية والتنظيمية.
- نحو أجندة نقابية عالمية للمساواة الفعلية يطرح التقرير تحدياً يتجاوز حدود الشركات منفردة، ويستدعي تعاون الحكومات وأصحاب العمل والمنظمات النقابية ضمن أطر الحوار الاجتماعي. وفق ذلك نؤكد أن للحركة النقابية دور هام في أن تبني على نتائجه أجندة عملية تقوم على عدد من الأولويات المترابطة: أولا- جعل المساواة في الأجور عن العمل ذي القيمة المتساوية هدفاً تفاوضياً مركزياً، مع ضمان الشفافية وإتاحة المعلومات اللازمة لكشف الفجوات غير المبررة. ثانياً- إدراج سياسات المساواة والترقية والتدريب ضمن الاتفاقيات الجماعية، وربط الالتزامات بمؤشرات قابلة للقياس والمراجعة الدورية. ثالثاً- تعزيز خدمات الرعاية والحماية الاجتماعية باعتبارها بنية أساسية للمساواة الاقتصادية، وليست مجرد امتيازات اجتماعية إضافية. رابعاً- دعم التصديق على اتفاقيات منظمة العمل الدولية ذات الصلة وتنفيذها، وتوسيع دور تفتيش العمل والرقابة على التمييز والعنف والتحرش. خامساً- تعزيز تمثيل النساء في القيادة النقابية ولجان التفاوض، وفتح المجال أمام العاملات في القطاعات الأقل تنظيماً للمشاركة الفعلية في صياغة المطالب والقرارات.
سادساً- ضمان ألا تؤدي التحولات التكنولوجية والذكاء الاصطناعي وإعادة هيكلة أسواق العمل إلى إعادة إنتاج التمييز القائم، بل أن تقترن بفرص تدريب وتأهيل وترقية متكافئة. وتتطلب هذه الأجندة تعاوناً دولياً بين النقابات، ولا سيما في مواجهة الشركات متعددة الجنسيات وسلاسل التوريد العالمية، حيث يمكن أن تتفاوت مستويات حماية العاملات تفاوتاً كبيراً بين بلد وآخر.
- المساواة لا تُقاس بعدد النساء في القمة وحده يقدم تقرير منظمة العمل الدولية لعام 2026 صورة مزدوجة عن واقع المساواة بين الجنسين في قطاع الأعمال. فمن جهة، هناك تقدم في وصول النساء إلى مواقع القيادة، واعتراف متزايد بالفوائد الاقتصادية والاجتماعية للتنوع والمساواة، ومن جهة أخرى، ما زالت الفجوات في التوظيف والأجور والترقية قائمة، فيما تتراجع نسبة المنشآت التي تنفذ مبادرات عملية لمعالجتها. وهذه المفارقة تعيد التأكيد أن المساواة ليست مسألة تمثيل عددي فحسب، وليست استراتيجية لتحسين أرباح الشركات وحدها، بل قضية تتعلق بالحقوق والعدالة الاجتماعية وتوزيع الفرص والموارد والسلطة. من هنا نقول إن النجاح الحقيقي لا ينبغي أن يُقاس فقط بعدد النساء اللواتي يصلن إلى رئاسة الشركات ومجالس إدارتها، وإنما أيضاً بعدد العاملات اللواتي يحصلن على أجور عادلة، وحماية اجتماعية، وفرص متكافئة، وبيئة عمل آمنة، وقدرة فعلية على التنظيم النقابي والمشاركة في اتخاذ القرارات التي تمس حياتهن. ولعل الرسالة النقابية الأهم التي يمكن استخلاصها من التقرير هي أن المساواة التي تتوقف عند أبواب مجالس الإدارة تظل مساواة ناقصة، أما المساواة التي تصل إلى مواقع الإنتاج والخدمات، وإلى أجور العاملات وحقوقهن وكرامتهن، فهي المساواة القادرة على تغيير عالم العمل. إن مسؤولية تحقيق هذه الغاية تقع على الحكومات وأصحاب العمل والحركة النقابية معاً، لكن تحويلها إلى واقع يتطلب قبل كل شيء قوة تنظيمية جماعية قادرة على نقل المساواة من النصوص والتعهدات إلى الاتفاقيات الجماعية والتشريعات والممارسة اليومية. فلا مساواة حقيقية دون حقوق عمالية، ولا عدالة اجتماعية مكتملة دون مساواة فعلية بين النساء والرجال في عالم العمل. ملاحظة: المقال قراءة تحليلية نقابية مستقلة تستند إلى معطيات التقرير، ولا تمثل موقفاً رسمياً لمنظمة العمل الدولية.
#جهاد_عقل (هاشتاغ)
Jhad_Akel#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
عشرون عاماً على تأسيس الاتحاد الدولي للنقابات: من تجاوز انقس
...
-
اربعة من كل خمسة عمال منزليين في العالم يعملون بعمالة غير من
...
-
من يملك الثروة… ومن يملك القرار؟ الحركة النقابية في مواجهة س
...
-
الفقر ليس قدرًا: من ينتج الحرمان، ومن يتحمل مسؤولية مواجهته؟
-
اتحاد نقابات عمال جنوب أفريقيا -كوساتو- يستكمل مؤتمره الخامس
...
-
التمييز ضد النساء في عالم العمل: المساواة حقّ يُنتزع بالنضال
...
-
قائدة نقابية أمريكية كاثي فاينغولد: مسيرة في الدفاع عن العما
...
-
خريف نقابي أوروبي: من الدفاع عن الوظائف والأجور إلى معركة ال
...
-
العمال وأصحاب العمل وحوادث العمل العامل الفلسطيني بين مخاطر
...
-
اتحاد عمال جنوب افريقيا -كوساتو- أمام اختبار الوحدة: خلافات
...
-
مؤتمر النقابات البريطانية 2026: وحدة العمال في مواجهة أزمة ا
...
-
بمؤتمره الخامس عشراتحاد نقابات عمال جنوب أفريقيا -كوساتو- من
...
-
90 عامًا على الإجازات مدفوعة الأجر: مكاسب انتزعها العمال ويخ
...
-
الاتحاد العام للعمال الجزائريين بعد سبعين عامًا: تجديد الهيا
...
-
ثقافة نقابية:أمبيت يوسون.. مسيرة نقابية من الفلبين إلى قيادة
...
-
من الدنمارك إلى الولايات المتحدة: عندما تصبح قوة النقابات قو
...
-
131 عامًا على الحلف التعاوني الدولي: التعاون في مواجهة فردان
...
-
الديمقراطية تبدأ من مكان العمل: لماذا تشكّل قوة النقابات خط
...
-
البطالة والحصار والاستيطان: اقتصاد يُدفع نحو الاختناق
-
غسان صليبا.. النقابي الأممي الذي جعل التضامن جسراً بين العما
...
المزيد.....
-
بحوث الصحراء” يتابع التجمعات الزراعية في شمال سيناء وتطوير ا
...
-
“صحة النواب” تُقر اتفاق تمويل منظومة التأمين الصحي الشامل مع
...
-
إندونيسيا.. إقالة رئيس هيئة العاملين في القصر الرئاسي على خل
...
-
نقيب المحامين يرأس جلسة حلف اليمين للأعضاء الجدد بالنقابات ا
...
-
السفارة الأمريكية لدى اليمن تطالب الحوثيين بالإفراج الفوري ع
...
-
مصر.. تحرك برلماني لـ-تشديد- مكافحة عمالة الأطفال بعد حادث -
...
-
موسكو تستدعي سفير النرويج احتجاجا على احتجاز أوسلو سفينة روس
...
-
انتخابات التجديد النصفي في صور الناخبون ومراكز التصويت والع
...
-
معلمو ليبيا يواصلون الإضراب حتى تحقيق مطالبهم
-
هل يمكن لليمن تحقيق أمن غذائي ومواجهة البطالة والفقر والخروج
...
المزيد.....
-
كراسات شيوعية: كتيبان عن الحركة العمالية في كوريا الجنوبية [
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
النظام الداخلي للإتّحاد العام التونسي للشغل أداة طرّزتها الب
...
/ حمده درويش
-
ملامح من تاريخ الحركة النقابية
/ الحاج عبدالرحمن الحاج
-
تجربة الحزب الشيوعي السوداني في الحركة النقابية
/ الحزب الشيوعي السوداني
-
الفصل السادس: من عالم لآخر - من كتاب “الذاكرة المصادرة، محنة
...
/ ماري سيغارا
-
الفصل الرابع: الفانوس السحري - من كتاب “الذاكرة المصادرة، مح
...
/ ماري سيغارا
-
التجربة السياسية للجان العمالية في المناطق الصناعية ببيروت (
...
/ روسانا توفارو
-
تاريخ الحركة النّقابيّة التّونسيّة تاريخ أزمات
/ جيلاني الهمامي
-
دليل العمل النقابي
/ مارية شرف
-
الحركة النقابيّة التونسيّة وثورة 14 جانفي 2011 تجربة «اللّقا
...
/ خميس بن محمد عرفاوي
المزيد.....
|