أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - أحمد رباص - دروس أساسية في الماركسية-اللينينية-الماوية (الفصل الحادي والثلاثون) * ترجمة وتقديم أحمد رباص















المزيد.....

دروس أساسية في الماركسية-اللينينية-الماوية (الفصل الحادي والثلاثون) * ترجمة وتقديم أحمد رباص


أحمد رباص
كاتب

(Ahmed Rabass)


الحوار المتمدن-العدد: 8878 - 2026 / 11 / 3 - 00:49
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


الفصل 31
الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى
كانت الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى بمثابة رد الماركسية على العقبات وأعمال التخريب التي واجهت عملية البناء الاشتراكي، والتي افتعلها التحريفيون وأنصار الطريق الرأسمالي. فبعد صعود التحريفية في الاتحاد السوفيتي على وجه الخصوص، أدرك ماو أن أحد أكبر المخاطر التي تهدد بعودة الرأسمالية ينبع من داخل الحزب نفسه. وخلال "النقاش الكبير"، وبينما كان يصارع التحريفية، سعى ماو لإيجاد إجابة على سؤال جوهري: كيف يمكن منع عودة الرأسمالية؟ وفي الوقت ذاته، كان منخرطاً بعمق في الصراع ضد "الخروتشوفيين" الصينيين، أمثال ليو شاوتشي ودنغ شياو بينغ. وهكذا، وفي ختام "النقاش الكبير" - من خلال الوثيقة الأخيرة للحزب الشيوعي الصيني التي حملت عنوان "شيوعية خروتشوف الزائفة والدروس التاريخية التي تقدمها للعالم" - سلط ماو الضوء على نقاط محددة تتعلق بمسألة منع استعادة الرأسمالية.
لقد شدد ماو، أولاً وقبل كل شيء، على ضرورة مواصلة الصراع الطبقي طوال مرحلة المجتمع الاشتراكي، وحتى النهاية. وأوضح أن مجرد تغيير ملكية وسائل الإنتاج - أي الثورة الاشتراكية على الصعيد الاقتصادي - لا يكفي بحد ذاته. وأكد على الحاجة إلى ثورة اشتراكية شاملة وعميقة على الجبهتين السياسية والأيديولوجية لترسيخ الثورة، مشدداً على أن هذه الثورة يجب أن تستمر في ظل دكتاتورية البروليتاريا. كما أكد ماو مراراً وتكراراً أنه من أجل إنجاز هذه الثورة بنجاح، كان من الضروري التمسك بـ "خط الجماهير"، وتعبئة الجماهير بجرأة، وإطلاق حركات جماهيرية واسعة النطاق. ولتحقيق ذلك، كان ينبغي على الحزب الاعتماد على الجماهير الشعبية - التي تشكل 95% من السكان - وكسبها والاتحاد معها في نضال مشترك ضد أعداء الاشتراكية. وشدد ماو أيضاً على ضرورة "شنّ حملات واسعة النطاق للتربية الاشتراكية، وبشكل متكرر، في المدن والأرياف". وفي سياق هذه الجهود المستمرة لتوعية الناس، أكد ماو مجدداً على ضرورة تنظيم القوى الطبقية الثورية و"خوض نضال قوي ضد القوى المناهضة للاشتراكية، والقوى الرأسمالية والإقطاعية". وهكذا، كان ماو يدرك بوضوح أن المشاركة الواسعة للجماهير تُعد شرطاً أساسياً لا غنى عنه لمنع عودة الرأسمالية. وقد نبع هذا الإدراك من تجربة ماو المباشرة؛ إذ عاين بنفسه كيف تسلل التحريفيون إلى قيادة الحزب، مشكّلين بذلك العناصر الرئيسية التي سعت إلى استعادة النظام الرأسمالي.
ومع ذلك، كانت هناك مقاومة قوية داخل الحزب الشيوعي الصيني - على أعلى المستويات - قادها ليو شاوتشي ضد تطبيق هذه النظريات والبرنامج العملي الذي اقترحه ماو. وهكذا، ورغم أن "الثورة الثقافية الاشتراكية" قد أُقرت رسميًا في الجلسة العامة العاشرة للجنة المركزية الثامنة عام 1962، إلا أن تنفيذها جاء منقوصًا وفي اتجاهٍ مناقضٍ للنهج الذي رسمه ماو. في الواقع، بدأت بيروقراطية الحزب - التي كانت تحت سيطرة ليو - في انتقاد ماو بسبب الخطوات التي كان يسعى لاتخاذها، كما عارضت الإجراءات المتخذة ضد أولئك الذين انتهجوا "الطريق الرأسمالي"، أمثال بينغ دهواي. وقد وجهوا هذه الانتقادات عبر مقالات في الصحافة، ومن خلال المسرحيات وغيرها من الأنشطة الثقافية التي كانت تخضع لسيطرتهم. بلغت هيمنتهم حدًا جعل ماو عاجزًا حتى عن نشر مقالٍ يدافع عنه في صحافة بكين. وفي نهاية المطاف، نُشر مقالٌ يدافع عن ماو وسياساته في نوفمبر 1965 عبر صحافة شنغهاي، وهي مركزٌ كان أكثر راديكالية بكثير من بكين. وهذا ما أسماه ماو لاحقًا "الإشارة" لانطلاق "الثورة الثقافية الكبرى"، التي بدأت بتوجيه النقد لبيروقراطية الحزب ودعم نهج ماو في وسائل الإعلام والمجال الثقافي. كما طُرِحت مطالب بضرورة قيام المسؤولين الرئيسيين عن هذه الأخطاء بـ "النقد الذاتي". ومع ذلك، بذلت بيروقراطية الحزب قصارى جهدها للحيلولة دون تحول هذا الحراك إلى حركةٍ جماهيرية.
كانت "مجموعة الثورة الثقافية" - التي كان من المفترض أن تطلق شرارة الثورة وتتولى توجيهها - تسعى في الواقع إلى احتواء المعارضة وتوجيه مسارها نحو قنوات أكاديمية بحتة.
وفي نهاية المطاف، أصدرت اللجنة المركزية، بقيادة ماو، منشوراً في 16 ماي 1966، قضى بحل "مجموعة الخمسة" - التي حُمِّلت مسؤولية تخريب الثورة الثقافية - وشكّلت بدلاً منها "مجموعة الثورة الثقافية" الجديدة، التي وُضعت تحت الإشراف المباشر للجنة الدائمة للمكتب السياسي. وقد دعا هذا المنشور الصادر في 16 ماي إلى انتقاد مقاومة أنصار الرأسمالية - لا سيما أولئك الموجودين داخل الحزب - والقضاء عليها. وقد أدى هذا الإجراء إلى الانطلاق الفعلي لـ "الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى"، محوّلاً إياها إلى ظاهرة جماهيرية شارك فيها الملايين.
وفي 25 ماي، عُلِّقت في جامعة بكين أول "دازيباو" (Dazibao) - وهو مصطلح يعني حرفياً "صحيفة ذات حروف كبيرة" - بهدف انتقاد نائب رئيس الجامعة والنظام التعليمي برمته. ولم تكن تلك سوى البداية؛ إذ تلتها آلاف الملصقات الضخمة التي علّقها الناس في جميع أنحاء البلاد، معبّرين فيها عن آرائهم ومنتقدين ما اعتبروه ممارسات خاطئة في المجتمع. كما اندلعت مظاهرات وحملات نقد جماهيرية استهدفت الأساتذة، وبيروقراطيي الحزب، وغيرهم، بسبب سياساتهم الخاطئة. وسرعان ما ظهرت مطالب من قِبل فئة من الطلاب بإلغاء امتحانات القبول.
في شهر يونيو، أصدرت اللجنة المركزية قراراً يقضي بتعليق قبول طلاب جدد في الكليات والجامعات لمدة ستة أشهر، وذلك لإتاحة الفرصة للطلاب والشباب للمشاركة بشكل أكمل في "الثورة الثقافية البروليتارية العظمى". غير أن هذه الفترة - التي حُدِّدت بستة أشهر - تبيّنت أنها قصيرة للغاية؛ إذ لم تُعِد الجامعات فتح أبوابها إلا بعد مرور أربع سنوات.
بدأ ماو أيضاً في المشاركة شخصياً في "الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى". ففي 17 يوليوز، شارك - إلى جانب عشرة آلاف سبّاح آخرين - في عملية سباحة في نهر يانغتسي؛ وكان ذلك فعلاً رمزياً يعبّر عن انخراطه في تيار هذه الثورة. وفي 5 غشت، وخلال اجتماع الجلسة العامة الحادية عشرة للحزب الشيوعي الصيني، أرسل ماو إشارة أكثر مباشرة؛ إذ طرح "دازيباو" (ملصقاً بخط كبير) خاصاً به، كان شعاره الرئيسي: "اقصفوا المقر العام!". وقد شكّل هذا دعوة صريحة لمهاجمة "المقر العام" للنهج الرأسمالي داخل الحزب، والذي كان يتزعمه ليو شاوتشي. وقد أعطت دعوة ماو هذه دفعة قوية جديدة لأنشطة الحركة ونضالاتها.
وفي 18 غشت، حضر ماو أول تجمّع لـ"الحرس الأحمر" في بكين، والذي ضمّ مليون عضو. وكان "الحرس الأحمر" يتألف من أعضاء آلاف المنظمات الجماهيرية التي نشأت في جميع أنحاء البلاد للمشاركة في الثورة الثقافية. وفي حين كانت هذه المنظمات تتكون في بدايتها بشكل رئيسي من الطلاب والشباب، إلا أنها توسعت مع نمو الحركة لتشمل العمال والفلاحين والموظفين الإداريين. وقد كان تجمّع 18 غشت ضمن سلسلة طويلة من التجمّعات المماثلة؛ إذ وصل عدد أفراد "الحرس الأحمر" المتواجدين في العاصمة - القادمين من مختلف أنحاء البلاد - في بعض الأوقات إلى أكثر من مليوني شخص.
وقد حددت الجلسة العامة الحادية عشرة "الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى" بوصفها "مرحلة جديدة في تطور الثورة الاشتراكية في بلادنا، وهي مرحلة أكثر عمقاً واتساعاً". صرح ماو، في خطابه الختامي أمام الجلسة العامة، قائلاً: "إن الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى هي، في جوهرها، ثورة سياسية كبرى - تجري في ظل الظروف الاشتراكية - تخوضها البروليتاريا ضد البرجوازية وكافة الطبقات المستغِلّة الأخرى. وهي تمثّل استمراراً للنضال الطويل ضد رجعيي حزب الكومينتانغ، وهو نضال قاده الحزب الشيوعي الصيني والجماهير الثورية العريضة تحت قيادته. إنها مواصلة للصراع الدائر بين البروليتاريا والبرجوازية".
وقد تبنّت الجلسة العامة الحادية عشرة ما عُرف بـ"البنود الستة عشر للثورة الثقافية". وأكدت مجدداً على ما ورد في "منشور 16 ماي"، وهو أن الهدف من الثورة الثقافية يتمثل في النفاذ إلى أعماق نفوس الناس وتغيير الإنسان ذاته. ذلك أن الأفكار والثقافة والأعراف والعادات القديمة، التي تخص الطبقات المستغِلّة، كانت لا تزال تشكّل الرأي العام، مما وفّر أرضية خصبة لعودة الرأسمالية. لذا، كان لا بد من تغيير الرؤى الذهنية وخلق قيم جديدة.
حدد الهدف الرئيسي للثورة بـ«أولئك الموجودين داخل الحزب ممن يتولون السلطة ويسلكون الطريق الرأسمالي». كما أشار إلى القوى الأساسية للثورة باعتبارها «جماهير العمال والفلاحين والجنود والمثقفين والكوادر الثورية».
كان هدف الثورة يتمثل في «محاربة أصحاب السلطة الذين يسلكون الطريق الرأسمالي، وانتقاد ونبذ "السلطات" البرجوازية الرجعية وإيديولوجيا البرجوازية وكافة الطبقات الاستغلالية الأخرى، وإحداث تغيير في مجالات التعليم والفن والأدب، وكل جوانب البنية الفوقية التي لا تتوافق مع القاعدة الاقتصادية الاشتراكية؛ وذلك بهدف تعزيز وتطوير النظام الاشتراكي». أما الشكل الأساسي للثورة، فكان يتمثل في إيقاظ مئات الملايين من الجماهير، وإتاحة المجال لهم للتعبير بحرية عن وجهات نظرهم، وكتابة الملصقات ذات الخطوط الكبيرة، وتنظيم نقاشات واسعة النطاق؛ وذلك لكشف حقيقة من يسلكون الطريق الرأسمالي وهم في سدة الحكم، وإحباط مخططاتهم الرامية إلى استعادة الرأسمالية.
لقد كان الجوهر الأساسي للثورة الثقافية يكمن في تعزيز وتطبيق «خط الجماهير» الذي وضعه ماو. ولم تكن تهدف فقط إلى القضاء على العناصر المعادية للاشتراكية، بل سعت أيضاً إلى تمكين الطبقة العاملة من «ممارسة سلطتها في كل شيء»، و«وضع السياسة في صدارة الإدارة»، وضمان أن يظل جميع من يشغلون مناصب رسمية «أفراداً من الشعب». ولتحقيق هذه الأهداف، كان لا بد من شن هجوم شامل على الإيديولوجيا البرجوازية، بحيث تشارك الجماهير في ذلك مشاركةً فعالة.
وهكذا، أوضح قرار الجلسة العامة الحادية عشرة النقاط التالية:
«في خضم الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى، تتمثل الطريقة الوحيدة في أن تحرر الجماهير نفسها بنفسها؛ ولا يجوز بأي حالٍ استخدام أي أسلوبٍ يقوم فيه الآخرون بالعمل نيابةً عنها».
"ثِقوا بالجماهير، واعتمدوا عليها، واحترموا مبادرتها. لا تخافوا. لا تخافوا من الفوضى. [...] دعوا الجماهير تثقّف نفسها في خضم هذه الحركة الثورية الكبرى، وتتعلّم التمييز بين الخير والشر، وبين الطرق الصحيحة والخاطئة لإنجاز الأمور».
ومع انخراط الجماهير بقوة في الثورة، ابتكرت شكلاً جديداً من التنظيم، ألا وهو «اللجنة الثورية». وقد استند هذا التنظيم إلى صيغة «الثلاثة في واحد»؛ إذ كان أعضاؤه - الذين يتم انتخابهم، ويمكن عزلهم، ويخضعون للمساءلة المباشرة أمام الشعب - ينتمون إلى الحزب، وجيش التحرير الشعبي، والمنظمات الجماهيرية (مثل «الحرس الأحمر» الذي بلغ عديد أفراده ثلاثين مليوناً). وقد أُنشئت هذه اللجان على كافة المستويات، بدءاً من المصانع والكومونات وصولاً إلى هيئات الحكم على المستويين الإقليمي والمحلي، وكان دورها يتمثل في توفير الرابط الذي يتيح للجماهير المشاركة المباشرة في تسيير شؤون البلاد.
وقد مكّنت هيئة السلطة هذه -ا لقائمة على مبدإ «الثلاثة في واحد» - السلطة السياسية البروليتارية من التجذّر بعمق في أوساط الجماهير. كما لعبت المشاركة المباشرة للجماهير الثورية في إدارة البلاد، وممارستها للرقابة الثورية «من القاعدة إلى القمة» على هيئات السلطة السياسية بمختلف مستوياتها، دوراً بالغ الأهمية في ضمان التزام المجموعات القيادية بـ«الخط الجماهيري». وهكذا، كان تعزيز دكتاتورية البروليتاريا هذا يمثل أيضاً أوسع وأعمق ممارسة للديمقراطية البروليتارية شهدها العالم حتى ذلك الحين.
خلال المراحل الأولى للثورة الثقافية في عامي 1966-1967، تم تحطيم "المقر البرجوازي" داخل الحزب فعلياً، وجُرِّد معظم أنصار "نهج الطريق الرأسمالي" - أمثال ليو شاوتشي ودينغ شياو بينغ وأتباعهما - من مناصبهم الحزبية، وأُجبروا على تقديم نقد ذاتي أمام الجماهير. لقد كان ذلك انتصاراً عظيماً، لم يقتصر أثره على إلهام الجماهير الصينية فحسب، بل أثار أيضاً موجة من الحماس الثوري بين الشيوعيين في جميع أنحاء العالم.
وفي خضم "النقاش الكبير"، اصطفت قوى ثورية عديدة حول الخط الثوري للحزب الشيوعي الصيني بقيادة ماو؛ ولكن خلال الثورة الثقافية بشكل خاص، ترسخت لدى هذه القوى حول العالم قناعة بأن "الماوية" هي التي يمكنها تقديم الإجابات على معضلات الثورة الاشتراكية العالمية. لقد أثبتت "الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى" أن الماركسية تمتلك رداً على مسألة "استعادة الرأسمالية". وقد أدى هذا التطور في الفكر الماركسي إلى توحيد العديد من المجموعات والأحزاب الثورية في مختلف بقاع العالم على أساس "الماركسية-اللينينية-الماوية"، وإطلاق نضالات ثورية تحت قيادتها.
ومع ذلك، حذّر ماو قائلاً: "إن الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى الحالية ليست سوى الأولى؛ إذ ستليها حتماً ثورات أخرى كثيرة في المستقبل. فمسألة من سينتصر في الثورة لا يمكن حسمها إلا على مدى فترة تاريخية طويلة". «إذا لم تُعالج الأمور على النحو الصحيح، فمن الممكن أن يحدث استعادة للنظام الرأسمالي في أي وقت في المستقبل».
فضلا عن ذلك، فقد ذكّر الحاضرين في المؤتمر التاسع للحزب عام 1969 قائلاً: «لقد حققنا انتصاراً عظيماً، لكن الطبقة المهزومة ستواصل القتال. فأفرادها لا يزالون موجودين، وهي بحد ذاتها لا تزال قائمة؛ لذا لا يمكننا الحديث عن انتصار نهائي، ليس قبل مرور عقود. يجب ألا نتخلى عن يقظتنا. فمن منظور لينيني، لا يتطلب الانتصار النهائي في بلد اشتراكي جهود البروليتاريا والجماهير الغفيرة في الداخل فحسب، بل يعتمد أيضاً على انتصار الثورة العالمية والقضاء على نظام استغلال الإنسان للإنسان على وجه الأرض، حتى تتحرر البشرية جمعاء. وبناءً عليه، فمن الخطأ الحديث باستخفاف عن الانتصار النهائي للثورة في بلادنا؛ فهذا يتنافى مع
اللينينية ولا تؤكده الوقائع ».
وقد ثبتت صحة كلمات ماو بعد فترة وجيزة. ففي عام 1971، تآمر لين بياو - الذي كان يشغل منصب نائب الرئيس، وكان قد عُيّن خليفةً لماو خلال المؤتمر التاسع للحزب الشيوعي الصيني - للاستيلاء على السلطة، وذلك من خلال محاولة اغتيال ماو وتدبير انقلاب عسكري. وقد أُحبطت هذه المؤامرة بفضل يقظة الثوريين داخل الحزب.
بعد ذلك، أُعيد الاعتبار للتحريفيين - أمثال دنغ - ووُضعوا في مناصب رفيعة داخل الحزب وجهاز الدولة. وفي المرحلة الأخيرة من الثورة الثقافية، دار صراعٌ مجدداً ضد هؤلاء "السائرين في الطريق الرأسمالي"، فتعرض دنغ للانتقاد مرة أخرى وجُرِّد من جميع مناصبه قبل أشهر قليلة من وفاة ماو في 9 سبتمبر 1976. ومع ذلك، كان لديه العديد من أتباعه في مراكز السلطة؛ وهؤلاء المرتدون هم من دبروا الانقلاب للسيطرة على الحزب وتوجيهه نحو مسار استعادة الرأسمالية، وذلك بعد فترة وجيزة جداً من وفاة ماو. وهم أنفسهم من قاموا بتخريب الثورة الثقافية وأعلنوا رسمياً عن نهايتها في عام 1976.
غير أن هذا الانقلاب وما تلاه من استعادة للرأسمالية لا ينفيان صحة الثورة الثقافية وحقيقتها؛ بل على العكس، فهي تؤكد - بطريقة ما - تعاليم ماو حول طبيعة المجتمع الاشتراكي وضرورة مواصلة الثورة في ظل دكتاتورية البروليتاريا. فالثورة الثقافية أداة علمية طُوِّرت في خضم الصراع ضد استعادة الرأسمالية، وفي سياق النضال النظري لتطوير الماركسية-اللينينية-الماوية. وقد ثبتت صحتها العلمية من خلال التجربة الثورية الصينية، كما ثبتت فعاليتها كسلاحٍ لحشد الجماهير الغفيرة في المعركة ضد خطر استعادة الرأسمالية في بلدٍ اشتراكي. ومع ذلك، وكما أكد ماو نفسه، لا يوجد سلاحٌ يمكنه ضمان النصر النهائي. وهكذا، فإن حقيقة تحقيق المدافعين عن الرأسمالية انتصاراً مؤقتاً لا تقلل بأي حال من الأحوال من الحقيقة الموضوعية المتعلقة بضرورة هذا السلاح وفعاليته في النضال من أجل البناء الاشتراكي والدفاع عن الاشتراكية.
تُعد "الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى" إحدى المساهمات الرئيسية للماركسية-اللينينية-الماوية في ترسانة البروليتاريا العالمية. وهي تمثل التطبيق العملي لأعظم مساهمة قدمها ماو للماركسية، ألا وهي: نظرية "الثورة المستمرة" في ظل دكتاتورية البروليتاريا، بهدف ترسيخ الاشتراكية، ومحاربة التحريفية المعاصرة، ومنع استعادة الرأسمالية. وتكتسب هذه الثورة أهمية لا تُقدَّر بثمن بالنسبة للبروليتاريا العالمية في عالمنا اليوم، حيث فُقدت جميع القواعد الاشتراكية نتيجة للمخططات التآمرية التي حاكتها البرجوازية من داخل الحزب الشيوعي ذاته. وبناءً عليه، فقد حان الوقت لمراجعة تعريف لينين للماركسية.
لقد أوضح لينين، عند تعريفه للماركسي، أن مجرد الإقرار بالصراع الطبقي لا يكفي ليُطلق على المرء صفة "ماركسي"؛ إذ أكد أن الماركسي الحقيقي هو فقط من يعترف بكل من الصراع الطبقي ودكتاتورية البروليتاريا. أما اليوم، فلم يعد الاعتراف بالصراع الطبقي ودكتاتورية البروليتاريا كافياً وحده لتحديد الهوية الماركسية؛ إذ ينبغي على الماركسي أيضاً أن يتبنى الفهم الأساسي لـ "الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى".
وعليه، فإن الماركسي هو من يوسّع نطاق الإقرار بالصراع الطبقي وديكتاتورية البروليتاريا، ليشمل الإقرار بالثورة المستمرة في البنية الفوقية، وذلك بهدف إنجاز الثورة العالمية وبناء المجتمع الشيوعي في أقرب وقت ممكن.
(يتبع)
نفس المرجع



#أحمد_رباص (هاشتاغ)       Ahmed_Rabass#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نصا تقديم وخاتمة كتابي القادم بعنوان -الفلسفة الألمانية بعيو ...
- التمسماني: قضية الوحدة الترابية بالمغرب تدخل منعطفا جديدا (ت ...
- دروس أساسية في الماركسية-اللينينية-الماوية (الفصل الثلاثون) ...
- ميكلوس فيتو في قراءة جزئية لنظرية الأساس عند شيلينغ
- لودفيغ فويرباخ: دين الإنسانة(ترجمة)
- دروس أساسية في الماركسية-اللينينية-الماوية الفصل (التاسع وال ...
- دونالد إبيرسيال: هابرماس والدين: ما وراء حدود العقل الخالص ( ...
- سؤال موجه إلى إمانويل كانط الذي أراد إخضاع الأخلاق للعقل
- دروس أساسية في الماركسية-اللينينية-الماوية (الفصل الثامن الع ...
- رسالة مفتوحة من عبد السلام بنعبد العالي إلى جان بول سارتر (ت ...
- دروس أساسية في الماركسية-اللينينية-الماوية (الفصل السابع وال ...
- دروس جيل دولوز حول سبينوزا
- دروس أساسية في الماركسية-اللينينية-الماوية (الفصل السادس وال ...
- دروس أساسية في الماركسية-اللينينية-الماوية (الفصل الخامس وال ...
- دروس أساسية في الماركسية-اللينينية-الماوية (الفصل الرابع وال ...
- دروس أساسية في الماركسية-اللينينية-الماوية (الفصل الثالث وال ...
- التزامات التصريح الحكومي لفاطمة الزهراء المنصوري امتداد لحمل ...
- دروس أساسية في الماركسية-اللينينية-الماوية (الفصل الثاني وال ...
- حكومة فاطمة الزهراء وسط زوبعة من الجدل حول شبهات فساد تحول ب ...
- دروس أساسية في الماركسية-اللينينية-الماوية (الفصل الحادي وال ...


المزيد.....




- وزير الدفاع السعودي يكشف ما بحثه مع هيغسيث في اتصال هاتفي
- نائب ترامب: متفائلون باتفاق مع إيران.. والخيارات العسكرية لا ...
- اكتشاف سجن سري قرب كييف يحتجز فيه عشرات الأشخاص
- في الذكرى الـ47 لمذبحة غرينزبورو.. كواليس 88 ثانية هزت أمريك ...
- ترامب: الـ30 مليار دولار على حرب إيران -مبلغ تافه- وكسبنا من ...
- مسيرات روسية تصيب 4 قاطرات في عدة مناطق أوكرانية
- آيزنكوت يتحدى ترامب ويرفض الجلوس في حكومة نتنياهو
- الجيش الروسي يضرب منشآت طاقة في ثلاث مقاطعات أوكرانية اليوم ...
- نيبال اليوم.. تصادم مروحيتين قرب قمة جبل إيفرست
- حاكم ساو باولو يتصدر حسابات الجيش البرازيلي اليوم بعد خسارة ...


المزيد.....

- من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية / غازي الصوراني
- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - أحمد رباص - دروس أساسية في الماركسية-اللينينية-الماوية (الفصل الحادي والثلاثون) * ترجمة وتقديم أحمد رباص