أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محيي الدين ابراهيم - فلسفة الحق عند هيجل















المزيد.....

فلسفة الحق عند هيجل


محيي الدين ابراهيم

الحوار المتمدن-العدد: 8878 - 2026 / 11 / 3 - 22:47
المحور: قضايا ثقافية
    


تعتبر «أصول فلسفة الحق» (Grundlinien der Philosophie des Rechts) للفيلسوف الألماني جورج فيلهلم فريدريش هيغل، التي نُشرت عام 1820 (بتاريخ 1821 بعنوان HEGEL S PHILOSOPHY OF RIGHT ) في 410 صفحة من القطع المتوسط، من أهم الأعمال المؤسسة في الفلسفة السياسية والقانونية والأخلاقية الحديثة.
1- فالحق عند هيغل: ليس مجرد قوانين وضعية مكتوبة، بل هو الوجود العيني (أو التجسد المادي) للإرادة الحرة.
2- المقولة الشهيرة: "كل ما هو عقلي فهو واقعي، وكل ما هو واقعי فهو عقلي"، ويعني بها هيغل أن العقل ليس مجرد فكرة مجردة، بل هو القوة المحركة لتطور التاريخ والمؤسسات البشرية.
3- المنهج الجدلي (الديالكتيك): يتطور الحق عبر صراع وتجاوز المتناقضات (أطروحة - نقيض أطروحة - تركيب) وصولاً إلى الوعي الكامل بالحرية.
ومن منظور هيجل أن الحق ليس مجرد امتياز يمنحه القانون للإنسان، ولا مجموعة من القواعد التي تنظم علاقته بالآخرين، ولا حتى حدودًا فاصلة بين ما يجوز وما لا يجوز. فخلف هذه التعريفات المباشرة يقف سؤال أكثر عمقًا: ما الذي يجعل الإنسان مستحقًا للحق أصلًا؟ وهل تكمن قيمة الحق في حماية الفرد من الآخرين، أم في تمكينه من أن يصبح إنسانًا حرًّا، قادرًا على إدراك ذاته وتحقيق وجوده داخل العالم؟ هنا تحديدًا يبدأ المدخل الحقيقي إلى فلسفة جورج فيلهلم فريدريش هيجل، الذي لم ينظر إلى الحق باعتباره بناءً قانونيًا مستقلًا عن الإنسان، وإنما بوصفه التعبير الموضوعي عن الحرية الإنسانية، وتجسيدًا لها في التاريخ والمجتمع ومؤسسات الحياة.
في كتابه "أصول فلسفة الحق"، يضع هيجل الحرية في أساس البناء الفلسفي للحق، ويربطها بمفهوم الروح، وهو ارتباط قد يبدو لأول وهلة بعيدًا عن التصورات القانونية والسياسية المعاصرة، لكنه يحمل تصورًا مختلفًا جذريًا للإنسان. فالحق عنده لا ينفصل عن العدالة، والعدالة لا تقتصر على حماية الممتلكات والمصالح، بل تمتد إلى طبيعة السلوك الإنساني وشروط الحياة المشتركة. ومن ثم فإن كلمة الحق (Recht) لا تعني فقط الحقوق التي يمتلكها الفرد، بل تتضمن أيضًا معنى الصواب، وما ينبغي أن يكون عليه الفعل الإنساني أخلاقيًا. بهذا المعنى، يعيد هيجل وصل ما فصلته بعض التصورات الحديثة بين الحق القانوني والواجب الأخلاقي، وبين حرية الفرد ونظام المجتمع.
لكن لماذا يجعل هيجل الحرية أصلًا للحق؟ لأن الإنسان، في تصوره، لا يولد حرًا بالمعنى المكتمل، وإن كان يمتلك القدرة على الحرية. فالإرادة الحرة تبدأ بوصفها إمكانية، ولا تصبح حقيقة إلا عندما تجد لنفسها وجودًا ملموسًا في العالم. إن مجرد أن أقول إنني حر لا يجعلني كذلك، كما أن امتلاكي القدرة على الاختيار لا يعني أنني أمتلك بالضرورة معرفة ما أختاره، أو لماذا أختاره، أو ما إذا كانت اختياراتي تعبر فعلًا عن إرادتي. فالحرية ليست مجرد حالة نفسية أو شعور داخلي بالاستقلال، وإنما قدرة على تشكيل الوجود وفقًا للعقل، بحيث يصبح العالم الذي أعيش فيه تعبيرًا عن إرادتي، لا مجرد واقع مفروض عليّ.
ومن هنا يميز هيجل بين الإرادة في بعدها الكلي المجرد، وبين إرادتها حين تتخذ شكلًا خاصًا ومحددًا، ثم حين تستطيع أن تحقق الوحدة بين الكلي والخاص والفردي. فالإنسان يستطيع أن يتصور ذاته متحررة من كل صفاتها المادية والاجتماعية، ومن جنسيته ومهنته ومصالحه وعلاقاته، وأن يختزل وجوده في مجرد "أنا" مستقلة عن كل تحديد. غير أن هذه الحرية، على الرغم من ضرورتها، تظل حرية مجردة، لأنها لا تجد شيئًا تمارسه فيه أو تحققه من خلاله. وحين تحاول هذه الإرادة أن تلغي كل القيود والاختلافات، فإنها قد تنتهي إلى تدمير العالم الذي يفترض أن يمنحها وجودها.
وهنا يستحضر هيجل الثورة الفرنسية بوصفها مثالًا تاريخيًا كاشفًا لهذه المفارقة. فقد رفعت الثورة شعار الحرية والمساواة الشاملتين، لكن تحويل هذه المبادئ المجردة إلى واقع اجتماعي يفرض بالضرورة وجود مؤسسات وأدوار وعلاقات ومواقع مختلفة. وعندما رفضت الإرادة الثورية هذه التمايزات لمجرد أنها قيود على المساواة المطلقة، أصبحت مهددة بتدمير كل وجود محدد لا يتفق مع تصورها المجرد للحرية. وهكذا تكشف التجربة أن الحرية التي تريد التخلص من كل تحديد قد تنقلب إلى نقيضها؛ لأنها لا تترك للإنسان عالمًا يستطيع أن يمارس فيه حريته.
إن الإنسان لا يستطيع أن يعيش خارج التحديد، لكنه ليس مضطرًا إلى أن يصبح أسيرًا له. وهذه هي إحدى أكثر أفكار هيجل عمقًا: الحرية الحقيقية ليست غياب كل قيد، وإنما أن يكون الإنسان مع نفسه في الآخرية؛ أي أن يجد ذاته في شيء يبدو خارجًا عنه، دون أن يفقد استقلاله. فالإنسان يحقق جانبًا من حريته في الحب والصداقة، وفي علاقته بالآخرين، لأنه لا يشعر بالضرورة أن وجود الآخر انتقاص من وجوده، بل قد يكتشف من خلاله ذاته بصورة لم يكن يستطيع بلوغها في العزلة. إن التحديد هنا لا يلغي الحرية، بل يصبح وسيلتها إلى التحقق.
ومن هذا المنظور لا يختزل هيجل الحرية في حرية الاختيار. فالاختيار ضرورة، لكنه ليس معيارًا كافيًا للحرية؛ إذ قد يختار الإنسان ما تمليه عليه رغبات لم يفكر فيها، أو مخاوف لم يتحرر منها، أو عادات ورثها دون أن يختبر حقيقتها. لذلك تصبح تربية الإرادة وتهذيب الرغبات، أو ما يسميه هيجل Bildung، جزءًا أساسيًا من تكوين الإنسان الحر. وليس المقصود قمع العواطف أو إخضاع الإنسان لسلطة عقلية غريبة عنه، وإنما الوصول إلى علاقة أكثر نضجًا بين العقل والرغبة، بحيث لا يبقى الإنسان منقادًا لكل ما يريده في لحظة عابرة، بل يصبح قادرًا على إدراك ما يستحق أن يريده، وما يتوافق مع تصوره الأعمق للحياة.
وعلى هذا الأساس يبني هيجل فلسفة الحق عبر ثلاث لحظات مترابطة: الحق المجرد، والأخلاق، والحياة الأخلاقية. فالحق المجرد يبدأ من الاعتراف بالإنسان بوصفه شخصًا يمتلك إرادة مستقلة، ويضع مبدأ أساسيًا مؤداه أن يكون الإنسان شخصًا وأن يحترم الآخرين باعتبارهم أشخاصًا. ومن هنا تنشأ الملكية باعتبارها مجالًا تتجسد فيه الإرادة الحرة؛ فالإنسان حين يمتلك شيئًا يمنحه وجوده وإرادته صورة مادية خارج ذاته، ويصبح قادرًا على التعامل مع العالم باعتباره عالمًا يمكنه أن يشارك في تشكيله.
لكن الملكية لا تكتسب معناها الكامل بمجرد إعلان الفرد أنه صاحب الشيء، وإنما تحتاج إلى اعتراف الآخرين بها. وهنا تظهر أهمية العقد، الذي ينقل العلاقة من الإرادة المنفردة إلى الاعتراف المتبادل، ويتيح للأفراد تبادل الممتلكات والحقوق دون أن يفقد أي منهم شخصيته القانونية. غير أن الحقوق قد تتعارض، وقد يتعرض الإنسان للاعتداء والاحتيال والجريمة؛ ولذلك يصبح القانون والعقاب وسيلتين لحماية الحق واستعادة الاعتراف به. ومع ذلك، لا يرى هيجل أن الحق المجرد يكفي وحده لتحقيق الحرية، لأن القانون يستطيع تنظيم العلاقات الخارجية، لكنه لا يستطيع بمفرده أن يمنح الإنسان وعيًا أخلاقيًا بما يفعله.
وهنا ننتقل إلى المجال الثاني، وهو الأخلاق، حيث لا يعود السؤال متعلقًا بالفعل وحده، وإنما بالغاية والنية والمسؤولية والضمير. فالإنسان لا يُحكم عليه فقط من خلال النتيجة التي انتهى إليها فعله، بل من خلال قصده وما كان يعرفه وما يستطيع تحمل مسؤوليته عنه. ومع ذلك، لا يمكن فصل النية تمامًا عن النتائج؛ فحسن القصد لا يمحو بالضرورة مسؤولية الإنسان عن الأضرار التي ترتبت على أفعاله. كما أن السعادة حق للفرد، لكنها ليست غاية يستطيع تحقيقها بمعزل عن الآخرين؛ إذ ينبغي أن يجد سعادته في علاقة لا تهدم سعادة غيره.
غير أن هيجل يكتشف نقصًا آخر في الأخلاق حين تصبح قائمة على الواجب المجرد أو الضمير الفردي وحدهما. فالواجب، في ذاته، قد يتحول إلى صيغة فارغة لا تقدم معيارًا كافيًا لتحديد ما ينبغي فعله في المواقف المتعارضة. وهنا يناقش هيجل التصور الكانطي الذي يجعل إمكان تعميم الفعل واختبار عدم تناقضه معيارًا أخلاقيًا، ويرى أن هذا المعيار لا يكفي من دون مضمون اجتماعي وتاريخي محدد. فالضمير أيضًا، على الرغم من أهميته باعتباره قدرة الفرد على الحكم، قد يتحول إلى سلطة ذاتية مغلقة، يدّعي صاحبها امتلاك الحقيقة لمجرد أنه يشعر بأنه على صواب. وهكذا يمكن أن يصبح الضمير مدخلًا إلى الخير، كما يمكن أن يصبح ستارًا للشر حين تنفصل الذات عن كل معيار يتجاوزها.
من هنا يصل هيجل إلى اللحظة الثالثة والأكثر اكتمالًا في فلسفة الحق، وهي الحياة الأخلاقية (Sittlichkeit)، التي تتجاوز التعارض بين القانون الخارجي والضمير الداخلي، وتمنح الحرية مجالًا اجتماعيًا ملموسًا. وتتجسد هذه الحياة في الأسرة والمجتمع المدني والدولة. فالأسرة تمثل أول أشكال الوحدة الإنسانية التي يكتشف فيها الفرد ذاته من خلال علاقته بالآخرين، لا باعتباره كيانًا منعزلًا، وإنما عضوًا في رابطة تقوم على المحبة والمسؤولية المتبادلة. ومع ذلك، لا تستطيع الأسرة أن تكون المجال النهائي للحرية، لأن وظيفتها الأساسية تشمل إعداد أفراد مستقلين قادرين على الانتقال إلى العالم الأوسع.
في المجتمع المدني يدخل الإنسان مجال المصالح والعمل والإنتاج والتبادل، ويصبح تحقيق رغباته مرتبطًا بإشباع احتياجات الآخرين. فالفرد الذي يعمل من أجل مصلحته الخاصة يسهم، من حيث لا يقصد بالضرورة، في تلبية احتياجات المجتمع. وهنا تظهر أهمية تقسيم العمل والروابط المهنية والمؤسسات التي تنظم الحياة الاقتصادية والاجتماعية. كما يولي هيجل أهمية للقضاء والشرطة والروابط المهنية، باعتبارها وسائل تحمي الأفراد وممتلكاتهم، وتمنحهم القدرة على المشاركة في حياة مشتركة تتجاوز حدود الأسرة ومصالحها المباشرة.
لكن المجتمع المدني، على الرغم من أهميته، يظل مجالًا تتعارض فيه المصالح الخاصة، ولا يستطيع وحده ضمان المصلحة العامة. لذلك تأتي الدولة باعتبارها التعبير الأوسع عن الوحدة الاجتماعية، والوجود الذي تتكامل داخله حقوق الأسرة والمجتمع المدني. غير أن تصور هيجل للدولة لا ينبغي اختزاله في صورة السلطة التي تفرض إرادتها على الأفراد؛ فهو يمنحها أهمية لأنها، من حيث المبدأ، تتيح للفرد أن يدرك أن حريته ليست منفصلة عن حرية الجماعة التي ينتمي إليها.
ومع ذلك، ينبغي ألا نغفل أن الدولة الهيجلية تحمل تصورات سياسية تنتمي إلى سياقها التاريخي، ولا تتطابق مع الديمقراطية الحديثة. فهو يتحدث عن سلطات تشريعية وتنفيذية وملكية، ويمنح الملك دورًا محوريًا في التعبير عن وحدة الدولة وإقرار قراراتها، كما لا يجعل التصويت السياسي حقًا فرديًا مباشرًا بالمعنى المعاصر، بل يرتبط بالهيئات والروابط الاجتماعية. ولذلك فإن تقدير فلسفته لا يعني التسليم بكل تصوراتها المؤسسية، وإنما يتطلب التمييز بين عمق نظريته في الحرية وبين حدود النموذج السياسي الذي دافع عنه.
وهنا يبرز الاعتراض الأكثر حساسية في فلسفته: إذا كانت الدولة تمثل تجسيدًا للحرية، فمن يضمن ألا تتحول إلى سلطة تبتلع الفرد باسم المصلحة العامة؟ لقد أثار هذا السؤال إشعيا برلين في تمييزه بين الحرية السلبية والحرية الإيجابية. فالحرية السلبية تعني مساحة عدم التدخل في حياة الإنسان، بينما تعني الحرية الإيجابية قدرة الفرد على حكم نفسه وتوجيه حياته وفقًا لما يراه تعبيرًا عن ذاته الحقيقية. ويرى برلين أن الخطر يبدأ عندما تدّعي سلطة سياسية أو جماعة ما أنها تعرف حقيقة الإنسان أكثر منه، ثم تفرض عليه نمطًا معينًا من الحياة باسم تحريره.
لكن تشارلز تايلور يعترض على اختزال الحرية في غياب التدخل؛ فالإنسان قد يكون بعيدًا عن الإكراه الخارجي، لكنه يظل أسير الخوف أو الرغبات غير الواعية أو التصورات الخاطئة عن مصلحته. ومن ثم فإن الحرية تحتاج إلى معرفة الذات والقدرة على التمييز بين الرغبات التي تستحق أن نعيش وفقًا لها وتلك التي ينبغي مراجعتها وتجاوزها. وهنا يقترب تايلور من هيجل، لأن الحرية لا تتحقق بمجرد أن نفعل ما نشاء، وإنما حين نمتلك فهمًا أعمق لما نريد ولماذا نريده.
ومن المهم أن هذا التصور لا يبرر الشمولية بالضرورة. فالاعتراف بأن الإنسان قد يخطئ في فهم ذاته لا يمنح الآخرين حق فرض تصورهم عليه. كما أن بناء مجتمع عقلاني لا يعني افتراض مجتمع خالٍ من الصراعات والتناقضات. فالعقلانية عند هيجل ليست إلغاء الاختلاف، بل القدرة على فهمه واستيعاب تناقضاته والبحث عن صيغة أوسع تسمح للأطراف المتعارضة بأن تجد مكانًا داخل وحدة أكثر اكتمالًا. وبقدر ما تنتهك الدولة حريات أفرادها، أو تحرمهم من المشاركة في تقرير حياتهم، فإنها تقوّض الأساس الذي تستمد منه مشروعيتها.
لكننا نصل هنا إلى الفكرة الأكثر إثارة في فلسفة هيجل للحق، وهي أن حق الروح يتجاوز حق الدولة ذاتها. فالدولة، مهما بلغت درجة تنظيمها، تظل كيانًا تاريخيًا محدودًا، لا تستطيع أن تدّعي أنها التعبير الأخير عن الحرية أو أنها بلغت المصالحة النهائية بين الإنسان والعالم. أما الروح فهي عملية أوسع من كل تجسد سياسي واجتماعي بعينه؛ إنها حركة الوعي الذي ينفصل عن ذاته، ويواجه ما يبدو غريبًا عنه، ثم يعود إلى فهم نفسه من خلال هذا الاختلاف. بهذا المعنى، لا تكون الروح كيانًا غريبًا يقف خارج التاريخ ويحركه من عالم آخر، وإنما تتجلى في حركة التاريخ نفسه، وفي قدرة الإنسان والجماعة الإنسانية على اكتشاف ذاتيهما وإعادة تشكيل عالمهما.
إن الفكر الهيجلي لا يرى الحقيقة شيئًا جامدًا يُعثر عليه مرة واحدة، بل عملية تتكشف من خلال التمايز والصراع والتجاوز. فالبداية المجردة تفسح المجال للاختلاف، والاختلاف يكشف حدود البداية، ثم تنشأ وحدة أوسع لا تلغي اللحظات السابقة، بل تستوعبها وتمنحها معنى جديدًا. لذلك لا توجد نقطة نهائية يسكن عندها التاريخ في سلام مطلق، ولا حرية مكتملة يمكن اختزالها في مؤسسة أو دولة أو نظام سياسي. إن كل تجسيد تاريخي للحرية يظل محدودًا، وتظل الروح متجاوزة له، لا بوصفها قوة خارجية، وإنما باعتبارها إمكان الإنسان الدائم لتوسيع معرفته بذاته وبالعالم.
ولعل القيمة المعاصرة لهذه الفكرة تكمن في أنها تجعل الحق مسألة تتجاوز حدود الدولة القومية ومصالحها المنفصلة. فإذا كانت حرية الفرد تتحقق عبر علاقاته بالآخرين، وإذا كانت الدولة نفسها لا تمثل النهاية الأخيرة للحق، فإن الأفق الأكثر اتساعًا يصبح بناء رابطة إنسانية بين الأمم، ومجتمع مدني عالمي، وربما نظام عالمي يستطيع أن يمنح الحرية مضمونًا يتجاوز الانتماءات الضيقة. وهذا أفق تصوغه القراءة الفلسفية المعاصرة للفكر الهيجلي، لا وصفًا لنظام سياسي تحقق بالفعل، ولا دعوة إلى سلطة عالمية تستبد بالأفراد. ويظل نجاحه مرهونًا بقدرته على تأسيس حياة أخلاقية مشتركة، تقوم على الاعتراف المتبادل والحوار والمعرفة والوعي بالإنسان بوصفه كائنًا لا تنتهي حريته عند حدود هويته الخاصة.
في النهاية، لا تكمن أهمية هيجل في أنه قدم تعريفًا نهائيًا للحق، وإنما في أنه نقل السؤال من حدود ما يمتلكه الإنسان إلى شروط ما يستطيع أن يكونه. فالحق عنده ليس سياجًا يحمي الفرد فحسب، بل هو المجال الذي تتعلم فيه الإرادة أن تكون حرة، وأن تدرك أن وجودها لا ينفصل عن وجود الآخرين. والحرية ليست عزلة مكتفية بذاتها، كما أن الجماعة ليست ذريعة لإلغاء الفرد. إنهما لحظتان لا تكتمل إحداهما إلا بالأخرى، بشرط ألا يتحول الانتماء إلى عبودية، وألا يتحول الاستقلال إلى عزلة.
وهكذا يعيد هيجل إلينا سؤالًا لا يزال مفتوحًا أمام الفلسفة والسياسة والإنسانية: كيف نبني عالمًا لا يضطر فيه الإنسان إلى الاختيار بين حريته وانتمائه، بين حقه الفردي ومسؤوليته تجاه الآخرين؟ ربما تكون الإجابة التي تتركها فلسفته لنا أن الحق لا يبلغ حقيقته حين ينتصر طرف على آخر، بل حين يصبح الاختلاف نفسه شرطًا لإمكان الحرية. فالإنسان لا يصبح حرًا عندما يتخلص من العالم، وإنما عندما يستطيع أن يرى ذاته فيه، وأن يجد في وجود الآخرين امتدادًا لإنسانيته، لا تهديدًا لها.
محيي الدين إبراهيم
القاهرة في 12 يوليو 2019م



#محيي_الدين_ابراهيم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لماذا إدوارد سعيد؟
- فلاسفة الرواق .. زينون الكيتيومي من سؤال النجاة إلى فلسفة ال ...
- قراءة في أطروحة دانا سترول: -حرب أمريكا وإسرائيل لإعادة تشكي ...
- رحلة من الإيمان إلى الشك
- هل يعيش الكون خارج الزمن؟ .. وأين يعيش الزمن؟
- هل نعيش بالفعل داخل -ماتريكس-؟
- هل الزمن حقيقة الكون أم اللغة التي يصوغ بها الوعي وجوده؟
- حين يصبح تصميم الأزياء هو الشخصية الأهم على خشبة المسرح:
- حين يصبح الزي هو الشخصية الأهم على خشبة المسرح
- صراع حورس ضد ست الذي تحول من معركة العرش إلى ميلاد القانون:
- المسرحية الغنائية -هادستاون- على مسرح -ليريك- في لندن
- المسرح المصري في هوليوود ... حين تتحول السينما إلى ذاكرة لا ...
- لماذا سيد درويش؟
- حين بدأ الخلق من نقطة - ضرورة الخالق وأخلاقيات الإيمان:
- كيف يري الغرب توفيق الحكيم
- أخطر عشرة مسرحيات في تاريخنا المعاصر
- قراءة في الرواية القصيرة -المعجزة السرية- للكاتب الأرجنتيني ...
- من الأيديولوجيا إلى الإرث: أثر الفكر الشيوعي في تشكيل السياس ...
- الثقافة الإيرانية في سينما ومسرح بهرام بيضائي .. نماذج الوجو ...
- ميني دراما -حكمت المحكمة حضورياً-


المزيد.....




- -يضع مصالحه الشخصية أولاً-.. استطلاع لـCNN يرصد أسباب -الاست ...
- معركة الكونغرس.. رهانات الداخل والخارج
- لبنان.. مصير التعليم بعد حرب إسرائيل
- فاغنكنخت لميرتس: دعم سخي لأوكرانيا وإهمال لا محدود للداخل ا ...
- اشتباكات وطلقات نارية قرب كييف.. الأمن الأوكراني يكشف ما ورا ...
- محكمة برتغالية تتيح استمرار خيام محتجي أزمة السكن في ساحة رو ...
- تهديدات بوجود قنابل على متن سبع طائرات وسفينة متجهة إلى إسرا ...
- ترامب: الجيش الأمريكي شن ضربات أمريكية جديدة على أهداف إيران ...
- بعد ضربات أميركية على إيران هل ردت طهران بقصف دبي وحاملة طائ ...
- -ما وراء الخبر- يناقش أبعاد التصعيد الإسرائيلي في غزة


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محيي الدين ابراهيم - فلسفة الحق عند هيجل