أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - شربل نصار - لا تأكل الفول: الطعام، الجسد، والأيديولوجيا














المزيد.....

لا تأكل الفول: الطعام، الجسد، والأيديولوجيا


شربل نصار
باحث


الحوار المتمدن-العدد: 8875 - 2026 / 10 / 31 - 08:03
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


يدخل رجل مطعمًا في القاهرة، يطلب فولًا وطعمية وبطاطس بعيش بلدي. يسأله النادل عن عمله، فيجيب: مبرمج. فيهزّ النادل رأسه ويقول: "هتاكل فول وتفتح اللابتوب؟" الرجل يضحك، ولا يدري أنه سمع للتو خلاصة أيديولوجيا العصر.

خطاب الحنين إلى المطبخ التقليدي يقدّم نفسه مقاومةً للعولمة، وهو في الحقيقة ابنها البار. فمن يقول إن "الأكل البلدي يشبع، والأكل المستورد خفيف" لا يحنّ إلى ماضٍ، بل يخضع لمنطق الإنتاجية خضوعًا كاملًا. السؤال الذي ينبغي أن نطرحه: لماذا نسأل عن الطعام بمقياس الشبع والإنتاجية؟

المطبخ المصري، بوصفه مطبخًا عالي الكثافة السعرية، لم يكن يومًا اختيارًا ثقافيًا. كان استجابة موضوعية لشروط مادية: العمل الزراعي، والبناء، والحمل، والحركة الجسدية المستمرة. الفلاح الذي يأكل الفول والطعمية ثم يعمل في الأرض ست ساعات كان يفطر فلاحًا، والطعام مطابق للجسد الذي يأكله.

لكن حين ننقل الطعام نفسه إلى جسد آخر — جسد المبرمج، جسد من يجلس أمام شاشة — تنكشف المفارقة كاملة. الجسد الذي يتلقى الفول والطعمية والبطاطس المقلية بالسمنة، ثم يُطلب منه أن يفكر، هو جسد في حرب أهلية. الجهاز الهضمي يستنفر كل موارده، والدماغ يطالب بحصته، فتقع جريمة أنطولوجية: أن تطلب من الجسد أن يفعل شيئين متعارضين في وقت واحد.

هذا التناقض بنية أيديولوجية، لا خطأ في اختيار الطعام. الأيديولوجيا تجعلك تعيش التناقض كأنه طبيعي. تؤمن بأن الأكل البلدي أصيل وصحي، وتذهب إلى العمل بعد إفطار دسم، فتشعر بالخمول، وتلوم نفسك: "أنا كسول، أنا غير منضبط." والحقيقة أنك ضحية بنية لا علاقة لها بالكسالة ولا بالانضباط. وخطاب الحنين إلى الطعام التقليدي يبيعك الهوية منتجًا، فتشتري "الأصالة" كما تشتري أي سلعة، وتدفع ثمنها من طاقتك الإنتاجية.

الشغف والأحلام والخطط الخمسية خطاب زائف. السؤال الحقيقي: ماذا تفطر؟ الطعام اللحظة المادية الأولى التي تحدد ما يمكنك فعله، والجسد كيمياء تحدد الإنتاجية قبل أن يحددها الشغف. من يطلب منك أن تخطط لخمس سنوات قادمة دون أن يسألك عن إفطارك، فهو جاهل أو مخادع.

لكن "الاختيار الأفضل" أيضًا أيديولوجيا. أن تقول "كل شيئًا خفيفًا قبل العمل" خضوع لمنطق الإنتاجية نفسه. المشكلة في أننا نقيّم الطعام بمقياس الإنتاجية أصلًا. أنت تأكل لتنتج، والطعام الذي يُفترض أنه ثقافي وأصيل ومشبع يصير، في اللحظة التي يصير أداة للإنتاج، مجرد وقود.

الحنين إلى المطبخ التقليدي هو الشكل الأخير للأيديولوجيا الرأسمالية. تظن أنك تقاوم العولمة بالفول والطعمية، بينما تخضع لمنطق الإنتاجية بأكثر صوره حميمية. جسدك ساحة المعركة، وإفطارك بيان سياسي. والسؤال الجدير: لماذا نسأل عن الطعام بمقياس الإنتاجية؟

الطعام الوحيد المقاوم هو الطعام الذي لا يخدم شيئًا. يُؤكل بلا هدف، بلا إنتاجية، بلا قيمة مضافة. وهذا الطعام لا يوجد في قائمة أي مطعم.



#شربل_نصار (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- «البيان اللاإنساني»: باتريشيا ماكورماك وتفكيك امتياز النوع
- الله بلا كينونة: جان-لوك ماريون ومحاكمة الأصنام المفهومية
- مدينة الله عند القديس أوغسطين: فلسفة التاريخ ومصير الإنسان
- عن «موضوع الأيديولوجيا السّامي» (1989) - سلافوي جيجك
- نقد أدورنو لهايدغر: رطانة الأصالة


المزيد.....




- المحكمة العليا الأمريكية ترفض طلبا لإدارة ترامب بإلغاء بطاقا ...
- بعد مواجهة مع بن غفير.. اعتداء خطير على الأسير حسن سلامة في ...
- أمير غالب.. حليف ترمب في ميشيغان الذي يحشد الأصوات بعيدا عن ...
- بوتين يشق الغرب.. ثلاث مقاربات في كيفية التعامل مع روسيا
- ما الذي تكشفه الوثائق الأمريكية عن المساعي الإسرائيلية لتروي ...
- قاض فيدرالي يأمر إدارة ترامب بعدم استبعاد 20 ألف ورقة اقتراع ...
- -أكسيوس-: ترقب محادثات روسية أمريكية أوكرانية في أبو ظبي يوم ...
- كوريا الشمالية تنفي أي صلة لها باختراق بورصة -باينانس-
- ولي عهد الأردن: ندين الاعتداءات الحوثية على السعودية وندعم إ ...
- -بلومبرغ-: واشنطن تريد من حلفاء الناتو تأمين ملياري دولار لت ...


المزيد.....

- من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية / غازي الصوراني
- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - شربل نصار - لا تأكل الفول: الطعام، الجسد، والأيديولوجيا