أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - داود سلمان عجاج - حين تضيق الجذور عن اتساع الإنسان: تأملات في النسب والهوية ووحدة المصير (الجزء الأول)















المزيد.....

حين تضيق الجذور عن اتساع الإنسان: تأملات في النسب والهوية ووحدة المصير (الجزء الأول)


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8873 - 2026 / 10 / 29 - 08:29
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


ثمة حكايات يولد الإنسان وفي يده طرفٌ منها، قبل أن يعرف كيف بدأت، أو لماذا كُتبت على هذا النحو. حكايات تتناقلها الأجيال كما تتناقل أسماء الآباء والأجداد، وتستقر في الذاكرة حتى تبدو كأنها الحقيقة الوحيدة الممكنة. يكبر المرء وهو يحمل اسماً لم يختره، وينتمي إلى جماعة لم يقرر أن يولد بين أفرادها، ثم قد يجد نفسه، في لحظة ما، يدافع عن هذا الإرث كما لو أنه إنجاز شخصي حققه بجهده، أو فضيلة اكتسبها من تجاربه.
وهكذا، شيئاً فشيئاً، يتحول الاسم من علامة للتعريف إلى ميزان للتفاضل، وتغدو حكاية الأجداد أحياناً وسيلة لرفع الذات فوق الآخرين، لا جسراً يصل الإنسان بماضيه. ولعل المفارقة الأكثر استحقاقاً للتأمل أن بعضنا يقضي عمراً في إثبات عظمة أصوله، من دون أن يسأل نفسه عما أضافه هو إلى تلك الأصول، أو عما إذا كان سلوكه جديراً بما يتفاخر به من تاريخ.
فهل يكفي أن تكون جذورنا عميقة كي تكون أغصاننا مثمرة؟ وهل يمنحنا الذين سبقونا منزلة لم نبلغها بعد، أم أن الماضي، مهما اتسعت حكايته، لا يستطيع أن يعفينا من مسؤولية الحاضر؟
منذ أن وجد الإنسان نفسه في مواجهة الطبيعة ووحشتها، احتاج إلى الآخرين. كانت الجماعة يداً تمتد عند الخوف، وكتفاً يستند إليه الضعيف، وذاكرة تحفظ ما تعلّمه السابقون كي لا يبدأ اللاحقون حياتهم من الصفر. ومن تلك الحاجة نشأت روابط الأسرة والعشيرة والقبيلة، وتكونت حولها عادات وتقاليد وقيم، صارت مع الزمن جزءاً من هوية المجتمعات وطرائق عيشها.
لم يكن الانتماء، في جوهره الأول، خطيئة؛ بل كان إحدى الوسائل التي حمت الإنسان من العزلة، ومنحته شعوراً بالأمان، وأبقت شيئاً من حكايات أسلافه حياً في وجدان أبنائه. غير أن الوسيلة قد تنقلب على غايتها حين ينسى الإنسان لماذا اجتمع بالآخرين، ويجعل من الجماعة سوراً لا يحمي أبناءها فحسب، بل يمنحهم أيضاً، في تصوره، حق النظر إلى من هم خارجه بعين الاستعلاء.
عندها لا تعود العشيرة ذاكرة مشتركة، بل تصبح سلطة رمزية؛ ولا يعود النسب خيطاً يصل الحاضر بالماضي، بل يتحول إلى حاجز يفصل الإنسان عن الإنسان. وكأن الاسم الذي وُجد ليعرّف صاحبه صار يطالبه بأن يثبت تفوقه، وكأن الدم الذي يجري في العروق قد يحمل، إلى جانب صفاته الوراثية، شهادة امتياز لا يملكها سواه.
وهنا تتباعد خطوتان كثيراً ما يخلط الناس بينهما: الاعتزاز بالجذور والتعصب لها. فالاعتزاز أن تعرف من أين جئت، وأن تحفظ ذاكرة أهلك، وتصون ما في تراثهم من قيم نبيلة؛ أما التعصب فهو أن تجعل من هذه الذاكرة حكماً على الآخرين، وأن ترى في انتمائك دليلاً على منزلة لم يثبتها عملك، أو فضيلة لم يصنعها خلقك.
ليس مطلوباً من الإنسان أن يتنكر لأبيه، أو يمحو اسم عائلته، أو يتعامل مع ماضيه باعتباره عبئاً ينبغي التخلص منه. المطلوب فقط أن يعرف المسافة بين ما ورثه وما استحقه؛ فالأول هبة لم يخترها، والثاني مسؤولية لا يستطيع أن يتخلى عنها.
إن المرء لا يختار الأسرة التي يولد فيها، ولا يقرر اسم عشيرته، ولا يملك أن ينسب إلى نفسه أمجاداً صنعتها أيدي الآخرين. لكنه يملك، إلى حد بعيد، أن يختار موقفه من الحياة، وأن يعمل ليكون نافعاً، وأن يجعل من معرفته وسلوكه ونزاهته ما يستحق أن يُذكر به. ولعل أعظم وفاء للأجداد ليس أن نكرر أسماءهم في مجالس المفاخرة، بل أن نضيف إلى ما تركوه أثراً يجعل أبناءنا أقل حاجة إلى التفاخر بنا.
وليس غريباً أن نجد في الفلسفة القديمة ما يضيء هذه المسألة. فقد رأى أرسطو أن الإنسان كائن مدني بطبعه، وأن حياته لا تكتمل خارج الاجتماع الإنساني. غير أن الاجتماع، في معناه الأعمق، ليس دعوة إلى إقامة مراتب بين البشر بحسب أصولهم، وإنما هو اعتراف بحاجتهم بعضهم إلى بعض، وبأن الحياة المشتركة لا تستقيم من دون العقل والعدل واحترام الحقوق.
فأي معنى للجماعة إذا كانت تمنح أبناءها الشعور بالقوة، ثم تعلمهم أن ينظروا إلى الآخرين بوصفهم أقل شأناً؟ وأي جدوى من رابطة تجمع الأيدي إذا كانت تفرّق القلوب؟ إن الجماعة التي تنسى بعدها الإنساني قد تتحول من ملاذ إلى جدار، ومن ذاكرة تحفظ التجارب إلى رواية تبرر الانقسام.
ولعل ما نعرفه عن الماضي البعيد يزيد هذه المفارقة وضوحاً. فالبشر لم يعيشوا في جزر مغلقة، ولم تتحرك جماعاتهم عبر التاريخ في خطوط منفصلة لا تلتقي. كانت هناك هجرات، ولقاءات، ومصاهرات، وحروب، وتحالفات، وانتقالات تركت آثارها في الأسماء والثقافات واللغات، وأعادت تشكيل خرائط الانتماء جيلاً بعد جيل.
وما يبدو اليوم جماعة مستقلة ذات تاريخ خاص قد يكون، عند النظر إلى امتداد الزمن، جزءاً من حكاية أوسع تشابكت فيها مسارات بشرية متعددة. فالتاريخ ليس شجرة مستقيمة تنمو أغصانها في اتجاهات متباعدة إلى الأبد، بل غابة تتجاور فيها الأشجار، وتتداخل جذورها تحت الأرض، حتى يصعب أحياناً على الناظر أن يعرف أين تنتهي جذور إحداها وتبدأ جذور الأخرى.
ومع تطور العلم، أخذت بعض الأبواب التي كانت مغلقة على المعرفة تنفتح تدريجياً. صار الحمض النووي، أو ما يُعرف بالـDNA، نافذة تساعد على قراءة جوانب من تاريخ الإنسان، والكشف عن صلات وراثية وهجرات قديمة، ومقارنة عينات الأحياء بما أمكن استخراجه من الرفات البشرية. وهكذا أصبح في مقدور العلم أن يضيء بعض المسارات التي لم تكن الروايات المتوارثة وحدها قادرة على كشفها.
لكن هذه النافذة، مهما اتسعت، ليست مرآة كاملة للماضي. فالحمض النووي لا يحمل اسم العشيرة مكتوباً في خلاياه، ولا يستطيع وحده أن يحسم كل رواية عن الأنساب أو أن يمنح حكماً نهائياً بالانتساب إلى قبيلة بعينها. والسلالة الأبوية، مثلاً، ليست سوى خط واحد من خطوط النسب الكثيرة التي تتوزع عبر الأجداد من جهات متعددة، كما أن الانتماء القبلي يحمل تاريخاً اجتماعياً وثقافياً لا تختصره المعلومات الوراثية.
ومن هنا، فإن العلم لا يطلب منا أن نستبدل رواية قديمة برواية جديدة، ولا أن نجعل من نتائج الفحوص الوراثية هوية بديلة نتعصب لها، بل أن نتعلم التواضع أمام تعقيد الحقيقة. فما يكشفه العلم قد يوسع فهمنا لأصولنا، لكنه لا يملك أن يقرر وحده ما ينبغي أن نكونه، ولا أن يمنحنا مقياساً أخلاقياً نقيس به قيمة البشر.
ومع ذلك، يبقى المستقبل مفتوحاً على احتمالات تستحق التأمل. ماذا لو مضت قرون، وأصبحت معرفة الأصول الوراثية أكثر دقة واتساعاً؟ ماذا لو استطاع أحفادنا تتبع أجزاء واسعة من تاريخهم عبر قارات ومجتمعات مختلفة، واكتشفوا أن أسلافاً لهم عاشوا في مناطق لم تخطر لهم يوماً فكرة وجود صلة بها؟ وماذا لو اتضح لهم أن بعض الحدود التي دافع عنها أسلافهم بوصفها فواصل نهائية بين الجماعات، لم تكن سوى محطات مؤقتة في رحلة بشرية طويلة؟
قد يكتشف الإنسان حينها أن الجد الذي يفاخر باسمه ليس نهاية الحكاية، وإنما حلقة في سلسلة لا يعرف أولها، وأن الأصل الذي يتخذه البعض ذريعة للتعالي يتصل بأصول أخرى عبر مسارات من الهجرة والمصاهرة والتاريخ المشترك. وقد تتراجع ادعاءات النقاء الوراثي والانفصال المطلق عن الآخرين، لا لأن العلم ينتزع من الإنسان هويته، بل لأنه يريه أن الهوية أكثر تعقيداً من أن تُحاصر في اسم واحد أو رواية واحدة.
لكن السؤال الذي يستحق أن يسبق هذا الاكتشاف أو يرافقه هو: ماذا سيفعل الإنسان بهذه المعرفة؟ هل ستجعله أكثر تواضعاً حين يكتشف أن جذوره أبعد مما كان يظن، وأن حكايته تتصل بحكايات أخرى؟ أم سيبحث عن وسيلة جديدة للتفاضل، فيستبدل بالتعصب للعشيرة تعصباً للسلالة، وبالافتخار باسم الجد افتخاراً بصفة وراثية يتوهم أنها تمنحه حقاً إضافياً على الآخرين؟



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين تضيق الجذور عن اتساع الإنسان: تأملات في النسب والهوية وو ...
- حين لا يدرك السيارة
- أتخبرني بأن الحياة عادلة؟
- تغريبة أب
- نصفُنا الذي سبقنا إلى الغياب
- دائرة الجبين
- لازلتُ رضيعاً
- نحن أبناء ذواتٍ لم نعرفها: تأملات في الهوية والاستنساخ الإنس ...
- حين شيّعتُ العدل
- في زمن الأقنعة
- نهاية الساعات
- ما وراء الصورة الشعرية: تأملات في تشكّل المعنى وجماليات التل ...
- ما وراء الصورة الشعرية: تأملات في تشكّل المعنى وجماليات التل ...
- يكفيك أني أبتسم
- ما تبقّى من الريش
- حين يصبح الغد مؤجّلاً
- الفيضان
- حين كان الرمل وطناً
- اصرخ بوجهي
- جمال نوري: الكتابة بوصفها تحرّشاً بالحقيقة ومراوغةً للحياة؛ ...


المزيد.....




- فستان منحوت وتفاصيل جريئة.. كيم كارداشيان تتألق بتصميم سعودي ...
- لحظة استثنائية.. غواصة ودلفين يسبحان بتناغم في البحر الأحمر ...
- هجوم سيبراني غير مألوف.. قراصنة يعبثون بثلاجات المتاجر بأورو ...
- قاليباف: سلمنا ردًّا مقتدرًا وعقلانيًّا لواشنطن.. والكرة الآ ...
- مفكك الشفرات الأول.. كيف روّض الكندي عشوائية الحروف؟
- -النينيو-2026- تقترب من ذروة قياسية
- شاهد بالفيديو أكبر معركة روبوتية في العملية العسكرية الخاصة ...
- تحقيق إسرائيلي في تدخل قطري وفلسطيني بالانتخابات
- نيويورك تسجل وفاة أول طفل بالحصبة منذ 3 عقود
- بري ينقل تحذير روبيو إلى -حزب الله-


المزيد.....

- من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية / غازي الصوراني
- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - داود سلمان عجاج - حين تضيق الجذور عن اتساع الإنسان: تأملات في النسب والهوية ووحدة المصير (الجزء الأول)