أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علاء اللامي - المُكَدّون (الشحاذون) وأدب الكُدية في التراث: بين التأثيل اللغوي والتحليل الانثروبولوجي الاجتماعي















المزيد.....

المُكَدّون (الشحاذون) وأدب الكُدية في التراث: بين التأثيل اللغوي والتحليل الانثروبولوجي الاجتماعي


علاء اللامي

الحوار المتمدن-العدد: 8870 - 2026 / 10 / 26 - 08:03
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


كنت قد رجحت في تعليق سريع ومرتجل لي على منشور لأحد الأصدقاء يوم أمس أن تكون كلمة "مكدي" التي يلفظها العراقيون أحيانا بالجيم "مْجَدِّي"، التي تعني الشحاذ والمتسول في لهجتهم وبعض اللهجات العربية الأخرى، أن تكون عربية فصيحة وقد وردت في كتب التراث بكثرة. وكتبت في تعليقي: "أعتقد أن كلمة (مجدي) من كلمة (مكدي) أحيانا تلفظ بالقاف الحميرية أي الجيم القاهرية وأحيانا بالكاف العادية، وهي كثيرة الحضور في النصوص والكتب التراثية ومنها كتاب ابن الجوزي البغدادي "أخبار الحمقى والمغفلين" وكتاب البخلاء للجاحظ وأدب المقامات. وهي كلمة عربية فصيحة ورجحت أنها "من الكد أي العمل المتعب المرهق". وبعد الرجوع إلى المراجع اللغوية والتراثية تبيَّن لي أن الجزء الأخير من معلومتي غير صحيح فعُذرا، وأدرج أدناه التأثيل الصحيح والموَّثق للكلمة مع طرفة معبرة في هذا السياق المكدين القدماء وبعد ذلك نضع هذه الطرفة تحت أضواء علم الأنثروبولوجيا الاجتماعية التحليل:
-كلمة "مُكْدِي" (بمعنى شحاذ أو متسوِّل) فصيحة تماماً، وذات أصل راسخ في المعاجم العربية، وورد فعلها "أكدى" بالمعنى نفسه تقريباً في الآية القرآنية 34 من سورة النجم: {وَأَعْطَى قَلِيلاً وَأَكْدَى} أي قطع عطيته. كما أنها وردت بكثرة في كتب التراث الأدبي والتاريخي. تلفظها العامة في بعض الدول العربية (مثل العراق وبادية الشام والجزيرة العربية) بقلب الكاف جيماً قاهرية - قافا حميرية (مْگدي) بسكون الميم.
صرفياً، الكلمة اسم فاعل "مُكْدِي" مشتق من الفعل "أَكْدَى"، ويفيد في المعاجم العربية (مثل لسان العرب والقاموس المحيط) عدة معانٍ تصب في السياق اللغوي نفسه.
علما أن اسم الفاعل من «أكدى» هو «مُكْدٍ» في حالة التنكير والرفع أو الجر، وتظهر الياء في صور أخرى بحسب التعريف والإعراب؛ فنقول مثلاً: «هذا مُكْدٍ»، و"رأيت المُكدي". وهذا شاهد تراثي شعري للشاعر العباسي الشهير ابن الحجاج يصف فيه حال شخص بالـ «مُكْدِي» (بمعنى المتسول)، حيث يقول:
رَأَيْتُكَ فِي النَّاسِ تَمْشِي النَّكَبَّى ... وَتَقْعُدُ فِي الحَيِّ قُعْدَى المُكَدِّي
الأصل الاشتقاقي: يُقال "أَكْدَى الحافرُ" إذا بلغ في حَفرهِ "الكُدْية"، وهي الأرض الغليظة الصلبة التي لا تعمل فيها الفأس، فيعجز عن الحفر ويقِف عمله.
يرتبط بهذه الدلالة تطورٌ في الاستعمال؛ إذ استُعمل الفعل "أكدى" في معنى انقطاع العطاء أو خيبة الساعي، وهو انتقال يفسّره اللغويون بالتشبيه بالحافر الذي يصادف أرضاً صلبة فينقطع عن الحفر، فاستعارت العرب هذا اللفظ للتعبير عن خيبة الأمل وانقطاع الرزق؛ فقالوا "أَكْدَى الرجلُ" أي: قَلَّ خيره، أو طلب حاجةً فخاب ولم يظفر بها، أو افتقر بعد غنى.
معنى الكلمة كحرفة: أصبحت "الكدية" في لغة العرب تعني: "حرفة السائل المُلِحّ" (أي الشحاذة)، والمُكْدي هو الشخص الذي يتكسب بطلب الناس واستجدائهم
شغل "المُكْدي" حيزاً كبيراً في التراث الإسلامي والأدب العباسي، ونشأ ما يُعرف في تاريخ الأدب بـ "أدَب الكُدْيَة" في كتب تراثية شهيرة منها
-كتاب ابن الجوزي "أخبار الحمقى والمغفلين"
-كتاب "البخلاء" للجاحظ وهو كتاب مهم لفهم السلوك الاجتماعي والاقتصادي والنفسي، لكنه ليس كتاباً مخصصاً لأدب الكدية.
- كتاب "مقامات بديع الزمان الهمذاني"
- كتاب "مقامات الحريري"
فبطل مقامات بديع الزمان المثقف المفلس دائما (أبو الفتح الإسكندري) والشيخ الفاضل والمكدي (أبو زيد السروجي) بطل مقامات الحريري، هما في الأصل شخصيتان لـ "مُكْدين" (شحاذين فصيحين) بشكل من الأشكال. وهما يجولان بين البلدان ويحتالان بذكائهما وفصاحتهما لكسب أموال الناس.
وقد وردت أخبار "المُكْدين" (الشحاذين والمحتالين) في كتاب "أخبار الحمقى والمغفلين" لابن الجوزي البغدادي كما قلت. ولكنه لم يخصص باباً منفرداً باسم "المكدين" إلا أنه أورد أخبارهم وحيلهم ضمن عدة أبواب من الكتاب؛ ذلك لأن الكثير من المتسولين والمحتالين في ذلك العصر كانوا يتصنعون التغفيل والحماقة كحيلة واستراتيجية تُعرف بـ "المناخاة" وتعني المخادعة، أو المداهنة والملاينة بالباطل و"التبالُه" على زنة "التفاعل" وتعني ادعاء البله والجهل والغفلة تظاهُراً، مع أن الشخص عاقل وذكي لاستدرار عطف الناس ونيل أموالهم.
أختم هذه الطرفة المعبرة والتي وردت في أكثر من كتاب تراثي وسأقتبسها كما ورددت مع التحفظات اللازمة في مواضعها:
-عن الأصمعي قال: رأيتُ بمكةَ مُكْدِيَيْنِ (شَحَّاذَيْنِ) قَدْ قَعَدَ أَحَدُهُمَا فِي مَكَانٍ يَجْتَمِعُ فِيهِ شِيعَةُ أَهْلِ الْبَيْتِ، وَهُوَ يَبْكِي وَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يُحِبُّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيًّا فَلْيُعْطِنِي! فَيُرِقُّونَ لِحالهِ وَيَمْلَأُونَ كِيسَهُ دَرَاهِمَ.
وَقَعَدَ الآخَرُ فِي مَكَانٍ يَجْتَمِعُ فِيهِ أَنْصَارُ بَنِي أُمَيَّةَ، وَهُوَ يَصِيحُ: مَنْ كَانَ يُحِبُّ مُعَاوِيَةَ فَلْيُعْطِنِي! فَيَعْطُونَهُ مَالاً كَثِيراً.
فَلَمَّا كَانَ آخِرُ النَّهَارِ، اجْتَمَعَ الاثنان فِي مَوْضِعٍ خَالٍ من الناس، وَأَخْرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا جَمَعَهُ، وَقَعَدَا يَقْتَسِمَانِهِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ، وَهُمَا يَقُولانِ: هَذَا هُوَ الرِّزْقُ الَّذِي يُسْتَخْرَجُ بِعُقُولِ الْعَوَامِّ!"
ففي هذه المروية الطريفة، يحتال هذا المكديان على العامة في المدينة المقدسة (مكة) وهما يستغلان جهلها وتعصب هذا الجمهور فيكسبان مالا وفيرا بحيلة لا تخلو من الطرافة وهي أيضا محملة بدلالات ومعانٍ الانثروبولوجية الاجتماعية غاية في الأهمية. وهذا ما سنتوقف عنده بشيء من التفصيل في الأسطر التالية:
التحليل الانثروبولوجي الاجتماعي
تحمل هذه الطرفة أبعاداً ودلالاتٍ أنثروبولوجية اجتماعية عميقة تتجاوز حدود الفكاهة، وتكشف عن آليات عمل المجتمعات، وصناعة الهوية، وسيكولوجية الجماهير.
فمن منظور أنثروبولوجي، يمكن تفكيكها على الشكل التالي. وسألجأ إلى تلخيص التحليل ليكون على شكل نبذات مختصرة ومكثفة:
- استغلال "الهويات المتخيلة" والقبلية السياسية: في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية، تُدرس الصراعات (مثل الصراع بين الأمويين والعلويين) بوصفها هويات جمعية تُشحن بالعواطف. أما وصفها بأنها "متخيلة" لا يعني أنها مختلقة أو غير حقيقية بل يعني أنها هويات تُبنى في الوعي والذهن من خلال اشتغال آليات ثقافية وتعليمية وإعلامية معينة في وسط اجتماعي متغير.
وقد صاغ الباحث بنديكت أندرسون (26 أغسطس 1936 - 13 ديسمبر 2015) هذا المفهوم لأول مرة في كتابه الشهير عن "الجماعات المتخيلة، حين تحدث عن الأمة الحديثة باعتبارها جماعة متخيلة.
-ثم إنَّ الشحاذَين في طرفتنا العربية لم ينظرا إلى الخلاف العقائدي بين علويين وأمويين كـ "حقيقة مطلقة وثابتة ونهائية"، بل كـ "بنية ثقافية وآيديولوجية" يمكن استغلالها والتربح منها.
-لقد أدرك "المُكديان" أن الفرد في وسط جماعته لا يتبرع بالمال كفعل إحسان مجرد، بل كفعل تأكيد على الانتماء للهوية الذاتية ونكاية بالآخر وهويته المنافسة.
-تسليع العواطف الدينية والسياسية: توضح الطرفة كيف يمكن تحويل العواطف القَبَلية والمذهبية الجياشة إلى قيمة تبادلية واقتصادية (رأس مال مالي/ عائد نقدي).
-فالمال الذي دفعه العوام للمكديين لم يكن ثمناً لسلعة، بل كان ثمناً للشعور بالانتصار الأيديولوجي والتعبير عن ولاء سياسي محدد (النظام الرمزي للمجتمع).
-ثنائية "النخبة البراغماتية" مقابل " الجمهور أو عامة الناس المؤدلجين دينياً أو طائفيا". حيث تنتهي الطرفة بعبارة تلخص الفجوة المعرفية: "هذا هو الرزق الذي يستخرج بعقول العوام".
-يقع الجمهور أو جزءا كبيرا وغالبا منه تحت تأثير "الوعي الزائف"، حيث يعتقدون أنهم يدعمون قضيتهم الكبرى، بينما هم يُستغَلّون مادياً.
-المكديان لا يمثلان النخبة الهامشي بدقة، بل قد يمثلان بطريقة ما الشخص البراغماتي (الذي يضع نفسه خارج المنظومات العقائدية المتعادية)، والذي يمتلك "وعياً مضمراً" أو "ذكاء فطريا" بآليات المجتمع ويتحرك بحرية بين المتناقضات لتحقيق مصلحته الفردية.
- التضامن الهامشي وتجاوز الانقسامات: إنَّ اللقاء في آخر النهار بين الشحاذَين واقتسام المال بالسوية يقدم درساً أنثروبولوجياً في "تضامن الفئات الهامشية مع بعضها البعض". فهما في العلن يمثلان قطبين متنافرين (علي مقابل معاوية) لتغذية الصراع واستدرار المال.
-في الخفاء: يذوب الخلاف الأيديولوجي أو الطائفي تماماً، وتتحكم المصلحة الطبقية المشتركة (كونهما شحاذين). هذا يوضح أن الصراعات بين ذوي المصالح الواحدة أو المتشابهة غالبا ما تكون مصطنعة أو مدارة بذكاء لخدمة بقاء هؤلاء المتصارعين
الشحاذون المحتالون في ميدان التواصل الاجتماعي
يمكن أيضا أن نقارن ونماثل هذه المعاني والدلالات بتلك التي نجدها في ميدان وسائل التواصل الاجتماعي والمنظومات السياسية والإعلامية المعاصرة اليوم وفق ذات الآليات الأنثروبولوجية التي استخدمها "المُكدِّيان" في مكة قديماً، ولكن بأدوات رقمية وخوارزميات فائقة الذكاء.
الخوارزميات "غرف الصدى": ففي الطرفة، ذهب كل شحاذ إلى المكان الذي يجمع أتباع طائفة معينة (مكان الشيعة أو مكان الأمويين). أما في مواقع التواصل فتقوم خوارزميات (فيسبوك، إكس، تيك توك) بنفس الدور بدقة متناهية. تعزل الخوارزميات المستخدمين داخل "غرف صدى" ثقافية وسياسية بناءً على اهتماماتهم.
ولكننا يجب أن نأخذ بنظر الاعتبار ما يلي: في الطرفة التراثية، يختار الشحاذ مكاناً يعرف أن جمهوره يجتمع فيه، ثم يخاطبه بالرمز الذي يستجيب له. أما الخوارزميات، فلا تعمل بالضرورة على عزل المستخدمين داخل جماعات متجانسة، وإنما ترتب المحتوى وتوصي به اعتماداً على عوامل متعددة، تختلف من منصة إلى أخرى وبعد تراكم استعمالي زمني وتكرار مقصود او غير مقصود. والواقع فقد تسهم هذه الآليات في تعزيز الانحياز والاستقطاب لدى الجمهور، لكنها قد تعرض المستخدمين أيضاً لمواقف مختلفة، بحسب طبيعة المنصة وسلوك المستخدم.
-الخلاصة: يتعرض للمستخدِم التواصلي فقط لما يغذي انحيازه الأيديولوجي، تماماً كالعوام الذين وجدوا الشحاذ يصرخ باسم رمزهم المحبوب، مما يسهل استخراج تفاعلهم وأموالهم.
-اقتصاد الانتباه وتسليع الغضب: استغل الشحاذان "العاطفة الحادة" (الحب الشديد لرمز أو الكره الشديد للآخر) لجمع المال.
-في الواقع الحديث: تترجم المنصات الرقمية ووسائل الإعلام الغضب والاستقطاب إلى "أرباح مالية". كلما كان المنشور مستفزاً أو مشحوناً بالاستقطاب (مثل: "صدمة لجمهور التيار الفلاني")، زادت نسب المشاهدة والتفاعل والتعليقات.
-غضب الجمهور واستقطابه هو "الوقود" الذي يحرك محركات أرباح شركات التكنولوجيا الكبرى.
-"صنّاع المحتوى" ودمى الاستقطاب: في الطرفة، يبدو الشحاذان كخصمين في العلن، لكنهما شريكان في المصلحة خلف الكواليس. في الواقع الحديث: نرى هذا بوضوح في المناظرات الإعلامية وبرامج "التوك شو"، أو بين "المؤثرين" على وسائل التواصل. قد يظهر شخصان يمثلان أقصى اليمين وأقصى اليسار، ويدخلان في صراع كلامي حاد يشحن الجماهير.
-خلف الكواليس: كلا الطرفين يستفيد من هذا الصراع لرفع أسهمه، وزيادة عدد المتابعين، وتوقيع عقود الإعلانات والمشاهدات. الصراع علني، لكن تقاسم الأرباح سري وضمني.
-التمويل الجماعي والتبرعات السياسية: العبارة السحرية "من كان يحب فلاناً فليعطني" تحولت اليوم إلى زر "تبرع الآن" أو "اشترك في القناة".
في السياسة ضمن الأنظمة الطائفية المعاصرة
أما ما يقوم به الساسة الطائفيون اليوم (من الشيعة والسنة) فهو تجسيد حي ومؤسساتي لحيلة "المُكديَيْنِ في هذه الطرفة، ولكن على مستوى دول، وأحزاب، وبرلمانات، وميزانيات ضخمة.
وعلى أية حال فلا يمكن تفسير السياسة الطائفية بالعقيدة وحدها؛ فقد تتداخل القناعات الدينية والمذهبية مع المصالح الانتخابية والاقتصادية وشبكات النفوذ، وقد يوظف بعض السياسيين الانتماء الطائفي لحشد الأنصار وحماية مواقعهم ومصالحهم السياسة الطائفية المعاصرة.
هذه بعض المعاني الأنثروبولوجية والسياسية على سلوك الساسة الطائفيين اليوم في بعض الدول العربية كالعراق ولبنان:
-صناعة "الخطر الوجودي الوهمي" لضمان الولاء: في الطرفة، يعلم كل شحاذ أن العوام لن يخرجوا دراهمهم إلا إذا شعروا بحاجة ماسة لإثبات هويتهم ونصرة رمزهم.
-في السياسة المعاصرة: يقوم الساسة الطائفيون (سنة وشيعة) بتخويف قواعدهم الشعبية من "الآخر" المذهبي. الخطاب السني الطائفي يقول: "الشيعة يريدون ابتلادنا وتغيير هويتنا"، والخطاب الشيعي الطائفي يقول: "السنة يريدون إبادتنا وتهميشنا". وهذا ما يقوله الخطاب الطائفي المسيحي في لبنان ويرد عليه الخطاب الإسلامي بالمحتوى ذاته تقريبا منذ قيام النظامين الحاكمين في هذين البلدين.
-الهدف الحقيقي من ذلك هو عزل العوام في ما يمكن أن نسميه مجازا "غرف صدى نفسي"، ليصبح المواطن مستعداً لانتخاب الفاسد أو اللص لمجرد أنه "ابن طائفته أو قوميته" الذي يحميه من الخطر الوجودي المزعوم.
"-تسليع المظلومية" وتحويلها إلى رأس مال: استغل الشحاذان العواطف السياسية التاريخية (دم علي، أو ملك معاوية) لكسب الدراهم.
-في السياسة المعاصرة: يجري تسليع التاريخ والمظلوميات وتحويلها إلى مكاسب سياسية ومناصب. يتم استدعاء معارك مضى عليها قرون (مثل كربلاء أو الفتوحات) في المواسم الانتخابية.
ولكن يجب أن نكون حذرين هنا ولا نسقط في الخطاب الليبرالي العدمي الشاطب على أي استدعاء للمآسي والمظلوميات التاريخية بحجة الحداثة. إن هذا الاستدعاء في الخطاب المعاصر قد يؤدي وظيفة مزدوجة: الأولى هي التعبير عن ذاكرة جمعية حقيقية، واستخدام هذه الذاكرة لحشد الأنصار أو تبرير مواقف سياسية معاصرة.
لكن من الضروري التمييز بين الذاكرة التاريخية بوصفها جزءاً من هوية الجماعة، وبين توظيفها السياسي الثوري الإيجابي والآخر الاستبدادي الانتهازي من قبل طُغم حاكمة.
فليس كل استحضار لكربلاء أو غيرها من الوقائع التاريخية توظيفاً انتهازياً، كما أن الاعتزاز بذاكرة جماعية لا يعني بالضرورة التعصب أو رفض ذاكرة الآخر.
وعلى النقد أن يتركز على الانتقائية التي يقوم بها بعض السياسيين الذين ينتقون من الذاكرة ما يخدم مصلحتهم ودوام استبدادهم وفسادهم بدعوى طاعة أولي الأمر مهما فعلوا وحتى لو كانوا فاسقين، وإعادة تفسير الحاضر باعتباره امتداداً لصراع تاريخي بدأ قبل ألف عام أو أكثر، وبما قد يحجب المصالح السياسية والاقتصادية الفعلية.
- المال والمناصب وعقود المشاريع الحكومية هي "كيس الدراهم الحديث" الذي يملؤه الساسة من جيوب ودماء العوام المؤدلجين.
-"التخابث" السياسي وتبادل المنافع خلف الكواليس: النهاية الصادمة للطرفة هي اجتماع الخصمين سراً واقتسام المال بالسوية ضاحكين من غباء العوام. وهذا هو المشهد الأبرز في المحاصصة الطائفية المعاصرة:
-علناً أمام الشاشات: يتبادل القادة والساسة الطائفيون الاتهامات بالخيانة، والعمالة، والتكفير، ويشحنون الشارع حتى يصل إلى حافة الحرب الأهلية.
-سراً في الغرف المغلقة (المحاصصة): يجتمع هؤلاء الساسة أنفسهم (سنة وشيعة ومسيحيين) لتقاسم المناصب، والوزارات، وثروات البلاد (النفط، الميزانيات، العقود) بالمسطرة والقلم ووفق توازنات تضمن بقاء الجميع. الخصومة في العلن هي "رأس المال" الذي يشرعن وجودهم، وتقاسم الغنائم سراً هو الغاية.
- التضامن الطبقي للنخبة السياسية: تماماً كما كان التضامن بين الشحاذين أقوى من الخلاف بين علي ومعاوية، فإن التضامن الطبقي بين الساسة الطائفيين أقوى بكثير من شعاراتهم المذهبية. ونجدا تطبيقا دقيقا لهذه الفكرة في الموقف الذي اتخذته الزعامات السياسية الكردية والعربية السنية من انتفاضة تشرين العراقية سنة 2019 حيث اتفقت هذه الأطراف مع الساسة الشيعة على رفضها لأنها تهدد مصالحهم الطبقية والطائفية وقمعها وإنهائها بكل الطرق!
-إذا انتفض العوام (من السنة والشيعة معاً) ضد الفساد وضيق العيش والمطالبة بدولة مواطنة (كما حدث في انتفاضات شعبية عدَّة في المنطقة)، يتناسى الساسة الطائفيون خلافاتهم فوراً، ويتخندقون معاً لقمع هذه الثورات، لأن وعي الجماهير يهدد "الرزق الذي يُستخرج من الجمهور العام".
*رابط يحيل إلى النص الكامل للمقالة وصورة تتعلق بنصها:
https://kitabatallami.blogspot.com/2026/10/blog-post_25.html



#علاء_اللامي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- غرامة ثقيلة على شركة ميتا بعد إدانتها بتهمة المتاجرة ببيانات ...
- حول اعتذار نعوم تشومسكي عن علاقته بإبستين وطبيعة تلك العلاقة
- دفاعاً عن الحقيقة والسياق والسيد كمال الحيدري:
- حديث الزيدي في البرلمان: عودة إلى ديماغوجية الأنظمة الاستبدا ...
- الحكومة الزيدي تعدل سعر صرف الدولار لتنهب العراقيين قانونياً
- ردود وتعقيبات على مقالتي -تفكيك معادلة: إدانة الإبادة مقابل ...
- تفكيك معادلة -إدانة الإبادة الجماعية مقابل وصف المقاومة بالإ ...
- تعقيباً على رسالة الباحث د. نائل حنون حول -المشكلة السومرية-
- ليس كل من ينتقد إيران خائناً أو عدواً
- تجاوزات صموئيل كريمر المنهجية لاختلاق قومية سومرية
- كيف اختلقت كلمة (سومر) غير موجودة في اللغة السومرية؟
- خليج العرب عربي فليكن خليج الإيرانيين فارسي!
- -حصر السلاح بيد الدولة- يعني تجريد مناهضي واشنطن وتل أبيب فق ...
- وصمة عار جديدة على جبين الحكم العراقي: منع قافلة تضامن مع فل ...
- حول بيان شروط كتائب حزب الله في العراق
- بول كولينز يلتقي بنائل حنون نظرياً: السومريون ليسوا شعباً بل ...
- هل هي لغة الضاد أم لغة الظاء كما يرى الفراهيدي؟
- مدارس -أيدوبا- في العراق القديم وفرضية السومرية لغة وليست هو ...
- التطبيع مع الطائفية السياسية جريمة أخطر من التطبيع مع إسرائي ...
- الدبلوماسية الإيرانية تذل ترامب والبنتاغون يخفي خسائره


المزيد.....




- زيلينسكي يمدد الأحكام العرفية والتعبئة العامة في أوكرانيا حت ...
- أردوغان: اعتراضات الاتحاد الأوروبي على مذكرة التفاهم بين ترك ...
- الحوثيون: 119 غارة جوية سعودية على اليمن خلال 24 ساعة
- باحث إسرائيلي: نريد استراتيجية جديدة تجاه إيران بعد الانتخاب ...
- -قنبلة موقوتة تنتظر المنطقة-.. حمد بن جاسم يطلق تحذيرا بشأن ...
- بعد فوز -القائمة الطلابية- في صربيا.. صحفي بريطاني يستبعد تح ...
- ألمانيا.. اصطدام السفينة السياحية -ماين شيف 3- بسفينتي حاويا ...
- -تورنادو-إس- الروسية تستهدف مواقع عسكرية تابعة للقوات الأوكر ...
- برج من الحلويات بارتفاع 10 أمتار يسجل رقما قياسيا في روسيا
- موسكو: نأمل في حفاظ القيادة الصربية الجديدة على نهج التعاون ...


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علاء اللامي - المُكَدّون (الشحاذون) وأدب الكُدية في التراث: بين التأثيل اللغوي والتحليل الانثروبولوجي الاجتماعي