أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - أحمد رباص - سؤال موجه إلى إمانويل كانط الذي أراد إخضاع الأخلاق للعقل














المزيد.....

سؤال موجه إلى إمانويل كانط الذي أراد إخضاع الأخلاق للعقل


أحمد رباص
كاتب

(Ahmed Rabass)


الحوار المتمدن-العدد: 8873 - 2026 / 10 / 29 - 00:13
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


يقول كانط: افعل الصواب لا لأنه يرضيك، لأنه هو ما ينبغي أن تفعله حين تقف على مفترق طريقين: أحدهما سهل يمنحك لذة فورية، والآخر والآخرصعب يتطلب التضحية والانضباط. فماذا تقرر؟ هل تنصت إلى قلبك؟ إلى مصلحتك؟ إلى رأي الآخرين؟ كانط يهمس في أذنك: لا تنصت لأي منهم. أنصت إلى شيء آخر؛ إلى صوت العقل.
عاش كانط في زمن كثر فيه الجدل حول الأخلاق الدينية التي تفصل حسب الشريعة والأخلاق النفعية التي تقاس بما تحققه من نتائج، لكنه رفض أن تكون الأخلاق رهينه الدين أو المصلحة أو العاطفة، ووقف بثقة ليقول: الأخلاق تبدأ حيث تنتهي الرغبة.
بهذه العبارة بدأ كانط ثورته الهادئة في علم الأخلاق. فقد أراد أن يعيد تأسيس الأخلاق لا على الخوف من العقاب ولا على انتظار الثواب، بل على إرادة حرة عاقلة تدرك ما ينبغي أن يفعل وتلتزم به لأنه واجب في ذاته. سأل نفسه السؤال الجوهري: ما الذي يجعل فعلا ما اخلاقيا؟ هل هو ما يسعد الآخرين؟ هل هو ما لا يخالف القانون؟ هل هو ما يرضى الله؟ أم أن هناك شيئا أعمق من كل ذلك؟ فأجاب بجملة أصبحت بمثابة حجرة الزاوية في فلسفته. لا يمكن أن يتصور في هذا العالم، أو حتى خارجه، شيء يعد خيرا بلا قيد سوى الإرادة الطيبة، وهي تلك الإرادة تدفعك إلى أن تفعل الصواب لأنه الصواب، لا لأي سبب خارجي، لا لأنك خائف من العقاب، ولا لأنك تنتظر مديحا، ولا لأنك تشعر بالشفقة، بل لأن عقلك أخبرك بأن هذا ما ينبغي أن يكون. خذ هذا المثال: رجل يساعد فقيرا في الشارع. لو فعل ذلك بدافع الشفقة أو من باب الكرم، فهذا يكون جميلا، لكنه ليس أخلاقيا خالصا عند كانط.. أما إذا فعل ذلك لأنه يرى أن مساعدة المحتاجين واجب إنساني يجب الالتزام به بغض النظر عن مشاعره فهو بذلك قد بلغ ذروة الأخلاق.
شدد كانط على أن الإحسان لإنسان فقير لا يكون ذا طابع أخلاقي إلا إذا انطلق من الإرادة الطيبة المجردة من المشاعره والنوايا المغرضة. لكن لنفرض أن الإنسان المحتاج إلى المساعدة لم يجذب له حظه العاثر شخصا متخلقا بأخلاق كانط، ولم يأت لمساعدته سوى رجل أو امرأة يقودهما إلى فعل الخير داعي الشفقة، مثلا. هل تأتي شرطة الأخلاق لتمنع هذا الرجل أو هذه المرأة من إسداء خدمة إنسانية لذلك الرجل البائس؟ أيهما أفضل لهذا الأخير: تلقي مساعدة من إنسان يفعل الخير لأجل نيل ثواب الله، أم نتركه ينتظر من يأتي ولا يأتي؟ ثم كيف نتحقق من نوايا وأفكار البشر عندما يكونون مقبلين على فعل أخلاقي؟
لا شك أن قراءة السطور السابقة تجعل من يهتم بما تعرضت له الأخلاق الكانطية من نقد يفكر في الحوار الذي أقامه الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور مع مواطنه وزميله إمانويل كانط على شكل نقد حاد وشامل لأخلاق الواجب التي اشتهر بها الثاني، وخاصة في كتاب "أساس الأخلاق"، وفي ملحق كتاب "نقد الفلسفة الكانطية".
تمحور نقد شوبنهاور للأخلاق الكانطية حول اربع نقاط أساسية، وهي (1) نقد "الأمر المطلق" والنزعة الصورية (Formalism)، (2) الاتهام بإخفاء النزعة الأنانية (Egoism) واللاهوت المستتر، (3) رفض فصل الأخلاق عن العاطفة والوجدان، (4) نقد النظرة إلى الحيوانات.
يؤدي المسار الأخلاقي والروحي، الدائم والعميق، إلى الخلاص الحقيقي وينقسم إلى درجتين:
- الدرجة الأولى (الشفقة والعدالة): تبدأ الأخلاق عندما يخترق الإنسان "مبدأ التفريد" (Principium Individuationis)، أي عندما يدرك أن التمايز بينه وبين الآخرين هو مجرد وهم بصري (عالم الظواهر). يرى الإنسان نفسه في معاناة الآخر، فيتحول من الأنانية إلى الشفقة (Compassion). هنا، تكف الإرادة عن صراع نفسها في ذوات الآخرين.
- الدرجة الثانية (الزهد التام والتنسك - Asceticism): يصل إليها القديسون والزهاد (ويتأثر شوبنهاور هنا بالبوذية والفلسفة الهندية "الأوبانيشاد"). عندما يدرك العقل بشاعة المعاناة التي تنتجها "إرادة الحياة"، يقرر العقل التمرد الفكري الكامل عليها.
يتوقف الزاهد عن تلبية رغبات الجسد (يصوم، يبتعد عن الملاذ، ويرفض التكاثر لقطع نسل المعاناة). هذا النفي المطلق لا يعني الانتحار الجسدي (لأن الانتحار عند شوبنهاور هو استسلام للإرادة بدافع خيبة الأمل)، بل يعني إماتة الرغبة أخلاقياً ونفسياً حتى تتلاشى الإرادة تماماً، وهو ما يوازي حالة "السكينة" أو "النيرفانا".



#أحمد_رباص (هاشتاغ)       Ahmed_Rabass#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دروس أساسية في الماركسية-اللينينية-الماوية (الفصل الثامن الع ...
- رسالة مفتوحة من عبد السلام بنعبد العالي إلى جان بول سارتر (ت ...
- دروس أساسية في الماركسية-اللينينية-الماوية (الفصل السابع وال ...
- دروس جيل دولوز حول سبينوزا
- دروس أساسية في الماركسية-اللينينية-الماوية (الفصل السادس وال ...
- دروس أساسية في الماركسية-اللينينية-الماوية (الفصل الخامس وال ...
- دروس أساسية في الماركسية-اللينينية-الماوية (الفصل الرابع وال ...
- دروس أساسية في الماركسية-اللينينية-الماوية (الفصل الثالث وال ...
- التزامات التصريح الحكومي لفاطمة الزهراء المنصوري امتداد لحمل ...
- دروس أساسية في الماركسية-اللينينية-الماوية (الفصل الثاني وال ...
- حكومة فاطمة الزهراء وسط زوبعة من الجدل حول شبهات فساد تحول ب ...
- دروس أساسية في الماركسية-اللينينية-الماوية (الفصل الحادي وال ...
- تحول الصحافيين المغاربة إلى الكلام وتخليهم عن الكتابة قد يحد ...
- دروس أساسية في الماركسية-اللينينية-الماوية (الفصل العشرون) ت ...
- هذا زمن الوحوش
- المرشحة للرئاسيات ناتاشا بولوني تشخص الأزمة الراهنة في فرنسا ...
- دروس أساسية في الماركسية-اللينينية-الماوية (الفصل التاسع عشر ...
- دروس أساسية في الماركسية-اللينينية-الماوية (الفصل الثامن عشر ...
- الإعلان عن تشكيل حكومة تضم محمد الرابع رغم إعفائه من مهامه ك ...
- دروس أساسية في الماركسية-اللينينية-الماوية (الفصل السابع عشر ...


المزيد.....




- فستان منحوت وتفاصيل جريئة.. كيم كارداشيان تتألق بتصميم سعودي ...
- لحظة استثنائية.. غواصة ودلفين يسبحان بتناغم في البحر الأحمر ...
- هجوم سيبراني غير مألوف.. قراصنة يعبثون بثلاجات المتاجر بأورو ...
- قاليباف: سلمنا ردًّا مقتدرًا وعقلانيًّا لواشنطن.. والكرة الآ ...
- مفكك الشفرات الأول.. كيف روّض الكندي عشوائية الحروف؟
- -النينيو-2026- تقترب من ذروة قياسية
- شاهد بالفيديو أكبر معركة روبوتية في العملية العسكرية الخاصة ...
- تحقيق إسرائيلي في تدخل قطري وفلسطيني بالانتخابات
- نيويورك تسجل وفاة أول طفل بالحصبة منذ 3 عقود
- بري ينقل تحذير روبيو إلى -حزب الله-


المزيد.....

- من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية / غازي الصوراني
- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - أحمد رباص - سؤال موجه إلى إمانويل كانط الذي أراد إخضاع الأخلاق للعقل