|
|
ماذا نفعل بهذه الحياة القصيرة؟
أكرم شلغين
الحوار المتمدن-العدد: 8877 - 2026 / 11 / 2 - 00:09
المحور:
قضايا ثقافية
إنه الإنسان: يبحث عن الخلود، ويغزو الأرض، وينسى أن يعيش؛ ويتغنى بالبطولة وينسى أثمانها.
ثمة أغنية قديمة، Seasons in the Sun، تبدو كأنها رسالة وداع يتركها إنسان وهو يستعد للرحيل. يودع أصدقاءه وأحباءه، ويستعيد بعض ما عاشه، وكأنه يريد أن يقول إن الحياة، على قصرها، كانت تستحق أن تعاش، وإن ما يبقى في الذاكرة ليس ما امتلكه الإنسان، ولا مقدار ما جمعه من مال أو سلطة، بل أولئك الذين أحبهم، واللحظات التي تقاسمها معهم.
ولعل هذه الأغنية تذكرنا بحقيقة نعرفها جميعا، لكننا لا نتصرف دائما على أساسها: نحن كائنات فانية. نعرف أن أعمارنا محدودة، وأننا سنغادر هذه الحياة يوما، ومع ذلك نعيش أحيانا كما لو أننا نملك زمنا لا ينتهي، وكأن الموت شأن يخص الآخرين وحدهم.
ليست هذه الحيرة جديدة. فمنذ أقدم الحكايات التي عرفها الإنسان، ظل الموت يطارده، وظل يحاول أن يجد له مخرجا. في ملحمة جلجامش، يقلب موت أنكيدو حياة الملك القوي رأسا على عقب. فالرجل الذي لم يكن يخشى شيئا يكتشف فجأة أنه هو الآخر ماض إلى المصير نفسه. ينطلق في رحلة بحث عن الخلود، لكنه يعود من دون أن يحقق ما أراد. وكأن الملحمة تضعنا أمام سؤال ظل يرافق الإنسان منذ ذلك الزمن: لماذا يصعب علينا قبول حقيقة أن الحياة تنتهي؟
وفي كتابه في قصر الحياة، لا يكتفي سينيكا بالتذكير بقصر العمر، بل يذهب إلى فكرة أكثر إيلاما: ليست الحياة قصيرة بقدر ما أننا نهدر كثيرا منها. ننشغل بالمناصب والمكاسب والمنافسات، ونؤجل ما يستحق أن نعيشه، ثم نكتشف أن العمر مضى. وقد يكون في هذه الفكرة ما يدعونا إلى إعادة النظر في الطريقة التي نقضي بها أيامنا. فالمشكلة ليست أننا لا نملك الخلود، بل أننا كثيرا ما لا نحسن استخدام الحياة التي نملكها.
لكن الإنسان لا يكتفي بمحاولة الانتصار على الموت؛ إنه يحاول أحيانا أن ينتصر على العالم أيضا. يريد أرضا أكثر، وسلطة أوسع، ونفوذا لا تحده حدود. وفي مسرحية كريستوفر مارلو تامبرلين العظيم نلتقي بشخصية تجعل من الغزو وإخضاع البلدان والشعوب غاية لا تعرف الاكتفاء. لا يرى تامبرلين في الأرض موطنا تتقاسمه الأمم، بل مجالا مفتوحا لسلطانه. وتبلغ غطرسته حدا يجعل هزيمة الآخرين وإذلالهم جزءا من استعراض قوته؛ حتى إن بايزيد، السلطان العثماني المهزوم، ينتهي به الأمر في قفص، في صورة تكشف وحشية المنتصر واحتقاره للمهزوم.
وفي المشهد الأخير من المسرحية، حين يدرك تامبرلين أن الموت يقترب، لا ينشغل بما فعله بالناس، ولا بالبلدان التي أخضعها، بل بما بقي من العالم الذي لم يتمكن من إخضاعه. يطلب خريطة العالم، ثم يطلق صرخته الشهيرة: «أأموت وهذا العالم لم يُخضع بعد؟». إنه يريد أن يواصل الغزو حتى اللحظة الأخيرة. وهنا تكمن المفارقة: إنسان يريد إخضاع العالم، لكنه لا يستطيع أن يؤجل موته، ولا أن يفرض على جسده الخلود.
إن تامبرلين، الذي جعل من اتساع الأرض مقياسا لعظمته، يذكرنا بكل من يتعامل مع العالم كما لو أنه ملكية خاصة، وبكل سلطة تظن أن حدودها يجب أن تتسع على حساب الآخرين. وقد يترك الغزاة أسماءهم في كتب التاريخ، لكن الخرائط تتغير، والممالك تزول، والأسماء التي أرادت الخلود لا تستطيع أن توقف الزمن.
في ماكبث، يمنحنا شكسبير صورة موجزة وقاسية عن الحياة، حين يجعلها شمعة قصيرة، وممثلا مسكينا يمشي على المسرح ويضطرب ساعة، ثم لا يسمع له صوت بعد ذلك. وفي أنطونيو وكليوباترا، ترد العبارة التي تصف الممالك بأنها من طين. قد تبدو الممالك عظيمة في أعين من يحكمونها، لكنها لا تخرج في النهاية عن مصير الأشياء التي يظن أصحابها أنهم يملكونها إلى الأبد.
أليست الأرض، التي لا تكف الممالك عن التنازع عليها، واسعة بما يكفي لأن يعيش عليها الناس، وأن تجد الحيوانات فيها مأواها، والطيور فضاءها، والأشجار مكانا تنمو فيه؟ لماذا نتصرف كما لو أن وجودنا لا يكتمل إلا بانتزاع أرض الآخرين؟ ولماذا يتحول اختلاف الحدود والهويات والمصالح إلى مبرر لاقتلاع الإنسان من بيته، أو حرمانه من حقه في الحياة؟
لا أقصد بذلك أن الدفاع عن الأرض والحرية والكرامة أمر يمكن التخلي عنه. فثمة فرق أخلاقي واضح بين من يقاتل كي يحمي بيته وأهله وحقه في العيش، وبين من يغزو أرض الآخرين ليضمها إلى سلطانه. لكن ما يستحق السؤال هو ذلك الخطاب الذي يرفع شعارات البطولة والمجد، بينما يتعامل مع أرواح البشر كما لو كانت أرقاما يمكن الاستغناء عنها في سبيل انتصار أو توسع أو مجد شخصي.
ولعل الأدب يكشف لنا هذا التناقض بصورة لا تستطيع الخرائط والخطب العسكرية أن تفعلها. ففي قصة إرنست همنغواي العجوز عند الجسر، لا نرى قائدا يتحدث عن استراتيجية الحرب، ولا جنديا يحلم بالنصر. نرى عجوزا اضطر إلى مغادرة بلدته بسبب القتال، وجلس قرب جسر منهكا، لا يكاد يشغله شيء سوى الحيوانات التي تركها خلفه: قطة، وماعزان، وأربعة أزواج من الحمام. إنه قلق على مصير تلك الكائنات الصغيرة التي كانت جزءا من عالمه اليومي. وحين يتحدث عن الحرب، لا يفعل ذلك بلغة السياسة أو البطولة، بل بلغة رجل ترك وراءه حياة بسيطة، ويخشى ألا يجد ما تركه حيا حين يعود.
كم يبدو هذا العجوز بعيدا عن تامبرلين! ذاك يريد العالم كله، وهذا لا يريد سوى أن يطمئن إلى مصير حيواناته، وأن يعود إلى المكان الذي يعرفه. وبينهما مسافة تختصر شيئا من مأساة الإنسان: هناك من يرى الأرض غنيمة، وهناك من لا يطلب منها إلا مكانا آمنا يعيش فيه بسلام.
وهذا ما تذكرنا به أيضا رواية همنغواي لمن تقرع الأجراس. ففي أحد مشاهدها، يتأمل إلسوردو معنى الموت على تل، وكيف أن معرفة عدد الذين ماتوا هناك من قبل لا تمنح المقاتل عزاء حقيقيا. فالموت، في لحظته، ليس رقما في سجل التاريخ، ولا مقارنة بمعارك سابقة، ولا حكاية عن بطولة ستروى لاحقا. إنه تجربة إنسانية قاسية، يعيشها شخص بعينه، وحيدا في مواجهة نهايته.
وفي الحرب والسلام، يبتعد تولستوي عن الصورة التي تجعل الحرب مجرد قرارات يتخذها القادة وتنفذها الجيوش. إنه يعيدنا إلى الأفراد الذين يجدون أنفسهم داخل أحداث أكبر منهم: إلى خوفهم وارتباكهم، وإلى مصائرهم التي لا تختصرها أسماء المعارك ولا خطب المنتصرين. فالتاريخ قد يتذكر القادة، لكنه لا يستطيع أن يعيد إلى الحياة أولئك الذين دفعوا ثمن قراراتهم.
وأتذكر هنا حكاية سمعتها وأنا طفل، رواها رجل مسن كان قد شارك في إحدى الحروب. قال إن جنديا كان يقاتل إلى جواره، وكان مجندا لا متطوعا، ظل يتحدث عن أطفاله وأهله وقريته، ويتمنى لو أنه عاد إليها. ثم قال، كما أتذكر عبارته، إنه كان يتمنى لو كان كلبا في مزبلة قريته، بدلا من أن يكون في ذلك المكان. وقبل أن يتم عبارته، سقطت قذيفة بالقرب منه فقتلته.
لا أعرف إن كانت هذه الحكاية قد بقيت في ذاكرتي لأنها رويت لي في طفولتي، أم لأن عبارتها ظلت تحمل من الألم أكثر مما يستطيع طفل أن يفهمه. لكنني كلما تذكرتها شعرت أن ذلك الجندي لم يكن يفكر في حدود الدول، ولا في أمجاد القادة، ولا في الخرائط التي يراد رسمها من جديد. كان يريد شيئا واحدا: أن يعود إلى قريته. لم يطلب مجدا، ولم يحلم بأن يخلد التاريخ اسمه. كان يريد أن يعيش.
وربما لهذا السبب تبدو قصيدة ويلفرد أوين Dulce et Decorum Est من أكثر النصوص إيلاما في تناول الحرب. فهي لا تقدم الموت في صورة بطولية مزخرفة، بل تضعنا أمام أجساد منهكة، وجندي يتعرض لهجوم بالغاز، ومشهد يظل يطارد الشاعر في نومه. وفي نهايتها يهاجم أوين العبارة القديمة التي تمجد الموت من أجل الوطن، ويراها كذبة. ليس لأنه ينكر شجاعة من يدافعون عن أوطانهم، بل لأنه يرفض أن تتحول معاناة البشر وموتهم إلى خطاب جميل يردده من لم يعايشوا أهوال الحرب.
وقد يكون في تأملات ماركوس أوريليوس ما يعيدنا إلى جوهر المسألة. فالملوك والفلاسفة والأطباء والجنود، وكذلك الطغاة الذين ظنوا أن سلطتهم لا تنتهي، جميعهم ماضون إلى المصير نفسه. إن تذكر الموت لا ينبغي أن يقودنا إلى اليأس، بل إلى إدراك قيمة الوقت، وإلى التواضع أمام الحياة، وإلى معاملة الآخرين بقدر أكبر من العدل والرحمة.
وفي الإنسان المتمرد، يضع ألبير كامو أمامنا سؤالا أخلاقيا لا يقل أهمية: ما قيمة التمرد إذا انتهى إلى تبرير قتل الآخرين وإنكار كرامتهم؟ إن المطالبة بالحرية والعدالة تفقد معناها عندما تتحول إلى ذريعة لسلب حرية الآخرين وعدالتهم. فالإنسان لا يستطيع أن يطالب بحقه في الحياة، ثم ينكر الحق نفسه على سواه.
ما يثير الحزن حقا أننا نعرف كل هذه الحكايات، ونقرأ هذه الأعمال، ونستمع إلى الأغاني التي تذكرنا بقصر الحياة والرحيل إلى غير عودة، ثم نواصل أحيانا التصرف كما لو أننا خالدون. نتنازع على الحدود، ونختلف على الأسماء، ونطارد السلطة والمال والنفوذ، ونسمح للضغائن أن تفسد علاقات كان يمكن أن تكون أجمل. نعرف أن الرحلة قصيرة، لكننا لا نتصرف دائما كما لو كنا نعرف ذلك.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يبقى معنا ليس كيف ننتصر على الموت، ولا كيف نخلد أسماءنا، ولا كم من الأرض يمكن أن نضيف إلى ما نملك. السؤال أبسط وأعمق: ماذا نفعل بهذه الحياة القصيرة؟ لماذا لا نحاول أن نجعلها أقل قسوة على بعضنا بعضا؟ لماذا لا نترك للآخرين حقهم في بيوتهم وأرضهم وأحلامهم، كما نريد لأنفسنا أن نعيش آمنين في بيوتنا؟
في نهاية المطاف، لا يحتاج الإنسان إلى أن يمتلك العالم كي تكون لحياته قيمة. يكفي أن يجد مكانا يعيش فيه بكرامة، وأهلا يحبهم ويعود إليهم، وأصدقاء يتذكرونه بمحبة، وألا يكون سببا في شقاء إنسان آخر. وربما كان أعظم ما يمكن أن نتركه وراءنا ليس أرضا استولينا عليها، ولا سلطة فرضناها، ولا اسما نقشناه على خريطة، بل حياة لم نسلبها من أحد، وقلوبا لم نكسرها، وأثرا طيبا يبقى في ذاكرة من عرفونا.
فالحياة قصيرة، أقصر مما نظن. فلماذا لا نحاول، ما دام لنا فيها بعض الوقت، أن نعيشها كما لو أن حياة الآخرين لا تقل قيمة عن حياتنا؟
#أكرم_شلغين (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
انتظار التغيير والخوف من تكرار المأساة في سوريا
-
صحراء بلا صدى
-
الأمة وماضيها: في جذور القومية العربية ونرجسية التاريخ
-
سوريا التي لم تعد كما عرفناها
-
عن العلاقات التي لا تحتاج إلى لغة
-
نتكلم عن الكون ونحن نجهل كوكبنا
-
هل نحن أذكى ممن قد يكونون هناك؟
-
من يحق له أن يقف هنا؟
-
مات قبل أن يسكن
-
الماضي الذي كنا عليه: هل يحق للإنسان أن يصبح شخصا آخر؟
-
إذا أصبح الخيال العلمي واقعا... ماذا يفعل الإنسان بمخلوقاته؟
-
الوطن بين مكان يمكن العودة إليه ومكان لا نستطيع العودة إليه،
...
-
اللاذقية والغياب
-
سوريا ليست لأحد وحده
-
يكفي أن نعيش
-
كيف يصبح المستقبل تهديدا
-
التابع الذي لا يموت : يتغير الزعيم ولا يتغير التابع
-
عندما يصبح الخيال أصدق من الواقع
-
الوحش الكامن
-
أنت موجود وغيرك موجود: الاختلاف وحق الإنسان في أن يعيش كما ه
...
المزيد.....
-
لحظة مخيفة لتحطم طائرة في أمريكا ومقتل ركابها.. وفيديو يوثق
...
-
كيف يوازن ولي عهد الأردن بين الأناقة والبروتوكول؟
-
-عروس الموت-.. كيف ظهرت جورجينا رودريغيز في هالوين 2026؟
-
في صفٍ واحد أمام البحر.. مجموعة من الإبل تصنع مشهدًا غريبا ف
...
-
داخل متجر أزياء تنكرية عريق يحافظ على سحر تقاليد الهالوين في
...
-
-تحاكي حالات الطوارئ-.. قطر تعلن عن -إجراءات ميدانية- في مطا
...
-
قراصنة صوماليون يختطفون قارب صيد إيرانيا بـ23 شخصا
-
وسائل إعلام: رئيس وزراء بلجيكا يعتزم تقديم استقالته
-
موسكو تسجل ثاني أدفأ شهر أكتوبر في تاريخ الأرصاد الجوية
-
الدفاعات الجوية الروسية تسقط 212 مسيرة أوكرانية خلال ليلة وا
...
المزيد.....
-
محمد أركون ونقد الأنوار.
/ ابراهيم ازروال
-
ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري
/ حكمت الحاج
-
الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي
/ كريم الوائلي
-
تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة
/ كريم الوائلي
-
التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت
...
/ كريم الوائلي
-
أزمة التعليم في العرا ق
/ كريم الوائلي
-
منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث
/ كريم الوائلي
-
حرير فراشة الحكايات
/ ميرفت الخزاعي
المزيد.....
|