ابراهيم عباس البشري
كاتب وباحث
الحوار المتمدن-العدد: 8874 - 2026 / 10 / 30 - 23:54
المحور:
الصحافة والاعلام
دبلوماسية المصالح وتحدي التوازن الاستراتيجي
لا تكمن معضلة السياسة الخارجية السودانية في تطوير علاقاتها مع روسيا ولا في الحفاظ على علاقاتها التاريخية والاستراتيجية مع المملكة العربية السعودية وإنما تكمن في قدرة الخرطوم على إدارة المسارين معا دون أن يتحول التقارب مع أحدهما إلى مصدر توتر مع الآخر أو سببا لإرباك علاقاتها الإقليمية والدولية
فالسودان ليس دولة هامشية في معادلات الإقليم وموقعه الجغرافي المطل على البحر الأحمر يمنحه وزنا استراتيجيا خاصا ويجعله جزءا من حسابات الأمن الإقليمي والدولي ومن هنا فإن علاقاته مع موسكو لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد علاقات ثنائية تقليدية بل ينبغي إدراك أبعادها الاقتصادية والعسكرية والسياسية وما يمكن أن تتيحه من فرص لإعادة بناء قدرات الدولة السودانية وتوسيع خياراتها الدولية
غير أن هذه العلاقة لا تنفصل عن طبيعة التوازنات الدولية والإقليمية المحيطة بالسودان فالمملكة العربية السعودية وإن كانت شريكا استراتيجيا وتاريخيا للخرطوم فإنها تنتمي في حسابات السياسة الدولية إلى المعسكر الغربي وتعد من الحلفاء الرئيسيين للولايات المتحدة الأمريكية وترتبط معها بعلاقات أمنية وعسكرية واقتصادية واسعة وهذا يجعل موقفها من تنامي النفوذ الروسي في البحر الأحمر أمرا يستحق القراءة المتأنية لا سيما أن المنطقة أصبحت ساحة تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى وتتجاوز حساباتها حدود العلاقات الثنائية
ومن المهم هنا إدراك أن الرياض لا تنظر إلى البحر الأحمر باعتباره مجرد ممر تجاري وإنما باعتباره عمقا استراتيجيا لأمنها القومي ومجالا حيويا يرتبط بأمن الملاحة والطاقة والتجارة الدولية ولذلك فإن أي تمدد عسكري لقوة دولية كبرى في محيطه قد يدخل ضمن حساباتها الأمنية ويثير تساؤلات حول انعكاساته على توازنات المنطقة. لكن هذه الاعتبارات لا تعني أن على السودان أن يجعل علاقاته الخارجية رهينة للهواجس الأمنية لأي طرف مهما كانت مكانته فالسودان دولة ذات سيادة ومن حقه أن يطور علاقاته الدولية وفقا لمصالحه الوطنية وأن ينوع شراكاته دون أن يكون مطالبا بالانحياز إلى محور دولي على حساب آخر
يمتلك السودان مع روسيا مجالات واسعة للتعاون تشمل التسليح والتدريب والتأهيل العسكري والتعدين والطاقة والبنية التحتية والسكك الحديدية والاستثمار في الموارد الطبيعية فضلا عن التعاون في المحافل الدولية والأهم من ذلك أن تنويع الشراكات الدولية يمنح السودان مساحة أوسع للحركة ويقلل من ارتهان خياراته لطرف واحد فالدولة التي تحصر علاقاتها الاستراتيجية في اتجاه واحد تضعف قدرتها على المناورة بينما تتيح الشراكات المتعددة فرصا أفضل لتحقيق المصالح الوطنية لكن المطلوب ألا يكون التعاون مع موسكو مجرد اتفاقات سياسية أو تفاهمات عسكرية وإنما شراكة فعلية محددة الأهداف واضحة الالتزامات ذات عائد ملموس على الاقتصاد السوداني وأمنه القومي فالسودان لا يحتاج إلى استيراد السلاح وحده وإنما يحتاج إلى نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعات وتأهيل البنية التحتية واستثمار موارده المعدنية والزراعية والطاقة بما ينعكس على حياة المواطن وقدرة الدولة على النهوض من آثار الحرب
وفي المقابل فإن العلاقة السودانية السعودية ليست علاقة عابرة فرضتها ظروف سياسية مؤقتة بل تستند إلى روابط تاريخية واجتماعية واقتصادية وأمنية وإلى مصالح جغرافية متداخلة بحكم الجوار عبر البحر الأحمر ولذلك فإن الحفاظ على هذه العلاقة وتطويرها يمثل مصلحة سودانية أصيلة وليس مجرد استجابة لحسابات الرياض
غير أن طبيعة ارتباط المملكة بالمنظومة الغربية وعلاقاتها الاستراتيجية مع واشنطن تفرض على الدبلوماسية السودانية أن تكون أكثر وعيا بحساسية التقارب مع موسكو وأن تدير هذا الملف بوضوح وشفافية دون أن تسمح بتحويله إلى موضع مساومة على استقلال قرارها الوطني ومن المهم أن توضح الخرطوم للرياض أن تطوير التعاون مع موسكو لا يستهدف أمن المملكة ولا يمثل تهديدا لمصالحها وأن السودان لا يبحث عن نقل صراعات القوى الكبرى إلى البحر الأحمر وإنما عن شراكات تساعده على استعادة قدراته وحماية مصالحه
وفي الوقت نفسه ينبغي ألا يتحول الحرص على العلاقات السعودية إلى قيد يمنع السودان من بناء علاقاته مع روسيا أو غيرها من القوى الدولية فالسعودية ليست بديلا عن روسيا وروسيا ليست بديلا عن السعودية ولكل منهما موقعها ومجالات التعاون معها وما يحتاجه السودان هو أن يحسن الفصل بين مسارات علاقاته وأن يدرك أن المصالح قد تتقاطع دون أن تتناقض بالضرورة وأن التوازن لا يعني الوقوف في منتصف الطريق بين القوى وإنما امتلاك رؤية وطنية مستقلة تحدد متى يتعاون السودان وفي أي مجال وبأي شروط
إن البحر الأحمر يمثل أحد أهم مفاتيح الأمن الاستراتيجي للسودان وليس من الحكمة أن يصبح موقعه الجغرافي سببا في تقييد خياراته أو إدخاله في صراعات النفوذ الدولي والمطلوب أن تكون للسودان رؤية مستقلة لأمن البحر الأحمر تقوم على حماية سيادته على موانيه وسواحله ومياهه الإقليمية وتعزيز التعاون مع الدول المشاطئة ورفض تحويل أراضيه أو مياهه إلى منصات تهدد أمن الآخرين أو تستخدم في صراعات لا تخدم مصالحه
وهنا تبرز ضرورة التمييز بين مستويات التعاون الدولي فالتعاون الاقتصادي والتجاري والعسكري والتدريب والتسليح لا يعني بالضرورة إقامة قواعد عسكرية أو الدخول في ترتيبات أمنية طويلة الأمد ذات طبيعة استراتيجية فلكل مستوى حساباته وتبعاته وينبغي أن يخضع أي اتفاق من هذا النوع لدراسة دقيقة تحدد مكاسبه ومخاطره وانعكاساته على أمن السودان وعلاقاته الإقليمية والدولية
كما أن من حق السودان أن يطرح تصوره الخاص لأمن البحر الأحمر وأن يتحول من دولة تتلقى حسابات الآخرين وتتعامل مع نتائجها إلى دولة تشارك في صياغة التفاهمات الإقليمية والدولية المتعلقة بهذا الممر الحيوي فالسودان يمتلك ساحلا وموانئ وموارد وموقعا لا يمكن تجاهله في أي ترتيبات جادة تخص أمن البحر الأحمر واستقراره
إن نجاح السودان في إدارة علاقاته مع موسكو والرياض يتطلب الانتقال من سياسة ردود الأفعال إلى سياسة المبادرة وصناعة التفاهمات فليس مطلوبا من السودان أن يضع علاقاته مع روسيا في مواجهة علاقاته مع السعودية وليس مطلوبا منه أيضا أن ينتظر موافقة الآخرين على خياراته السيادية وإنما المطلوب أن يعرف ماذا يريد من كل شريك وما الذي يستطيع تقديمه وما الحدود التي لا يجوز تجاوزها
ويمكن للخرطوم أن تفتح حوارا استراتيجيا مع الرياض حول أمن البحر الأحمر ومصالح الدول المشاطئة بالتوازي مع تطوير تفاهماتها مع موسكو وأن تجعل المصالح الاقتصادية والاستقرار الإقليمي قاعدة مشتركة للعلاقات بدلا من ترك المجال للتأويلات والشكوك كما يمكنها أن تستفيد من علاقاتها مع الطرفين في توسيع خياراتها الدولية دون أن تسمح لأي منهما بأن يحدد طبيعة علاقتها بالطرف الآخر
إن السياسة الخارجية الرشيدة لا تقاس بعدد التحالفات التي تعقدها الدولة وإنما بقدرتها على تحويل علاقاتها المتعددة إلى مكاسب وطنية دون أن تصبح أسيرة لتناقضات حلفائها وشركائها
السودان لا يحتاج إلى الاختيار بين موسكو والرياض ولا ينبغي أن يقبل بوضع علاقاته الدولية في معادلة صفرية يكون فيها التقارب مع طرف خصما على الطرف الآخر فمن حق السودان أن يطور علاقاته مع روسيا ومن واجبه أن يحافظ على علاقاته مع السعودية ومن مسؤوليته أن يحمي سيادته ومصالحه الاستراتيجية في البحر الأحمر. فالدول التي تمتلك موقعا استراتيجيا مهما لا ينبغي أن تكتفي بأن تكون موضوعا لحسابات الآخرين بل عليها أن تتحول إلى طرف يصوغ تلك الحسابات ويحدد موقعه فيها
لسنا مطالبين بأن نكون جزءا من محور ضد محور ولا أن نكون امتدادا سياسيا لأي معسكر دولي وإنما أن نكون دولة تعرف مصالحها وتحسن اختيار شركائها وتدرك أن العلاقات الدولية لا تقوم على العواطف ولا على المجاملات وإنما على المصالح المتبادلة واحترام السيادة. فالسودان لا ينبغي أن يكون جسرا تعبر عليه مصالح الآخرين فحسب بل دولة تمتلك إرادتها وتعرف كيف تجعل من موقعها الجغرافي وقوتها السياسية والاقتصادية أدوات لخدمة مصالحها الوطنية
.
#ابراهيم_عباس_البشري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟