أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - مهند المدني - أنا وصديقي والمعرفة: في فلسفة التفاوت في الوعي وعناد القناعات














المزيد.....

أنا وصديقي والمعرفة: في فلسفة التفاوت في الوعي وعناد القناعات


مهند المدني
ليبرالي محافظ/ كاتب وباحث في الشأن السياسي العراقي والإقليمي

(Muhannad Al Madani)


الحوار المتمدن-العدد: 8875 - 2026 / 10 / 31 - 08:04
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


أنا وصديقي في كوكبين نفكر، وفي قلب واحد نلتقي، حين يتيح لك القدر رفقة إنسان تعبر معه دروب الحياة الطويلة، وتكتشف مبكراً أن أثمن ما في هذه الشراكة الإنسانية ليس تطابق الأفكار ولا انسجام الرؤى، بل سعة المكان الذي يمنحه كل طرف للآخر كي يكون مختلفاً، بل ونداً فكرياً صادقاً. ولعل أغرب ما في صداقتي العزيزة، هو أنني وصديقي نسكن في كوكبين فكريين لا يلتقيان إلا على مائدة الود، فهو يرى العالم بعدسة التفاصيل اللحظية والصغيرة والقصيرة ، بينما أنظر إليها من شرفة التفكير الاستراتيجي وعين الرؤية الواسعة.
لسنوات خضنا نقاشات لا تنتهي، ومساجلات فكرية لا تهدأ، حول مآلات المنطقة، وتوازنات القوى، ومستقبل الإقليم السياسي. كنتُ أرسم الخريطة المقبلة وأتوقع كل منعطف سيمر بنا، وكان هو يجادلني بحرارة وينفي تلك التوقعات، وربما بستهزأ أحيانا ويكذّب الاستنتاجات باعتبارها خيالاً بعيداً عن الواقع.
ثم دارت رحى السنين، وجاء التاريخ ليصدّق كل كلمة سُطرت في دفتر توقعاتي، إذ تحققت المنعطفات وتوالت الأحداث كما هي. ولكن المفاجأة لم تكن في تحقق الواقع، بل في صديقي الذي لا يزال يجادل ويتمسك باختلافه!
▪️جذر الخلاف هو الاختلاف في الوعي وتعدد مستوياته
وهنا تتجلى الحقيقة الفلسفية الأعمق: إن أصل الاختلاف بين البشر في شتى مناحي الحياة ليس اختلافا في الظاهر أو النيات، بل هو تفاوت جوهري في درجة الوعي وطبيعة المعرفة، وممكن افصلهُ كالتالي:-
أ- الوعي السياسي وعمق التفكير: إن السياسة ليست مجرد متابعة للنشرات الإخبارية أو انفعال بالحدث اليومي، بل هي علم يحتاج إلى عمق في التفكير ووعي سياسي نافذ يقرأ ما خلف الكواليس ويستشف حركة القوى العظمى وتوازنات المصالح. وهنا يحدث الاختلاف بين من يقف على السطح يراقب الظواهر، ومن يغوص في الأعماق ليفكك المسببات، فالاختلاف في السياسة هو بطبعه اختلاف في مستوى الوعي الاستراتيجي.

ب- الوعي التاريخي والبحث والتحقيق: كذلك الحال في قراءة التاريخ، فالتاريخ لا يُفهم بالسطحية أو الانطباعات العابرة، بل يتطلب وعياً تاريخياً عميقاً، ومتابعة دقيقة، وتفتيشاً وتحقيقاً مستمراً في كتب التاريخ القديمة والحديثة لاستيعاب السنن الإلهية والمجتمعية التي تتكرر. والناس يختلفون في قراءتهم للتاريخ لأن وعيهم التاريخي متفاضل، فمنهم من يقرأ الحادثة مجردة، ومنهم من يربطها بسياقها الحضاري والفكري.

ج- الوعي الديني والتأويل العقلاني: حين نصل إلى الدين والتأويل، نجد أن الاختلاف يصبح أكثر حدة، والسبب في ذلك يعود إلى التفاوت في الوعي الديني والمعرفة العميقة. إن فهم النص القرآني والتأويل الصحيح لا يتأتى بالقراءة السطحية، بل بالبحث العلمي العقلاني الرصين في أمهات الكتب والبحوث الصحيحة للوصول إلى درجة الوعي الكامل. وحين يتفاوت هذا الوعي الديني بين إنسان وآخَر، يتطرق الاختلاف في الفهم والتأويل والنتيجة.

د- سيكولوجية المعرفة: لماذا نرفض الاعتراف بالخطأ؟
إن الإنسان حين يجادل في السياسة أو التاريخ أو الدين، لا يبحث دائماً عن (الحقيقة المجردة) بل يدافع عن سلامة بنيانه الفكري وهويته. فالاعتراف بصحة رأي الطرف الآخر يعني بالنسبة له هدم بناء من القناعات استند إليه طويلاً وشيّد عليه أمانه النفسي، ومواجهة هذا الانهيار أشد ألماً من مواجهة الحقيقة ذاتها.
والمعرفة ليست مجرد معلومات تُجمع، بل هي (مستوى من الوعي) يحدد كيفية رؤيتنا للوجود. ولأن هذا الوعي يختلف بين شخص وآخر، فإن الرؤية تختلف بالضرورة.
ختاماً/ في جمال الاختلاف وبقاء الوئام ، وسط هذا العناد الجميل الذي يمارسه صديقي، أدرك اليوم أن قيمته الحقيقية لا تكمن في كونه (موافقاً لي في الرأي)، بل في استمراره بالرفض والجدال. لولا هذا التباين الحاد لكانت طرائق التفكير جامدة، ولكانت مجالسنا خالية من حرارة الأسئلة وعمق التأمل.
وإن المعرفة الحقيقية لا تتلخص في أن نصل إلى اليقين في السياسة أو التاريخ أو الدين فحسب، بل في أن ندرك كيف نحافظ على أحبابنا حين تتقاطع سيوف آرائهم مع آرائنا. إنها القدرة الرفيعة على أن نبتسم في وجه صديق يجادل الحق وهو يراه رأي العين، لنكتشف أن الصداقة الحقيقية هي التي تنجو بأمان من حطام التوقعات، وتظل باقية أعمق وأبقى من كل الخلافات الفكرية والسياسية.



#مهند_المدني (هاشتاغ)       Muhannad_Al_Madani#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الاستراتيجية الجيوسياسية بين المركزية العقائدية والتمدد الإق ...
- بنية التدين المعاصر: بين تشوه المفهوم واستعادة منهج الاستدلا ...
- من يصنع المجتمع؟
- لمجتمع المدني والشراكة الثلاثية بين الشباب والبيئة والحوكمة ...
- الليبرالية المحافظة: من حماية الهوية إلى صناعة المستقبل.
- تيار الفتنة التاريخي في العراق : قراءة بنيوية في جذور الإعاق ...
- المعادلة الأمريكية المركبة في إدارة التوازن الإقليمي: بين تف ...
- ثنائية الفقه والإدارة: كيف سيُدار الانتقال الهادئ لمرجعية ال ...
- من مرحلة 1979 إلى اتفاقية مكة: تحولات العقل الاستراتيجي في ا ...
- هندسة التغير الصامت: رؤية استراتيجية شاملة في نموذج الاتحاد ...
- التوازن الإقليمي الهش وتفكيك التقارب : القراءة الشاملة لتداع ...
- التفكيك الاستراتيجي للحرب بين واشنطن وطهران: عندما اصطدمت ال ...
- أوهام المعرفة الأربعة: لماذا نرى العالم من خلال عدساتنا المش ...
- من الأزمة الهيكلية إلى بناء الدولة الحديثة: مقومات وفاعلية ا ...
- هندسة الوعي العراقي: الطريق لتفكيك ثقافة الفساد وبناء المواط ...
- جناية المسلمين: كيف تحول الإسلام من رسالة سماوية ومشروع حضار ...
- الوعي السياسي الليبرالي : خارطة طريق بنيوية للإصلاح الشامل و ...
- هندسة دولية لإستراتيجية جديدة في المنطقة: مضيق هرمز من سلاح ...
- أفق الدولة الحديثة في العراق: بين عدالة الليبرالية المحافظة ...
- تفكيك اللادولة في العراق: وعي امارجي يرصد مشروع الزيدي في تأ ...


المزيد.....




- فستان منحوت وتفاصيل جريئة.. كيم كارداشيان تتألق بتصميم سعودي ...
- لحظة استثنائية.. غواصة ودلفين يسبحان بتناغم في البحر الأحمر ...
- هجوم سيبراني غير مألوف.. قراصنة يعبثون بثلاجات المتاجر بأورو ...
- قاليباف: سلمنا ردًّا مقتدرًا وعقلانيًّا لواشنطن.. والكرة الآ ...
- مفكك الشفرات الأول.. كيف روّض الكندي عشوائية الحروف؟
- -النينيو-2026- تقترب من ذروة قياسية
- شاهد بالفيديو أكبر معركة روبوتية في العملية العسكرية الخاصة ...
- تحقيق إسرائيلي في تدخل قطري وفلسطيني بالانتخابات
- نيويورك تسجل وفاة أول طفل بالحصبة منذ 3 عقود
- بري ينقل تحذير روبيو إلى -حزب الله-


المزيد.....

- من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية / غازي الصوراني
- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - مهند المدني - أنا وصديقي والمعرفة: في فلسفة التفاوت في الوعي وعناد القناعات