أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - احمد صالح سلوم - النفط كسلاح استراتيجي: قراءة في عتبة المئة والعشرين إلى المئة والخمسين دولاراً وانهيار المنظومة الأمريكية














المزيد.....

النفط كسلاح استراتيجي: قراءة في عتبة المئة والعشرين إلى المئة والخمسين دولاراً وانهيار المنظومة الأمريكية


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8875 - 2026 / 10 / 31 - 14:18
المحور: سيرة ذاتية
    


أكتب هذه الصفحات بوصفي باحثاً راكم خبرته الميدانية والكمّية على مدى سنوات، لا بوصفي ناقلاً لأخبار الأسواق، ولا مُذيعاً لتصريحات المسؤولين. وما أقدّمه هنا خلاصة دراساتٍ طويلةٍ، توصلت فيها إلى نتيجةٍ مركزيةٍ واحدةٍ، ظلّت تُرافقني في كل جدولٍ إحصائيٍّ وفي كل منحنى سعريٍّ رسمته: إن الرقم القاتل للاقتصاد الأمريكي هو سعر برميل النفط بين المئة والعشرين والمئة والخمسين دولاراً. هذه ليست عبارةً خطابيةً تُلقى في المنابر، ولا شعاراً يُرفع في المظاهرات، بل استنتاجٌ باردٌ كالحساب، مبنيٌّ على بنية الاستهلاك الأمريكي للنفط — نحو عشرين مليون برميلٍ يومياً — وعلى حساسية التضخم عند تجاوز عتبة المئة والعشرين، وعلى كلفة خدمة دينٍ فدرالي تجاوز أربعة وثلاثين تريليون دولار. كل ارتفاعٍ بعشرة دولاراتٍ في البرميل يضخّ كلفةً إضافيةً بعشرات المليارات في النقل والصناعة والخدمات اللوجستية، وعند تجاوز المئة والعشرين تنتقل الكلفة من وقود الشاحنات إلى رغيف الخبز وفحم المدفأة وفاتورة الكهرباء، فتُفعّل حلقةً تضخميةً لا تكبحها الأدوات النقدية التقليدية، لأن كل نقطة تضخمٍ إضافيةٍ تدفع عائدات السندات للارتفاع، فتثقل الموازنة من الجهة الأخرى، فيدور الدولاب على نفسه، ويتحوّل النفط من إزعاجٍ مؤقتٍ إلى انهيارٍ بنيويٍّ لا يُعالج بالبيانات الصحفية.

وقد ثبت السعر منذ عدة أيامٍ بين المئة والسبعة عشر والمئة والثمانية عشر دولاراً، أي على مقربةٍ مباشرةٍ من العتبة الحرجة، في تلك المنطقة الضيقة التي تفصل بين الأنفاس والغرق. وهنا تتكشّف المفارقة التي يرصدها كل من يجيد القراءة بين السطور: تصريحات ترامب باتت مجاملةً لإيران، على غير عادته في التصعيد والتهديد. أنا لا أقرأ هذا التحوّل كتحوّلٍ في القناعة، ولا كصحوةٍ في الضمير، بل كاستسلامٍ للحساب. الرجل الذي يصفه كثيرون بأنه عبد الدولارات يعرف — أكثر من أي محللٍ — أن الفجوة بين المئة والثمانية عشر والمئة والعشرين ليست فجوةً سعريةً فحسب، بل فجوةٌ زمنيةٌ تفصله عن الانهيار. وليس النفط وحده ما يضغط: فأسهم الذكاء الاصطناعي الأمريكي انهارت بنحو ستةٍ وثلاثين بالمئة، وكشف ذلك الانهيار هشاشة فقاعةٍ تقييميةٍ ضخّمت خلال سنواتٍ من التضخيم الإعلامي والوعود الخيالية، وتزامن معها انهياراتٌ متعددةٌ في سوق الأسهم والسندات، حتى صار المشهد أشبه بمبنىً تُسحب منه أعمدةُ الحمل تباعاً، فينهار الطابق تلو الطابق، وكلٌّ ينتظر سقوط السقف. هذا التزامن هو ما يحوّل الأزمة من قطاعيةٍ إلى شاملةٍ، وهو السيناريو الذي تنبّهت إليه دراساتي قبل أن تتحقق معالمه على الشاشات.

جلست البارحة في مقهى البرميل الذي أتردّد عليه منذ ثماني سنواتٍ، احتسيت فنجان قهوتي كالعادة، وقرأت عن تداعيات منطق البرميل المرعبة على الاقتصاد الأمريكي إن لم يتنازل ويركع تحت صرماية محور المقاومة في طهران وصنعاء والضاحية وغزة، مع اقتلاع عصابات الجولاني كوهين والإخوانج، وتصفية المحميات والكيان الصهيوني، وعصابة أردوغان للإبادة الجماعية. كان في المقهى شخصٌ مع كلبٍ يعوي بصخبٍ، يصرخ عليه بصوتٍ صارخٍ وينظر إليّ برعبٍ، كأنه يرى فيّ ما لا يريد أن يراه. وعندما عدت بفنجاني — الترام — كان هناك تقريباً وجه شخصٍ آخر يشبه الشخص الذي رأيته في المقهى، ويشبه وزير الخزانة الأمريكية بعينين لم تعرفا النوم، وفيهما بكاءٌ من نوعٍ معينٍ، وهو ينظر إليّ. أنا أروي هذه الملاحظة كما وقعت، لا أكثر، لكنها في تقديري ليست تفصيلاً عابراً: هي صورةٌ مصغّرةٌ عن حالةٍ لم تعد تجامل، وعن وجوهٍ أنهكها السهر على أرقامٍ لا تنام. البرميل لا يجامل، ولا يأبه لتصريحات ترامب، وما يهمّه تصريحٌ واحدٌ من طهران.

وهنا أريد أن أكون دقيقاً في موقفي، لأن الدقة في هذه اللحظة ليست ترفاً أكاديمياً بل ضرورةٌ أخلاقية: أنا أكتب بشكل موضوعي، وقد استفاد محور المقاومة من دراساتي، لكنني قدّمت في الوقت نفسه دراساتٍ يمكن أن تستفيد منها الولايات المتحدة — بشرط أن تُقاد بغير منطقٍ استعماري. فالهيمنة على سوق الطاقة ليست استراتيجيةً، بل مقامرةٌ؛ والتعايش مع تعددية المنتجين، وفصل حسابات الطاقة عن الحسابات العقابية الجيوسياسية، وبناء احتياطياتٍ إقليميةٍ بدل الابتزاز السعري — هذه ثلاثة محاور إصلاحيةٍ طرحتها، وواشنطن نفسها تستطيع أن تعمل بها إن أرادت، لكنها تفضّل الغرور على الحساب. وقدّمت دراساتٍ مماثلةً للاتحاد الأوروبي الذي يواجه حساسيةً أعلى من أمريكا تجاه صدمات الطاقة، ويحتاج إلى تسريع التحوّل الطاقي وتنويع الموردين قبل أن يجد نفسه رهينةً لشتاءٍ قاسٍ؛ ولروسيا التي تتفاعل مع منطق البرميل بوصفها منتجاً رئيسياً ولها مصلحةٌ في استقرار النطاق السعري؛ أما الصين، فقد بلغت فيها مستوى دراساتٍ معمّقةٍ غير مسبوقةٍ تاريخياً، وهو ما يجعلها قادرةً على قراءة المعادلة بدقةٍ أكبر من كثيرٍ من العواصم الغربية التي ما زالت تقرأ خريطة الطاقة بعيون القرن الماضي. هذا ما أوحى لي به مقهى البرميل: أن الانتباه مطلوب، وأن البرميل لا يجامل ولا يأبه للتصريحات، وأن ما يحرّك المعادلة تصريحٌ واحدٌ من طهران. فاركعوا أمام مطالب إيران ومحور المقاومة قبل أن يفرض عليكم البرميل الركوع.

وأزيد هنا، بعد هذا كله، أن ما أكتبه ليس نبوءةً ولا خطبةً، بل خلاصةُ رجلٍ جلس سنواتٍ يراقب الأرقام وهي تتنفس، ويرى في فنجان قهوته ما لا يراه المختصون في نشراتهم. البرميل كائنٌ صبورٌ، لا يستعجل، ولا يرفع صوته، لكنه حين يتكلم يتكلم بلغةٍ لا تُترجم إلا إلى لغةٍ واحدةٍ: لغة الركوع. ومن لا يفهم هذه اللغة اليوم، سيفهمها غداً على مهلٍ، ودفع الثمن. وأنا، بما أملك من أدواتٍ، أقولها صريحةً: من يريد أن ينجو من هذا المنطق فليقرأه كما هو، لا كما يشتهي؛ ومن يريد أن يستفيد فليستفد، بشرط أن يترك الغرور عند الباب. أما أنا، فسأبقى في مقعدي في مقهى البرميل، أراقب الفنجان، وأكتب ما أراه، حتى يرى الجميع ما أراه.



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نجيب محفوظ — السكين التي سبقتها الفتوى
- مصطفى العقاد — الإسلام الذي لا يمر عبر فتوى اسلام المحميات ا ...
- كيف تُدير أوروبا تناقضَها بين محاربة الإسلام التكفيري والتعا ...
- حكايات الانهيار والصعود من دمشق إلى باب المندب ..كتيب 13 مقا ...
- شرايين رقمية في العتمة كيف تُكتب حدود العالم تحت سطح الماء( ...
- المعلمُ الذي علّمَ الشعرَ: في أهمية المعلم الشيوعي
- سُقُوطُ الأَقْنِعَةِ النِّيُولِيبْرَالِيَّةِ .. فَلْسَفَةُ ا ...
- كتيب :أَعْصَابُ البَحْرِ.. حين تصمت الألياف وتتكلّم الجغرافي ...
- تحالف وهابية العدو السعودي والإمبريالية الأمريكية
- الدومينو يبدأ من بروكسل وباريس : حين يكتب محور المقاومة بداي ...
- كيف صاغ الاستشراق البنية التكفيرية الحديثة؟
- المنظومة التي لا تُرى: كيف تتشابك الثروة والعنف والسيادة في ...
- سقوط الشرعية الإقليمية… من تفكك النفوذ إلى صعود الشعوب
- مقارنة بين إعلام صنعاء والإعلام الخليجي الخادم للإمبريالية ا ...
- غزة: الإبادة كرسالة طبقية من النظام الرأسمالي العالمي
- نصف مليون ضحية: اليمن بين قصف العدو السعودي والجوع والصمت ال ...
- بين خنادق -العيديد العسكرية- وشاشات -العيديد الإعلامية-: قرا ...
- مسؤولية القيادة السعودية والإماراتية في حرب اليمن
- جيل الطلاب في اكتوبر ٢٠٢٦ : نحو اورب ...
- كيف بحمي اعلام محميات الخليج صورتها اللامعة باعتقال ألف صوت


المزيد.....




- بين مؤيد ومعارض لسعرها.. لفافة -طاووق- باهظة الثمن تثير جدلا ...
- رسالة من محمد بن سلمان إلى رئيس الصين.. وبكين سترسل مبعوثين ...
- منها السعودية وإيران.. العراق يعلن ضبط 9 أطنان من المخدرات ف ...
- مع تصاعد الاحتجاجات.. ترامب لماكرون: دمرت بلدك بسياسة الهجرة ...
- نبوءة لبابا فانغا تحذر مواليد هذا البرج من عام عصيب في 2027. ...
- طبيب يحدد المستوى المثالي للسكر في الدم
- طفيلي خطير يثير القلق في ولاية أمريكية.. تحذيرات من تنظيف ال ...
- تقرير عن احتمالات فشل استراتيجية الاتحاد الأوروبي في التخلي ...
- أطعمة قد ترتبط بانخفاض هرمون الذكورة لدى الرجال
- ترامب: سنحمي إيلون ماسك و-سبيس إكس- من الديمقراطيين عند الحا ...


المزيد.....

- مذكرات وذكريات مهندس عراقي في السويد / المهندس صباح يوسف ابراهيم
- مذكرات وذكريات مهندس عراقي في السويد / مذكرات وذكريات مهندس في العراق
- الدنمارك، نسير معاً، كل بمفرده / حكمة اقبال
- رسالة الى اخي المعدوم / صادق العلي
- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - احمد صالح سلوم - النفط كسلاح استراتيجي: قراءة في عتبة المئة والعشرين إلى المئة والخمسين دولاراً وانهيار المنظومة الأمريكية