|
|
كيمياء الوحل للشاعر طاهر عرابي وبرفقة نخبة من أساتذة النقد
فاطمة الفلاحي
(Fatima Alfalahi)
الحوار المتمدن-العدد: 8879 - 2026 / 11 / 4 - 12:02
المحور:
الادب والفن
في البدء، كانت الكلمة تبحث عن سيميائها الأولى.. ومن رحم الرماد والصلصال، تنبثق القصيدة لتعيد تشكيل الوجود في مختبر الدهشة. نلتقي اليوم في حضرة "كيمياء الوحل" للشاعر القدير طاهر عرابي؛ العنوان الذي يحمل في طياته مفارقة الوجود الكبرى، حيث يتجاور الأدنى بالأعلى، ويتحول التراب بالرؤيا الشاعرية إلى تبرٍ خالص. إنها رحلة في سبر أغوار الذات الإنسانية وصراعاتها، حيث لا يعود الوحل مجرد مادة أرضية، بل يصبح رحمًا للتحولات وصياغة الأسئلة الكونية الكبرى. ولأن النص الإبداعي لا يكتمل إلا بمرآة القراءة المتبصرة، يسعدنا أن نرافق في هذه الجولة الإبداعية نخبة من أساتذة النقد والفكر، الذين أضاؤوا عتمة النص بمصابيح رؤاهم، ونفخوا في طياته من روح التأويل. نقف إجلالاً وتأملًا أمام القراءات النقدية الرصينة التي جاد بها كل من: الأستاذة فاطمة الفلاحي الدكتور عاشور مرواني الدكتور حسين عبدالله الراشد الشاعرة ليلى فاروق لم تقف هذه الرحلة عند حدود التفكيك والتحليل، بل توّجتها تعقيبات باذخة جاءت محملة بفيض من العمق الفلسفي، والتكثيف الشاعري الأنيق. تعقيبات لم تكن مجرد صدى للنص، بل كانت نصًا مرافقًا يختزل المسافات بين القارئ والمكتوب، ويعيد إنتاج الوعي بالقصيدة في قالب من التجريد البصري والوجداني. نترككم الآن مع هذه المائدة الفكرية الباذخة، حيث يمتزج النقد بالشعر، وتتحول "كيمياء الوحل" إلى ذهب خالص في محراب الكلمة الساحرة..
- كيمياء الوحل – - بقلم: طاهر عرابي
كيمياء الوحل بركةٌ من وحلٍ لزج، أصفرُ مرتعبٌ من نفسه، يتمدّد مترنّحًا ويطلق فقاعات هواء، كأنها أنفاسُ سجينٍ أفلت عاريًا. مع كلّ فقاعة يرتجف الوحل، يخشى الشمس أن تكسّره إلى أشكالٍ هندسية، وتذروه غبارًا لا يعترف به أحد. حتى أرجلُ البطّ البريّ تُفزعه، والغبار فناءٌ لا رجعة منه؛ ولو جاء الطوفان، فلن يجمعه. الوحل لا يتذكّر كيف تفاعل المطر مع أملاح الأرض؛ مَن غلب قوامه؟ ومن انهزم فأنتج الخوف؟ المطر يوقظ أملاح الأرض، ويترك للكيمياء أن تقول كلمتها… ثم يتبخّر، تاركًا البركة حزينة، بلا فراشات ولا ضفادع. تعاطفتُ مع المأساة؛ التقطتُ عصًا وتحسّستُ الوحل بحذر: «ربّما تعثّر نبعٌ هنا، فصار بركةً تنتظر موعدًا آخر للبهجة». خطوتُ أفتّش عن نبعٍ خان النهر، لكنّ نساء الشياطين سبقنني؛ قفزن إلى الوحل وتعرّين من أحمالهنّ الأزليّة: البؤس، والشقاء، وكراهية الغاضبين. سبحن كأنهنّ في ماءٍ صافٍ، وأنا مقيّدٌ حتى الركبة في كيمياء الوحل. نسيتُ النهر، وتبدّدت رؤيتي؛ صرتُ عملاقًا في الوحل، أحمقَ مبتهجًا، والبركة الصفراء تضع قناعها على وجهي. أنا مقيّدٌ بحريّتي. رقصوا حولي بأجسادٍ شفّافة، بلا ندوب، لا ينفرون من رائحة الوحل الأصفر. قلتُ: أمسكوني لأراكم. ضحكوا: «لو أمسكناك لعاد النبع وغرقنا». كانوا سعداء، يطلون نهودهم بملح الأرض، ويستهزئون بوجودي. حينها جاء الندم: كيف أشارك الشياطين بهجة الوحل؟ تمنّيتُ شمسًا تُبخّره، أو مطرًا يُغرقه، لكنّ الشمس هربت، واشتدّ المطر، وغصتُ في الوحل. صرختُ: أين خوفكم؟ فضحكوا: «الخوف ظلّ، لا يُرى ولا يُمسك، لكنّه يلبسك حتى العظم». اتّسعت البركة، وهبطت شياطين جديدة، صنعوا عرسًا، ووضعوا كرسيًّا، وزوّجوني من الخوف. والمطر يهطل، والوحل يمتدّ؛ لا أعرف: أأنتظر أن يجفّ، أم أخشى أن ينتهي؟
----
• القراءة الأولى: قراءة أدبية فلسفية في النص السريالي " كيمياء الوحل" بقلم فاطمة الفلاحي
- قصيدة تضج بالرمزية والسريالية، وتعبّر ببراعة عن صراع وجودي ونفسي يعكس الغوص في مستنقع الخوف، والذنب، وفقدان الهوية. يستعير النص مفاهيم من "الكيمياء" والبيئة الفيزيائية للوحل ليعيد إسقاطها على الطبيعة البشرية وتحولاتها النفسية. ولو تفحصنا الرؤية الجمالية والفلسفية لهذه القصيدة عبر المحاور المذكورة في أدناه، وهي كما يلي: 1. كيمياء الوحل: التفاعل الحتمي والخوف الأولي يبدأ شاعرنا طاهر بتصوير الوحل ليس كمادة جامدة، بل ككائن حي "مرتعب من نفسه"، يطلق فقاعات كأنها أنفاس سجين. هذا الوحل هو نتاج تفاعل كيميائي حتمي بين "المطر" (الذي يمثل المحفز الخارجي أو الوعي المفاجئ) و"أملاح الأرض" (التي تمثل الغرائز، أو الخطايا الثابتة، أو الذاكرة السحيقة). - عقدة الفناء المادي: يرتجف الوحل خوفًا من الشمس؛ لأن الشمس ستحوّله إلى "أشكال هندسية" (جمود وتنظيم ينهي سيولته وحريته العشوائية)، وتذروه غباراً يفقد فيه هويته تماماً. الغبار هنا هو الفناء الذي لا يمكن لـ "الطوفان" نفسه أن يعيد تجميعه. 2. رحلة الشاعر: من التعاطف والإنقاذ إلى الغرق يدخل الوعي الإنساني (الشاعر) إلى المشهد كعنصر "مصلح" في البداية. يلتقط عصا، يتحسس الوحل بحذر، ويمارس نوعًا من الأمل الزائف: «ربما تعثر نبع هنا..». هو يبحث عن النهر (الحقيقة، أو النقاء، أو الأصل)، لكن هذا الحذر والتعاطف سرعان ما يتحولان إلى شرك؛ لأن الدخول إلى أرض "الوحل" يعني الخضوع لقوانينه الكيميائية والفيزيائية. 3. نساء الشياطين: التحرر اللامعقول في المستنقع يحدث التحول الكبير مع ظهور "نساء الشياطين". إنهن يقفزن إلى الوحل ويتعرين من أحمالهن الأزليّة (البؤس، الشقاء، الكراهية). المفارقة هنا هي التبادل الطباقي للراحة: الشياطين يجدن في الوحل ماءً صافيًا، ويتحررن فيه، ويصبحن بأجساد شفافة بلا ندوب. في المقابل، يصبح الإنسان (الشاعر) مقيدًا حد الركبة، يفقد رؤيته للنهر، ويتحول إلى "عملاق أحمق مبتهج" يرتدي قناع البركة الصفراء. 4. مفارقة الحرية والقيود الوجودية جملة «أنا مقيد بحريتي» هي ذروة المفارقة الفلسفية في النص. في عالم الوحل، التخلص من الضوابط والنقاء (الهروب من النهر) يبدو كحرية مُطلقة، لكنه في الحقيقة قيد ثقيل يربط الكائن بمستنقعه. عندما يطلب الشاعر منهن أن يمسكنه ليراهن، يأتي الرد الصادم: «لو أمسكناك لعاد النبع وغرقنا». الوعي الإنساني بالحق والنقاء (النبع) يهدد الوجود العبثي السعيد للشياطين في الوحل. 5. عرس الخوف والندم المتأخر حين يستيقظ ندم الشاعر، يحاول استدعاء الطبيعة (الشمس لتبخر الوحل أو المطر ليغرقه)، لكن الكيمياء الآن تعمل ضده. الشمس تهرب، والمطر يشتد ليزيد الوحل امتداداً وسيولة. - تجسيد الخوف: "الخوف" في القصيدة لا يظل مجرد شعور، بل يتحول إلى كيان كيميائي فيزيائي "يلبسك حتى العظم". - النهاية الكابوسية: يتسع المستنقع، ويهبط مجتمع الشياطين ليقيموا له "عرساً" ويزوجوه من الخوف.
عند مكتمل الرؤية: تنتهي القصيدة بحالة من الشلل الوجودي التام والتناقض النفسي (Ambivalence) في السطرين الأخيرين: «لا أعرف: أأنتظر أن يجفّ، أم أخشى أن ينتهي؟». لقد أصبح الشاعر جزءًا من كيمياء المكان؛ إن جف الوحل سيموت ويتحول إلى غبار تذروه الرياح، وإن بقي الوحل مستمرًا فسيظل مقيدًا في هذا الزواج الأبدي مع الخوف والشياطين. إنها لوحة قاتمة وجميلة جدًا عن الإنسان حين تبتلعه الظلمة التي حاول يومًا أن يستكشفها أو يصلحها. القصيدة غنية جدًا بالصور البصرية والحركية.
• القراءة الثانية: في تفكيكه النقدي لقراءتي، فتح الدكتور عاشور مرواني نافذة جديدة على النص، فكان ردي محاولة لاستنطاق المسافات الفاصلة بين التأويل والتأويل المعاكس؛ إذ في هذه الفجوات الفلسفية بالذات يولد المعنى الحقيقي، وتتحول القراءة إلى كينونة متجددة تنمو بالمثاقفة والجدل المعرفي الرصين.
يقول: الأستاذة الفاضلة فاطمة الفلاحي، قرأتُ تأملكِ في قصيدة «كيمياء الوحل» للشاعر طاهر عرابي، وأجد أنكِ بذلتِ جهداً تأويلياً واضحاً في تتبع مساراتها الرمزية، خصوصاً في انتقالكِ من التفاعل الكيميائي إلى التحول النفسي والوجودي، ومن صورة الوحل المادي إلى مأزق الذات التي تفقد قدرتها على التمييز بين الخلاص والغرق. ولعل أكثر ما يستوقفني في هذا النص أن الشاعر لا يكتب عن الوحل من خارجه، وإنما يكتب عن لحظة تحوّل الإنسان إلى جزء من المنظومة التي كان يظن أنه جاء لاستكشافها أو إنقاذها. لقد دخل متعاطفاً، يحمل عصاه ويتحسس الأرض بحثاً عن نبع، ثم اكتشف متأخراً أنه لم يعد قادراً على رؤية النهر أصلاً. وهنا تكمن المفارقة الأعمق: لم ينتصر الوحل على الإنسان بالقوة، بل أعاد تشكيل وعيه حتى صار الإنسان مبتهجاً داخل سجنه، واصفاً حاله بقوله: «أنا مقيّد بحريتي». وأضيف أن نساء الشياطين لا يمثلن مجرد شخصيات غرائبية، بل يجسدن انقلاباً في منظومة القيم داخل القصيدة؛ فما يراه الإنسان مستنقعاً تراه تلك الكائنات فضاءً للتحرر، وما يعتبره خلاصاً قد يكون بالنسبة إليها تهديداً لوجودها. لذلك تأتي عبارتهن: «لو أمسكناك لعاد النبع وغرقنا» لتكشف أن استعادة النبع ليست خلاصاً فردياً فحسب، بل تهديد للنظام الذي استمدت منه الشياطين حريتها. أما النهاية، فأراها تتجاوز الحيرة بين انتظار الجفاف والخوف من الانتهاء؛ إنها لحظة يدرك فيها الإنسان أنه أصبح رهينة احتمالين كلاهما مؤلم، وأنه فقد حتى القدرة على تمني الخلاص دون أن يخشى نتائجه. شكراً لكِ على هذه القراءة التي لم تغلق النص على معنى واحد، بل أسهمت في توسيع أفقه التأويلي. والشكر للشاعر طاهر عرابي الذي ترك لنا قصيدة لا تسأل فقط: كيف يتكوّن الوحل؟ بل تضعنا أمام سؤال أكثر إزعاجاً: متى يصبح الإنسان جزءاً مما كان يخشاه؟ د. مرواني عاشور بن أحمد
• خالص امتناني لقراءتكم الباذخة وفكركم المستنير، الدكتور الفاضل مرواني عاشور بن أحمد. إن قراءتكم هذه تضفي على العمل قيمة وألقًا. أفرحني تعقيبك النقدي؛ فقد تجاوزت بجهدك التأويلي حدود "التعليق" إلى ممارسة فعل القراءة المنتجة التي تضيء الزوايا المعتمة في النص، وتمنح "كيمياء الوحل" أبعادًا وجودية ونفسية أرحب. لقد وضعت يدك بدقة مذهلة على جوهر المأزق الإنساني الذي تشتبك معه القصيدة والشاعر طاهر عرابي؛ حين التفت إلى مفارقة "الذوبان في المنظومة" عوضًا عن إنقاذها، وهي لفتة نقدية ذكية تفكك اغتراب الذات حين يعيد الوحل تشكيل وعيها لتبتهج بسجنها وتحتفي بعبوديتها الطوعية. أما إضافتك الرشيقة حول "نساء الشياطين" وانقلاب القيم، فقد منحت العبارة الاقتباسية «لو أمسكناك لعاد النبع وغرقنا» ثقلًا دراميًا وفلسفيًا مغايرًا؛ إذ تحول الصراع من مأزق فردي إلى صراع وجودي بين نظامين وقيمتين متناقضتين، حيث يصبح خلاص الإنسان دمارًا للآخر، وحرية الآخر رهنًا بمسخ وعي الإنسان. تشرفتُ جدًا بمرورك النقدي الثري الذي لم يكتفِ بمقاربة القراءة، بل أعاد طرح السؤال الوجودي الأكثر إرباكًا: متى ينخرط الإنسان في صناعة مستنقعه الخاص ويصبح جزءًا مما كان يخشاه؟ كل الشكر والامتنان لعمق فكرك، وللشاعر المبدع طاهر عرابي الذي استدرجنا معاً إلى هذه المساحة التأويلية الخصبة. فاطمة الفلاحي
• ثم جاء تعقيب د. عاشور مرواني الثاني تعليقًا على ما أوردتُه في تعقيبي...
الأستاذة الفاضلة فاطمة الفلاحي، أشكركِ على هذا الرد الذي أعتز به، ليس لما حمله من تقدير لقراءتي فحسب، بل لما كشف عنه من وعي بطبيعة الفعل النقدي بوصفه حوارًا مفتوحًا مع النص، لا محاولة لفرض معنى عليه. أظن أن أجمل ما يمكن أن تمنحنا إياه القصيدة هو أن تظل قادرة على إثارة الأسئلة حتى بعد انتهاء قراءتها. و«كيمياء الوحل» فعلت ذلك بامتياز؛ لأنها لا تضعنا أمام مستنقع نراقبه من الخارج، بل تجعلنا نتساءل عن المسافة التي قد يقطعها الإنسان دون أن يشعر، حتى يفقد القدرة على التمييز بين ما يسجنه وما يمنحه شعورًا زائفًا بالانتماء. أما تأويلكِ لما يتصل بانقلاب القيم وتعارض أنظمة الوجود، فقد أضاف إلى الحوار زاوية تستحق التأمل؛ فالنقد الحقيقي لا ينتصر لقراءته بقدر ما يختبر قدرتها على التعايش مع قراءات أخرى وتوسيع أفق النص. كل الشكر لكِ، وللشاعر طاهر عرابي، على هذا النص الذي لم ينته عند حدوده، بل امتد إلى حوار فكري وجمالي أراه مكسبًا لنا جميعًا. مودتي وتقديري الصادق. د. مرواني عاشور بن أحمد
---- • القراءة الثالثة: قدّم د. حسين عبدالله الراشد قراءة ثالثة تعقيبًا على الرؤية النقدية التي طرحتُها حول قصيدة "كيمياء الوحل".
- أستاذتنا الأديبة فاطمة الفلاحي، نرحب بك في رحاب «مدارات النص»، ونقدر هذه القراءة التي تناولت القصيدة من زوايا نفسية وفلسفية ورمزية، وربطت بين تحولات المادة وتحولات الإنسان في علاقته بالخوف والحرية. وأرى أن من أهم ما تثيره قراءتك تلك المفارقة بين الشياطين التي تجد في الوحل متعتها، والمتكلم الذي يفقد قدرته على الحركة داخله. لكنني أود أن أضيف أن اختلاف موقف الطرفين من المكان لا يعني بالضرورة أن أحدهما يمتلك الحرية والآخر يفتقدها؛ فقد تكون حرية الشياطين نفسها صورة من صور التكيف مع عالم مشوه لم تعد تشعر بغرابته. أما تفسيرك للنهاية بوصفها شللا وجوديا تاما، فأجد فيه احتمالا وجيها، لكن النص يترك لنا مساحة أخرى للتأمل. فالمتكلم لا يزال يتساءل، وهذا يعني أن وعيه بالمأزق لم ينطفئ تماما. وربما يكون السؤال الأخير دليلا على استمرار الصراع داخله، لا على استسلامه النهائي. وهنا أرى ضرورة التمييز بين مصير الوحل ومصير الإنسان؛ فجفاف البركة قد يعني فناء الوحل، لكنه لا يعني بالضرورة فناء المتكلم. ولعل خوفه من النهاية يكشف عجزه عن تصور الحياة خارج الحالة التي اعتادها. شكرا لك أستاذتنا الكريمة على هذه القراءة وما قدمته من استنباطات أغنت حوارنا، وفتحت أمامنا مجالا لمزيد من التأمل في علاقة الإنسان بقيوده. د. حسين عبد الله الراشد
• "إن تعقيب حسين عبد الله الراشد لم يكن مجرد مرآة تعكس قراءتي النقدية، بل كان موشورًا فكك الضوء الكامن في النص؛ فوددت أن أعيد نظم تلك الأشعة في أفق معرفي مشترك، لكن " مدارات النص" قد أغلقت أبواب التعقبات .. فلم أتمكن من تأكيد وجهة نظري بأن النقد ليس نقطة وصول، بل هو حوارٌ سرمدي وتلاقحٌ لا ينتهي بين رؤيةٍ ورؤية.
----
• القراءة الرابعة: بقلم الشاعرة الرقيقة ليلى فاروق أهلا وسهلا أختي الغالية الدكتورة فاطمة سعداء بحضورك ومشاركتك الثرية. أعجبني في قراءتك الربط بين الرمز والتحول النفسي والوجودي، وتوقفك عند مفارقة الحرية والقيود، وصولا إلى النهاية التي تترك الإنسان معلقا بين الخلاص والخوف منه. وقد لفتني قولك إن الشاعر أصبح جزءا من كيمياء المكان؛ فهنا تكمن قسوة التجربة. - وسؤالي لكِ دكتورة فاطمة: هل تعتقدين أن الشاعر أراد أن يحذرنا من الاقتراب من عوالم لا تشبهنا، أم أن الاقتراب منها ضرورة لاكتشاف ما نخفيه داخل أنفسنا؟
• العزيزة المبدعة والشاعرة الرقيقة ليلى فاروق، أشرقت القراءة بمروركِ البهي، وتفردتِ حين أسرجتِ من مشكاة بصيرتكِ النور في مضايق النص وأغواره، فما كان لتلك القراءة العميقة، وذلك الأثر الواعي النبيل، إلا أن يكونا الغيث النادر الذي يهب الكلمة فضاءً من السنا.. أما عن سؤالكِ الجوهري الذي يمس عصب التجربة الإنسانية والإبداعية.. • هل تعتقدين أن الشاعر أراد أن يحذرنا من الاقتراب من عوالم لا تشبهنا، أم أن الاقتراب منها ضرورة لاكتشاف ما نخفيه داخل أنفسنا؟
شاعرتنا الراقية ليلى فاروق العزيزة في النقد الأدبي والقراءات الفلسفية للشعر، لا يقف النص الإبداعي عادةً عند إجابة واحدة قاطعة، بل يتأرجح بين التحذير والضرورة الاستكشافية بناءً على الزاوية التي ننظر منها إلى التجربة الشعرية. إذا أردنا تفكيك هذين البُعدين، نجد أن كليهما يمثل وجهًا لحقيقة إنسانية عميقة: - الاقتراب كتحذير (حماية الذات): يميل هذا الاتجاه إلى رؤية "العوالم التي لا تشبهنا" كمصدر للتهديد، أو التيه، أو فقدان الهوية. في كثير من القصائد، يرمز الاغتراب أو الدخول في عوالم غريبة إلى المخاطرة التي قد تؤدي بالمرء إلى خسارة نقائه الداخلي أو الاصطدام بواقع قاسٍ لا يرحم براءته. هنا، يكون الشاعر بمثابة المرشد الذي يرفع علامات التحذير لحمايتنا من السقوط في فخاخ الغربة الروحية. - الاقتراب كضرورة (اكتشاف الذات): في المقابل، يرى جانب آخر من القراءات أن الإنسان لا يمكنه معرفة حدود نفسه، وقوتها، ومخاوفها الدفينة إلا من خلال "المرآة المغايرة". العوالم التي لا تشبهنا تضعنا في اختبارات حقيقية، وتجبرنا على مواجهة الجوانب المظلمة أو المخفية في دواخلنا والتي كانت ستظل نائمة في بيئتنا الآمنة والمعتادة. رأيي في هذا التوازن: إذا سألتني أي الاتجاهين أقرب لروح الشعر، فإنني أرى أن الاقتراب من العوالم المغايرة هو ضرورة معرفية ونفسية لا غنى عنها، حتى وإن حمل في طياته خطر التحذير. الشاعر في نهاية المطاف ليس واعظًا يطالبنا بالبقاء في مناطق راحتنا، بل هو مستكشف يغوص في المجهول. التحذير الذي قد نلمسه في أبياته ليس دعوة للانعزال، بل هو دعوة لليقظة؛ الشاعر يريدنا أن نقترب من تلك العوالم لنكتشف أنفسنا، ولكن بوعي يحمينا من الذوبان فيها أو فقدان بوصلتنا الداخلية. والاختلاف بالرأي لا يفسد للود قضية
#فاطمة_الفلاحي (هاشتاغ)
Fatima_Alfalahi#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
دهشة النص وعتب الكاتب
-
القيامة المرجئة: مدوّنة الطين والرماد * بقلم فاطمة الفلاحي م
...
-
عيد، الزاباي وشفاه، عازف الليل نصوص الشاعرة فاطمة الفلاحي بص
...
-
عزلة الملح والصولجان بقلم: فاطمة الفلاحي مع قراءتين نقدية بق
...
-
مرآة المحو الخالص مع قراءة نقدية بقلم الدكتور الناقد عادل جو
...
-
قراءة أدبية في نصوص الهايكو- الجزء الثاني للشاعرة فاطمة الفل
...
-
فن التوقيعة للشاعرة فاطمة الفلاحي مع قراءة أدبية بقلم الدكتو
...
-
طيف حزين في صوت جيلان مع قراة أدبية بقلم فاطمة الفلاحي
-
نجاة مؤجلة بقلم فاطمة الفلاحي مع قراءة أدبية بقلم الدكتور عا
...
-
الأم، الظل الظليل- قصائد هايكو بقلم الشاعرة فاطمة الفلاحي مع
...
-
صدفة عبور - قصيدة روحية صوفية في فناء الذات مع قراءة بقلم ال
...
-
أدب السجون - قصائد هايكو للشاعرة فاطمة الفلاحي والقراءة الأد
...
-
ملجأ من عظام وريح وقراءة نقدية بقلم فاطمة الفلاحي
-
قراءة نقدية فلسفية في القصة القصيرة بعنوان -ثماني ساعات- للق
...
-
قراءة في هايكو (أعودُ إليّ) لنص الشاعرة فاطمه الفلاحي بقلم س
...
-
أُمُّ جَبّار لا تَرمي شيئًا..!!!
-
قراءة أدبية نقدية في قصيدة -مَن أنا؟ - للشاعرة ماري العميري
...
-
قراءة صوفية وتأملية في نص الأديب الصوفي ابراهيم عثمان بقلم ف
...
-
قراءتان أدبية لنصين -مفتاح الصول- و -الساعة الآن- للشاعرة فا
...
-
قراءة أدبية في قصائد الهايكو – الساعة الآن – للشاعرة فاطمة ا
...
المزيد.....
-
توتر أمني في الحسكة عقب محاولة ملثمين فض احتجاجات طلابية تطا
...
-
تحولات تاريخية في خريطة التمثيل السياسي الأمريكي وصعود لافت
...
-
السيسي يستقبل بطلة -تحدي القراءة العربي- ويمنحها نوط الامتيا
...
-
إيمري بيلوز أوغلو يتولى القيادة الفنية لفناربخشه قبيل مواجهة
...
-
اللوفر يعرض 300 صورة تكشف خفاياه ومحطات من تاريخه
-
-وجوه الفيوم-.. آثار من التاريخ المصري تنبض بالحياة في معرض
...
-
سوابق تاريخية في الانتخابات النصفية الأميركية تحولات تاريخي
...
-
ما هي قصة فيلم the odyssey: رحلة أوديسيوس في عمل نولان
-
مهرجان دهوك السينمائي.. تظاهرة مميزة في إقليم كردستان
-
الأديب حامد ياسين يوضح خلفيات مقطع الفيديو المؤثر وتحديات ال
...
المزيد.....
-
الدومري لا يطفئ عينيه
/ د. خالد زغريت
-
رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي
/ محمد الفقي
-
الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رواية البركان - حميد الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رأيت وردة الدبلان
/ د. خالد زغريت
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
المزيد.....
|