أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محيي الدين ابراهيم - لماذا -محمد تيمور-؟















المزيد.....

لماذا -محمد تيمور-؟


محيي الدين ابراهيم

الحوار المتمدن-العدد: 8879 - 2026 / 11 / 4 - 04:48
المحور: الادب والفن
    


ليست قيمة المبدع دائمًا فيما يتركه من أعمال، ولا في عدد السنوات التي أتيح له أن يعيشها، بل ربما تكمن قيمته الحقيقية في تلك المسافة التي استطاع أن يقطعها بين ما كان قائمًا وما كان ينبغي أن يكون. فهناك من يعيشون داخل زمنهم، يتأقلمون مع شروطه ويكررون أشكاله، وهناك من يعبرون هذا الزمن سريعًا، لكنهم يتركون فيه علامة لا تمحوها قلة السنوات ولا يطمسها غياب الجسد. ومن هذه الزاوية تحديدًا يمكننا أن نقترب من محمد تيمور، لا باعتباره مجرد اسم في سجل رواد المسرح المصري، وإنما بوصفه أحد الذين أدركوا أن تأسيس فن وطني لا يبدأ من تقليد الآخرين، بل من اكتشاف الذات، وأن المسرح لن يكون مرآة حقيقية للمجتمع ما لم يتعلم أولًا كيف ينظر إلى الإنسان الذي يقف أمامه.
لقد قطع المسرح المصري في بداياته طريقًا طويلًا اعتمد فيه على جهود الفنانين والكتاب الوافدين من بلاد الشام، وعلى النصوص المترجمة والمعربة والمقتبسة، وهي مرحلة لا يمكن إنكار فضلها في تعريف الجمهور المصري بهذا الفن الجديد، وفي وضع اللبنات الأولى لحركته. غير أن الفن، مثل أي كائن حي، لا يستطيع أن يظل مستندًا إلى تجارب الآخرين إلى الأبد؛ إذ تأتي لحظة يصبح فيها مطالبًا باكتشاف صوته الخاص، وتلك كانت اللحظة التي أخذ فيها جيل من المثقفين المصريين يقترب من خشبة المسرح باعتبارها مساحة للتعبير عن المجتمع، لا مجرد مكان لاستعراض الحكايات المستوردة.
في هذا السياق يبرز محمد تيمور إلى جانب جورج أبيض وعبد الرحمن رشدي وعزيز عيد وسليمان نجيب وغيرهم، بوصفه واحدًا من أبناء مرحلة أخذت تنقل المسرح من مجرد ممارسة فنية وافدة إلى مشروع ثقافي له ملامحه المحلية. لكن ما يميز تيمور أنه لم يكتفِ بالمشاركة في هذه الحركة، بل حاول أن يحدد لها اتجاهًا فكريًا وجماليًا، وأن يربط بين الكتابة المسرحية والواقع المصري، وبين اللغة التي يتحدث بها الناس والحياة التي يعيشونها فعلًا.
ولد محمد تيمور سنة 1892 في أسرة ثرية عريقة في حب الأدب والثقافة، هي أسرة كان الأدب فيها جزءًا من الحياة اليومية، لا زينة اجتماعية عابرة. فقد كان والده أحمد تيمور من المهتمين بالتراث والرواية الشعبية، وعمته عائشة التيمورية من الأسماء البارزة في الشعر والأدب، وشقيقه الأصغر محمود تيمور سيصبح لاحقًا واحدًا من أبرز أعلام القصة العربية. وفي مثل هذا المناخ لم يكن غريبًا أن ينفتح وعي الصبي مبكرًا على عوالم اللغة والحكاية والإبداع.
حفظ محمد تيمور معلقة امرئ القيس وهو في الثامنة من عمره، وبدأ محاولاته الشعرية في العاشرة، ثم انصرف إلى قراءة المتنبي والمعري وأبي نواس، محاولًا محاكاة أشعارهم في الوزن والقافية، حتى امتلك معرفة جيدة بعلم العروض، وترك ديوانًا صغيرًا يضم محاولات شعرية تكشف عن استعداد مبكر كان يمكن أن يتطور لو امتد به العمر. ولم تكن الكتابة بالنسبة إليه حبيسة الشعر، فقد نشر مقالاته في عدد من الصحف، منها "المؤيد" و"السفور" و"المنبر" و"الأخبار"، بل أنشأ مع أشقائه جريدة منزلية تولى تحريرها بنفسه.
لكن المسرح كان ينتظره في مكان آخر.
لقد انجذب إلى التمثيل منذ سنوات شبابه الأولى، وأخذ يتردد على المسارح متأملًا العروض ومتابعًا أداء الممثلين، وأعجب على وجه الخصوص بمسرح سلامة حجازي. ولم يكتفِ بالمشاهدة، بل أسس فرقة تمثيلية صغيرة من أفراد أسرته، تولى فيها التأليف والتمثيل، وكأن المسرح كان قد اختاره قبل أن يقرر هو الانتماء إليه.
وفي سنة 1911 أرسلته أسرته إلى برلين لدراسة الطب، لكنه لم يمكث فيها أكثر من شهرين، ثم انتقل إلى فرنسا لدراسة القانون، غير أن الدراسة لم تستطع أن تستحوذ على اهتمامه. كان ثمة شيء آخر يشده بقوة أكبر: المسرح والأدب. وفي باريس وجد نفسه أمام تجارب فنية مختلفة، فكان يحضر العروض، ويتابع الحركة المسرحية، ويقارن بينها وبين ما يجري في مصر.
ومن رسائله إلى شقيقه محمود نلمح أن اهتمامه لم يكن مجرد افتتان بشيء جديد يراه في أوروبا، بل كان مشغولًا بسؤال أكثر عمقًا: لماذا لا يمتلك المسرح المصري تقاليده الخاصة؟ ولماذا يظل أسير الترجمة والاقتباس بينما يملك المجتمع المصري تاريخًا وثقافة وحياة يومية تصلح لأن تكون مادة أصيلة للإبداع؟
لقد لفت انتباهه، في إحدى مشاهداته المسرحية بباريس، احترام الجمهور للعرض وصمته وانضباطه، وقارن ذلك بما كان يراه من ضجيج وتدخين وحديث داخل قاعات المسرح المصري. وقد تبدو هذه الملاحظة تفصيلًا عابرًا، لكنها تكشف عن وعي مبكر بأن النهضة المسرحية ليست مسؤولية المؤلف والممثل وحدهما؛ إنها علاقة ثقافية متكاملة بين النص والعرض والجمهور، ولا يمكن للفن أن يرتقي إذا ظل المتلقي يتعامل معه باعتباره مناسبة للترفيه الاجتماعي لا تجربة تستحق الانتباه والاحترام.
وعندما اندلعت الحرب العالمية الأولى سنة 1914، تعذر عليه العودة إلى باريس، فانخرط بصورة أوسع في الحياة المسرحية المصرية، وانضم إلى جمعية أنصار التمثيل التي أسسها محمد عبد الرحيم، وشارك في أعمالها، كما ظهر في حفلات النادي الأهلي من خلال مونولوجات تمثيلية كان يؤدي فيها أدوار شخصيات متعددة، مستعينًا بتغيير الصوت والحركة والانفعال.
كانت تلك بدايات شاب يبحث عن أدواته، ولم تكن أعماله الأولى قد بلغت النضج الذي سيصل إليه لاحقًا. فقد غلبت عليها النزعة الرومانسية والأخلاقية، وظهرت فيها موضوعات مألوفة عن الجريمة والندم والعقاب والفضيلة، كما في مقطوعته "القاتل وطيف المقتول". ومع ذلك، فإن هذه المحاولات تكشف عن اهتمام مبكر بالمسؤولية الأخلاقية للإنسان، وعن ميل إلى تحويل الفكرة المجردة إلى موقف درامي يتحرك أمام الجمهور.
ثم انتقل إلى تمثيل المسرحيات الكاملة، فشارك في "الممثل دافيد جرك" و"هاملت"، وعمل على نقل "تيمون الأثيني" لشكسبير بالاشتراك مع أحد أصدقائه، وإن لم ترَ هذه المحاولة النور فوق خشبة المسرح. كما شارك في "عزة بنت الخليفة" لإبراهيم رمزي، وقدم دور سيف الدين، وحقق نجاحًا ملحوظًا في عروضها، ثم شارك في مسرحية "العرائس".
غير أن مسيرته التمثيلية اصطدمت بصراع بين شغفه الفني ورغبة والده في إبعاده عن هذه المهنة. وانتهى الأمر بتعيينه أمينًا للسلطان حسين كامل في السراي، فابتعد فترة عن خشبة المسرح، لكنه لم يبتعد عن التفكير فيه. وربما كانت هذه المسافة بين الممارسة والتأمل هي التي دفعت به إلى أحد أهم أدواره في تاريخ المسرح المصري: دور الناقد الذي لا يكتفي بالحكم على الأعمال، وإنما يبحث عن الشروط التي تجعل المسرح فنًا حقيقيًا.
لقد رأى تيمور أن أزمة المسرح المصري لم تكن في نقص المواهب وحده، بل في اختلال العلاقة بين النص والجمهور والفرقة المسرحية. فالفرق تتسابق إلى تقديم النصوص المترجمة التي قد تكون ذات قيمة أدبية، لكنها لا تجد طريقًا مباشرًا إلى وجدان الجمهور، وبعضها يجعل الربح التجاري غايته الأولى، بينما لا يزال المتلقي نفسه في حاجة إلى تربية ذائقته الفنية، وإلى اكتساب القدرة على التمييز بين العرض الجاد والفرجة العابرة.
وكان هذا الوعي وراء كتاباته النقدية التي تجاوزت أربعين مقالًا في صحف "السفور" و"المنبر" و"الأخبار". تناول فيها المؤلفين والممثلين والعروض، وناقش الموضوعات والأهداف وأساليب الترجمة والتعريب، ولم يكن نقده مجرد تسجيل للانطباعات، بل محاولة لوضع معايير فنية وأخلاقية للعمل المسرحي.
كان يطالب المؤلف بأن يختار موضوعًا مستمدًا من البيئة التي يكتب عنها، وأن يمتلك الكفاءة الأدبية التي تؤهله لبناء المسرحية فنيًا، وأن يكون الحوار متسقًا مع طبيعة الموقف، فلا تتحول المأساة إلى استعراض لفظي، ولا الكوميديا إلى سلسلة من المفاجآت المصطنعة. كما كان يرفض حشد الشخصيات والمناظر والملابس التي لا ضرورة درامية لها، لأن الفن عنده ليس تراكمًا للعناصر، وإنما قدرة على جعل كل عنصر يؤدي وظيفة داخل البناء الكلي.
ولعل هذه الرؤية تتضح أيضًا في تصوره للممثل. فقد كان يرى أن الممثل الحقيقي لا يقدم جميع الشخصيات بالطريقة نفسها، وإنما يعيد تشكيل أدواته بحسب طبيعة كل شخصية، من نبرة الصوت إلى الحركة والإشارة والانفعال. والأهم من ذلك أن يظل أمينًا للشخصية التي رسمها المؤلف، وألا يسمح لانفعالاته الخاصة بأن تطغى على منطق الدور. هنا نلمح إدراكًا مبكرًا للفارق بين الممثل الذي يستعرض ذاته والممثل الذي يذوب في التجربة الإنسانية للشخصية دون أن يفقد وعيه بأدوات مهنته.
أما دخوله ميدان التأليف المسرحي، فقد كان الامتداد الطبيعي لكل هذه الأسئلة. إذ لم يعد يكتفي بمطالبة الآخرين بكتابة المسرح المصري، بل أخذ يقدم نماذج عملية لما يدعو إليه.
في "العصفور في القفص" نقترب من عائلة مصرية تحكمها عادات قديمة وقيود اجتماعية تضيق على أبنائها، فيستيقظ وعي شاب على ضرورة التحرر من تلك القيود. ليست القضية هنا صراعًا عائليًا عابرًا، وإنما مواجهة بين جيل يريد أن يعيش وفق اختياراته وجيل يعتقد أن المحافظة على التقاليد تعني امتلاك الحق في تقرير مصائر الأبناء. وتأتي العبارة التي تلخص مغزى المسرحية كاشفة عن جوهر الصراع: إن تشديد الخناق على الأبناء قد ينتهي بطردهم عندما يحاولون ممارسة حقهم في الاختيار.
إن تيمور لا يضع الأسرة في مواجهة الحرية بوصفها خصمين مجردين، بل يكشف عن الطريقة التي يمكن أن تتحول بها العاطفة الأبوية، عندما تفقد وعيها بحق الآخر، إلى سلطة قاسية. ومن هنا تتجاوز المسرحية موضوعها العائلي إلى سؤال اجتماعي أوسع: هل نحمي أبناءنا حقًا، أم نحاول امتلاكهم باسم الحماية؟
وفي "عبد الستار أفندي" يتجه إلى تصوير عائلة فقيرة تتشابك داخلها مشكلات الزوج والزوجة والخيانة وضعف الشخصية، مستخدمًا الكوميديا الأخلاقية وسيلة للاقتراب من تناقضات الحياة اليومية. وقد كتبها في زمن كان فيه المسرح الهزلي يجذب الجمهور، لكنه حاول أن يمنح هذا اللون مضمونًا اجتماعيًا، بدلًا من الاستسلام للمشاهد الماجنة أو الأغاني التي كانت تستميل المتفرجين.
أما "الهاوية"، التي تعد من أبرز أعماله، فتتناول خطر تعاطي الكوكايين وما يترتب عليه من انهيار أخلاقي واجتماعي. لكنه لا يحصر المأساة في خطأ فردي، بل يربط انحراف الشخصية ببيئتها الأسرية وبالعلاقات التي تحيط بها. فرتيبة، مثلًا، لا تنكر مسؤوليتها عن خطئها، لكنها تكشف أيضًا عن نصيب زوجها من دفعها إلى ذلك الطريق، بسبب انشغاله بالنساء والخمر والسهر والكوكايين وإهماله لبيته وعلاقته الزوجية.
وهنا تتجلى إحدى النقاط المهمة في رؤية تيمور: السقوط الإنساني لا يحدث دائمًا بمعزل عن المجتمع، والفساد الذي يظهر في سلوك فرد قد تكون له جذور في منظومة كاملة من العلاقات المختلة. فالمسرحية لا تقدم لنا شخصيات ملائكية وأخرى شيطانية، بقدر ما تكشف عن شبكة من المسؤوليات المتبادلة، وإن ظلت محكومة بروح أخلاقية واضحة تنتهي إلى التحذير من الطريق الذي لا عودة منه.
وفي "العشرة الطيبة" ينتقل إلى شكل فني مختلف، هو الأوبرا بوف، جامعًا بين الحوار الكوميدي والغناء، بالتعاون مع بديع خيري في الأزجال والشيخ سيد درويش في الألحان. وتتناول المسرحية مظالم المماليك واستبدادهم في قالب ساخر، وهو اختيار يكشف عن أن التاريخ ليس مادة للتمجيد وحده، بل يمكن أن يصبح وسيلة لمساءلة السلطة وفضح آلياتها. وقد أثارت المسرحية ضجة عند عرضها، ولا سيما بسبب سخريتها من الأتراك في مصر.
وكانت ألحان سيد درويش الخمسة عشر أحد أبرز عناصر هذا العمل، ومن بينها اللحن الشهير الذي يصور الوصولية والتملق السياسي والاجتماعي، حيث يصبح الانحناء وسيلة للصعود، وتتحول المسايرة إلى شرط للارتقاء. وهكذا التقى النص المسرحي بالموسيقى في بناء دلالة تتجاوز الترفيه، وتكشف عن علاقة الإنسان بالسلطة والمصلحة والنفاق.
ولعل أهم ما يجمع هذه الأعمال هو أن محمد تيمور لم يبحث عن الإنسان المثالي، وإنما عن الإنسان كما يظهر داخل حياته اليومية، محاصرًا بعاداته ومصالحه وضعفه وطموحه، وبما يفرضه المجتمع عليه من قيود. ولذلك اختار العامية المصرية في مسرحياته، لأنه وجدها أكثر قدرة على نقل الحقيقة المحلية، ورأى أن لغة المسرحية ينبغي أن تتناسب مع طبيعة موضوعها؛ فالموضوع المصري المعاصر يحتاج إلى لغة تنتمي إلى الناس الذين يتحدث عنهم، بينما يمكن للموضوع الكلاسيكي أن يحتفظ بالفصحى.
ولم يكن اختياره العامية موقفًا لغويًا فحسب، بل كان اختيارًا جماليًا وثقافيًا؛ إذ أدرك أن اللغة ليست وعاءً محايدًا للأفكار، وإنما هي جزء من هوية الشخصية وبيئتها ووعيها. فحين يتحدث الإنسان فوق خشبة المسرح، ينبغي ألا نسمع صوت الكاتب متخفيًا وراء لغة لا تشبهه، بل ينبغي أن نسمع الإنسان نفسه، بتعبيراته وطريقته في التفكير والانفعال.
ومع ذلك، لم تكن تجربة تيمور بلا حدود أو نقائص. فقد اتسمت بعض حواراته بالإطالة، ولم تبلغ جميع موضوعاته درجة العمق الفلسفي أو التعقيد الدرامي الذي يجعلها قابلة للقراءة خارج زمانها بسهولة. لكن تقييم تجربته لا ينبغي أن ينفصل عن عمره القصير والمرحلة التاريخية التي عمل فيها، ولا عن طبيعة المشروع الذي كان يحاول تأسيسه. فالمهم ليس أن نطالبه بما أنجزته أجيال لاحقة، وإنما أن ندرك ما الذي أضافه إلى اللحظة التي عاشها، وما الأبواب التي فتحها أمام من جاءوا بعده.
توفي محمد تيمور في الرابع والعشرين من فبراير سنة 1921، ولم يكن قد تجاوز التاسعة والعشرين من عمره. وهذه الحقيقة تمنح تجربته قدرًا خاصًا من الأسى، لكنها لا ينبغي أن تدفعنا إلى اختزال قيمته في أسطورة المبدع الذي رحل مبكرًا. فالأهم من عمره القصير هو ذلك المشروع الذي لم تتح له الحياة فرصة استكماله. لقد كان في بدايات طريقه النقدي والتأليفي، وكانت كتاباته تشير إلى إمكانات أوسع من حدود ما أنجزه بالفعل.
لماذا محمد تيمور إذن؟
لأنه واحد من الذين فهموا أن المسرح لا يصبح مصريًا بمجرد أن يكتبه مصري، وإنما عندما يستمد مادته من حياة المصريين، ويكشف تناقضاتهم، ويقترب من أحلامهم ومخاوفهم، ويتحدث بلغتهم دون أن يتنازل عن شروط الفن. ولأنه لم يفصل بين الإبداع والنقد، بل أدرك أن الكاتب الذي يريد تطوير فنه عليه أن يمتلك شجاعة مساءلته، وأن الفنان الذي يحب المسرح لا يكتفي بالتصفيق لما يراه، بل يملك الحق في الاعتراض والكشف والمطالبة بما هو أفضل.
لقد كان محمد تيمور جزءًا من انتقال المسرح المصري من مرحلة استهلاك التجارب الوافدة إلى محاولة امتلاك تجربة وطنية مستقلة. ولم يكن ذلك استقلالًا عن العالم أو رفضًا لما يقدمه الآخرون، وإنما كان سعيًا إلى أن يكون للمجتمع المصري حضوره الخاص داخل الفن الحديث، وأن يدخل إلى خشبة المسرح لا باعتباره جمهورًا يشاهد الآخرين، بل باعتباره مادة إنسانية وثقافية قادرة على إنتاج إبداعها.
ربما لم يمهله العمر ليصبح المرحلة المستقلة التي كان يمكن أن يكونها في تاريخ المسرح المصري، لكن ذلك لا ينتقص من حقيقة أنه ساهم في تأسيس أحد أهم التحولات في مسيرته. فبعض المبدعين لا تقاس مكانتهم بما وصلوا إليه، وإنما بما جعلوا الآخرين قادرين على الوصول إليه.
وهنا تكمن قيمة محمد تيمور: لم يكن مجرد كاتب مسرحي رحل قبل أن يستكمل تجربته، بل كان عقلًا فنيًا يحاول أن يحرر المسرح من التبعية، وأن يعيد إليه صلته بالإنسان والمجتمع. وربما كان السؤال الذي بدأنا به أقل بساطة مما يبدو؛ فنحن لا نسأل فقط لماذا نستعيد محمد تيمور اليوم، بل نسأل أيضًا: كم من الأصوات الإبداعية التي سبقت زمانها لم يمنحها الزمن فرصة أن تقول كل ما كان لديها؟
إن استعادة محمد تيمور ليست استعادة لاسم من الماضي، وإنما استعادة للحظة كان فيها المسرح المصري يبحث عن هويته، وكان فيها شاب في مقتبل العمر يحاول أن يقنع مجتمعه بأن الفن لا يولد من تقليد الحياة، بل من امتلاك الشجاعة الكافية للنظر إليها كما هي، ثم إعادة اكتشافها فوق الخشبة.
وهذا، في جوهره، هو السبب الذي يجعل محمد تيمور جديرًا بأن نتوقف عنده من جديد.
محيي الدين إبراهيم
القاهرة في 14 ديسمبر 2019م



#محيي_الدين_ابراهيم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فلسفة الحق عند هيجل
- لماذا إدوارد سعيد؟
- فلاسفة الرواق .. زينون الكيتيومي من سؤال النجاة إلى فلسفة ال ...
- قراءة في أطروحة دانا سترول: -حرب أمريكا وإسرائيل لإعادة تشكي ...
- رحلة من الإيمان إلى الشك
- هل يعيش الكون خارج الزمن؟ .. وأين يعيش الزمن؟
- هل نعيش بالفعل داخل -ماتريكس-؟
- هل الزمن حقيقة الكون أم اللغة التي يصوغ بها الوعي وجوده؟
- حين يصبح تصميم الأزياء هو الشخصية الأهم على خشبة المسرح:
- حين يصبح الزي هو الشخصية الأهم على خشبة المسرح
- صراع حورس ضد ست الذي تحول من معركة العرش إلى ميلاد القانون:
- المسرحية الغنائية -هادستاون- على مسرح -ليريك- في لندن
- المسرح المصري في هوليوود ... حين تتحول السينما إلى ذاكرة لا ...
- لماذا سيد درويش؟
- حين بدأ الخلق من نقطة - ضرورة الخالق وأخلاقيات الإيمان:
- كيف يري الغرب توفيق الحكيم
- أخطر عشرة مسرحيات في تاريخنا المعاصر
- قراءة في الرواية القصيرة -المعجزة السرية- للكاتب الأرجنتيني ...
- من الأيديولوجيا إلى الإرث: أثر الفكر الشيوعي في تشكيل السياس ...
- الثقافة الإيرانية في سينما ومسرح بهرام بيضائي .. نماذج الوجو ...


المزيد.....




- توتر أمني في الحسكة عقب محاولة ملثمين فض احتجاجات طلابية تطا ...
- تحولات تاريخية في خريطة التمثيل السياسي الأمريكي وصعود لافت ...
- السيسي يستقبل بطلة -تحدي القراءة العربي- ويمنحها نوط الامتيا ...
- إيمري بيلوز أوغلو يتولى القيادة الفنية لفناربخشه قبيل مواجهة ...
- اللوفر يعرض 300 صورة تكشف خفاياه ومحطات من تاريخه
- -وجوه الفيوم-.. آثار من التاريخ المصري تنبض بالحياة في معرض ...
- سوابق تاريخية في الانتخابات النصفية الأميركية تحولات تاريخي ...
- ما هي قصة فيلم the odyssey: رحلة أوديسيوس في عمل نولان
- مهرجان دهوك السينمائي.. تظاهرة مميزة في إقليم كردستان
- الأديب حامد ياسين يوضح خلفيات مقطع الفيديو المؤثر وتحديات ال ...


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محيي الدين ابراهيم - لماذا -محمد تيمور-؟