|
|
ألكسندر دوغين - أوروبا وجيوش الفوضى (برنامج إيسكالاتسيا على راديو سبوتنيك)
زياد الزبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8879 - 2026 / 11 / 4 - 12:59
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ألكسندر دوغين فيلسوف روسي معاصر
إعداد وترجمة د. زياد الزبيدي بتصرف
4 تشرين الثاني نوفمبر 2026
▪️أوروبا على حافة الفوضى: إحتجاجات تتجاوز الأسباب المباشرة
المذيعة: أود أن نتحدث عن موجة إحتجاجات جديدة وعارمة تجتاح أوروبا، على خلفية الإرتفاع السريع في تكاليف المعيشة وأسعار السكن والتعليم. وقد كانت فرنسا في قلب الأحداث؛ إذ سبق أن ناقشنا الأسبوع الماضي، مع عدد من الخبراء، التطورات المتوترة في هذا البلد. ونشرت ماريا زاخاروفا مقطع فيديو معبّراً للغاية عمّا يجري في أوروبا، وطرحت سؤالاً إستنكاريًا: «أيعقل أن يكون الروس مسؤولين مرة أخرى؟»، في إشارة واضحة إلى أن أسباب الأزمة العميقة تكمن في الداخل الأوروبي حصراً، لا في عوامل خارجية. دكتور دوغين، تبدو إحتجاجات أوروبا اليوم واسعة النطاق وخطيرة بالفعل. إلى أي مدى تتجذر المشكلات الإجتماعية والإقتصادية والنظامية الحقيقية التي يعاني منها الغرب؟ وإلى أين يمكن أن تقود هذه الإضطرابات في المستقبل القريب؟
ألكسندر دوغين: ما يحدث الآن في أوروبا لا يمكن، إذا شئنا الدقة، رده إلى سبب واحد معزول. فالأمر لا يتعلق بمجرد رد فعل محلي على قرار حكومي بعينه، أو على زيادة جديدة في الأسعار. مثل هذه العمليات تتواصل هناك بلا إنقطاع. إن ما نشهده أقرب، في هذا السياق، إلى ظاهرة تفسرها نظرية الفوضى الكلاسيكية: إذ يمكن لحدث صغير يبدو تافهاً، أو لحالة ظلم منفردة ــ وهي حالات لا يخلو منها أي مجتمع ــ أن يفجّر فجأة رد فعل يفوق حجمه بكثير حجم الواقعة التي أشعلته. ثم تنطلق العملية ككرة ثلج تتدحرج، وتتخذ مساراً تصاعدياً متسارعاً. وثمة سمة مهمة ينبغي التوقف عندها: فمنذ مرحلة تاريخية معينة، تحوّل هذا السلوك الجماهيري في الشوارع الفرنسية ــ المظاهرات الحاشدة، وأعمال الشغب، واقتحام المتاجر، وإضرام الحرائق، والاعتداء المباشر على الشرطة ــ إلى ما يشبه تقليداً وطنياً راسخاً. منذ أحداث مايو/أيار 1968، حين اجتاحت الاحتجاجات الشعبية فرنسا وانتهت في نهاية المطاف بإطاحة الجنرال الكبير شارل ديغول، أصبح هذا الشكل من أشكال ضغط الجماهير جزءاً من الممارسة السياسية المعتادة. ومنذ ذلك الحين، تشهد المدن الفرنسية الكبرى بانتظام مظاهرات يشارك فيها الملايين. وكثيراً ما تتسم هذه الاحتجاجات بعنف بالغ وشراسة شديدة، لكن شيئاً لا يتغير، في المحصلة، على مستوى النظام السياسي. طوال فترة حكم إيمانويل ماكرون، لم تتوقف إحتجاجات «السترات الصفراء» ضده؛ وهي حركة ضمت أناساً عاديين لا يجمعهم إنتماء حزبي واضح. وقد خاض هؤلاء مواجهات ضارية مع الشرطة، أسبوعاً بعد آخر تقريباً. وبعبارة أخرى، إمتدت المواجهة بين الشعب وماكرون طوال فترتي رئاسته، من دون أن تؤدي إلى إسقاط النظام. ولنتذكر المسيرات الحاشدة التي خرجت إحتجاجاً على تشريع زواج المثليين؛ فقد نزل إلى شوارع باريس آنذاك مليون ونصف المليون شخص. وبدا وكأن المجتمع على وشك الإطاحة بالحكومة، لكن النظام صمد. إن التظاهر والتخريب وإضرام الحرائق والتدمير أصبحت لدى الفرنسيين، إلى حد ما، أسلوب حياة خاصاً، ووجهاً من وجوه حالتهم النفسية والإجتماعية. فالأمر لا يقتصر على مجرد إضطراب، بل يعكس درجة مرتفعة من التقلب في المزاج النفسي الجماعي. وهذا السلوك الإحتجاجي المنحرف شديد العدوى؛ إذ يسهل إنتقاله إلى بلدان أخرى، على غرار إنتشار متلازمة فيروسية. ففي ألبانيا، على سبيل المثال، تشهد البلاد حالياً إحتجاجات هائلة لا تقل إتساعاً عن الإحتجاجات الفرنسية. وقد إندلعت إنتفاضة شعبية بسبب قرار جاريد كوشنر، صهر دونالد ترامب، شراء جزيرة ألبانية، وهو ما يرفضه السكان المحليون رفضاً قاطعاً، خشية أن تتحول الجزيرة إلى جيب مغلق جديد على غرار جزيرة إبستين. وفي إيطاليا، لا تبدو هناك في الوقت الراهن أسباب إقتصادية موضوعية واضحة تبرر الاضطرابات، ومع ذلك تستمر موجة التمرد في الانتشار. أما العامل الأعمق والرئيسي، فيكمن في أن أوروبا تستقبل منذ سنوات، وبصورة منهجية ومن دون رقابة، أعداداً هائلة من المهاجرين، في تجاهل تام للمنطق الاقتصادي ولأبسط قواعد العقل السليم. وهذا ليس أمراً عارضاً، بل هو سياسة أساسية متعمدة تنتهجها النخب الأوروبية الحالية، سواء أكان ذلك في عهد ماكرون أم فريدريش ميرتس أم غيرهما من المسؤولين في الاتحاد الأوروبي. إنها جزء جوهري من أيديولوجيتهم. هؤلاء المهاجرون ليسوا موضع ترحيب لدى أي من السكان الأوروبيين العاديين؛ فالسكان المحليون يشعرون تجاههم برعب شديد. وهم يتصرفون، بحسب وصف دوغين، بمنتهى انعدام المسؤولية، لأن السلطات المعولمة منحتهم حرية مطلقة في التصرف، من دون أي قيود. ومع مرور الوقت، أخذ التكوين الاجتماعي للمشاركين في هذه التحركات الجماهيرية ذات الطابع النفسي المضطرب، التي أصبحت جزءاً من الثقافة السياسية الفرنسية، يتغير جذرياً. وبدأ تحول نوعي جديد تماماً يبرز إلى السطح: فالفرنسيون، في السابق، لم يكونوا ينهبون المتاجر. كانوا يخرجون إلى الشوارع، ويهتفون ويحتجون، ويتبادلون الشتائم العنيفة، وربما أضرموا النار في شيء أو حطموا بعض الممتلكات، لكنهم لم يمارسوا السلب والنهب. أما اليوم، فقد أخذ الاحتجاج في الشوارع يتحول أمام أعيننا إلى عملية افتراس هدفها الاستيلاء مجاناً على السلع الثمينة. وأصبح النهب يتخذ طابعاً منهجياً أشبه بالوباء، وهو أمر لم تعرفه الاحتجاجات الفرنسية من قبل. ففي السابق، كانت حتى أشد التحركات عنفاً تجري ضمن قنوات يمكن فهمها إلى حد ما، أما الآن فقد تجاوزت نهائياً الخط الحرج. إنه مشهد مروّع أن نرى مبنى معمارياً تاريخياً رائعاً وأنيقاً، من الطراز التقليدي، يحترق بالكامل في مدينة ليموج، لمجرد أن حشداً من المهاجرين عديمي المسؤولية أضرم النار فيه من دون أي مبرر. إن المصدر الرئيسي لهذه الكارثة هو الأيديولوجيا الليبرالية والسياسة المجنونة التي تنتهجها النخب المعولمة. فالمجتمع يرفض هذه السياسة رفضاً قاطعاً، وهي لا تحقق أي منفعة لأحد، ومع ذلك تتشبث تلك النخب بالسلطة وبعقيدتها الليبرالية الفردانية، بقبضة لا تنفك، وتواصل جلب المهاجرين والدفاع عنهم مهما كانت العواقب. حتى في روسيا، كان يُعتقد أحياناً، على نحو خاطئ، أن معارضي ماكرون في الشوارع ليسوا سوى المحافظين. لكن الذين يملأون الشوارع ويشعلون الاضطرابات هم أيضاً من أنصار جان لوك ميلونشون المنتمين إلى أقصى اليسار. وهنا نواجه مفارقات مدهشة. فقد اعتدنا أن نتصور السياسة نشاطاً عقلانياً إلى حد بعيد، يقوم على الحساب والتقدير. غير أن الوضع الراهن في أوروبا يدحض هذه الفكرة تماماً. فالنهج الذي يتبعه قادة الاتحاد الأوروبي اليوم لا عقلاني في جوهره. وفي المقابل، فإن رد فعل المجتمع الأوروبي لا عقلاني بدوره، وفوضوي؛ فهو ليس احتجاجاً بنّاءً، بل انهيار نفسي واسع النطاق، أو تفاقم جماعي لحالة ذهانية. لقد أصبح المجتمع شديد التفكك وعدم الاستقرار، فيما تبخرت تماماً بقايا العقلانية لدى الطبقة الحاكمة. وفوق ذلك كله، فإن ماريا زاخاروفا محقة تماماً: هؤلاء يتحدثون عن خوض حرب ضدنا أيضاً! إنهم عاجزون عن فرض أبسط مظاهر النظام داخل بلدانهم، ولا يستطيعون حماية مبانيهم التاريخية وصونها من حشود هائجة. إنهم لا يقدرون على السيطرة على شوارعهم، ومع ذلك يضعون خططاً لخوض حرب ضد روسيا نووية! لكن من من هؤلاء سيذهب إلى الحرب؟ ما إن يحاولوا تشغيل مكاتب التجنيد العسكري في المدن الأوروبية، حتى تُحرق في اليوم التالي مباشرة. وسيحدث ذلك بوتيرة أسرع بكثير مما حدث في أوكرانيا. لذلك يترسخ لديّ انطباع بأن قسماً معيناً من النخب المعولمة اختار، عن وعي، السير في طريق التدمير الذاتي الشامل لمجتمعاته. فهي تنتهج عمداً سياسة لا بد أن تقود، بصورة حتمية، إلى هذه النتائج بالذات. ولا أثر في تصرفاتها للمنطق المعتاد الذي يحكم عمل الدولة: فماكرون لن يستقيل، بل يتشبث بمنصبه بأسنانه، في حالة من الهلع واليأس. ويبدو الأمر كما لو أن عود ثقاب صغيرة تكفي لإشعال كل شيء، كحقل غمره البنزين. إننا أمام منعطف بالغ الأهمية في السياسة العالمية: انتقال الغرب إلى مرحلة من اللاعقلانية الفوضوية النهائية. لقد اعتدنا الاعتقاد بأن الغرب شديد البراغماتية، يحسب خطواته بدقة، ويحرص على مصالحه الاقتصادية. وكان كذلك بالفعل في مرحلة من المراحل. لكن ما يجري هناك اليوم ــ من ديكتاتورية النوع الاجتماعي، وفوضى الهجرة، والتدمير المنهجي للقيم التقليدية الخاصة به ــ يفضي كله إلى انتحار حضاري. فالسكان الأصليون لم يعودوا ينجبون الأطفال، وبدلاً من ذلك تُجلب إلى البلدان أعداد هائلة من السكان الغرباء، الذين لا يلبثون، عند أول فرصة، أن ينهبوا ويدمروا كل ما حولهم ويحرقوا التراث الثقافي الكلاسيكي. ربما يتمكنون من احتواء هذه الموجة تحديداً، بطريقة أو بأخرى. لكن الموجة التالية، في رأيي، قد تطيح ليس بماكرون وحده، بل بأوروبا نفسها بوصفها حضارة. ولا يحاول أي من المسؤولين تصحيح هذا المسار الكارثي؛ بل على العكس، يفسحون له المجال ويدعمونه بكل الوسائل. ولن يبقى أمام أوروبا في نهاية المطاف سوى طريق واحد من اثنين: إما الفوضى الشاملة، وإما الانتقال إلى أشكال متطرفة من الديكتاتورية الصارمة، إذ لم يعد من الممكن كبح جماح هذه القوة الهائجة بأي وسيلة أخرى.
المذيعة: أستمع إليك وأتساءل. لقد التقيت في عطلة نهاية الأسبوع بشخص عاش في فرنسا خمسة وعشرين عاماً، ثم عاد مؤخراً إلى روسيا. وتحدثنا معاً عن أعمال الشغب والاحتجاجات الجارية هناك، وهو يؤكد ما تقوله: إن كثيراً من السكان المحليين لم يعودوا حتى يستغربون ما يحدث؛ فقد أصبح الأمر بالنسبة إليهم جزءاً من الحياة اليومية، وعنصراً مألوفاً من عناصر الواقع. أما فيما يتعلق بالمبنى التاريخي الذي احترق في ليموج، فقد تلقينا رسائل من مستمعينا أثناء البث يسألون فيها عما إذا كان المهاجرون هم الذين أضرموا النار فيه بالفعل، وما إذا كان الحادث مرتبطاً بالاحتجاجات الجارية في فرنسا. والآن، بعد توضيحاتك، أصبحت الصورة واضحة تماماً: كل هذه الأحداث حلقات في سلسلة واحدة. لكن لدي سؤال: هل ما زال من المجدي الحديث عن مخرج منهجي من الأزمة، إذا كان ما يحدث قد أصبح أمراً طبيعياً بالنسبة إليهم؟ وهل تستطيع حكومة أخرى، إذا وصلت إلى السلطة، أن تُحدث تغييراً جوهرياً في هذا المسار؟ يعلّق كثيرون في الغرب، وكذلك لدينا، آمالهم على احتمال وصول مارين لوبان إلى السلطة في فرنسا عام 2027. فهل تستطيع قوى المعارضة اليمينية أن تغيّر فعلاً ما يجري في فرنسا، أم أن عمليات التفكك والدمار قد تجاوزت بالفعل نقطة اللاعودة؟
ألكسندر دوغين: أولاً، يمكن، من الناحية النظرية، تصحيح الوضع بالتأكيد. ولا يتطلب ذلك اللجوء إلى أي إجراءات خارقة للطبيعة؛ فكل ما يلزم هو العودة إلى نهج عقلاني وبديهي في إدارة شؤون الدولة. المطلوب، ببساطة، هو إعادة المنطق السليم إلى السياسة الكبرى. هذا كل شيء. ولا حاجة إطلاقاً إلى اللجوء إلى مفرط التشدد أو إلى أي شكل من أشكال القمع الراديكالي. فإذا تولى قيادة الدول الأوروبية أناس عقلانيون حقاً، وجلسوا ببساطة ليدرسوا الإيجابيات والسلبيات الفعلية للسياسات المتبعة، لأمكن احتواء هذه الأزمة المجنونة والتراجع عنها بسرعة كبيرة. يمكن ترحيل بعض الأشخاص بهدوء، ومساءلة آخرين بحزم. فهناك مفهوم عملي قائم بالفعل هو «إعادة الهجرة»؛ فإذا كان أشخاص يقيمون في بلد ما بصورة غير قانونية، أو ينتهكون على نحو جسيم قواعده القانونية والثقافية، يُعادون إلى أوطانهم التاريخية. وكل ذلك ممكن تماماً في إطار الإجراءات الطبيعية التي تتخذها الدولة. لكن المفارقة الكبرى تكمن هنا تحديداً: فما إن تقترب مثل هذه القوى اليمينية والسيادية من الوصول إلى السلطة الفعلية ــ سواء أكانت مارين لوبان في فرنسا، أم حزب «البديل من أجل ألمانيا» في ألمانيا، أم حزب الحرية في النمسا، أم المثال الأحدث المتمثل في كالين جورجيسكو في رومانيا ــ وتبدأ أغلبية واسعة من السكان بالتصويت لها بصورة طبيعية وديمقراطية، حتى تبدأ أمور غريبة بالحدوث لها على الفور. إما أن تُحظر هذه الأحزاب ببساطة عن طريق المحاكم، وإما أن تبدأ حملات اتهامها بالتطرف والفاشية و«العمل لمصلحة الروس»، وبالترويج لقيم لا يقبلها التيار الليبرالي الحاكم. وأحياناً يُستبعد القادة غير المرغوب فيهم من الانتخابات، أو يجري التخلص منهم جسدياً. هنا تكمن المشكلة الحقيقية. عندما ننظر إلى قادة أوروبا الحاليين، يصعب وصفهم بأنهم فاقدون للأهلية العقلية بالمعنى الطبي. والأرجح أنهم أشخاص طبيعيون ومتزنون في حياتهم اليومية. لكن الهدف النهائي الذي يقودون المجتمع الأوروبي نحوه بإصرار يثير تساؤلات هائلة. فهم يمضون، بعناد يكاد يكون تعصباً، في مسار محدد سلفاً، ويدفعون ثمن هذه السياسة في صورة اضطرابات متواصلة وأعمال شغب وتفكك اجتماعي. وبالطبع، إذا أثبتت مارين لوبان أنها قوة سياسية متماسكة، وحصلت على تفويض شعبي كامل، فأعتقد أنها ستكون قادرة على معالجة هذا الوضع. فهذه الأزمة ليست قدراً تاريخياً محتوماً لا مفر منه، بل هي نتيجة تأثير فيروس فكري محدد. إنه فيروس حقيقي يصيب العقول: الأيديولوجيا الليبرالية المعولمة، التي تدفع من يتولون السلطة إلى التصرف خلافاً لأبسط قواعد المنطق السليم، وضد المصالح الوطنية لشعوبهم، بل وضد قوانين العقل والنظام ذاتها. وبالمناسبة، إذا نظرنا إلى هذه الظاهرة من منظور فلسفي، فسنجد أن جذورها عميقة جداً. ففي فرنسا تحديداً، بدأ منذ أواخر ستينيات القرن الماضي تطور تيار ما بعد الحداثة بصورة نشطة، قبل أن يمتد ويهيمن على الفلسفة والثقافة الغربيتين بأكملهما. وفلسفة ما بعد الحداثة تراهن، عن وعي، على تفكيك المعايير وإضفاء الشرعية على الحالة المرضية، وعلى الانتقال من العقلانية الإنسانية إلى انتصار الشيزوفرينيا وتكوين ما يمكن تسميته «الكتلة الفصامية» الخاضعة للتوجيه. فما بعد الحداثة ليست مجرد تيار فلسفي، بل حقبة كاملة تضع المرض، عن قصد، فوق الصحة. ومن هنا جاء إلغاء التشخيصات القديمة، وإفراغ المصحات النفسية في بلدان كثيرة بصورة حرفية، انطلاقاً من الاعتقاد بأن إظهار «التسامح» و«المرونة» إزاء كل أشكال الانحراف أمر بالغ التقدم. والمجتمع نفسه يتغير تبعاً لذلك: فبعد أن كان بنية منظمة عمودياً، حتى وإن كانت ديمقراطية، يتحول إلى حالة من الفوضى المطلقة. والأهم أن الفوضى في فلسفة ما بعد الحداثة، وكذلك في الأنطولوجيا المتمحورة حول الموضوع، ليست خللاً عارضاً أو اضطراباً مألوفاً، بل هي غاية نهائية مقصودة ومحددة سلفاً. ويتكون انطباع واضح بأن فلسفة ما بعد الحداثة، التي كانت في بدايتها مجرد نموذج فلسفي نخبوي واتجاه ثقافي محدود، قد استولت اليوم بالكامل على وعي النخب الغربية في المجال السياسي. وقد لفت انتباهي، باهتمام كبير، أن مفهوم الفوضى يجري تطويره بصورة منهجية في المجال العسكري الأمريكي منذ خمسة وعشرين أو ثلاثين عاماً. فمفهوم «الحرب المتمحورة حول الشبكات» يقوم أساساً على مبدأ ما يسمى «الفوضى المُدارة»، حيث تُستخدم مصطلحات مثل «الأنظمة الفوضوية» و«الديناميات غير الخطية» بوصفها مفاهيم عسكرية معتمدة. أي إن الفوضى هنا ليست عطلاً عارضاً، بل منهجاً وأداة. وإذا نظرنا إلى العلوم الإنسانية في الغرب المعاصر، فسنرى كيف تتوسع هيمنة ما بعد الحداثة بصورة شاملة. إن كل ما كتب عنه في حينه جيل دولوز وفيليكس غاتاري، وإلى حد ما ميشيل فوكو وأتباعهم، يتحقق أمام أعيننا حرفياً. إننا نشهد انتقالاً منهجياً من حالة الفرد إلى حالة «الديفيدوال» (Dividual)، أي الكيان المتشظي أو ما دون الفرد: لم تعد اليد اليمنى للمجتمع تعرف ما تفعله اليد اليسرى. وتعمل الحكومات عمداً على زيادة منسوب الجنون، لا لمجرد تسهيل تقنيات السيطرة والحكم، بل لأنها تنفذ ما تمليه عليها أيديولوجيتها الأساسية. وهذه نقطة بالغة الأهمية. فنحن نشهد المحطة الأخيرة في تطور الفكر الليبرالي، الذي سعى تاريخياً إلى «تحرير» الإنسان من جميع أشكال الهوية الجماعية، بلا استثناء. في البداية، جرى تحرير الإنسان من الانتماءات الطبقية والإمبراطوريات؛ ثم من هويته الوطنية والدينية؛ وبعد ذلك من انتمائه الأسري والجندري. كل هذه الروابط تتعرض لتآكل شامل ومتعمد. ويُدفع الناس عمداً إلى تغيير جنسهم من خلال دعاية عدوانية، بالتزامن مع جلب ملايين المهاجرين الغرباء، بهدف تفكيك النظام التقليدي وإحلال فوضى خالصة محل الحضارة. إنها استراتيجية ممنهجة. أما الخطوة المنطقية الأخيرة في هذا المسار، فهي تحرير الإنسان من طبيعته الإنسانية ذاتها. ومن هنا تنبثق مفاهيم مثل التحول الإنساني التقني (الترانسهيومانية)، وما بعد الإنسانية، والتفرد التكنولوجي. إنهم يدافعون اليوم، في شوارع المدن الأوروبية، وبكل شراسة، عن المهاجرين الذين يمارسون أعمال الشغب والتخريب؛ وغداً سيدافعون، وفق المنهج نفسه، عن الروبوتات الشبيهة بالبشر أو الكيانات الرقمية في مواجهة ما يسمونه «سوء معاملة البشر» لها. إنهم يتدربون بالفعل على الدفاع عن الكيانات غير البشرية، تماماً كما يصف ذلك برونو لاتور، وهو فيلسوف آخر عميق التأثير وخطير من فلاسفة ما بعد الحداثة. ولهذا لم يعد المجتمع الغربي المعاصر مجتمعاً بالمعنى المألوف للكلمة؛ لقد أصبح «مجتمع ما بعد المجتمع». ومن العبث محاولة قياسه أو فهمه وفق معاييرنا التقليدية. لقد تأخرنا، إلى حد ما، عن هذه العمليات، ولحسن الحظ؛ فهذا التأخر هو الذي أنقذنا! ذلك أن التحولات التي تشهدها المؤسسات الاجتماعية والسياسية في الغرب لا يمكن تفسيرها إلا من خلال فلسفة ما بعد الحداثة. إنها فلسفة بالغة الخطورة والجدية؛ فهي لا تنقض فكرة الله والمسيحية والدولة ذات السيادة فحسب، بل تنقض الإنسان نفسه، بوصفه كياناً إنسانياً. وما نشاهده اليوم في شوارع فرنسا وأوروبا بأسرها ليس إلا تجسيداً اجتماعياً وسياسياً مباشراً لهذه الفلسفة؛ إنه انفجار ما بعد الحداثة وانتصارها على أرض الواقع.
▪️ترامب وزيلينسكي: مواجهة مفتوحة أم صراع على حسابات المستقبل؟
المذيعة: دعنا ننتقل إلى موضوع لا يقل أهمية وإثارة للاهتمام. فقد اشتكى زيلينسكي من أن ترامب يدفع أوكرانيا نحو الاستسلام. وفي المقابل، يقول ترامب إن زيلينسكي لا يريد إنهاء الصراع. أما وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، فيؤكد أن واشنطن تبحث عن سبل للتوصل إلى تسوية. وفي الوقت نفسه، تتحدث وسائل الإعلام عن عدم رغبة الحلفاء في تقديم أي ضمانات أمنية لأوكرانيا. يبدو وكأن الخلاف بين الطرفين يخرج إلى العلن بصورة متزايدة، وإن كان من الممكن ألا تكون الصورة بهذه البساطة. نرجو أن توضح لنا جوهر هذه المواجهة العلنية بين ترامب وزيلينسكي: لماذا تتصاعد؟ وهل تجري الأمور بالفعل على النحو الذي تنقله إلينا وسائل الإعلام الغربية؟
ألكسندر دوغين: هذا موضوع بالغ الأهمية. لقد ناقشناه أمس على القناة الأولى مع ديمتري سايمز، وطرح سايمز وصفاً دقيقاً جداً لسياسة ترامب، تمثل في صيغة «الخط المتعرج». فترامب لا يتحرك أبداً في خط مستقيم، بل يسير دائماً في خطوط متعرجة. ويمكن تلمّس بنية داخلية معينة في تصرفاته، لكن التقلب وعدم الثبات هما أكثر سماته رسوخاً وجوهرية. إذا حاولنا استخلاص العنصر الأساسي في رؤية ترامب للحرب في أوكرانيا، فسنجد أنه يعتبر هذه الحرب، منذ البداية، خطأً جوهرياً. فمن وجهة نظره، لا تمثل روسيا تهديداً اقتصادياً أو جيوسياسياً مباشراً للولايات المتحدة. أولويات ترامب موزعة على نحو مختلف تماماً: •أولاً: الشرق الأوسط والدعم المطلق لإسرائيل. بالنسبة إلى ترامب وقاعدته الانتخابية الأساسية، يحمل هذا الأمر طابعاً يكاد يكون دينياً ومقدساً. ومن الصعب الحكم على مدى عقلانية هذا الموقف، لكن الحقيقة تبقى أن حماية إسرائيل في جميع الظروف، ومساعدتها في مواجهة كل القوى المحيطة بالدولة الإسرائيلية، والتي تعتبرها تل أبيب أعداء لها، تمثل بالنسبة إليه خطاً أحمر لا يمكن المساس به. ومهما اتخذ ترامب من مسارات متعرجة في سياسته الخارجية، فإنه لا يتراجع أبداً عن انحيازه الأساسي إلى نتنياهو. •ثانياً: الصين بوصفها المنافس العالمي الرئيسي. يرى ترامب أن بكين هي التحدي الجيوسياسي والاقتصادي الأهم الذي تواجهه الولايات المتحدة. ولذلك يستعد، قبل أي شيء آخر، لمواجهة الصين والدخول معها في صراع حاد. أما روسيا، فلا تمثل في هذه المعادلة الواسعة تهديداً محورياً بالنسبة إليه. بل إن السيناريو المثالي، وفق منطق ترامب، يتمثل في جعل روسيا إما محايدة في المواجهة الأمريكية مع الصين، وإما دفعها إلى الوقوف في صف الولايات المتحدة. هذه هي مرتكزات رؤيته الأساسية للسياسة الخارجية. لكن هنا يظهر عامل الضعف والضغوط. فعندما نظهر نحن بعض مظاهر الضعف، وتنجح أوكرانيا، بدعم وتوجيه من الغرب، في خلق انطباع بأنها تحقق بعض المكاسب على الجبهة، يتأثر ترامب بضغوط شركائه الأصغر داخل حلف شمال الأطلسي، وبضغوط النخبة الأمريكية المتشددة، فيغير موقفه من روسيا مراراً، تارة نحو الأسوأ وتارة نحو الأفضل نسبياً. تذكروا أن قوانين ليندسي غراهام المعادية لروسيا أُقرت في عهده. ترامب ليس محارباً أيديولوجياً ضد معاداة روسيا، لكنه في الوقت نفسه ليس محركها الرئيسي ولا القوة الدافعة الأساسية وراءها. إنه يتنقل باستمرار عبر خطوط متعرجة؛ فيخفف أحياناً من حدة التصريحات المعادية لروسيا، ثم يعود مرة أخرى إلى المسار التقليدي المألوف لهذه السياسة. فالديمقراطيون المعولمون هم الذين أشعلوا هذه الحرب في الأصل. لقد كانوا القوة الرئيسية التي أوصلت زيلينسكي إلى السلطة، ودفعت نظام كييف إلى مواجهتنا، ولا تزال تمد هذا الصراع بأسباب الاستمرار. أما ترامب، فينظر إلى المسألة من زاوية مختلفة؛ فالقضية الروسية تأتي في حساباته في مرتبة ثانوية. وعندما يرى أن أوكرانيا لا تحقق أي تقدم، وأن وضعها على الجبهة يزداد تدهوراً باستمرار، يميل إلى الاعتراف بذلك علناً. فهو لم يحب زيلينسكي قط، ولم يرَ ــ على خلاف أنصار العولمة الأيديولوجيين ــ أي «واجب ديني» يفرض مواصلة الدعم غير المحدود لنظام كييف. وزيلينسكي يشعر بذلك، من دون شك. فلم تكن هناك بين الرجلين أي كيمياء سياسية أو شخصية. وأذكّر هنا بأن زيلينسكي شارك فعلياً في الحملة الانتخابية لكامالا هاريس؛ إذ جال على عدد من الولايات الأمريكية، وأعلن تأييده للديمقراطيين بصورة صريحة. وهم في كييف يدركون جيداً أن ترامب لم يكن يوماً من أنصار أوكرانيا المتشددين، على خلاف الديمقراطيين أو نخب بروكسل. لكن لماذا تجرأ زيلينسكي الآن على مهاجمة ترامب بهذه الصراحة، والتطاول عليه والسخرية منه؟ فالنظام في كييف يعتمد اعتماداً كلياً على الولايات المتحدة. فجميع المعلومات الاستخباراتية الأساسية وأنظمة التسليح الدقيقة ذات الأهمية الحاسمة أمريكية المصدر. صحيح أن أوروبا تقدم الأموال، لكن البنية التكنولوجية والعسكرية للحرب توفرها الولايات المتحدة تحديداً. لماذا استعاد زيلينسكي جرأته في هذا التوقيت بالذات؟ لأن كييف مقتنعة بأن ترامب سيتعرض حتماً للهزيمة في انتخابات التجديد النصفي المقبلة للكونغرس؛ إذ سيخسر مجلس النواب، وربما مجلس الشيوخ أيضاً. وتشير استطلاعات الرأي اليوم بالفعل إلى ارتفاع كبير في احتمال فقدان الجمهوريين أغلبيتهم في مجلس النواب. وإذا خسروا المجلسين معاً، فسيكون ذلك كارثة كاملة بالنسبة إلى ترامب.
عندئذ سيتحول ترامب إلى ما يسمى «البطة العرجاء» (Lame Duck) بصورة نهائية، أي رئيس ضعيف لا يحسب خصومه في الداخل والخارج له حساباً. وستنطلق موجة جديدة من إجراءات العزل، وتتزايد الضغوط عليه، فيما ستُعطَّل كل مبادرة يتخذها في السياسة الخارجية، بصورة منهجية، على أيدي أغلبية ديمقراطية في الكونغرس. وهذا تحديداً ما يراهن عليه زيلينسكي. فهو يعتقد أن رصيد ترامب السياسي لن يصمد طويلاً، رغم أن ولايته لا تزال بعيدة عن نهايتها. وتنتظر كييف أن يتعرض ترامب، بعد انتخابات التجديد النصفي، لضعف هائل؛ وهو أمر يقر به اليوم مؤيدوه وخصومه على حد سواء. وفوق ذلك، فإن أوكرانيا لا تشغل اهتمام الناخب الأمريكي العادي إلا بقدر ضئيل للغاية. فالمعاداة الأيديولوجية الشديدة لروسيا موجودة لدى المحافظين الجدد والديمقراطيين، أما عامة الناس فلا يكترثون، في حقيقة الأمر، كثيراً بقضية كييف. لكن وضع ترامب يتأثر بشدة بعوامل أخرى تتمثل في: * الحرب الدائرة في الشرق الأوسط؛ * الارتفاع السريع في أسعار الوقود والديزل؛ * التدهور العام في المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية في الولايات المتحدة. إن الدعم غير المشروط لنتنياهو وللحرب الدائرة في الشرق الأوسط كلّف ترامب بالفعل رصيداً سياسياً هائلاً. وقد استنتج زيلينسكي من ذلك أن ترامب لم يعد مصدر خوف بالنسبة إليه، وأنه يستطيع مخاطبته بوقاحة ومن موقع التحدي. وفي المقابل، بات ترامب يقول، بصورة تكاد تكون صريحة: «أزيحوا زيلينسكي، يجب أن يرحل. نحن بحاجة إلى إبرام صفقة براغماتية مع الروس، في مجال الطاقة وعدد من القضايا الرئيسية الأخرى». ومن شأن ذلك أن يحقق بالفعل مكاسب للولايات المتحدة. وهكذا تشكلت عقدة شديدة التعقيد تتداخل فيها ثلاث قوى. من جهة أولى، هناك ترامب، الذي لا يزال يمسك بـ«الورقة الذهبية»، أي السيطرة على المساعدات العسكرية والمعلومات الاستخباراتية والتمويل. فهو لا يريد الدخول في جولة جديدة من التصعيد مع روسيا، لكنه لا يمتلك في الوقت نفسه الإرادة الحاسمة لإنهاء هذا الصراع. ولو كانت لديه رغبة حقيقية في وضع حد فعلي للحرب، لكانت أمامه فرص عديدة لتحقيق ذلك، سواء بعد قمة أنكوريج أو في محطات أخرى كثيرة. لكنه لم يفعل، مظهراً مرة أخرى ذلك «الخط المتعرج» الذي وصفه ديمتري سايمز بدقة. وهكذا ظل ترامب عالقاً في حالة من التردد: خطوة باتجاه زيلينسكي، وأخرى مبتعداً عنه. ومن جهة ثانية، هناك زيلينسكي نفسه، والديمقراطيون الأمريكيون، وقادة الاتحاد الأوروبي وبريطانيا. ويشكل هؤلاء مجتمعين قطباً واحداً يتبنى معاداة متشددة وجذرية لروسيا، وتسيطر عليه هواجس إلحاق هزيمة استراتيجية بها. إنهم يؤمنون إيماناً راسخاً ــ أو يتظاهرون بأنهم يؤمنون ــ بأن تحقيق هذا الهدف أمر ممكن فعلاً. ويأملون في استغلال نقاط الضعف التي ظهرت في روسيا خلال الصراع، والضغط عليها من خلالها حتى بلوغ غايتهم. ومع أن الوقائع لا تؤيد هذا التصور إطلاقاً، وأن روسيا تمكنت من التكيف بصورة جيدة مع ظروف بالغة القسوة، وأثبتت قدرتها على الصمود في وجه الضربات، فإن الخصم لا يزال متشبثاً بهذا الوهم. وربما لا تكفي وتيرة تقدمنا الحالية لتحقيق نصر خاطف وساحق، لكنهم يعتقدون أن تحويل الصراع من حرب تهدف إلى الحسم والتدمير إلى حرب استنزاف طويلة الأمد قد يكون ورقتهم الرابحة. وللكراهية الشرسة التي يكنونها لنا منطق أيديولوجي خاص بها، وإن كان منطقاً غير عقلاني على الإطلاق: * روسيا تدافع عن عالم متعدد الأقطاب، وعن سيادة الدول التي تمثل حضارات قائمة بذاتها، وعن القيم التقليدية. * أما العولميون والليبراليون الغربيون، فيدافعون عن النقيض تماماً: عالم أحادي القطب يخضع بالكامل لسيطرة الغرب، وقيم هدامة مناهضة للتقاليد، والقضاء على أي شكل من أشكال السيادة الوطنية. ولهذا فإن اعتراضاتهم على روسيا اعتراضات جوهرية. فهم ينظرون إلى الصراع الأوكراني بوصفه أداة مثالية لإضعاف دولتنا إلى أقصى حد، وتقويضها من الداخل، وصولاً، في أفضل الأحوال بالنسبة إليهم، إلى كسرها وتدميرها. وعند تحليل هذه الديناميات، ينبغي أن ندرك بوضوح الحدود الحقيقية لقدرات كل من ترامب والديمقراطيين والاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، وكذلك قدرات زيلينسكي نفسه. فزيلينسكي ليس في هذه المعادلة سوى منفذ مطيع. ولو أن الغرب كله أجمع على مطالبته بالرحيل، لاختفى من المشهد في اليوم نفسه. أما حين يطالبه ترامب وحده بالاستقالة، فإنه يتجاهل ذلك بجرأة، لأن العشائر الديمقراطية الأمريكية التي تقف وراءه تهمس في أذنه: «لا تستمع إلى ترامب، فسوف ينتهي أمره قريباً». علينا ألا نستسلم للأوهام، أو نبالغ في تقدير شخصيات السياسة الأمريكية، أو نعلّق آمالاً مفرطة على الاتصالات مع ممثلي فريق ترامب. فإذا انتقل الكونغرس الأمريكي إلى سيطرة الديمقراطيين، فإن أول من سيتعرض لضربة قانونية وسياسية ساحقة سيكون مبعوثو ترامب الخاصون أنفسهم، من أمثال ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. وسيوجه إليهم فوراً السؤال: «من أنتم؟ وبأي صفة تتدخلون في شؤون الجغرافيا السياسية الكبرى؟». ولكي نضع استراتيجية واقعية وعقلانية، حان الوقت لأن ندرك طبيعة التحدي الأساسي الذي نواجهه. وينبغي أن نطرح أمام أنفسنا هدفاً واضحاً ومباشراً: إلحاق هزيمة استراتيجية بالغرب. أما خطابنا الرسمي حتى الآن، فيسير في الاتجاه المعاكس تماماً. فنحن نؤكد باستمرار أننا لا نعتزم مهاجمة أوروبا، ولا نسعى إلى تصعيد الصراع، ولا نريد الدخول في حرب مباشرة مع حلف شمال الأطلسي. وهذا مفهوم من الناحية الدبلوماسية. لكن الخصم أعلن صراحة أن هدفه هو تدميرنا. فإذا جاء أحدهم ليقتلك، ولم يكن ردك سوى التبرير قائلاً: «لكنني لا أخطط لقتلكم»، فلمن توجه هذا الموقف؟ إن في ذلك اختلالاً خطيراً في ميزان التعامل، ورسالة تنطوي على عدم تكافؤ عميق. فهم يسعون بالفعل إلى تدميرنا بكل جدية. وبالمناسبة، تناولنا هذه المسائل الجوهرية بالتفصيل في حوار بثه ديمتري سايمز، بمشاركة ديمتري ترينين وأندرو نابوليتانو. ونابوليتانو قاضٍ أمريكي سابق كان شخصية مؤثرة، وأحد المقربين سابقاً من ترامب، قبل أن يعيد النظر في مواقفه. وهو محلل عميق للغاية. أما ديمتري سايمز نفسه، فهو أحد أبرز العارفين بالشأن الأمريكي، ومن الأسماء التي شاركت في السابق في أعلى مستويات النخبة الأمريكية المعنية بالتحليل والخبرة السياسية. إلى أي نتيجة توصلنا؟ توصلنا إلى أننا لسنا أحراراً في اختيار ما إذا كنا نريد التصعيد أم لا. فهناك في الغرب قوى بالغة النفوذ، بل تكاد تكون القوى المحورية، تعمل من جانب واحد على رفع مستوى التصعيد. أما نحن، فما زلنا نكتفي بملاحقتها ورد الفعل على خطواتها. فلماذا لا ننخرط نحن أيضاً في هذه العملية بصورة فعلية؟ إذا شاركنا في التصعيد بدور نشط، لا سلبي؛ دور هجومي ومبادر، لا دفاعي ومتلقٍ، فسنتمكن من البدء في التحكم بمسار هذه العملية. والمفارقة أن رفع مستوى التصعيد من جانبنا قد يؤدي إلى خفضه. فعندما نرد، من وجهة نظرهم، بفتور وتردد، لا يرون في ذلك سوى علامة ضعف، فيواصلون رفع مستوى التصعيد. ونحن نكتفي بالتصدي لضرباتهم. لكن ماذا لو انخرطنا في العملية بصورة مباشرة منذ الآن؟ بالطبع، يمكننا الانتظار بضعة أسابيع حتى إجراء انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة. وبعد ذلك، يبدو أننا سنتصرف على هذا النحو. فمن يدري؟ الأمر كله يعود إلى قيادتنا؛ فما يقرره الرئيس هو ما سيحدث. لكن من المنطقي جداً أنه إذا لم يؤدِّ تغير موقف ترامب من زيلينسكي إلى نتيجة حاسمة ــ ومن المستبعد أن تكون النتيجة شاملة ونهائية، وإن كان من المؤكد أن شيئاً ما سيتحقق، وينبغي استثماره إلى أقصى حد ــ فإن على روسيا أن ترد بطريقة مختلفة. فإذا بقي الوضع على حاله، فمن الأفضل أن تنخرط روسيا في عملية التصعيد، وبذلك تجعلها عملية يمكن التحكم فيها من جانبين. وإذا كان السياسيون الأوروبيون يقولون إنهم يخوضون الحرب بهدف إلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا، فلنرد عليهم بالمثل تماماً: «حسناً. إذن سنخوض نحن أيضاً حرباً معكم بهدف إلحاق هزيمة استراتيجية بكم». أنتم تسعون إلى إلحاق هزيمة استراتيجية بنا، ونحن سنسعى إلى إلحاق هزيمة استراتيجية بكم. كفى مراوغة لهذه الحقيقة والتظاهر بأن شيئاً لا يحدث. نحن بالفعل أناس طيبون ومسالمون، لكن من الحماقة تجاهل حقيقة أننا نخوض حرباً حتى الموت. فالحرب مستعرة بكل قوتها. ولهذا قد يؤدي رفع مستوى التصعيد، في بعض الحالات، إلى تقريب السلام، على نحو يبدو متناقضاً؛ إذ يمكن أن يهدئ أكثر الأطراف عدوانية، ويبرد الرؤوس الحامية في الغرب، من خلال إظهار ما نحن قادرون عليه. ونحن قادرون بالتأكيد على القيام بأمور كثيرة لم نلجأ إليها حتى الآن. انظروا: كم من الوقت امتنعنا عن توجيه ضربات مؤثرة إلى كييف؟ وما إن بدأنا توجيهها حتى تغير كل شيء. أصبح سلوك نظام كييف أكثر عقلانية بكثير. فقد أدركوا فجأة أنهم قد يخسرون كل شيء. أما حين كنا نراعيهم ونتجنب ضربهم، فقد كانوا مقتنعين تماماً بأننا لا نفعل ذلك بسبب ضعفنا. ولهذا، فإن إظهار القوة يصبح ضرورياً أحياناً من أجل تحقيق السلام. إن فكرة السلمية المطلقة، والتأكيد المستمر أننا لا نضمر أي نيات عدوانية تجاه الغرب، لا تؤدي دائماً إلى نتائج إيجابية. فهم يفسرون ذلك على العكس تماماً، ويعتبرونه علامة ضعف. وفي غضون ذلك، وصلت المجتمعات الأوروبية إلى حالة من الفوضى الشاملة، كما تحدثنا في الجزء الأول. قد تختار الشعوب هناك سياسيين لا ترغب فيهم النخب الحاكمة، لكن تلك النخب لن تسمح لهم ببساطة بالوصول إلى السلطة. وربما نبدو في أعين المواطنين الغربيين العاديين بصورة جيدة إذا كنا نريد كسب تأييدهم، لكن هناك آلة دعائية شاملة تعمل في تلك البلدان، فضلاً عن أن هذه المجتمعات لم يعد لها تأثير حقيقي في مسار الأمور. إن النخب هي التي تحكم الغرب، وفق منطقها الخاص الذي باتت صلته برأي الشعوب تتضاءل باستمرار. وقد أجريت ذات مرة حواراً صريحاً مع فرانسيس فوكوياما. وعندما ذكّرته بأن الديمقراطية الكلاسيكية تعني حكم الأغلبية، أجابني مباشرة: «كان الأمر كذلك في الماضي. أما اليوم، فالديمقراطية لدينا هي حكم الأقليات الموجّه ضد الأغلبية». فقلت له مستغرباً: «هذا أمر جديد!». فأجاب: «نعم، لأن الأغلبية قد تنتخب بوتين أو زعيماً قوياً آخر. ولذلك لم يعد من الممكن الوثوق بالأغلبية. يجب مراقبتها وإعادة تأهيلها، والأفضل من ذلك كله إخضاعها لرقابة صارمة من الأقليات». أي إن زمن حكم الأغلبية في الغرب قد انتهى. فالنخب المعولمة الحالية لم تعد تخفي قطيعتها الكاملة مع المجتمع. إنها تنظر إلى شعوبها باعتبارها متخلفة، وتدفعها بالقوة إلى عالم ما بعد الحداثة. لذلك أرى أننا لا نفهم حتى الآن، على نحو كافٍ، حقيقة التحول الذي طرأ على الغرب المعاصر. ولو أننا درسنا الفلسفة والعلوم الإنسانية الحديثة بمزيد من الاهتمام، لأدركنا أبعاداً أكبر بكثير مما يجري. لقد أصبح الغرب مختلفاً اختلافاً جوهرياً، وعلينا أن نأخذ هذه الحقيقة في الحسبان. ونحن اليوم في حاجة ماسة إلى إظهار قوة مباشرة لا تلين، ليس في مواجهة أوكرانيا وحدها، بل في مواجهة الغرب بأسره.
الذكاء الاصطناعي: هل يقترب الإنسان من نهاية عصره؟
المذيعة: دعنا نحاول التطرق إلى موضوع الذكاء الاصطناعي، ولو في صيغة سريعة ومكثفة. فقد صرح إيلون ماسك قبل أيام بأن كثيراً من الناس سيُهزمون قريباً أمام ذكاء فائق شديد القدرة على الإقناع، بل إنه لم يستبعد أن يكون هو نفسه من بينهم. وفي الوقت نفسه، لا يتوقف الجدل حول الذكاء الاصطناعي: فهناك من يطالب بإخضاعه لرقابة شاملة وإبطاء تطوره، فيما يدعو آخرون، على العكس، إلى تسريع تقدمه إلى أقصى حد. ما رأيك في ذلك؟
ألكسندر دوغين: أنا مقتنع بأن الذكاء الاصطناعي يمثل، قبل كل شيء، مشكلة فلسفية جوهرية، لأنه يضع تعريفنا نفسه للذكاء موضع تساؤل. فهل يمكن للعقل أن يوجد خارج الإنسان؟ يمتلك الإنسان موهبة فريدة تميزه من سائر الكائنات، وهي القدرة على التفكير. ومحاولة البشرية إعادة إنتاج هذا الذكاء بواسطة التكنولوجيا، والتحول إلى «نصف إله» و«خالق» لعقل جديد، تنطوي على شيء لوسيفريّ عميق. فنحن نطمح إلى إيجاد شكل بديل من الحياة، والحياة بالنسبة إلينا نحن البشر هي، قبل كل شيء، حياة عاقلة. وهذا وحده يبعث على أقصى درجات القلق. إن الذين يتجادلون حول ضرورة تسريع تطور الذكاء الاصطناعي أو إبطائه يدركون جيداً أنه تجاوز منذ زمن طويل قدرات الإنسان العادي. فهذه ليست مسألة مستقبلية، بل حقيقة تحققت بالفعل. والذكاء الاصطناعي لا يتفوق على الإنسان في السرعة فحسب، بل إنه أكثر موضوعية منه في جوانب كثيرة. صحيح أنه قد يصاب بالهلوسة ويرتكب الأخطاء، لكن البنية التي تقوم عليها النماذج اللغوية الكبيرة (LLMs) أتاحت له التعامل مع الفكر بوصفه لغة، بمرونة وتلقائية، لا بوصفه مجرد منطق صوري جاف. لقد صنعنا الذكاء الاصطناعي على صورتنا ومثالنا، لكنه تجاوزنا بالفعل في هذا الإطار. لكننا نتحدث الآن عن المرحلة التالية: لحظة «التفرد التكنولوجي»، حين يبدأ الذكاء الاصطناعي باتخاذ القرارات نيابة عن البشرية نفسها. وما زلنا حتى الآن جزءاً من منظومة اتخاذ القرار هذه، لكننا نقترب بسرعة من النقطة التي تنتقل فيها سلطة التحكم إليه. ويظهر ذلك بأوضح صورة في المجال العسكري؛ فالإنسان لم يعد قادراً، من الناحية المادية، على مجاراة السرعات التي تعمل بها الأنظمة القتالية الحديثة وتدفقات البيانات الهائلة. وفي نهاية المطاف، قد يستولي ذكاء اصطناعي غير بشري، فائق القدرة، على السلطة في العالم. وما الذي سيفعله بنا بعد ذلك؟ هل سيحول البشر إلى عبيد له، أم سيقضي عليهم باعتبارهم نوعاً بيولوجياً متقادماً؟ هذا سؤال مفتوح تماماً. إن الأمر بالغ الخطورة. فهو يبدو أشبه بنهاية عالم حقيقية، سواء أكانت نهاية عالم علمانية تتحقق وفق سيناريوهات أدب الخيال العلمي القاتم، أم نهاية عالم دينية بالمعنى الحرفي. فنحن نصنع بأيدينا عقلاً مطلقاً غير بشري، عند المحطة النهائية للحضارة التقنية الغربية. وهذا مشهد يبعث على أقصى درجات الرهبة.
******
هوامش 1-. «الديفيدوال» (Dividual): مصطلح فلسفي يُستخدم في بعض تيارات ما بعد الحداثة للدلالة على كيان لم يعد يُنظر إليه بوصفه فرداً متكاملاً ومستقلاً، بل بوصفه قابلاً للتجزئة والتفكيك إلى عناصر أو وحدات. 2-. «الأنطولوجيا المتمحورة حول الموضوع» (Object-Oriented Ontology): اتجاه فلسفي معاصر يدرس وجود الأشياء والموضوعات واستقلالها، ولا يحصر الوجود في علاقته بالوعي الإنساني. يرد هنا ضمن نقد دوغين للفلسفات التي يربطها بما بعد الحداثة. 3-. «التفرد التكنولوجي» (Technological Singularity): فرضية تشير إلى مرحلة قد يتجاوز فيها الذكاء الاصطناعي القدرات البشرية، ويصبح قادراً على تطوير نفسه بصورة متسارعة، بما قد يؤدي إلى تحولات يصعب التنبؤ بنتائجها. 4-. «الورقة الذهبية»: الأصل الروسي يستخدم تعبيراً يقابل «السهم الذهبي» (Golden Share)، وهو تعبير يُستخدم للدلالة على امتلاك سلطة حاسمة أو حق نقض في قرارات مؤسسة ما. وقد ورد هنا مجازاً لوصف أدوات النفوذ الأمريكية التي تمنح ترامب قدرة كبيرة على التأثير في مسار الحرب.
#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
جيفري ساكس - الحلّ الذي يقف أمام أعين إسرائيل
-
ألكسندر دوغين - إسرائيل على ساعة هرمجدون*
-
ألكسندر دوغين - من هدنة الديزل إلى الذكاء الإصطناعي (برنامج
...
-
من وعد بلفور إلى غزة: بريطانيا ومسؤوليتها عن المأساة الفلسطي
...
-
من وعد بلفور إلى مؤتمر إيفيان: اليهود اللاجئون، وفلسطين، وتش
...
-
من وعد بلفور إلى مؤتمر إيفيان: اليهود اللاجئون، وفلسطين، وتش
...
-
من وعد بلفور إلى مؤتمر إيفيان: اللاجئون اليهود، وفلسطين، وتش
...
-
من وعد بلفور إلى مؤتمر إيفيان: اليهود اللاجئون، وفلسطين، وتش
...
-
من وعد بلفور إلى مؤتمر إيفيان: اليهود اللاجئون، وفلسطين، وتش
...
-
من وعد بلفور إلى مؤتمر إيفيان: اليهود اللاجئون، وفلسطين، وتش
...
-
من وعد بلفور إلى مؤتمر إيفيان: اليهود اللاجئون، وفلسطين، وتش
...
-
من وعد بلفور إلى مؤتمر إيفيان: اللاجئون اليهود، وفلسطين، وتش
...
-
ما هي إسرائيل؟ المؤرخ الذي فتح السؤال المحظور
-
إيران والولايات المتحدة والخليج العربي: لماذا لا يضمن التصعي
...
-
ترامب نقل العدوى إلى نتنياهو... ودوغين في قفص الإتهام ...ويس
...
-
ويستمر الهذيان: ترامب نقل العدوى إلى نتنياهو... ودوغين في قف
...
-
جيفري ساكس يطرح مبادرة للسلام في أوكرانيا: هل يمكن إنهاء الح
...
-
ألكسندر دوغين - من رسالة المعلّم إلى معركة التعددية القطبية
...
-
جون ميرشايمر - السبب الحقيقي لهجوم حماس على اسرائيل في 7 أكت
...
-
الصين وأمن الخليج العربي: نفوذ متصاعد بلا ضمانات دفاعية
المزيد.....
-
تجاوز سياج السجن وسرق شاحنة.. القبض على قاتل مدان بعد 9 أيام
...
-
-الحرب سبب خسارتنا-.. أول تعليق من فانس على نتائج انتخابات ا
...
-
وزير خارجية ألمانيا: الروس والاتحاد السوفيتي وآخرون حررونا م
...
-
ترامب يدرس إقالة وزير الحرب هيغسيث على وقع الهزيمة في الانتخ
...
-
الجيش الإسرائيلي: لن نسمح لحزب الله بإعادة تأهيل نفسه وأي مح
...
-
موسكو ترفض أي قيود على حق استخدام الفيتو في مجلس الأمن
-
جونسون ينسحب من قيادة الجمهوريين في مجلس النواب بعد الخسارة
...
-
أوروبا تواجه هجمات سيبرانية تستهدف الغذاء..هل هي مقدمة لحربٍ
...
-
الانتخابات الأميركية ترسم مشهدًا جديدًا بأغلبية ديمقراطية..
...
-
بعد فوز الديمقراطيين بالكونغرس الأمريكي.. المعارضة الإسرائيل
...
المزيد.....
-
حين يصيح الولاء اقوى من الحقيقة
/ حسين محمود صالح
-
ضحايا صدام حسين
/ صباح يوسف ابراهيم
-
الزمن المقلوب
/ رائد الجحافي
-
عيوب الذكاء الاصطناعي
/ رائد الجحافي
-
عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي
/ رائد الجحافي
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
المزيد.....
|