أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أشرف إبراهيم زيدان - ملخص الشياطين الخرس ودنيا الناس للأستاذ الدكتور خالد سرواح، أستاذ الأدب الإنجليزي بجامعة كفر الشيخ















المزيد.....

ملخص الشياطين الخرس ودنيا الناس للأستاذ الدكتور خالد سرواح، أستاذ الأدب الإنجليزي بجامعة كفر الشيخ


أشرف إبراهيم زيدان

الحوار المتمدن-العدد: 8870 - 2026 / 10 / 26 - 14:07
المحور: الادب والفن
    


يُشير الكاتب في تقديمه لمسرحية الشَّيَاطِينِ الْخُرْسِ إلى أن جميع الأحداث والشخصيات والمواقف الواردة في النص مستمدة من وقائع حقيقية عاشها أو عايشها عن قرب، إلا أنه عمد، وفقا للباحث، إلى تغيير أسماء بعض الشخصيات والأماكن تجنبًا لأي صدامات اجتماعية أو خلافات شخصية، ولا سيما أنه ينتمي إلى مجتمع قروي تحكمه شبكة معقدة من العلاقات والعادات والتقاليد. ومن ثم، فإن تغيير الأسماء لا يُعد محاولة للابتعاد عن الواقع بقدر ما هو إجراء احترازي يهدف إلى حماية الأطراف المعنية والحفاظ على السلم الاجتماعي داخل البيئة التي ينتمي إليها المؤلف. ومع ذلك، فإن القارئ القريب من المؤلف أو المطلع على ظروف حياته قد يلاحظ وجود تقاطعات واضحة بين بعض شخصيات المسرحية وشخصيات واقعية، وهو ما يعزز الطابع السيرذاتي للنص ويجعله أقرب إلى شهادة أدبية على تجربة إنسانية عاشها الكاتب أكثر من كونه مجرد عمل تخييلي خالص. وتكشف هذه العلاقة الوثيقة بين الواقع والنص عن نزعة توثيقية لدى المؤلف، إذ يسعى إلى تسجيل جانب من معاناته الشخصية ومعالجة القضايا التي مست حياته بصورة مباشرة. ولهذا تبدو الشَّيَاطِينِ الْخُرْسِ نصًا ذاتي المرجعية إلى حد كبير، يتخذ من التجربة الفردية منطلقًا لطرح قضايا اجتماعية أوسع تتعلق بالزواج والعلاقات الإنسانية والعادات المجتمعية وآليات الضغط التي يمارسها المجتمع على أفراده.
وعند الانتقال إلى المسرحية الثانية، دُنْيَا النَّاسِ، يلاحظ القارئ تحولًا لافتًا في زاوية الرؤية وفي طبيعة المادة الدرامية. فبعد أن كان المؤلف منشغلًا في المسرحية الأولى بسرد معاناته الخاصة وما ارتبط بها من أحداث ومواقف، اتجه في المسرحية الثانية إلى مراقبة المجتمع من حوله والتعليق على مشكلاته المتعددة. وهكذا انتقل من دائرة الذات إلى دائرة الجماعة، ومن معالجة تجربة شخصية محددة إلى رصد ظواهر اجتماعية وثقافية وأخلاقية متنوعة تمس شرائح مختلفة من المجتمع. ويعكس هذا التحول تطورًا في رؤية المؤلف ووظيفته الإبداعية؛ إذ لم يعد النص وسيلة للتعبير عن أزمة فردية فحسب، بل أصبح أداة للنقد الاجتماعي وكشف التناقضات والمفارقات التي تحكم حياة الناس. ومن ثم تتسع مساحة الخطاب المسرحي لتشمل قضايا الفساد الإداري والأكاديمي، والوساطة والمحسوبية، وارتفاع تكاليف الزواج، والتدهور القيمي، وغيرها من الإشكاليات التي تشغل المجتمع المعاصر. وبهذا تنتقل الكتابة المسرحية من تسجيل المعاناة الشخصية إلى تشخيص الواقع الاجتماعي، مع احتفاظها بالطابع النقدي والإصلاحي الذي يميز تجربة المؤلف في العملين معًا.
تُقسَّم مسرحية الشَّيَاطِينِ الْخُرْسِ إلى ثلاثة فصول؛ إذ يشتمل الفصل الأول على ثمانية مشاهد، والفصل الثاني على عشرة مشاهد، بينما يضم الفصل الأخير ثمانية مشاهد كذلك. ويلجأ بعض الكُتّاب إلى تقسيم المسرحية إلى فصول، ثم تقسيم كل فصل إلى مشاهد، لما يحققه ذلك من وظائف فنية وبنائية متعددة، من أبرزها تنظيم مسار الأحداث الدرامية، وإبراز التحولات الكبرى في الحبكة، وتيسير الانتقال بين الأزمنة والأمكنة، فضلاً عن المساعدة في إدارة العرض المسرحي. كما يُسهم تقسيم الفصول إلى مشاهد في تحديد الوحدات الجزئية للأحداث، والمحافظة على إيقاع العمل، وتعزيز عنصر التشويق، وتسهيل عملية القراءة والتحليل النقدي. ومع تطور الكتابة المسرحية الحديثة، اتجه بعض المسرحيين إلى تجاوز نظام الفصول التقليدي، فظهرت نصوص تتألف من فصل واحد أو من سلسلة مشاهد متعاقبة دون تقسيم إلى فصول، رغبةً في تحقيق مزيد من التكثيف والمرونة الفنية، وهو ما يتجلى في مسرحية دُنْيَا النَّاسِ.
تنقسم دُنْيَا النَّاسِ إلى اثنين وعشرين مشهدًا، يحمل كلُّ مشهدٍ عنوانًا دالًّا يختزل فكرته الرئيسة ويُمهِّد للأحداث التي تدور داخله مثل: "تسلية الصيام باللهو"، "مائدة كيكي"، "محتال في زي طبيب"، "فجيعة باحثة"، "اللصوص يدافعون عن أنفسهم"؛ ويمنح ذلك البناء الدرامي قدرًا من الوضوح والتنظيم، ويجعل المتلقي أكثر قدرة على تتبع تطور الصراع والأفكار. كما تكشف هذه العناوين عن الطبيعة الفكرية للمسرحية؛ إذ لا تقتصر وظيفتها على الجانب الفني، بل تؤدي دورًا إرشاديًا يوجّه القارئ أو المشاهد نحو المغزى الأخلاقي والاجتماعي لكل مشهد. تندرج المسرحية ضمن ما يُعرف بـ مسرح الأخلاق، حيث تطغى النزعة التعليمية والإصلاحية على البناء الدرامي. فالنص لا يهدف إلى الترفيه فحسب، وإنما يسعى إلى تقديم رؤية نقدية للمجتمع، والكشف عن مظاهر الانحراف أو الخلل الأخلاقي، ثم الدعوة إلى تقويمها. ولهذا تبدو الشخصيات في كثير من الأحيان أدواتٍ لطرح الأفكار والقيم أكثر من كونها شخصيات نفسية معقدة. وفي هذا السياق، يبرز الدكتور مصطفى بوصفه الشخصية المحورية التي تضطلع بدور الواعظ والمصلح الاجتماعي؛ فهو لا يكتفي بالمشاركة في الأحداث، بل يتحول إلى صوتٍ أخلاقي يعلّق على تصرفات الآخرين ويوجههم نحو ما يراه صوابًا. ومن خلال حواراته وخطاباته تتجلى رسالة المسرحية الإصلاحية التي تدعو إلى التمسك بالقيم الإنسانية ومواجهة الظواهر السلبية التي تهدد المجتمع. وهكذا يصبح مصطفى أشبه بالضمير الجمعي داخل النص، إذ يمثل العقل الأخلاقي الذي يسعى إلى إعادة التوازن إلى العالم المسرحي. وتتجلى أهمية المشهد الأخير كذلك في بنيته الفنية؛ إذ تأخذ المسرحية شكلًا دائريًا، حيث تنتهي من حيث بدأت. صحيح أن السرد لا يحتل في المسرح المكانة المركزية التي يحتلها في الرواية، لكن المؤلف يوظف هنا تقنية البناء الدائري ليؤكد فكرة استمرار الأزمة وعدم حسمها. فالمسرحية لا تنتهي بانتصار العدالة أو سقوط الفاسدين، بل بعودة الحياة إلى مسارها المعتاد، وكأن الفساد أصبح جزءًا من البنية اليومية للمجتمع. ويمنح هذا الشكل الدائري النص دلالة تشاؤمية؛ إذ يوحي بأن ما حدث ليس استثناءً عابرًا، بل حلقة متكررة قابلة للإعادة باستمرار. ولذلك تبدو النهاية مفتوحة على احتمالات التكرار أكثر من احتمالات الإصلاح. كما أن العودة إلى النقاشات الأكاديمية والحياة اليومية توحي بأن المؤسسات قادرة على امتصاص الفضائح دون أن تتغير جذريًا. ومن ثم فإن المشهد الأخير لا يمثل مجرد خاتمة درامية، بل يقدم خلاصة الرؤية الفكرية للمسرحية كلها؛ رؤية تكشف انتشار الفساد في مستويات متعددة من المجتمع، من الجامعة إلى المؤسسة الدينية إلى الحياة الاجتماعية، مع تأكيد أن أخطر ما في الأمر ليس وجود الفساد ذاته، بل اعتياد الناس عليه واستمرار الحياة رغم حضوره الدائم.
وفي ضوء ما سبق، يمكن الوقوف على أبرز الفروق بين النهج التقليدي (الشَّيَاطِينِ الْخُرْسِ) والنهج التجريبي (دُنْيَا النَّاسِ) في تأليف المسرحيتين. تقوم المسرحية الأولى المقسمة إلى فصول ومشاهد على بناء هرمي واضح؛ إذ يمثل الفصل وحدة درامية كبرى تضم عدداً من المشاهد التي تتكامل فيما بينها لتشكيل مرحلة محددة من تطور الأحداث. ويُسهم هذا التنظيم في إضفاء قدر من الوضوح والترتيب على الحبكة، حيث تتدرج الأحداث بصورة منطقية ومنظمة، بما يتيح للجمهور تتبع مراحل الصراع الدرامي منذ بدايته مروراً بتعقيداته وصولاً إلى نهايته. كما يسمح هذا الشكل بوجود فواصل زمنية ومكانية واسعة بين الفصول، الأمر الذي يجعله ملائماً للمسرحيات الطويلة ذات الحبكات المتشعبة والمتعددة المستويات، وهو لذلك يرتبط غالباً بالتقاليد المسرحية الكلاسيكية. أما المسرحية الثانية التي تتكون من مشاهد متتابعة دون تقسيم إلى فصول، فتقوم على بناء أكثر مرونة وانسيابية، إذ تتوالى المشاهد مباشرة من غير وحدات كبرى فاصلة. ويعكس هذا الشكل ميلاً إلى الأساليب المسرحية الحداثية والتجريبية التي تسعى إلى تجاوز البنية التقليدية للمسرح. وتتميز هذه المسرحيات بسرعة الانتقال بين الأحداث والأمكنة والأزمنة، مما يمنح النص إيقاعاً متدفقاً وحيوية أكبر، ويجعل تتابع المشاهد أقرب أحياناً إلى تقنية المونتاج السينمائي. ولهذا السبب يناسب هذا النمط المسرحيات القصيرة أو الأعمال التي تعتمد على اللوحات الدرامية والمشاهد المستقلة نسبياً، كما يرتبط في كثير من الأحيان باتجاهات المسرح الحديث وما بعد الحداثي.
إن ظهور شخصية مصطفى مرة أخرى في النص الثاني يوحي بوجود رابط عضوي بين العملين، حتى ليبدو النص الثاني امتداداً درامياً للأول أو استكمالاً لمسار الشخصية الرئيسة وما تعرضت له من تجارب وصراعات. ويؤدي هذا التداخل بين النصين إلى خلق نوع من الوحدة الفنية التي تجعل القارئ يتعامل مع العملين بوصفهما جزأين من مشروع سردي أو مسرحي واحد. ومن هنا يمكن تفسير العملين باعتبارهما قريبين من مفهوم السيرة الذاتية أو السيرة الذاتية المقنَّعة، ولا سيما أن المؤلف يحرص في مستهل النص الأول على التأكيد أن الأحداث الواردة فيهما حقيقية. ومثل هذا التصريح يفتح المجال أمام القارئ للبحث عن العلاقة بين المؤلف وشخصياته، وبين الواقع والمتخيل في البناء الدرامي. غير أن هذا التأكيد لا يعني بالضرورة أن النصين يمثلان تسجيلاً حرفياً لتجارب المؤلف الشخصية؛ إذ قد يكون المقصود منه تعزيز الإيهام بالواقع وإضفاء قدر أكبر من المصداقية على الأحداث والشخصيات. وفي هذا السياق يمكن النظر إلى تأكيد واقعية الأحداث—أو نفيها كما هو الحال مع دُنْيَا النَّاسِ—بوصفه استراتيجية فنية تهدف إلى جذب انتباه المتلقي وإقناعه بأن ما يقرأه ليس مجرد حكاية متخيلة، بل صورة مستمدة من واقع معيش. فكلما شعر القارئ بقرب الأحداث من الحياة اليومية ازداد تفاعله معها وتعاطفه مع شخصياتها، وهو ما يسهم في تعزيز الرسالة الاجتماعية والإصلاحية التي يسعى المؤلف إلى إيصالها من خلال العملين.
يصبح عنوان المسرحية (أحيانا) مفتاحًا تأويليًا لفهم العمل كله؛ فالمؤلف لا يوجه نقده إلى المفسدين وحدهم، بل إلى الصامتين عن الفساد أيضًا. ومن ثم يمكن القول إن رمزية الشَّيَاطِينِ الْخُرْسِ تتمثل في أن الخطر الأكبر على المجتمع لا يأتي دائمًا من أصحاب الباطل، بل من أولئك الذين يعرفون الحق ويعجزون عن إعلانه أو الدفاع عنه. وبهذا المعنى يتحول العنوان من مجرد تسمية للمسرحية إلى رسالة أخلاقية وفكرية تدعو إلى الشجاعة في قول الحقيقة، وترفض الصمت الذي يتيح للظلم أن يستمر ويترسخ. ويرمز عنوان المسرحية الثانية، دُنْيَا النَّاسِ، إلى الواقع الاجتماعي الذي يعيشه الإنسان المعاصر بما يحمله من تناقضات ومفارقات بين المثال والواقع، والقول والفعل، والعدل والظلم. ويعكس العنوان رؤية نقدية تسعى إلى رصد مشكلات المجتمع وكشف اختلالاته من خلال مواقف حياتية تبدو مألوفة، لكنها تنطوي على قدر كبير من السخرية والألم في آن واحد. ومن ثم فإن العنوان يختزل رؤية الكاتب النقدية للمجتمع؛ فالحياة في دنيا الناس ليست مستقيمة أو منسجمة، وإنما تقوم على سلسلة من المفارقات التي تثير السخرية تارة والأسى تارة أخرى. كما يوحي العنوان بأن المسرحية ستكون أشبه بلوحات أو مشاهد ترصد نماذج بشرية متعددة، وتعرض قضايا اجتماعية مختلفة يجمعها خيط واحد هو كشف اختلالات الواقع الإنساني.
يتناول العملان طيفًا واسعًا من القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تمس الواقع المصري والعربي، ويقدمانها في إطار يجمع بين النقد والسخرية والتأمل في أحوال المجتمع. ومن أبرز هذه القضايا قضية الزواج والطلاق وما يحيط بها من تعقيدات، حيث يكشف النصان أثر المغالاة في المهور ومتطلبات الزواج، وتحول العلاقة الزوجية في كثير من الأحيان إلى معادلة مادية تحكمها الحسابات المالية أكثر مما تحكمها المودة والتفاهم والرحمة، الأمر الذي يسهم في تعثر الزيجات أو انهيارها أو عزوف معظم الشباب عنها. كما يناقش العملان هيمنة النزعة المادية على مختلف جوانب الحياة، حتى أصبحت القيمة الإنسانية والأخلاقية لدى بعض الأفراد تقاس بما يملكونه من مال أو نفوذ، لا بما يتحلون به من علم أو خلق. وتنعكس هذه الرؤية في عدد من المواقف والشخصيات التي تكشف كيف أصبح المال عنصرًا حاسمًا في اتخاذ القرارات وبناء العلاقات الاجتماعية. ويتطرق النصان كذلك إلى الحياة السياسية في فترة حكم الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، ولا سيما ما يتعلق بالانتخابات وما ارتبط بها من ممارسات أثارت كثيرًا من الجدل، مثل توظيف النفوذ والتأثير في إرادة الناخبين، الأمر الذي جعل العملية الانتخابية في بعض الأحيان بعيدة عن تحقيق التمثيل الحقيقي لإرادة المواطنين. ومن خلال هذه الإشارات يسجل المؤلف جانبًا من الذاكرة السياسية والاجتماعية لتلك المرحلة. وفي جانب آخر، يناقش العملان قضية الصداقة وما أصابها من تراجع في زمن المصالح، حيث لم تعد بعض العلاقات قائمة على الوفاء والإخلاص كما كانت في الماضي، بل أصبحت تحكمها المنفعة الشخصية والحسابات المادية. ويكشف المؤلف من خلال عدد من المواقف عن خيبة الأمل التي قد يشعر بها الإنسان عندما يكتشف أن من ظنهم أصدقاء لا يقفون إلى جواره وقت الشدة. ولا يغفل النصان الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعانيها أصحاب المعاشات، إذ يبرزان الفجوة الكبيرة بين قيمة المعاش ومتطلبات الحياة اليومية في ظل الارتفاع المستمر للأسعار. ويظهر المتقاعد في كثير من المشاهد عاجزًا عن تلبية احتياجاته الأساسية، وهو ما يعكس معاناة شريحة واسعة من المجتمع تواجه ضغوطًا معيشية متزايدة. ومن القضايا التي تحظى بمساحة ملحوظة كذلك قضية الفساد الأكاديمي، حيث يكشف المؤلف عن بعض الممارسات السلبية التي قد تتسلل إلى البيئة الجامعية، مثل المجاملات، واستغلال النفوذ، والاهتمام بالمظاهر الشكلية على حساب الكفاءة العلمية. ويأتي هذا الطرح انطلاقًا من حرصه على الدفاع عن قيم العلم والنزاهة والجدارة. كما يتناول العملان ظاهرة النصب والاحتيال التي انتشرت بأشكال متعددة في المجتمع، مستعرضين الأساليب التي يستخدمها المحتالون—سواء داخل الجامعة أو خارجها—لاستغلال حاجات الناس أو ثقتهم، وما يترتب على ذلك من أضرار نفسية ومادية. وإلى جانب ذلك يناقشان قضية الواسطة والمحسوبية بوصفها إحدى العقبات التي تحول دون تحقيق العدالة وتكافؤ الفرص، إذ تؤدي إلى تهميش أصحاب الكفاءة ومنح الامتيازات لمن لا يستحقونها.
ومن القضايا التي يطرحها العملان (بوضوح) موقفهما النقدي الحاد من جماعة الإخوان المسلمين وبعض الشخصيات الدينية التي توظف الخطاب الديني لتحقيق مصالح شخصية أو سياسية. ويظهر هذا الموقف من خلال عدد من المشاهد والحوارات التي تتناول ما يراه المؤلف تناقضًا بين الشعارات المعلنة والممارسات الفعلية، حيث يوجه نقدًا شديدًا إلى استغلال الدين في تحقيق مكاسب دنيوية أو في التأثير على العامة وتوجيههم لخدمة أهداف بعيدة عن المقاصد الأخلاقية والدينية الحقيقية. كما يبرز النصان رفضهما لما يمكن تسميته بالنفاق الديني، وذلك من خلال تصوير بعض الشيوخ الذين يتخذون من المظهر الديني وسيلة لاكتساب المكانة الاجتماعية أو النفوذ، في حين تتناقض سلوكياتهم مع القيم التي يدعون إليها. ويكشف المؤلف عبر هذه الشخصيات عن الفجوة بين القول والعمل، مؤكدًا أن التدين الحقيقي لا يقاس بالمظاهر والشعارات، وإنما بالصدق والنزاهة والالتزام العملي بالمبادئ الأخلاقية. ولا يقتصر النقد في العملين على أشخاص بعينهم، بل يتجاوز ذلك إلى ظاهرة أوسع تتمثل في توظيف الخطاب الديني لخدمة أغراض سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية. ومن ثم فإن الهجوم الذي يشنه المؤلف على بعض الشيوخ أو على بعض أفراد جماعة الإخوان المسلمين يأتي في سياق رؤيته العامة الرافضة لكل أشكال المتاجرة بالدين أو استغلاله لتحقيق مصالح خاصة.
ومن الناحية الفنية، لا يقدم المؤلف هذا النقد في صورة مباشرة أو خطابية فحسب، بل يدمجه في مواقف درامية وحوارات ساخرة تكشف التناقضات التي تعاني منها تلك الشخصيات أو التيارات. وبذلك تتحول هذه القضايا إلى جزء من المشروع الفكري الأوسع للعملين، الذي يسعى إلى فضح مظاهر الفساد والتزييف والخداع في المجتمع، سواء صدرت عن سياسيين أو أكاديميين أو أفراد عاديين أو شخصيات تتدثر بعباءة الدين. ومن ثم يندرج هذا المحور ضمن اهتمام المؤلف المستمر بالدعوة إلى الصدق والشفافية والاتساق بين المعتقد والسلوك، بوصفها قيمًا أساسية لأي مجتمع يسعى إلى الإصلاح والتقدم.
وعلى هذا النحو، لا يقتصر العملان على عرض مشكلات متفرقة، بل يقدمان لوحة بانورامية للمجتمع بما يحمله من تناقضات وأزمات وتحديات، محاولين لفت الانتباه إلى مظاهر الخلل الاجتماعي والأخلاقي والإداري، والدعوة ضمنًا إلى الإصلاح واستعادة منظومة القيم التي تضمن تماسك المجتمع وتقدمه.



#أشرف_إبراهيم_زيدان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفكر والعمل، الجامعة والصناعة، المثال والواقع: إنجلترا في ث ...
- مدخل إلى التحليل التقابلي
- تعريف الأسلوبية ونطاقها
- الأسلوبية المعرفية
- السمات الفونولوجية والجرافولوجية في الأسلوبية
- الخصائص النحوية والتركيبية في الأسلوبية
- الأسلوبية التداولية
- اللغة وتجسيد الأزمة: قراءة في قصيدة -وكأن شيئا ما كان-
- نقاء الجوهر: قراءة في قصيدة كم كنت
- تحليل قصيدة والليل صديق من ديوان سماء بلا طير (2019)
- تحليل قصيدة -ليل وغربة- للشاعر يحى كامل السيد
- تحليل الأخطاء: دراسة أخطاء الكتابة الإنجليزية لدى المتحدثين ...
- مقدمة في علم الأسلوب والتحليل التقابلي
- فاطمة المرنيسي والنصوص الدينية
- السمات المعجمية والدلالية في الأسلوبية
- الاختلاف والشك والعنف الروحي في الإصلاح: نظرة عامة
- الحياة في المجتمع الإنجليزي في القرن الثامن عشر
- الوصمة الاجتماعية والتحامل المجتمعي
- الوصم والتمييز: نهج توضيحي
- التناص والواقعية في روايات الدائرة والجميع وأبطال على الحدود ...


المزيد.....




- الممثلة الأمريكية هانا آينبيندر: الدفاع عن فلسطين مسؤولية أخ ...
- الممثلة الأمريكية هانا آينبيندر: الدفاع عن فلسطين -الحد الأد ...
- أزمة صحية تداهم أحمد سعد وتهدد موعد طرح ألبومه الجديد
- أصول بمليارات الدولارات.. نزاعات الملكية الفكرية تعيد رسم خر ...
- الشعبة القانونية بمحور تعز: تقرير يكشف التمثيل بجثامين شهداء ...
- «قساطل».. سينما لبنانية ترصد صراع البقاء والوحدة في قرية منس ...
- برئاسة نعومي كواسي.. مهرجان الدوحة يكشف لجنة تحكيم الأفلام ا ...
- -بلاد العجب-.. وجوه غزة المنسية في مرآة الأدب
- -حمودي استشهد-.. القبض على المتورط بالتمثيل في جثة أحد مقاتل ...
- مهرجان الدوحة السينمائي يعلن تشكيل لجنة تحكيم مسابقة الأفلام ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أشرف إبراهيم زيدان - ملخص الشياطين الخرس ودنيا الناس للأستاذ الدكتور خالد سرواح، أستاذ الأدب الإنجليزي بجامعة كفر الشيخ