|
|
محمود أمين العالم: الفكر غير مستقل عن واقعه المعيش وغير سابق عليه
فهد المضحكي
الحوار المتمدن-العدد: 8875 - 2026 / 10 / 31 - 14:06
المحور:
سيرة ذاتية
في بحثه «الفكر العربي بين النظرية والتطبيق»، المنشور في أحد أعداد مجلة «عالم الفكر»، يقول المفكر محمود أمين العالم: ما أبسط أن نذكر كلمة الفكر في ذاتها أو منسوبة إلى العرب، وما أعقد ما وراء ذلك من دلالات متعددة مختلفة. كذلك الأمر فيما يتعلق بمفهومي «النظرية والتطبيق» سواء في عموميتهما أو في نسبتهما إلى الفكر العربي. قد يكون من الطبيعي أن يثار في هذا الموضوع منذ البداية، سؤال الفكر عن نفسه، قبل سؤاله عن الفكر العربي.
والفكر، بحسب رأيه، هو عملية ذهنية لإنتاج المعرفة بالواقع المعيش في تجلياته المختلفة. ولهذا فالفكر هو نتاج الخبرة والتجربة والمعايشة الحيّة المستخلصة من الواقع. وقد تكون هذه المعرفة محدودة بموضوع جزئي، أو بقضية عامة أو بخبرة آنية في لحظة زمنية محدودة، أو لحظة تاريخية ممتدة، وقد يغلب عليها الطابع الاجتماعي أو الخيالي أو الأيديولوجي، وقد ترتفع إلى مستوى التنظيم والتعميم والتجريد والتعقيد فتكون هذه المعرفة نسقًا فلسفيًا أو معرفة نظرية. ولهذا فالفكر كفكر غير مستقل عن واقعه المعيش بمستوى أو بآخر، وغير سابق عليه في الوقت نفسه. فليس هناك فكر في المطلق اللهم إلا الفكر عن المطلق. وشأن الفكر العربي في ذلك شأن كل فكر إنساني آخر.
وإذا عدنا إلى موضوعنا المحدد وهو الفكر العربي، لوجدنا بالضرورة أكثر من فكر عربي. ولا يقصد، محمود أمين العالم، هنا تعدد مجالات فاعلية هذا الفكر، كالفكر السياسي أو العسكري أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الفلسفي أو الأدبي أو الفني إلى غير ذلك. وأنما ما يقصده الأختلاف في الرؤية الفكرية نفسها أو بتعبير آخر في البنية الذاتية للفكر نفسه التي تشكل رؤيته للعالم ومنهج معالجته لموضوعاته وقضاياه.
إنها ليست الوظيفة الفسيولوجية للذهن، وأنما هي البيئة الثقافية التي تكونت من خبرة الممارسة الواقعية فحسب، وأنما هو كذلك قوة فاعلية ومؤثرة في هذا الواقع الذي والموجهة - سلبًا أو إيجابًا - لهذه الممارسة نفسها. وهكذا، كما أوضح، نجد أنفسنا في قلب السؤال الإشكالي حول الفكر العربي بين النظرية والتطبيق. على أن جوهر الإشكالية يكمن - في تقديره - في العلاقة بين الحدود النظرية للفكر العربي وخصوصية واقعه. ولهذا قد يكون من الضروري أن نستعرض نقده لتجليات الفكر العربي عند المفكرين العرب المعاصرين، ثم في بنية ومسلك الأنظمة العربية كمدخل لقراءة العلاقة بين الفكر العربي عامة وواقعه الخاص.
حين تناول تجليات الفكر عند بعض المفكرين العرب المعاصرين، ذكر، أن أبرز هذه التجليات وأشدها سيادة في الفكر العربي قديمًا وحديثًا هو القول بالطبيعة الثنائية أو المزدوجة للفكر العربي التي تشكل السمة التوفيقية لهذا الفكر. إنها ثنائية العقل والنقل، الظاهر والباطن، الدين والعلم، التراث والمعاصرة... إلى غير ذلك. وبناءً على هذا المنظور فقد دلل على ذلك- كمثال- بالقول إن هذه السمة التوفيقية للفكر العربي أن تكون خلاصة الجهد التحليلي الفكري الذي قام به زكي نجيب محمود في العديد من كتبه، وبخاصة في كتابه «تجديد الفكر العربي». يقول في هذا الكتاب: «لو تأملنا ضمائرنا لوجدنا هناك مبدأً راسخًا عنه انبعث، ولا تزال تنبعث أحكامنا في مختلف الميادين.. واعني به مبدأ الثنائية التي تشطر الوجود شطرين، لا يكونان من مرتبة واحدة، ولا وجه للمساواة بينهما، هما الخالق والمخلوق، والروح والمادة، والعقل والجسم، والمطلق والمتغيّر، والأزل والأبد، أو قل هي السماء والأرض». وإلى جانب هذه الثنائية العامة يقول بثنائية توفيقية بين القديم والحديث، بين التراث والمعصرة، أو بين الثقافة العربية وعلم الغرب، التي هي امتداد للثنائية العامة.
ووفقًا لهذا الرأي، سنجد هذه الثنائية في شكل أكثر تنظيرًا عند مفكر مصري آخر هو عبدالحميد إبراهيم في كتابه «الوسطية العربية» الذي يتفق مع زكي نجيب محمود في أن الثنائية هي جوهر الفكر العربي الإسلامي، ولكنه يختلف معه في طبيعة العلاقة بين طرفي هذه الثنائية. فإذا كان زكي نجيب محمود يقول بوحدة عضوية بين هذين الطرفين، وإن كان في أغلب تطبيقاته يتراوح بين الطرف الروحي والطرف المادي أو العلمي، فإن عبدالحميد إبراهيم يرفض هذه العلاقة العضوية فضلًا عن التجاوزية إلى مُوكب ثالث منهما. ويقول بالعلاقة الجوارية المتوازنة بين الطرفين.
ويري العالم أن أبرز من قدم دراسة تحليلية نقدية مستفيضة لهذه الثنائية أو التوفيقية هو محمد جابر الأنصاري في رسالته العلمية «الفكر العربي وصراع الأضداد» فضلًا عن مقالاته في كتاب «تجديد النهضة باكتشاف الذات ونقدها»، يقول في «تجديد النهضة»: «إن هذه الثنائية أو الجدلية أو التوفيقية بين الفكر العربي كجهد عقلي بشري اجتهادي، وبين المعطيات الدينية ستظل ظاهرة دائمة في هذا الفكر، وستكون العبرة في كيفية استقرار وتوازن المعادلة أو الجدلية الخلاقة بين ما هو إنساني وما هو إلهي،بين ما هو عقلي وما هو غيبي، أي بين ما هو عالم الشهادة وما هو عالم الغيب». على أنه في رسالته العلمية «الفكر العربي وصراع الأضداد» يشخص التوفيقية بأنها تمثل أزمة الفكر العربي وليست طبيعة راسخة فيه بل يرى في الخلاصة الأخيرة أن أزمة التوفيقية الفكرية لا تقتصر على كونها محاولة للتقريب بين عنصرين متباينين تاريخيًا وفكريًا وحضاريًا، وإنما تمثل أيضًا في كون العنصرين قد فقدا أصالتهما ودخلا الحضارة العربية المعاصرة في شكلين مجتزئين أو محرفين بحيث غدا الأمر توفيقًا بين حداثة مجتزأة وتراث مجروح الأصالة. بل ينهي كتابة بالدعوة إلى كسر هاتين القوتين الطاغيتين اللتين تعبران عن موقف اللاحسم والخروج من ورطة التوفيق بينهما، وذلك بالعودة إلى براءة الذات الحرة وفطرتها، بمنأى عن أغلال الموروث والمقتبس معًا... لعله ( أي العربي المعاصر ) إذ عاد إلى كينونته الحاضرة، واتخذها قيمة عليا تتقرر على أساسها مراتب القيم من موروثه ومقتبسه، أن يعيد بعد اكتشافه لذاته اكتشاف التراث والعصر من جديد، برؤية ذاتية مستقلة صادقة فاعلة.
وفي تقديره إذا كانت الرؤية التوفيقية عند كل من زكي نجيب ومحمد وعبدالحميد إبراهيم يغلب عليها الطابع الوضعي التحليلي التشخيصي، فإن رؤية الأنصاري تقترب من الطابع الذاتي الجدلي المتطلع لتجاوز هذه التوفيقية. على أن الملاحظ بشكل عام غلبه الذهنية التجريدية على هذه الرؤية التوفيقية للفكر العربي كأنما هو فكر في ذاته مفارق للواقع. ومن الأمثلة أيضًا، تحدث عن السمة التوفيقية لهذا الفكر عند محمد عابد الجابري و عبدالله العروي.
وفي هذا الصدد، من الأهمية بمكان أن نشير إلى أهم ما خلص إليه العالم وهو، أنه بالرغم ما يبذله بعض المفكرين العرب من اجتهادات تجديدية جادة، سواء في مجال الفكر الفلسفي أو الديني أو السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو الأدبي أو الفني أو العلمي، فإن الفكر العربي السائد بشكل عام سواء في منظومته الفكرية السلطوية أو في الاجتهادات الفكرية المعارضة لها، أو في الفكر السائد في المجتمعات العربية عامة، يكاد يغلب عليه الطابع الأيديولوجي الخالص. أنه يتسم بالهشاشة النظرية التي لا تتيح الامتلاك المعرفي لحقائق الواقع وضروراته ومستجداته واحتياجاته وحركته المستقبلية. ولهذا فهو أقرب إلى تكريس الواقع القائم وإعادة إنتاجه، إن لم يفاقم من تخلفه وتبعيته وتمزقه القومي. إن علاقة الفكر العربي عامة بواقعه علاقة تجزيئية آنية، سطحية، نفعية، مصلحية، برجماتية، أنفعالية، ذاتية، مثالية، تفتقد الرؤية الكلية، والتاريخية والموضوعية والعلمية والفاعلية المستقبلية، فالهشاشة النظرية تؤدي بالضرورة إلى هشاشة مسلكية وموقفية وعملية، وتعمق هذا التناقض بين أيديولوجية الخطاب الفكري وواقعه الموضوعي. ولعل الرمز الصارخ المأساوي على هذا التناقض بين الأيديولوجي والواقعي يتمثل في هذا التساؤل الشامت المتفاخر المزهو بانتصاره الموهوم للمذيع المصري أحمد سعيد في إذاعة صوت العرب عام 1965: «أين أنت يا ديان» في الوقت الذي كان فيه ديان يغمد خنجره العسكري الغادر في قلب الجيش المصرى، وفي كرامة التاريخ القومي العربي ! إن مثل هذا التناقض المأساوي الصارخ لا يزال يتمثل في العديد من مظاهر العلاقة بين الخطاب الأيديولوجي السلطوي وغير السلطوي السائدة وواقع سلوكها وممارساتها في معالجة جراح الواقع العربي.
باختصار، يرى العالم أن الفكر العربي عامة سواء في منظومته السلطوية الرسمية أو اجتهاداته الفردية، وفي تجلياته في برامج ومواقف الأحزاب والهيئات السياسية، وفي واقعه المجتمعي السائد، هو خطاب أيديولوجي يفتقد الإحاطة والعمق والاتساق المعرفي النظري العلمي بالواقع العربي في معطياته المختلفة، كما يفتقد الفاعلية الناجعة المؤسسة على هذه المعرفة. وهذا، وفق تصوره، ليس بالحكم المطلق، فهناك بغير شك اجتهادات فكرية وبحثية فردية ومؤسساتية، ترتفع إلى مستوى رفيع من المعرفة النظرية والعلمية بمعطيات مختلفة لهذا الواقع.
#فهد_المضحكي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
قسطنطين كفافيس.. أهم شعراء اليونان في القرن العشرين
-
كتاب «من الحق الإلهي إلى العقد الاجتماعي»
-
تركيا والاتحاد الأوروبي
-
حافظ محمود.. فارس الصحافة المصرية
-
الفساد في أوكرانيا يمتد إلى داخل منظومة الحكم
-
الدين يجب أن يكون بعيدًا عن الصراعات السياسية
-
العرب وتحديات ما بعد الاستقلال
-
والت ويتمان.. أهم شعراء الأدب الأمريكي في العصر الحديث
-
علماء المناخ يحذرون: العالم قد يشهد عواقب أكثر كارثية
-
حديث عن الشباب والثقافة (2)
-
حديث عن الشباب والثقافة
-
كتاب «معارك التنويريين والأصوليين في أوروبا»
-
الاتحاد الأوروبي بين التعديلات الداخلية والضغوط الخارجية
-
تحذيرات أممية من أزمة جوع عالمية
-
ترجّل الشاعر... وبقيت المواويل
-
كتاب «التنمية حرية»
-
مراكز الأبحاث والفكر العربي
-
شيخ النقّاد شكري عياد (2)
-
عن الإمبراطورية الأمريكية
-
محمد التابعي.. أسطورة الصحافة المصرية
المزيد.....
-
بين مؤيد ومعارض لسعرها.. لفافة -طاووق- باهظة الثمن تثير جدلا
...
-
رسالة من محمد بن سلمان إلى رئيس الصين.. وبكين سترسل مبعوثين
...
-
منها السعودية وإيران.. العراق يعلن ضبط 9 أطنان من المخدرات ف
...
-
مع تصاعد الاحتجاجات.. ترامب لماكرون: دمرت بلدك بسياسة الهجرة
...
-
نبوءة لبابا فانغا تحذر مواليد هذا البرج من عام عصيب في 2027.
...
-
طبيب يحدد المستوى المثالي للسكر في الدم
-
طفيلي خطير يثير القلق في ولاية أمريكية.. تحذيرات من تنظيف ال
...
-
تقرير عن احتمالات فشل استراتيجية الاتحاد الأوروبي في التخلي
...
-
أطعمة قد ترتبط بانخفاض هرمون الذكورة لدى الرجال
-
ترامب: سنحمي إيلون ماسك و-سبيس إكس- من الديمقراطيين عند الحا
...
المزيد.....
-
مذكرات وذكريات مهندس عراقي في السويد
/ المهندس صباح يوسف ابراهيم
-
مذكرات وذكريات مهندس عراقي في السويد
/ مذكرات وذكريات مهندس في العراق
-
الدنمارك، نسير معاً، كل بمفرده
/ حكمة اقبال
-
رسالة الى اخي المعدوم
/ صادق العلي
-
كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة
/ تاج السر عثمان
-
سيرة القيد والقلم
/ نبهان خريشة
-
سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن
/ خطاب عمران الضامن
-
على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم
/ سعيد العليمى
المزيد.....
|