أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - ألكسندر دوغين - من هدنة الديزل إلى الذكاء الإصطناعي (برنامج إيسكالاتسيا على راديو سبوتنيك)















المزيد.....



ألكسندر دوغين - من هدنة الديزل إلى الذكاء الإصطناعي (برنامج إيسكالاتسيا على راديو سبوتنيك)


زياد الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8877 - 2026 / 11 / 2 - 14:13
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ألكسندر دوغين
فيلسوف روسي معاصر

إعداد وترجمة د. زياد الزبيدي بتصرف

2 تشرين الثاني نوفمبر 2026

دوغين يرسم ملامح المواجهة المقبلة مع الغرب

1) الجزء الأول: الديزل والحرب الكبرى والعملية العسكرية الخاصة في المجال الإنساني

▪️هدنة الديزل: مبادرة من ترامب تحركها الحسابات الإنتخابية

المذيع: سنتحدث عن «الهدنة في مجال الطاقة» بين روسيا وأوكرانيا، التي أعلن عنها ترامب، مع أنه، حتى الآن، الوحيد الذي أعلنها! فقد إستفسر صحفيو موقع «أكسيوس» من ترامب نفسه عما يقصده تحديدًا، ويبدو أن الأمر يتعلق بمنع أوكرانيا من إستهداف مصافي النفط الروسية، مقابل إمتناع روسيا عن إستهداف مصافي النفط الأوكرانية أيضًا.
لكن ثمة تفصيلًا مهمًا في الحالة الأوكرانية: لم تعد لديها، عمليًا، مصافٍ نفطية تُذكر؛ فلم يبقَ لديها سوى مصفاة واحدة تقريبًا، وحتى هذه لا تعمل بصورة طبيعية.
كيف ينبغي لنا أن ننظر إلى هذا الوضع؟ وما الذي يجري فعليًا بعد «صفقة الديزل» التي طرحها ترامب، وبعد تصريحاته الحادة التي طالب فيها بإجراء إنتخابات في أوكرانيا، معتبرًا أن زيلينسكي غير مستعد للتوصل إلى إتفاق، ولا يريد وضع حد للمواجهة، رغم أنه كان يستطيع فعل ذلك منذ زمن، أو على الأقل الموافقة على مطالبنا؟ كيف يمكننا فهم هذه المنظومة بأكملها؟

ألكسندر دوغين: ينبغي أن نفهم بوضوح لماذا قرر ترامب، في هذه اللحظة بالذات، إثارة هذه القضية والدفع بها إلى الواجهة وتسليط الضوء عليها.
السبب هو أن إنتخابات التجديد النصفي للكونغرس باتت على الأبواب، وهناك إحتمال كبير بأن يخسر الجمهوريون أغلبيتهم في مجلس النواب، وربما في مجلس الشيوخ أيضًا. وإذا حدث ذلك، فسيتحول ترامب، بالمعنى الكامل للكلمة، إلى «بطة عرجاء»؛ أي رئيس ضعيف، يجد نفسه مضطرًا إلى الإعتماد بصورة حاسمة على أغلبية ديمقراطية معارضة.
أما الديمقراطيون، فلا يبدون أي إستعداد للتهاون مع سياساته. فهم لن يكتفوا بمحاولة تقييد حركته وإحاطته بسلسلة من الإلتزامات، بل سيسعون أيضًا إلى تجريم خطواته السابقة، وربما ملاحقته شخصيًا.
إن وضع ترامب يتجه نحو مزيد من التعقيد. فقد إحتل الإرتفاع الحاد في أسعار وقود الديزل موقعًا بالغ الأهمية في المعركة الإنتخابية، إذ إرتفعت أسعاره بصورة كبيرة.
والأميركيون، بطبيعتهم، أناس عمليّون للغاية، والحرب مع إيران لا تعني شيئًا يُذكر للغالبية الساحقة منهم، بل إنهم يعارضونها. وهنا تظهر المفارقة: يحاول ترامب أن يقدم نفسه بإعتباره زعيمًا ناجحًا، ساعد إسرائيل ويخوض الحرب ضد إيران، لكن هذه القضية لا تثير اهتمام المواطن الأميركي العادي، ولا تعنيه كثيرًا.
وفوق ذلك، جاء ارتفاع أسعار الديزل ليمنح خصومه ورقة رابحة، بمن فيهم منتقدوه داخل الحزب الجمهوري نفسه. وهم يقولون له صراحة: «لقد حذرناك من التورط في الصراع مع إيران. لكنك انصعت لإسرائيل، فارتفعت أسعار الديزل إلى مستويات قياسية، وها أنت الآن تتجه نحو خسارة الانتخابات».
وهكذا، يجد ترامب، الذي يفكر بعقلية رجل الأعمال البراغماتي، أن حساباته لم تعد متوازنة: فبدلًا من تحقيق الأرباح، تتراكم الخسائر، حتى باتت تهدد بإفلاسه السياسي.
إنه يبحث، بصورة محمومة، عن وسيلة لخفض أسعار الديزل. لكن الوسائل الأخرى لا تجدي نفعًا؛ فالعامل الإيراني يقف عائقًا أمامه، وإيران تسيطر على مضيق هرمز، فيما يسيطر الحوثيون على مضيق باب المندب. وفي ظل هذه الظروف، لن تنخفض الأسعار من تلقاء نفسها، بينما يعاني السوق نقصًا حادًا في وقود الديزل.
عند هذه النقطة، يطرح ترامب حلًا ظرفيًا بامتياز: ما دامت روسيا تمتلك الديزل، فلماذا لا نتخذ خطوة نحوها، ونترك بقية القضايا لوقت لاحق، بعد الإنتخابات؟
هذا سلوك مدير يتصرف بردود الأفعال، ويتعامل مع الأزمات وفق مقتضيات اللحظة، من دون إستراتيجية بعيدة المدى.
فإذا نجح في خفض أسعار الوقود، فسيسجل ذلك إنجازًا يُحسب له. وإذا استجابت كييف لمبادرته، فسوف يعلن أنه نجح في إرساء «هدنة في مجال الطاقة». مع أن أحدًا لم يعد يراهن جديًا على قدراته في صنع السلام.
إنه يلعب على المدى القصير، ولا يفكر أبعد من ذلك.

▪️كييف تعرقل التسوية... والغرب يراهن على إضعاف ترامب

من الواضح تمامًا أن العقدة الأساسية التي تعترض أي هدنة تكمن في كييف.
فبعد قمة أنكوريدج، لم يتمكن ترامب من إخضاع زيلينسكي للضغوط، ولم ينجح في حمله على قبول الشروط المطروحة، لأن أوروبا الجماعية والديمقراطيين الأميركيين اصطفوا خلف النظام الحاكم في كييف.
لقد عطّل ذلك الجزء من الغرب، الذي يراهن على مواصلة الحرب ضدنا وإلحاق هزيمة إستراتيجية بروسيا، مبادرات ترامب ووضع العصي في عجلاتها.
وقد أوصلوا إلى زيلينسكي رسالة واضحة مفادها: «لا تقلق، لم يبقَ لترامب وقت طويل. بعد انتخابات التجديد النصفي، سنقيّد حركته ونشل قدرته على اتخاذ القرارات، ولذلك عليك أن تصمد وألا تنصاع لضغوطه».
ولو أن ترامب أظهر إرادة حازمة حقًا، لكان في وسعه فرض موقفه آنذاك أيضًا. لكن هذه القضية لم تكن، في أي وقت، على رأس أولوياته، وإن كان يميل، في قرارة نفسه، إلى تجميد الصراع، بلا شك.
فروسيا ليست العدو الرئيسي لترامب، على خلاف الاتحاد الأوروبي، والقيادة الأوروبية لحلف شمال الأطلسي، والديمقراطيين الأميركيين المعولمين.
أما خصمه الأول، فهو إيران، لأن ترامب انخرط بلا تحفظ في تنفيذ التوجهات الإسرائيلية في السياسة الخارجية. وفي الوقت نفسه، تظل الصين خصمه الإستراتيجي الرئيسي.
ويضاف إلى ذلك سعيه إلى فرض سيطرة شاملة على نصف الكرة الغربي، بما يشمل أميركا اللاتينية، وهو مسعى يحقق فيه، للأسف بالنسبة إلى شعوب أميركا اللاتينية، نجاحًا لا يمكن تجاهله.
وبما أن ترامب لا يعتبر روسيا عدوه الأول، فإن الأمر لا يشغله كثيرًا، في نهاية المطاف. لكنه، في المقابل، لا ينوي خوض معركة دفاعًا عن مصالحنا، ولا من أجل إحلال السلام. وهو يتراجع بسهولة أمام الضغوط الخارجية.
ومن هذه الزاوية، لا يمكن اعتبار ترامب حليفًا موثوقًا لروسيا، لا على المستوى الأيديولوجي، ولا السياسي، ولا حتى التكتيكي.

▪️صفقة الديزل: خطوة روسية براغماتية لا أكثر

ومع ذلك، عندما طرح ترامب صفقة الديزل، كان موقفنا صحيحًا تمامًا حين قلنا: «لا بأس، فليكن الديزل إذن، لا مشكلة لدينا».
إن استثمار الخلاف الذي نشأ بين ترامب وبقية المعسكر الغربي، وكذلك بين ترامب وكييف، خطوة منطقية تمامًا، ويمكن أن تحقق لنا مكاسب على المدى القصير.
فنحن نبيع الوقود على أي حال، وبيعه لترامب أو لأوروبا يظل خيارًا براغماتيًا سليمًا.
لكن ثمة أمورًا ينبغي أن نفهمها بوضوح تام.

•أولًا، هذه الترتيبات لن تدوم طويلًا.

فترامب، حتى لو نجحت خطته، سينسى الأمر كله بسرعة، وسيتخلى عن تفاهماته عند أول تغير في الظروف السياسية أو الاقتصادية.

•ثانيًا، ترامب لا يسيطر على كييف.

زيلينسكي يواجهه عمليًا بالتجاهل، ويوصل إليه عبر وسائل الإعلام رسالة مفادها:
«أنت لا تفهم شيئًا. أنت رئيس مؤقت، ووقتك ينفد. سنماطل لبعض الوقت إلى أن تنتهي ولايتك السياسية الفعلية، ثم يعود كل شيء إلى ما كان عليه، كما في عهد بايدن، ووفقًا لما يريده الاتحاد الأوروبي».

•ثالثًا، زيلينسكي يماطل ويرفض الدخول في مفاوضات لأنه يرى انقسامًا عميقًا داخل المعسكر الغربي.
إنه يدرك أن ترامب ليس صاحب سلطة مطلقة، وأن وجوده يمثل عاملًا مؤقتًا في المعادلة السياسية. ولذلك يراهن على مرور الوقت، وعلى احتمال عودة السياسات السابقة بعد الانتخابات.
نحن محقون في توجيه انتقادات حادة إلى زيلينسكي، وفي وصفه بالوغد وبالديكتاتور غير الشرعي. لكن ينبغي ألا ننسى أنه ليس شخصية مستقلة تمامًا في هذه المعادلة، بل هو جزء من المنظومة الغربية وأحد تعبيراتها.
فنحن لا نخوض الحرب ضده شخصيًا، وإنما نواجه الغرب الجماعي، الذي لا يمثل ترامب فيه سوى أحد مكوناته.

▪️ترامب ليس مشروعًا للتعددية القطبية ولا للسلام

إن الخط الذي يسير عليه ترامب لا يختلف كثيرًا عن توجهات بقية المعولمين. وأريد التشديد على هذه النقطة: إن الاختلاف محدود للغاية.
فترامب ليس من أنصار التعددية القطبية، ولا من أنصار السلام. وهو، بدوره، أعلن الحرب على مجموعة بريكس، ويحاول تقويض أي مراكز قوة مستقلة.
لكن ضربته الرئيسية موجهة إلى الصين، فيما يتبع في سياسة الشرق الأوسط إسرائيل بصورة عمياء تمامًا.
أما روسيا، فتحتل المرتبة السادسة أو السابعة في سلم أولوياته.
وربما كان يفضل ألا تكون روسيا موجودة أصلًا، لكن القضاء عليها ليس المهمة الأولى التي تشغله في الوقت الراهن.
ولهذا السبب، قد تتقاطع تحركاته المتقلبة والمرتبطة بالظروف، خلال فترة زمنية قصيرة جدًا، مع مصالحنا. لكن هذا التقاطع لا يعني وجود تحول استراتيجي في موقفه من روسيا.
وإذا لم يتخذ ترامب، خلال هذه الفترة القصيرة التي تشهد تدهور العلاقات بين واشنطن وكييف، خطوات جذرية، مثل قطع الاستخبارات الأميركية عن أوكرانيا أو الانسحاب الفعلي من حلف شمال الأطلسي، فإن هذه المنظومة بأكملها ستعود سريعًا إلى مسارها السابق.


2) الجزء الثاني: الرهان على ترامب وهم... وعلينا إستثمار الإنقسامات داخل الغرب

▪️هل تدفع إهانة ترامب الشخصية إلى إسقاط زيلينسكي؟

المذيع: يبرز هنا سؤال منطقي: هل يمكن للعامل الشخصي أن يتغلب على الحسابات البراغماتية؟

إن تصرفات زيلينسكي وتعليقاته اللاذعة على ترامب توحي بذلك. فهو يصف مبادرات ترامب صراحة بأنها ضعيفة، ويتعامل بوقاحة مع البيت الأبيض، متجاهلًا دعواته إلى وقف استهداف مصافي النفط الروسية. ويبدو، في ضوء ذلك، وكأن النظام الحاكم في كييف يتعمد استفزاز واشنطن ودفع الأمور نحو فضيحة سياسية.
ويرى كثير من المحللين اليوم أن مطالبة ترامب بإجراء انتخابات في أوكرانيا جاءت تحديدًا بعدما مسّ زيلينسكي كبرياءه الشخصي وجرح غروره النرجسي.
صحيح أن حسابات انتخابية تحرك ترامب على المدى القصير، مع اقتراب الانتخابات الأميركية. لكن هل يمكن لهذا الشعور بالإهانة، وما يصاحبه من استياء وانفعال، أن يتطور إلى شيء أكبر؟ هل يمكن، مثلًا، أن يتحول إلى ضغط أميركي منهجي على كييف، بهدف إزاحة زيلينسكي وإجراء انتخابات وإعادة تشكيل السلطة الأوكرانية على المدى البعيد؟

ألكسندر دوغين: يصعب الجزم بذلك، لكنني أعتقد أن هذا لن يحدث. والسبب تحديدًا هو أن الحرب الروسية الأوكرانية تحتل مرتبة ثانوية للغاية في حسابات ترامب.
إنه مستعد، بكل سرور، لأن يترك أمر هذه الحرب للأوروبيين ليتولوا التعامل معها بالكامل. لكنه يريد، في المقابل، أن يحظى بقدر معين من الاحترام.
وإذا تخلينا عن المجاملات والاعتبارات الشكلية، فعلينا أن نعترف بأننا نخوض الحرب على الأراضي الأوكرانية ضد الولايات المتحدة الأميركية تحديدًا؛ لأن حلف شمال الأطلسي، من دون الولايات المتحدة، لا يساوي شيئًا.
وبالطبع، يريد ترامب أن يطيعه الآخرون. لكنه أظهر مرارًا أن بقية المعسكر الغربي، حين تتوحد قواه المناوئة له، تستطيع بسهولة نسبية فرض موقفها عليه في الملف الأوكراني وإعادة الأمور إلى مسارها السابق.
وأعني هنا القوى التي لا تنتمي إلى معسكر ترامب، بل إلى معسكر العولميين: الاتحاد الأوروبي، وقيادة حلف شمال الأطلسي، ومارك روته، والديمقراطيون، وكذلك المحافظون الجدد داخل الحزب الجمهوري نفسه.
لقد شهدنا ذلك مرارًا، ولا يوجد ما يدعونا إلى الاعتقاد بأن ترامب سيفقد أعصابه هذه المرة، ويتخذ قرارًا نهائيًا بقطع الدعم عن كييف.
هذا الاحتمال وارد نظريًا، لكنه لا ينسجم مع استراتيجيته العامة الرامية إلى تعزيز الهيمنة الأميركية في نصف الكرة الغربي.

▪️ترامب يتصرف وفق إستراتيجية واضحة... لكنه ليس صديقًا لروسيا

ثمة قدر من الإتساق في استراتيجية ترامب، وإن كان اتساقًا تحكمه حساباته الخاصة.
فهو ثابت في دعمه لإسرائيل، وثابت أيضًا في أنه لا يعتبر روسيا عدوه الرئيسي، لا في المرتبة الأولى ولا الثانية ولا حتى الثالثة.
لكنه، في الوقت نفسه، ليس من أنصار السلام أو التعددية القطبية عن قناعة راسخة.
وفي واقع الأمر، فإن أفضل ما يمكننا قوله هو أن ترامب يكرهنا بدرجة أقل قليلًا مما يكرهنا بقية العولميين.
لكن هذا لا يعني أنه يحبنا، أو أن روسيا تحتل موقعًا متقدمًا في سلم أولوياته.
لذلك، ليس من المستبعد أن يتمكنوا بسهولة من حمله على تجاوز وقاحة زيلينسكي ونسيانها.
ترامب يهدد الآن، لكنه سبق أن صرخ في وجه زيلينسكي، وحاول مرارًا إيجاد وسيلة لإخضاعه، ثم لوّح بيده في النهاية وترك الأمور على حالها.
وإذا أردنا استشراف ما سيحدث، فمن الأفضل أن ننطلق من سلوكه السابق، الذي يرجح أن يتكرر هذه المرة أيضًا.

▪️نوافذ الفرص قصيرة... ويجب إستغلالها إلى أقصى حد

ومع ذلك، ينبغي لنا أن نستغل بالضرورة أي نافذة محدودة من الفرص تتيحها الظروف.
انظروا مثلًا: ماذا لو طلب ترامب فجأة من إيلون ماسك قطع خدمة «ستارلينك» لمدة يوم أو يومين؟
علينا أن نستغل هذه الأيام القليلة، ما دامت النافذة مفتوحة، وأن نتحرك بأقصى درجات الحسم؛ أن نكسر الجبهة، ونتقدم نحو خاركيف وأوديسا، وننفذ الضربات التي نراها مناسبة، من دون أن نلتفت إلى أي إعتبار آخر، لأن هذه الفرصة لن تدوم طويلًا.
قد يلوّح ترامب لأوكرانيا بالتهديد، فنرد نحن، كما يفعل السادة النبلاء، قائلين: «حسنًا، لن نستغل هذه الفرصة».
لكن المفترض أن نفعل العكس تمامًا: أن نوجه الضربة الأقوى في تلك اللحظة بالذات!
لا يوجد أي أساس يدعونا إلى التعويل على أن ترامب سيواصل، بصورة ثابتة ومنتظمة، اتباع السياسة التي يلوّح بها الآن تجاه أوكرانيا.
ثم إن من المرجح أن يفقد السيطرة على الكونغرس بعد انتخابات التجديد النصفي، سواء انخفضت أسعار الديزل أم لم تنخفض.
ولن يؤدي ذلك تلقائيًا إلى وقف الحرب؛ فلا توجد أدنى مؤشرات تدعو إلى توقع مثل هذه النتيجة.
فماذا سنفعل لاحقًا، عندما يزداد نفوذ الديمقراطيين، ويبدأون في شن موجات جديدة من التحركات العدائية ضدنا؟
لا ينبغي لنا أن نعوّل على وعود ترامب.
قد تحدث أمور كثيرة، ومن الضروري أن نترك لأنفسنا هامشًا من حرية الحركة والمناورة الدبلوماسية.
حتى الآن، نحن نتصرف على نحو صحيح. لكن لا ينبغي لنا أن نتخيل أن جاريد كوشنر وستيف ويتكوف سيعودان إلينا مرة أخرى، ثم يشرعان فورًا في حفر نفق أو بناء جسر عبر مضيق بيرينغ يربط ألاسكا بتشوكوتكا.
لن يحدث ذلك، تحت أي ظرف من الظروف.
أولًا، لأن ترامب لا يستطيع ببساطة أن يوقف هذه الحرب بمفرده. وثانيًا، لأنه سيصبح أضعف حتمًا بعد انتخابات التجديد النصفي.
إن الرهان على ترامب وهم. أما استثمار الانقسامات والتناقضات داخل العالم الغربي، فهو أمر ممكن، بل وضروري. وهذا ما نفعله بنجاح.
لكن ثمة أمرًا واحدًا لا بد من التشديد عليه: ينبغي لمجتمعنا أن يستعد للتصعيد، وللحرب العالمية الثالثة، ولضربات بالغة القسوة وضغوط شديدة، بدلًا من تهدئة نفسه بأوهام توحي بأن هذه الأزمة ستنتهي قريبًا وبسلام.

▪️إلى أي مدى ينبغي أن نذهب في إستثمار الإنقسام الغربي؟

المذيع: هذه نقطة مهمة. تقول إن علينا دعم هذا الإنقسام وتعزيزه، لكن إلى أي مرحلة ينبغي أن نمضي؟ وما الذي نريد تحقيقه، في أفضل الأحوال، تحديدًا؟
كيف ينبغي أن تبدو النهاية عمليًا؟ هل نتحدث عن مواجهة عسكرية أو إقتصادية مباشرة بين أوروبا والولايات المتحدة، أم عن تفكك حقيقي لحلف شمال الأطلسي، يترافق مع إلغاء المعاهدات والوثائق المؤسسة له، أم عن سيناريو آخر؟

ألكسندر دوغين: سيكون أمرًا ممتازًا أن يتحقق الأمران معًا.

نحن نريد حربًا أهلية داخل الغرب، وصراعًا حادًا بين الجمهوريين والديمقراطيين في الولايات المتحدة، ومواجهة مباشرة بين ترامب وأوروبا.
فالديمقراطيون الأميركيون يدعمون العولميين الأوروبيين تحديدًا، وهم الذين أوصلوا، في واقع الأمر، هذه القيادات إلى السلطة داخل الاتحاد الأوروبي.
ونحن نستفيد من الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل، ومن الصراع بين الولايات المتحدة وأوروبا، ومن الصراع بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي.
نريد إستثمار جميع خطوط الإنقسام داخل المعسكر الغربي، من دون إستثناء.
لقد تحدثنا مرارًا في برنامجنا عن وجود خمسة مراكز قوى رئيسية في الغرب اليوم: الولايات المتحدة، والعولميون، والبريطانيون، وأوروبا القارية، وإسرائيل.
وفي نهاية المطاف، تسعى هذه القوى جميعًا إلى الحفاظ على النظام العالمي أحادي القطبية وتعزيز هيمنته، لكنها تختلف في الوسائل التي تعتمدها، وفي ترتيب أولوياتها.
ولذلك، سيكون من المثالي أن تدخل هذه الأطراف في خلافات متبادلة، وأن تتبادل الاتهامات وتتصادم مصالحها، بل أن تنخرط في مواجهات فعلية، إن أمكن.
تخيلوا مثلًا أن يدخل ترامب في مواجهة مع الدنمارك والاتحاد الأوروبي بسبب غرينلاند، أو أن ينشب صدام بين كندا والولايات المتحدة.
سيكون ذلك، من وجهة نظرنا، سيناريو مثاليًا.
وبالطبع، فإن قدرتنا على التأثير في هذه التطورات ليست كبيرة إلى هذا الحد. لكن إذا أتيحت لنا فرصة، ولو ضئيلة، أو هامش دبلوماسي محدود يمكننا من المساعدة في دفع هذه العمليات إلى الأمام، فعلينا استغلاله.
إن مهمتنا الاستراتيجية الأساسية هي إضعاف الغرب، وتفكيك وحدته، وتمزيق بنيته، وصولًا في نهاية المطاف إلى إلحاق هزيمة استراتيجية به.

▪️الصدام المباشر قد يقود إلى حرب نووية

تكمن خطورة المواجهة المباشرة مع الغرب في أنها قد تتحول، في لحظة، إلى حرب نووية، بكل ما يترتب على ذلك من عواقب.
وسيؤدي هذا إلى انهيار ما تبقى من آليات الردع التي أرسى دعائمها نظام يالطا الدولي.
ففي الوقت الراهن، لا يزال كل شيء قائمًا أساسًا على الخوف من الأسلحة النووية، وهو الخوف الذي يمنع الانزلاق إلى دمار عالمي شامل.
ولهذا السبب، علينا استغلال كل ما يمكن استغلاله قبل الوصول إلى مرحلة المواجهة النووية المباشرة، واستنفاد جميع الفرص المتاحة لنا إلى أقصى حد.
لقد حان الوقت لكي نتخلى نهائيًا عن الأوهام القائلة إن هؤلاء «شركاؤنا»، أو إن بعضهم «جيد» وبعضهم الآخر «سيئ».
جميع هذه القوى تمثل خصومًا لنا، وإن تفاوتت درجات عدائها وعدوانيتها.
فعلى سبيل المثال، لا تمارس إسرائيل في الوقت الراهن عدوانًا مباشرًا ضد روسيا. وبالتالي، ينبغي لنا نحن أيضًا أن نضع ترتيبًا واضحًا لأولوياتنا في التعامل مع الخصوم.
إن ألدّ خصومنا وأكثرهم مباشرة وعداءً وشراسة في الوقت الراهن هم الاتحاد الأوروبي، والبريطانيون، والعولميون الأميركيون.
أما ترامب وإسرائيل، فيأتيان في مرتبة أدنى من حيث الأولوية؛ فهما خصمان لنا أيضًا، لكنهما ليسا في مقدمة خصومنا الذين ينبغي أن نركز عليهم أولًا.
وهنا تحديدًا ينبغي لنا أن نناور، وأن نتحرك بدقة متناهية بين هذه القوى المتنافسة، على أن تكون تحركاتنا استباقية ونشطة وهجومية إلى أقصى حد.

3) الجزء الثالث: الرهان على انقسام الغرب ضرورة إستراتيجية... والعالم يقترب من مرحلة أشد خطورة
▪️أولًا: الإتفاق مع واشنطن قد يعمّق الشرخ بين الولايات المتحدة وأوروبا
المذيع: هنا تتشكل صورة لافتة للإهتمام. يبدو أن إبرام روسيا أي إتفاق مع الولايات المتحدة، حتى لو كان محدودًا للغاية، يسهم بحد ذاته في توسيع الشقاق بين أوروبا وأميركا.
فهل يعني ذلك أن علينا مواصلة بذل أقصى الجهود لإبرام صفقات جديدة مع واشنطن، بهدف إبعادها تدريجيًا عن أوروبا؟ وهل ينبغي لنا أن نتخذ مثل هذه الخطوات عن وعي وقصد؟

ألكسندر دوغين: بالتأكيد. هذا صحيح تمامًا.

لكن ثمة أمرًا واحدًا ينبغي فهمه: علينا أن نمارس التمويه، لا تجاه مجتمعنا، بل تجاه الأطراف الخارجية، أي اللاعبين الدوليين الآخرين.
ما يحدث لدينا هو العكس تمامًا.
أنظروا مثلًا: ما إن يُطرح موضوع إبرام اتفاق بشأن الديزل حتى ترتفع أصوات الاحتجاج في المعسكر الوطني، وتتعالى التساؤلات: كيف يمكننا تزويد العدو بالطاقة والوقود؟
وكأن الإتحاد السوفياتي كان سيقدم النفط لهتلر عام 1942 لمجرد أن الأخير يواجه صعوبات في الحرب ضدنا! إنهم يتعاملون مع الأمر باعتباره شيئًا لا يمكن تصوره، مع أن السياقات التاريخية والجيوسياسية في الحالتين لا يمكن مقارنتها أصلًا.
وفي المقابل، يظهر الليبراليون ليلتقطوا الفكرة بحماسة، قائلين: «أخيرًا! حان الوقت للتوصل إلى تسوية. فلنرضخ لشروط ترامب، ولنقدم تنازلات على خط التماس وفي المسائل الإقليمية. ها هي نافذة الفرص التي كنا ننتظرها!».
كلا الطرفين مخطئ تمامًا.
وأنا أميل عمومًا إلى الاعتقاد بأن كثيرًا من تفاصيل السياسة الخارجية لا ينبغي أصلًا عرضها على الجمهور الداخلي.
الرئيس يؤدي عمله، وهذا أمر ممتاز. فلماذا نضع العراقيل أمامه؟
لكن هذا ما يحدث بالفعل: يعرقل عمله وطنيون لا يدركون عمق المناورة الاستراتيجية، وليبراليون يحوّلون كل تفصيل متعلق بالمفاوضات إلى دليل على استعداد البلاد للاستسلام، وهو أمر بالغ الضرر بمصالح الدولة.
وفي نهاية المطاف، نجد أنفسنا، ونحن نحاول دعم الرئيس باعتبارنا من مؤيديه المخلصين وأشخاصًا يتحملون مسؤولية جيوسياسية، مضطرين إلى الحديث علنًا عن أمور ربما لم يكن ينبغي طرحها أصلًا على الملأ.
كان الأجدر أن يُترك بوتين ليدير هذه الإستراتيجية الخارجية بهدوء، فيما ينشغل الناس بمشاهدة باليه «بحيرة البجع» أو الرسوم المتحركة. وكان ذلك، في رأيي، سيصب في مصلحة الجميع.
أما القضايا الداخلية، فمن الضروري بالتأكيد إشراك المجتمع في مناقشتها. كيف ننظم اقتصادنا؟ وكيف نطور التعليم؟ وكيف نعالج قضايا الرعاية الاجتماعية؟ في هذه المجالات، لا غنى عن المشاركة المدنية.
لكن فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، فلنُعفِ الناس أخيرًا من هذه الضغوط النفسية المستمرة، ومن القلق المتواصل بشأن قمة أنكوريدج، ورحلات كيريل دميترييف، وزيارات ويتكوف وكوشنر، وما إلى ذلك.
فليأتوا متى شاؤوا، وليذهب دميترييف إلى ميامي، ولتستمر تجارة الديزل. لكن ليس من الضروري الصراخ بكل ذلك في كل مكان، وتحويله إلى عرض إعلامي متواصل.
السياسة الخارجية ليست شأنًا يُترك للمواطن العادي كي يحكم عليه من دون أن يمتلك الصورة الكاملة. فمهما كانت نواياه حسنة، سيصل في نهاية المطاف إلى استنتاجات خاطئة بسبب نقص المعلومات.
فلنترك هذه المسائل للمحترفين والوطنيين، وللرئيس شخصيًا. ينبغي أن نمنحه حرية الحركة، لكننا نجد الوطنيين والليبراليين، كلٌّ من جانبه، يحاولون ابتزازه عاطفيًا وإعلاميًا.
فلنتخلَّ عن هذه الممارسة الخاطئة.
الرئيس يفهم الأمور جيدًا، وهو في قمة هرم الاطلاع على المعلومات، وقد فوّضناه كامل السلطات اللازمة لإدارة البلاد. فلنتركه يتولى معالجة هذه القضايا.
لكن، سيادة الرئيس، أرجو أن تُعفوا المجتمع من هذا التأرجح النفسي والعاطفي المستمر.
افعلوا ما تقتضيه مصلحة البلاد. أنتم ستتخذون القرارات الصحيحة، وستقودون البلاد إلى النصر. أما نحن، فلن نضع العراقيل أمامكم، بل سنكتفي بتقديم الدعم.

▪️ثانيًا: لماذا يتحدى زيلينسكي ترامب؟ رهانه على «الدولة العميقة»

المذيع: دكتور دوغين، صدر للتو تصريح جديد لزيلينسكي، يتساءل فيه بجدية تامة عن سبب عدم إبرام الولايات المتحدة اتفاقًا مع أوكرانيا لتوريد وقود الديزل، قائلًا إن «كييف هي التي تقرر ما إذا كانت مصافي النفط الروسية ستواصل العمل، وما إذا كان أسطول الناقلات الروسي سيواصل الإبحار».
هل الرجل في كامل قواه العقلية؟ وما الذي تكشف عنه مثل هذه التصريحات؟
ألكسندر دوغين: لا مشكلة لديه في هذا الجانب. ولا ينبغي لنا أن نبالغ في تقدير تأثير ميله إلى تعاطي المواد المخدرة المحظورة في الاتحاد الروسي.
في الحقيقة، يتصرف زيلينسكي وفق حسابات واضحة، إذ يراهن على قوة هائلة داخل الغرب، لا تقل عن قوة ترامب فحسب، بل تتفوق عليه فعليًا. وأعني هنا ما يُعرف بـ«الدولة العميقة».
لقد أعلن ترامب الحرب على هذه المنظومة في وقت سابق، لكنه لم يتمكن من هزيمتها.
إن النظام السياسي الغربي يختلف اختلافًا جذريًا عن نظامنا. ففي الغرب، لا يتوقف كل شيء على شخصية الزعيم، بل إن شخصية الزعيم قد لا يكون لها، في كثير من الأحيان، أي تأثير حاسم أصلًا.
الرؤساء الغربيون، في جوهر الأمر، ممثلون يقفون على خشبة المسرح. أما لدينا، فالسلطة الفعلية متمركزة في يد الحاكم، أي الرئيس. وهذا غير موجود لديهم بالطريقة نفسها.
لذلك، يتصرف زيلينسكي بمنطق واتساق، وهو في الواقع يوجّه إهانة مباشرة إلى ترامب، وكأنه يقول له: «من تظن نفسك، أيها العجوز؟ لم يبقَ لك سوى شهر أو شهرين، وسنتدبر أمورنا حتى ذلك الحين. وإذا حاولت إطفاء المفتاح أو قطع الاتصالات عنا، فسيأتيك فورًا عشرات الجنرالات والأدميرالات، ومعهم ممولوك أنفسهم وممثلو أكبر الشركات، وسيقولون لك: أعد المفتاح إلى مكانه، واذهب إلى الاهتمام ببناء قاعة الاحتفالات في البيت الأبيض؛ فهذا هو المستوى الذي يناسبك!».
لقد رأينا مرارًا خلال السنوات الماضية أن ترامب يرفع صوته في القضايا الحاسمة، وينشر تدوينات استفزازية على وسائل التواصل الاجتماعي، ويتحدث عن إعادة تسمية العالم كله باسم أميركا، ثم ينتهي به الأمر إلى تنفيذ ما يُطلب منه بهدوء.
ولهذا، يراهن زيلينسكي بثبات على مواصلة الصراع وتصعيده.
أما نحن، كما قلت سابقًا، فنراهن على انقسام الغرب واستثمار كل تناقضاته الداخلية، وهذا هو التصرف الصحيح تمامًا.
لكن ينبغي ألا نخدع أنفسنا بأوهام إمكان التوصل إلى هدنة طويلة الأمد. فالتصعيد يتجه إلى أن يصبح أمرًا لا مفر منه، ومن المرجح أن يتزايد في المستقبل القريب.
ولا سيما أن الدعوات تتزايد في الغرب، وتُطرح بصراحة متنامية، إلى خوض حرب فعلية واسعة النطاق وعالية الشدة بين الغرب وروسيا.

▪️ثالثًا: من حرب الإستنزاف إلى حرب السحق

دعونا نفهم مستويات التصعيد وترتيبها.
- الحرب منخفضة الشدة: هي ما كان يجري في دونباس قبل عام 2022، من اشتباكات محدودة وقصف متقطع.
- الحرب متوسطة الشدة: هي الحرب الدائرة الآن في أوكرانيا.
- الحرب عالية الشدة: هي المواجهة المباشرة مع الغرب، التي قد تتضمن إستخدامًا جزئيًا للأسلحة النووية.
لقد بدأ الخبراء والاستراتيجيون العسكريون في الغرب يتناولون علنًا كيفية إلحاق هزيمة إستراتيجية بروسيا في ظروف حرب عالية الشدة.
هذه هي النقطة التي وصلنا إليها، لا الأوهام القائلة إن ترامب سيصرخ في وجه زيلينسكي، فيؤدي الأخير التحية العسكرية ويذعن لأوامره!
إن صفقة الديزل خطوة تكتيكية صحيحة، لكن التعويل عليها لإحداث تحول استراتيجي شامل أمر غير واقعي.
علينا الإستعداد للدفاع عن البلاد وإلحاق هزيمة إستراتيجية بالعدو.
يعرف العسكريون أن كل صراع يمر بمرحلتين أساسيتين: حرب الاستنزاف، ثم حرب السحق.
وما يجري بيننا وبين الغرب الآن هو حرب استنزاف بالدرجة الأولى.
صحيح أن الغرب يتعرض بدوره للاستنزاف جزئيًا، لكننا نحن أيضًا نستنزف مواردنا وقدراتنا.
ومع ذلك، يعتقد الغربيون أن الأمور تسير حتى الآن وفق خطتهم، وأن حرب الاستنزاف ينبغي أن تتحول، في مرحلة ما، إلى حرب للسحق، عندما يقدّر الغرب أننا أصبحنا ضعفاء بما يكفي.
أما كيف سيقيسون ذلك، وبأي معايير سيحددون اللحظة المناسبة، فذلك سؤال ينبغي توجيهه إلى استراتيجييهم.
لكن الانتقال إلى حرب عالية الشدة يعني تحديدًا الانتقال من استنزاف الخصم إلى محاولة سحقه.
إذا كان احتمال شن أعدائنا حربًا من هذا النوع علينا احتمالًا واقعيًا، وهو كذلك بالفعل، فإن قادة حلف شمال الأطلسي يتحدثون عنه علنًا اليوم، ولا يوجد ما يدعو إلى الاستغراب من ذلك، فعلينا نحن أيضًا التفكير وفق هذا المنطق.
ولماذا نستبعد أن تتاح لنا بدورنا نافذة مناسبة لتوجيه ضربة ساحقة إلى الخصم؟
لا يجوز لنا استبعاد هذا الاحتمال من حساباتنا.
وهذا يعني أننا ندخل في دوامة من التصعيد المتبادل، الذي يحاول كل طرف التحكم في مساره وتوجيهه وفق حساباته الخاصة.
علينا أن نذكّر الغرب باستمرار بأن التصعيد لعبة يستطيع طرفان المشاركة فيها.
فالأمر ليس مباراة شطرنج يتوهم فيها أحد اللاعبين أنه يستطيع تنفيذ نقلته، ثم قلب الرقعة والتحرك نيابة عن خصمه، قبل أن يستعيد دوره مجددًا!
هذه هي الطريقة التي إعتاد الغرب التعامل معنا بها، إنطلاقًا من إعتقاده أن الطرف المقابل ليس لاعبًا جادًا.
لكن الطرف المقابل ليس لاعبًا عاديًا، بل هو كبير أساتذة الشطرنج، رئيسنا فلاديمير بوتين.
وبهذه المناسبة، وعلى الرغم من أنني سبق أن هنأته عبر قناتي، كما فعلت البلاد كلها، أود أن أتقدم إليه مجددًا بأحر التهاني بمناسبة عيد ميلاده الذي مرّ مؤخرًا.
إن لاعب الشطرنج الكبير لدينا يدرك هذه الأمور جيدًا.
وهو يعلم أنه قد تأتي لحظة حرجة نضطر فيها فعلًا إلى تنفيذ عملية واسعة النطاق لسحق خصمنا.
ولذلك، ينبغي أن نكون مستعدين تمامًا لاحتمال أن نتلقى ردًا مختلفًا تمامًا عما نتلقاه اليوم، ردًا أشد خطورة بكثير، ولا يمكن مقارنته بما يحدث الآن.
هذا هو الوعي الذي ينبغي أن نعيش في ظله: وعيٌ منغمس تمامًا في مسار التصعيد العميق في علاقاتنا مع الغرب.
وهو النهج الصحيح الوحيد.
فعندما ندرك حقًا خطورة اللحظة التاريخية التي نمر بها، سنبدأ في التصرف بمزيد من ضبط النفس والمسؤولية.
لكننا نسمع أحيانًا تصريحات من بعض الشخصيات تقول: «نريد أن نقود المعارضة الوطنية لسياسة الرئيس».
أقول لهؤلاء: تمهّلوا! إن إطلاق مثل هذه التصريحات في زمن الحرب ليس مجرد حماقة، بل هو تمرد عسكري!
لا ينبغي أن تكون هناك معارضة من هذا النوع.
إن بلدنا كله، وشعبنا بأسره، يمينًا ويسارًا، وبغض النظر عن اختلافاتنا في التفاصيل، ملزمون اليوم بالوقوف صفًا واحدًا، في تماسك كامل، دعمًا للرئيس وللبلاد التي تخوض الحرب.
وأكرر أن البلاد تقف على أعتاب مرحلة جديدة.
نحن ننتقل من حرب متوسطة الشدة إلى حرب عالية الشدة، وقد نكون مقبلين على عملية تستهدف سحق الخصم.
العسكريون يدركون جيدًا ما يعنيه ذلك.
وهكذا ينبغي لنا أن نقيّم وضعنا بواقعية، وأن نخطط لمستقبلنا على هذا الأساس، وأن نفهم بوضوح أننا لن نتمكن، في المستقبل المنظور، من الركون إلى الاسترخاء أو الراحة أو أخذ إجازة من هذه المواجهة.

▪️رابعًا: الذكاء الإصطناعي... سؤال تقني أم معضلة فلسفية؟

المذيع: دكتور دوغين، العالم يتغير، والذكاء الإصطناعي بات أحد العوامل الرئيسية التي تدفع هذا التغيير.
نحن نولي هذه القضية إهتمامًا بالغًا، ولسنا وحدنا في ذلك. فقد أدلى بيل غيتس، على سبيل المثال، بتصريح لافت جديد، قال فيه إن الذكاء الاصطناعي قد يؤدي مستقبلًا إلى عواقب كارثية خطيرة، لكن الوقت لا يزال مبكرًا للوصول إلى تلك المرحلة.
ويرى غيتس أن الأولوية الآن ينبغي أن تنصب حصريًا على وضع الأطر التنظيمية، بحيث تتولى الدولة مراقبة الشركات التي تطور تقنيات الذكاء الإصطناعي، على غرار ما يحدث في قطاع صناعة السيارات أو صناعة الأدوية.
وهنا نعود مرة أخرى إلى معضلتنا الأساسية: هل ينبغي لنا تسريع تطوير الذكاء الإصطناعي، أم إبطاؤه، أم أن علينا أن نطرح السؤال من أساسه: هل تسير البشرية في الإتجاه الصحيح؟
ما الذي يحدث فعليًا حول الذكاء الإصطناعي، من وجهة نظركم؟

ألكسندر دوغين: تحدث تحولات عميقة وخطيرة للغاية.
لكن لكي نناقش الذكاء الاصطناعي بجدية ومسؤولية، ونعمل معه، ونطرح الأسئلة الأساسية المتعلقة بمستقبله، ينبغي لنا أولًا أن نمتلك ذكاءً طبيعيًا.
فالكلمة المفتاحية هنا هي «الذكاء» تحديدًا.
إن المسألة ليست إجراءً تقنيًا محدودًا، بل سؤال فلسفي بالغ الأهمية: من هو الإنسان؟ وما الذكاء الطبيعي؟ وما حقيقة الذكاء الاصطناعي؟ وما المنطق الذي يحكم تطور التكنولوجيا والحضارة برمّتها؟



4)الجزء الرابع: الذكاء الإصطناعي والسيادة ومستقبل الحضارة الروسية

▪️الذكاء الإصطناعي: المحطة الأخيرة في رهان البشرية على التقدم التقني

ألكسندر دوغين: يمثّل الذكاء الإصطناعي المحطة الأخيرة في الرهان التاريخي للبشرية على التطور التقني. لقد حوّل التقدم، الذي نشهده أمام أعيننا، الإنسان بالفعل من سيّد للتقنية إلى خادم لها ومساعد، أما المرحلة التالية فهي تحوّله إلى عبد للتقنية.
فلنسمِّ الأشياء بأسمائها الحقيقية: نحن نقف عند نقطة تحوّل في موازين السيطرة، وعند لحظة انتقال في العلاقة الجدلية الكلاسيكية بين «السيّد والعبد»، التي وصفها هيغل في كتابه «ظاهريات الروح».
في البداية، كانت التقنية عبدًا للإنسان. استخدمناها أداةً في خدمتنا، بدءًا من عصا الحفر البدائية التي يرجع علماء الآثار ظهورها اليوم إلى نحو أربعمئة ألف سنة. ومن تلك الأداة القديمة الأولى وصولًا إلى الذكاء الإصطناعي، يمتد خيط متصل لا ينقطع: إنه تاريخ العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا. وقد أدرك كارل ماركس وأوزفالد شبنغلر هذه الحقيقة بعمق.
ونحن نصل الآن إلى لحظة حرجة، هي ما يسميه المستقبليون «التفرّد التكنولوجي». فالتكنولوجيا، التي ابتكرناها أداةً لإخضاع الطبيعة وخوض الحروب، تتحوّل إلى سيّد. لم تصبح سيّدًا بصورة نهائية بعد، لكنها باتت على بُعد خطوة واحدة من ذلك.
في هذه النقطة تتكثّف فلسفة التاريخ بأكملها، ومعها كل التساؤلات المتعلقة بمصير الحضارة. هل كان سلوك طريق التقدم التقني في الغرب، خلال العصر الحديث، أمرًا إيجابيًا؟ وهل كان من الممكن العثور على مسارات أخرى للتطور؟ وهل يجدر بنا البحث عنها اليوم؟
في الماضي، لم تكن هذه الأسئلة تُطرح أصلًا، لأن الإيمان الأعمى بالتقدم الخطي كان هو السائد: طوّروا التكنولوجيا، وواصلوا التقدم، وسيصبح كل شيء أفضل.
وها نحن قد بلغنا هذا «الأفضل» الموعود، ووصلنا إلى النقطة التي يبرز فيها السؤال: هل لا يزال الإنسان مطلوبًا بعد الآن؟
لقد أنجزنا، عمليًا، معظم وظيفتنا في خدمة المسار الذي يقود إلى نشوء تقنية مستقلة ذات سيادة، ولم يبقَ على اكتمال هذا التحول سوى القليل.
ومن الآن فصاعدًا، لن يتوقف الكثير على ما يقرره البشر بشأن الذكاء الإصطناعي، بل على ما سيقرره الذكاء الاصطناعي بشأن البشر. لم يعد الأمر خيالًا علميًا ولا تصورًا ديستوبيًا لعالم مظلم. هذا هو الواقع الذي وصلنا إليه.

▪️روسيا والذكاء الإصطناعي: تأخر خطير في مسألة السيادة

أما فيما يتعلق ببلدنا، فينبغي أن نعترف بصراحة بأننا تأخرنا تأخرًا ميؤوسًا منه في تطوير ذكاء اصطناعي ذي سيادة، بسبب انغماسنا طويلًا في التبعية العمياء للغرب، وتعويلنا على الليبرالية، واستنساخنا نماذج الآخرين.
كان واجبًا علينا أن نعمل على هذا المجال، ولو من منطلق الضرورات الدفاعية وحدها، فالذكاء الاصطناعي سلاح بالغ القوة. وفي الحروب من النوع الجديد، سواء حروب الاستنزاف أو حروب السحق، ستُستخدم أحدث الإنجازات في مجال الذكاء الاصطناعي، من دون أدنى شك، بأقصى طاقتها.

▪️الذكاء الإصطناعي، قبل كل شيء، سلاح

لكننا، في وقت من الأوقات، تركنا هذا المجال باستخفاف في عهدة شركة «ياندكس» نفسها، وفي أيدي أشخاص كانوا خصومًا أيديولوجيين لدولتنا. ظل هؤلاء يعملون على هذه التطويرات سنوات طويلة، وعندما بدأت العملية العسكرية الخاصة، فرّوا ببساطة إلى الخارج، حاملين معهم الشيفرات المصدرية. فكم من الوقت استغرقناه بعد ذلك لمجرد محاولة سدّ هذه الفجوة الهائلة؟
ومن يتولى اليوم تطوير الذكاء الإصطناعي في بلدنا؟ صحيح أن العسكريين يُستعان بهم، لكنهم ما زالوا يحتلون المرتبة الثانية، بل الثالثة أحيانًا. مع أن المسألة تتعلق مباشرة بالأمن القومي وبالحرب الحديثة.

▪️الذكاء الإصطناعي ميدان جديد للمعركة

ومع ذلك، فقد تأخرنا تأخرًا هائلًا على أربعة مستويات:
- ذهنيًا: لم ندرك حتى الآن حجم التهديد والتحدي.
- استراتيجيًا: نقلّل، بصورة كارثية، من تقدير الإمكانات العسكرية الحقيقية للشبكات العصبية.
- فلسفيًا: لا تُطرح لدينا أصلًا الأسئلة الأساسية المتعلقة بماهية الذكاء الإصطناعي والمسار الذي يتجه إليه.
- تكنولوجيًا: أصبح تأخرنا الكبير أمرًا واقعًا ومثبتًا.
إنه وضع كارثي بكل معنى الكلمة، ما لم نبدأ بطرح الأسئلة ومحاسبة المسؤولين بشدة عن وصولنا إلى هذه الحال. فلكل قرار مدمّر صاحب محدد، ولكل كارثة مسؤول أو موظف بعينه. هؤلاء هم الذين صنعوا الوضع الذي نجد أنفسنا فيه اليوم: مواجهة كبرى مع الغرب، بالتزامن مع دخول عصر التفرّد التكنولوجي، عصر الهيمنة المحتملة للذكاء الإصطناعي على البشرية.
في الغرب، لا يدور الجدل إلا حول المواعيد. فالتفرّد التكنولوجي يطرق الباب بالفعل: هناك من يقول إنه سيحدث خلال عام، ومن يقول خلال عامين، أما أشد المتشككين حماسة فيقدّرون المدة بثلاثة أعوام. لم يعد السؤال هو ما إذا كان سيحدث أصلًا، بل إن المسألة تجري أمام أعيننا الآن.
وبصفتنا حضارة فريدة، ينبغي لنا أن نكون طرفًا مستقلًا وفاعلًا في هذه العملية، لا ضحية سلبية تراقب نقاشات الآخرين وتنتظر ما سيقوله بيل غيتس: «لنُبطئ التطوير» أم «لنُسرّعه».
فترامب، على سبيل المثال، يدعو علنًا إلى تسريع التطويرات إلى أقصى حد. لقد أصبح الذكاء الاصطناعي هناك منذ زمن جزءًا من صراع سياسي محتدم. فالديمقراطيون يطالبون بتنظيم هذه العملية وإبطائها، خشية تنامي نفوذ أصحاب السلطة التكنولوجية، من أمثال إيلون ماسك وبيتر ثيل، اللذين يدعمان التيار اليميني البراغماتي. أما ثيل وماسك، فعلى العكس من ذلك، فيصرخان: «إلى الأمام فقط! لندفع عجلة التقدم بقوة!».
إنها لعبة جيوسياسية وأيديولوجية متكاملة، لا يكاد يكون لبلدنا فيها صوت اليوم. فنحن لا نشارك في هذا النقاش، ولا يُسمع موقفنا. لقد سلّمنا بأنفسنا أفضل مبرمجينا إلى الغرب، وأسهمنا بذلك، حرفيًا، في تعزيز هيمنته التكنولوجية.
واليوم، يتولى معظم مشروعات الذكاء الإصطناعي في روسيا أشخاص لا ينتمون، أولًا، إلى المؤسسة العسكرية، ولا يُعدّون، ثانيًا، وطنيين راسخي الإلتزام. أما كونهم فلاسفة، فذلك أبعد ما يكون عن الواقع. ومن السهل إستنتاج حقيقة الوضع إنطلاقًا من هذه المعطيات.

▪️الذكاء الإصطناعي أولوية وطنية وسيادية

إن الذكاء الإصطناعي يمثل الأولوية الأولى بلا منازع لبلدنا، من أربع زوايا:
- الزاوية العسكرية؛
- الزاوية الوطنية، المرتبطة بالسيادة؛
- الزاوية التكنولوجية؛
- الزاوية الفلسفية.
وفي كل واحد من هذه المجالات الأربعة، نعاني إخفاقات مفاهيمية هائلة. ولهذا، ينبغي أن يتولى هذه المهمة أشخاص مختلفون تمامًا.
يدرك ترامب ذلك، ويفهمه رئيسنا جيدًا. لكن ما إن نصل إلى مستوى التنفيذ حتى تبدأ الروتينات البيروقراطية المعتادة: يتصارع المسؤولون على الميزانيات، ولا تكون النتيجة في النهاية سوى لا شيء يُذكر. نحصل على نسخ ثانوية مسروقة، أو على نماذج غربية أُدخلت عليها تعديلات طفيفة.

ولا يجرؤ أحد على التعمق في الشيفرة المصدرية خشية الإخلال بالنظام القائم. وفي المقابل، يُفرض الحظر والرقابة، إحتياطًا، على أكثر الأسئلة السياسية والفلسفية حساسية. لكن هؤلاء، لعدم فهمهم جوهر تلك الأسئلة، يلقون بالطفل نفسه مع ماء الإستحمام، كما يقول المثل. هذه هي النقطة الخطرة التي نقف عندها.
لهذا السبب تحديدًا، لا نُعدّ اليوم لاعبًا متكاملًا في مجال الذكاء الإصطناعي، مع أن الواجب يفرض علينا أن نكون كذلك!
إذا كنا نطمح جديًا إلى مكانة دولة ـ حضارة، فعلينا أن ندرك أن السلاح النووي، وإن كان عاملًا أساسيًا في السيادة، فإنه يمثل المعيار التقليدي للقرن العشرين.
أما المعيار الأساسي للسيادة في القرن الحادي والعشرين، فهو الريادة في التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الإصطناعي وصناعة الطائرات المسيّرة. ونحن بحاجة ماسة إلى تحقيق قفزة سيادية في هذه المجالات، لأن حرب المستقبل ستدور تحديدًا في ميادينها.
أما الحرب النووية، فلعلّ الله يحول دون وقوعها. إنها حرب محتملة، تنتمي إلى ماضٍ لم يتحقق. وما زال هذا العامل الرادع يؤدي وظيفته، لكن الوقت المتبقي لفعاليته ليس طويلًا. فما هي إلا فترة قصيرة، حتى يستحوذ الذكاء الإصطناعي والرقمنة والشبكات العالمية بصورة نهائية على السيطرة على المجتمع البشري.
ومن هنا نفهم لماذا نتعامل بهذه الحساسية مع أي ضربات يوجّهها العدو إلى بنيتنا التحتية التكنولوجية، سواء إستهدفت «ياندكس» نفسها أم الأنظمة المصرفية. ومهما بدا هذا الكلام مزعجًا، فإن خصومنا في أوكرانيا أسرع منا إستجابةً في هذا المجال. فهم يدركون نقاط ضعفنا الأساسية، بينما لا نزال نكتفي بالرد على تحركاتهم، بدلًا من إستباقها.
ولا يعود الأمر إلى إمتلاك نظام كييف ذكاءً إستثنائيًا. فالمسألة ببساطة أنهم يتلقون توجيهات مباشرة من مدرّبي «الدولة العميقة» العولمية. إذ يأتي أليكس كارب، مؤسس منظومة «بالانتير» القوية للإستخبارات والتحليل، وأحد واضعي توجهاتها الفكرية، برفقة بيتر ثيل، إلى كييف، حيث يقدّمان التوجيهات مباشرة إلى القيادة الأوكرانية.
وبفضل هذا الإندماج الشامل في المنظومات التكنولوجية الغربية، يستطيع العدو أحيانًا تقييم الوقائع التكنولوجية للحرب بقدر أكبر من الدقة والسرعة.
لقد حان الوقت لكي نستعيد رشدنا أخيرًا. إلى متى سنظل نعوّل على أن الأمور ستُحلّ من تلقاء نفسها، وأن الدرع النووي والانتصارات العظيمة التي حققناها في الماضي سينقذاننا تلقائيًا مرة أخرى؟
إذا لم نبدأ الآن، وفي هذه اللحظة بالذات، في مواءمة وعينا الدفاعي والتكنولوجي والحضاري مع الظروف الجديدة القاسية، فسوف نخسر المستقبل.

▪️النخبة الفكرية: إخفاقات الماضي وتحديات المستقبل

لنواجه الحقيقة كما هي. حتى وقت قريب، كان يُعدّ أمرًا طبيعيًا في مجتمعنا أن يكون الليبراليون الموالون للغرب هم الخبراء والمحللين والمفكرين الرئيسيين، في العلوم والفنون والتكنولوجيا على حد سواء.
لقد كانوا بالفعل يطرحون نماذج عقلانية متماسكة، لكن هذه النماذج كانت تتعارض في جوهرها مع سيادة روسيا وإستقلال قرارها.
وهكذا أضعنا فرصة بناء نخبة فكرية مستقلة ذات سيادة. وقد فرّ قسم من النخبة الليبرالية السابقة إلى الخارج، فتحوّل أفراده إلى «عملاء أجانب» ومغادرين لبلادهم، فيما اختبأ قسم آخر داخل البلاد وواصل التخريب.
وكما فعلت إدارة «ياندكس» القديمة، أخذ هؤلاء معهم ما أنجزوه من أعمال، وسحبوا الكفاءات والعقول، وإنحازوا إلى جانب العدو. لقد تشكّلت نخبتنا الفكرية على إمتداد العقود الثلاثة الماضية كلها في إطار أيديولوجي ليبرالي موالي للغرب.
أما النخبة الفكرية الوطنية المستقلة، فلم نعمل على إعدادها بصورة منهجية. وكانت النتيجة أن ملايين المواطنين ذوي التوجه الوطني يفتقرون اليوم إلى إعداد علمي وفلسفي عميق ومنهجي. وهذه ليست مسؤوليتهم، بل هي محنتنا المشتركة وكارثتنا الكبرى.
إننا بحاجة ماسة إلى بناء مؤسسات مستقلة ذات سيادة، من الصفر، تشمل:
- معاهد للفلسفة والأنثروبولوجيا؛
- معاهد للأنطولوجيا وفلسفة التقنية؛
- مؤسسات تُعنى بالفكر والثقافة والتعليم المستقل ذي السيادة؛
- مراكز لدراسات الحضارات في جميع المجالات الأساسية.
ويجب أن يُبنى كل ذلك على أساس قيمنا التقليدية وهويتنا الحضارية الروسية، دون غيرهما.
الحرب مستمرة، وقد تجاوزنا منذ زمن بعيد جميع المهل الزمنية و«الخطوط الحمراء»، ومع ذلك لا نزال نتعامل مع تطوير الفكر المستقل ذي السيادة بوصفه أمرًا ثانويًا، لا يُمنح إلا ما يتبقى من الجهد والموارد؛ نعمل ببطء شديد، وكأننا نتحرك في نومنا.
وهذا تحديدًا ما يراهن عليه عدونا. فهدفه الرئيسي هو شلّ النخبة الفكرية لدينا. ولأن النخبة السابقة كانت ليبرالية وخاضعة لمراكز توجيه غربية، فإن مفتاح التحكم لا يزال هناك، ولم نتمكن بعد من إنتزاعه.
وفي معسكرنا، يوجد أشخاص شرفاء ورائعون ومخلصون، لكنهم، للأسف، لم يبلغوا بعد المستوى المفاهيمي الذي يؤهلهم لمواجهة التحديات الحضارية الهائلة التي باتت روسيا في قلبها.

▪️«عملية عسكرية خاصة» في العلم والفلسفة والتعليم

المذيع: كيف يمكننا العثور على هؤلاء الأشخاص أو إعدادهم الآن؟ وهل يمكن تربيتهم وتأهيلهم خلال فترة قصيرة؟ فأنت تقول بنفسك إننا نقترب بسرعة من مرحلة صراع عسكري عالي الشدة. فهل لدينا الوقت الكافي أصلًا؟

ألكسندر دوغين: ليس لدينا الوقت. وإذا أردنا الحديث بصراحة، فإن إستمرار الأمور بالوتيرة البطيئة نفسها التي نتحرك بها الآن يعني أننا محكوم علينا بالفشل.
إما أن نستيقظ، فورًا وبصورة نهائية، وأن نُظهر ذلك النوع من التعبئة الوطنية الذي لطالما افتخرنا به. نحن نحب ترديد المثل القائل إننا نتأخر طويلًا في الإستعداد، لكننا نتحرك بسرعة عندما ننطلق.
ويشير دميتري كيسيليوف، عن حق، إلى أن أسرع وسيلة للانطلاق هي العربة الروسية التي تجرّها ثلاثة أحصنة، وهذا أمر تؤكده الوقائع التاريخية. وما نحتاج إليه الآن، بصورة حيوية، هو تلك «الثلاثية الروسية».
نحن بحاجة فورية إلى نموذج جديد جذريًا من التحولات فائقة السرعة والكثافة في مجالات التعليم والثقافة والعلوم، وفي إعداد الكوادر العسكرية والمدنية والأمنية والإنسانية. هذه هي المهمة الأساسية. إننا قادرون على إعداد هذه الكوادر في أقصر وقت، بل إن واجبنا يفرض علينا القيام بذلك.
لم يتبقَّ أمامنا سوى بضعة أسابيع كي نُعلن، عمليًا، حالة طوارئ، ونطلق عملية عسكرية خاصة حقيقية في مجالات العلم والفلسفة والتعليم.

▪️عملية عسكرية خاصة في الميدان الفكري!

كفى خداعًا لأنفسنا بآمال من قبيل أن الأمور ستنتظم من تلقاء نفسها خلال ثلاث أو أربع سنوات، وأن كل شيء سيُحلّ تلقائيًا.
نحن نقوم بالكثير في الوقت الراهن، ولا أريد التقليل من قيمة الجهود المبذولة، لكننا نعمل بعقلية زمن السلم، وكأننا متأخرون خمس سنوات أو ستًا أو ثماني سنوات؛ نحاول اللحاق بمتطلبات عام 2022.
نحن بحاجة إلى تسريع شامل، وهذه مسألة تخص يومنا الراهن، لا الغد. ما زال بإمكاننا تدارك الأمر، لكن نافذة الفرص توشك على الإنغلاق خلال الأيام القليلة المقبلة.

يجب أن نبدأ الآن، فورًا!



#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من وعد بلفور إلى غزة: بريطانيا ومسؤوليتها عن المأساة الفلسطي ...
- من وعد بلفور إلى مؤتمر إيفيان: اليهود اللاجئون، وفلسطين، وتش ...
- من وعد بلفور إلى مؤتمر إيفيان: اليهود اللاجئون، وفلسطين، وتش ...
- من وعد بلفور إلى مؤتمر إيفيان: اللاجئون اليهود، وفلسطين، وتش ...
- من وعد بلفور إلى مؤتمر إيفيان: اليهود اللاجئون، وفلسطين، وتش ...
- من وعد بلفور إلى مؤتمر إيفيان: اليهود اللاجئون، وفلسطين، وتش ...
- من وعد بلفور إلى مؤتمر إيفيان: اليهود اللاجئون، وفلسطين، وتش ...
- من وعد بلفور إلى مؤتمر إيفيان: اليهود اللاجئون، وفلسطين، وتش ...
- من وعد بلفور إلى مؤتمر إيفيان: اللاجئون اليهود، وفلسطين، وتش ...
- ما هي إسرائيل؟ المؤرخ الذي فتح السؤال المحظور
- إيران والولايات المتحدة والخليج العربي: لماذا لا يضمن التصعي ...
- ترامب نقل العدوى إلى نتنياهو... ودوغين في قفص الإتهام ...ويس ...
- ويستمر الهذيان: ترامب نقل العدوى إلى نتنياهو... ودوغين في قف ...
- جيفري ساكس يطرح مبادرة للسلام في أوكرانيا: هل يمكن إنهاء الح ...
- ألكسندر دوغين - من رسالة المعلّم إلى معركة التعددية القطبية ...
- جون ميرشايمر - السبب الحقيقي لهجوم حماس على اسرائيل في 7 أكت ...
- الصين وأمن الخليج العربي: نفوذ متصاعد بلا ضمانات دفاعية
- خبير روسي - ثلاث سنوات بعد 7 أكتوبر: حرب بلا منتصر وتسوية بل ...
- الإسلاميون في أوروبا وحرب أوكرانيا: كيف ينظرون إلى الدعم الغ ...
- في ذكرى 7 أكتوبر - هل كان الرد الإسرائيلي جزءاً من الحسابات ...


المزيد.....




- محمد بن سلمان يستقبل ولي عهد الأردن.. وهذا ما بحثاه
- في أصعب لحظات مصر.. أبو الغيط يكشف كواليس هدية سعودية للقاهر ...
- اليمن.. مجلس القيادة يؤكد مضي عملية -فجر اليمن- حتى تحقيق كا ...
- ترامب: طهران تسعى اليوم إلى اتفاق أكثر من أي وقت مضى
- -رويترز-: وسطاء قطريون إلى طهران لإجراء محادثات بشأن اتفاق ب ...
- الحوثيون على بعد 80 كيلومترا من عدن ويهددون طريقا حيويا وموا ...
- رفات 30 مصريا في متحف سويسري.. هل تتحرك القاهرة لاستعادتها؟ ...
- رحل عن 95 عاما.. من هو كوريشكوف الذي جهز رحلة أول رائد فضاء ...
- وزير الدفاع السعودي يبحث مع نظيره الأمريكي خفض التصعيد واستم ...
- أمريكا: انتخابات في شكل سؤال مع أو ضد ترامب؟


المزيد.....

- حين يصيح الولاء اقوى من الحقيقة / حسين محمود صالح
- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - ألكسندر دوغين - من هدنة الديزل إلى الذكاء الإصطناعي (برنامج إيسكالاتسيا على راديو سبوتنيك)