أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - زهير الخويلدي - في وداع جان-كلود باسيرون… عقل سوسيولوجي صارم وأنيق يغادر














المزيد.....

في وداع جان-كلود باسيرون… عقل سوسيولوجي صارم وأنيق يغادر


زهير الخويلدي

الحوار المتمدن-العدد: 8877 - 2026 / 11 / 2 - 16:15
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


في ليلة التاسع والعشرين إلى الثلاثين من تشرين الأول/أكتوبر 2026، أسلم السوسيولوجي والإبستيمولوجي الفرنسي جان-كلود باسيرون الروح عن عمر ناهز السادسة والتسعين، تاركاً وراءه إرثاً فكرياً ثقيلاً وهادئاً في آنٍ واحد. لم يكن رحيله مجرد غياب لعالم اجتماع مرموق، بل كان انطفاءً لصوت نادر جمع بين الصرامة المنهجية والحس النقدي الرفيع، وبين الوفاء لمهنة السوسيولوجيا بوصفها حرفةً فكرية لا مجرد تخصص أكاديمي. باسيرون، الذي وُلد في نيس في السادس والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر 1930، ومضى في ليل خريفي هادئ، يبقى أحد أبرز الشهود على تحول السوسيولوجيا الفرنسية من علم ناشئ إلى خطاب نقدي مؤثر في فهم آليات إعادة إنتاج اللامساواة.
ينتمي باسيرون إلى جيلٍ شكّل، إلى جانب بيير بورديو، ملامح السوسيولوجيا النقدية في فرنسا خلال ستينيات وسبعينيات القرن العشرين. بدأ مساره أكاديمياً لامعاً: خريج المدرسة العليا للأساتذة ، وأول الناجحين في مسابقة التبريز في الفلسفة عام 1958. لكنه سرعان ما غادر أفق الفلسفة الخالصة ليدخل ميدان السوسيولوجيا، منجذباً إلى القدرة التفسيرية لهذا العلم على كشف ما تخفيه البنى الاجتماعية من آليات خفية. في مركز السوسيولوجيا الأوروبية، التقت مسيرته بمسيرة بورديو، فأنتجت هذه الصحبة الفكرية أعمالاً أصبحت كلاسيكيات لا غنى عنها.
أبرز هذه الأعمال، بلا منازع، كتاب «إعادة الإنتاج» الذي صدر عام 1970 بالاشتراك مع بورديو. لم يكن الكتاب مجرد دراسة عن النظام التعليمي الفرنسي، بل كان تفكيكاً عميقاً لآليات تحويل التفاوتات الاجتماعية إلى تفاوتات «طبيعية» و«شرعية» عبر المدرسة. أظهر باسيرون وبورديو كيف أن النظام التربوي لا يعيد إنتاج المعرفة فحسب، بل يعيد إنتاج التراتبات الطبقية عبر ما أسمياه العنف الرمزي والرأسمال الثقافي. المدرسة، في تحليلهما، ليست فضاءً محايداً للارتقاء الاجتماعي، بل مؤسسة تُخفي تحت قناع الجدارة والاستحقاق عمليات انتقاء طبقي دقيقة. هذا التحليل لم يغير فقط نظرة الباحثين إلى التعليم، بل أثر تأثيراً عميقاً في السياسات التربوية والنقاشات العمومية حول العدالة المدرسية لعقود طويلة.وقبل «إعادة الإنتاج»، كان هناك «الورثة» عام 1964، الذي مهّد الطريق نظرياً وميدانياً.
كما أسهم باسيرون، مع بورديو وجان-كلود شامبوردون، في وضع أحد أهم النصوص الإبستيمولوجية في السوسيولوجيا الفرنسية: «مهنة عالم الاجتماع». هذا الكتاب لم يكن دليلاً تقنياً، بل تأملاً عميقاً في شروط إنتاج المعرفة السوسيولوجية، وفي ضرورة القطع مع الحس المشترك، وفي أهمية بناء الموضوع العلمي بعيداً عن البداهات الاجتماعية. لقد رسّخ الكتاب فكرة أن السوسيولوجيا حرفة تتطلب يقظة معرفية دائمة، وأن عالم الاجتماع ليس مجرد جامع معطيات، بل صانع مفاهيم وأدوات تفسيرية.لكن باسيرون لم يبقَ أسير ظل بورديو. بعد مرحلة التعاون الوثيق، شق طريقاً خاصاً تميز بالاهتمام المتزايد بالإبستيمولوجيا وبسوسيولوجيا الثقافة والفنون. كتابه «الاستدلال السوسيولوجي» الصادر عام 1991 يُعدّ تتويجاً لهذا المسار المستقل. فيه يعيد التفكير في طبيعة التفكير السوسيولوجي نفسه، وفي الفرق بين الاستدلال في العلوم الاجتماعية والاستدلال في العلوم الطبيعية، مؤكداً خصوصية «التفكير بالحالات» وضرورة الحذر من التعميمات المتسرعة. كان باسيرون حريصاً على أن تظل السوسيولوجيا علماً تجريبياً صارماً دون أن تفقد حساسيتها تجاه التعقيد التاريخي والثقافي للظواهر.
إلى جانب إنتاجه النظري، لعب باسيرون دوراً مؤسسياً بارزاً. أسهم في تأسيس قسم السوسيولوجيا في جامعة نانت، ودرّس في جامعة فانسين (باريس 8)، ثم أصبح مديراً للدراسات في مدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية. وكان من أبرز المهندسين لانتقال جزء من نشاط المدرسة إلى مرسيليا، حيث أسس مع زملاء له مركز «شاديك» للسوسيولوجيا والتاريخ والأنثروبولوجيا للديناميات الثقافية، وأطلق مجلة «تحقيق» التي جسدت روحه متعددة التخصصات وانفتاحه على الحوار بين العلوم الاجتماعية. لقد تميز أسلوب باسيرون الفكري بالأناقة والصرامة معاً. لم يكن يميل إلى الاستعراض البلاغي ولا إلى الشعارات الإيديولوجية. كان يكتب بلغة دقيقة، ويُفضّل البناء الحجّي المتين على الإثارة. وفي حواراته المتأخرة، وفي كتابه الأخير «مسار سوسيولوجي» الذي صدر قبل أشهر قليلة من رحيله، بدا رجلاً يتأمل مسيرته بهدوء وتواضع، دون ادعاء بطولات فكرية، مدركاً أن المعرفة السوسيولوجية تراكم جماعي أكثر مما هي إنجاز فردي.برحيل جان-كلود باسيرون، تفقد السوسيولوجيا الفرنسية أحد آخر ممثلي جيلٍ كبيرٍ أعاد تعريف العلاقة بين المعرفة العلمية والنقد الاجتماعي. لم يكن مجرد شريك لبورديو في صياغة نظرية إعادة الإنتاج، بل كان مفكراً مستقلاً أسهم في ترسيخ السوسيولوجيا بوصفها حرفةً فكرية تتطلب يقظة إبستيمولوجية دائمة. إرثه يبقى حياً في كل مرة يُطرح فيها سؤال عن دور المدرسة في إعادة إنتاج اللامساواة، أو عن شروط الاستدلال السليم في العلوم الاجتماعية، أو عن مهنة عالم الاجتماع بما هي مسؤولية معرفية وأخلاقية.في زمن يغلب فيه الضجيج على الصرامة، والتبسيط على التعقيد، يذكرنا رحيل باسيرون بأن السوسيولوجيا الحقيقية لا تزال ممكنة: سوسيولوجيا هادئة، دقيقة، وغير قابلة للاختزال في شعارات العصر. رحمة الله عليه، ولأن يظل فكره حاضراً في عقول من يؤمنون بأن فهم المجتمع يبدأ من فهم آليات إعادة إنتاجه الصامتة. لقد رحل عملاق اخر من هذا الجيل الثري فمن له القدرة الاكاديمية والكفاءة العلمية على تعويض غيابه؟
كاتب فلسفي



#زهير_الخويلدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مراجعة كتاب أبي الوليد ابن رشد الشرح الكبير لكتاب النفس لأرس ...
- مفهوم هيجل الفلسفي بين ميتافيزيقا الذاتية وحقيقة الجوهر
- بيداغوجيا فلسفية وتطبيق الفلسفة في مجال التربية والتعليم، مق ...
- تأثيرات المظاهرات والاحتجاجات في الشوارع الأوروبية على الاست ...
- فن المجابهة وتأويل الحرب عند اتيان باليبار بين العولمي والمح ...
- رؤية حفار المعرفة ميشيل فوكو للجامعة والتربية
- العقل الغربي وكمون الرغبة التدميرية ودواعي اللجوء إلى العنف ...
- في ضرورة اعتماد سياسات الحياة زمن التحولات الجذرية والأزمات ...
- الكتابة الفلسفية في المسألة الحضارية هي فعل نضالي
- مراجعة كتاب ميشيل فوكو الانهمام بالذات جمالية الوجود وجرأة ق ...
- أنطولوجيا ارسطو بين المعرفة بالمبادئ والفعل وفقا للغايات
- في شروط الفعالية التاريخية للفلسفة بين المعرفة النظرية والجد ...
- ماذا يتطلب نقل المجتمع من وضع غير سوي إلى وضع سوي؟
- ثورة الطلاب في فرنسا وتبلور فكر 68 وموقف الفلاسفة النسقيين م ...
- الفكرة الأوراسية بماهي تحول حضاري في العلاقات بين الأمم والد ...
- الاغتراب عند هيجل بوصفه وعياً بالفجوة بين العالم الواقعي وال ...
- فكرة اليسار الجديد عند آين راند
- مقاربة معاصرة حول التصور المنطقي الوضعي للحقيقة والمنظور الف ...
- أفكار وتجارب في تعليم التفلسف لليافعين في العالم
- المقاربة النفعية للمسألة الاقتصادية عند جون ستيوارت مل


المزيد.....




- فستان منحوت وتفاصيل جريئة.. كيم كارداشيان تتألق بتصميم سعودي ...
- لحظة استثنائية.. غواصة ودلفين يسبحان بتناغم في البحر الأحمر ...
- هجوم سيبراني غير مألوف.. قراصنة يعبثون بثلاجات المتاجر بأورو ...
- قاليباف: سلمنا ردًّا مقتدرًا وعقلانيًّا لواشنطن.. والكرة الآ ...
- مفكك الشفرات الأول.. كيف روّض الكندي عشوائية الحروف؟
- -النينيو-2026- تقترب من ذروة قياسية
- شاهد بالفيديو أكبر معركة روبوتية في العملية العسكرية الخاصة ...
- تحقيق إسرائيلي في تدخل قطري وفلسطيني بالانتخابات
- نيويورك تسجل وفاة أول طفل بالحصبة منذ 3 عقود
- بري ينقل تحذير روبيو إلى -حزب الله-


المزيد.....

- من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية / غازي الصوراني
- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - زهير الخويلدي - في وداع جان-كلود باسيرون… عقل سوسيولوجي صارم وأنيق يغادر