أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض الشرايطي - حين يترك اليسار غضب الناس لخصومه .















المزيد.....

حين يترك اليسار غضب الناس لخصومه .


رياض الشرايطي

الحوار المتمدن-العدد: 8869 - 2026 / 10 / 25 - 16:19
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ثمة مشهد يتكرر في بلدان كثيرة . تتراكم المظالم، وتضيق سبل العيش، ويزداد الناس اقتناعا بأن حياتهم تسير نحو الأسوأ، ثم يأتي من يخاطبهم بلغة مباشرة، يسمي لهم أعداءهم، ويعدهم باستعادة كرامتهم، ويمنح غضبهم وجهة سياسية . وقد يكون هذا الخطاب صادرا عن قوى لا تمس مصالح أصحاب الثروة، بل تحميها، ومع ذلك تجد من يصغي إليها من بين أولئك الذين يدفعون ثمن النظام الذي تدافع عنه .
في المقابل، يقف اليسار أحيانا أمام هذا المشهد حائرا . يشرح الرأسمالية، ويفكك الاستغلال، ويفضح التفاوت، ويصدر البيانات، ثم يكتشف أن قطاعات واسعة من الناس الذين يتحدث عنهم لا تجد في خطابه ما يكفي لإقناعها بأن التغيير ممكن، أو بأن هذا اليسار قادر على المساهمة فيه . وقد يعزو الأمر إلى تراجع الوعي، أو إلى قوة الإعلام، أو إلى محافظة المجتمع، أو إلى القمع. وفي كل ذلك شيء من الحقيقة، لكن هناك حقيقة أخرى يصعب الاعتراف بها، لقد أصبحت قطاعات من اليسار بعيدة عن الحياة الفعلية للناس، وعن أشكال مقاومتهم، وعن اللغة التي يعبرون بها عن معاناتهم .
العامل الذي يعجز عن تسديد إيجار منزله، والشاب الذي تنقضي سنواته في انتظار عمل لا يأتي، والمرأة التي تجمع بين العمل المأجور وأعباء الرعاية، والعامل الذي يتنقل بين عقود هشة وأجور لا تكفي، لا يعيشون الأزمة في صورة نظريات اقتصادية . إنهم يعيشونها كل يوم، ويبحثون عن تفسير لما يحدث وعن سبيل للخروج منه . وإذا لم يجدوا لدى اليسار جوابا يمس حياتهم ويرتبط بفعل ملموس، فلن ينتظروا إلى الأبد أن يستعيد هذا اليسار لغته أو يحسم خلافاته الداخلية . سيبحثون عن أجوبة أخرى، حتى إن كانت مضللة، وعن قوى تمنحهم الشعور بأن أحدا يسمعهم .
هنا تبدأ المشكلة السياسية الحقيقية . فالغضب الاجتماعي لا يحمل في ذاته اتجاها اشتراكيا، والفقر لا يصنع ثوريا بصورة آلية، كما أن التعرض للظلم لا يمنع صاحبه من تبني أفكار تضر بمصالحه . التاريخ مليء بأناس مسحوقين دافعوا عن أنظمة قهرتهم، وبعمال ساندوا قوى حاربت حقوقهم، وبفئات محرومة وجدت في المهاجر أو المختلف أو الأضعف منها سببا جاهزا لمشكلاتها .
فالناس لا يتحركون انطلاقا من مواقعهم الاقتصادية وحدها، وإنما من خلال تجاربهم وأفكارهم وتنظيماتهم وما يواجهونه من إمكانات وحدود . وبين المصلحة التي تنتجها علاقات الإنتاج والوعي بهذه المصلحة مسافة لا يقطعها الزمن وحده . وقد أدرك لينين مبكرا أن الصراع الاقتصادي، مهما بلغت حدته، لا ينتج وحده وعيا سياسيا قادرا على مواجهة النظام بكامله . لكن هذا الدرس لا يعني أن يأتي حزب من خارج الحركة ليمنح الجماهير وعيا جاهزا، أو أن تتحول النظرية إلى سلطة فوقية تقرر نيابة عنها . فالتنظيم الثوري الذي لا يتعلم من الحركة الفعلية سرعان ما يصبح أسير تصوره الخاص عن المجتمع، تماما كما أن الحركة التي تفتقر إلى التنظيم قد تبدد قوتها في معارك متفرقة .
اليمين يفهم هذه المسألة بطريقته . إنه لا يحتاج دائما إلى إقناع الناس بأن حياتهم جيدة، بل يستطيع أن ينطلق من اقتناعهم بأنها سيئة، ثم يمنحهم تفسيرا يبعد الأنظار عن أصحاب المصالح الحقيقية . يقول للعاطل إن المهاجر أخذ مكانه، وللفقير إن حقوقه تضيع بسبب الغرباء، ولمن يخشى المستقبل إن المشكلة تكمن في انهيار القيم أو ضعف الدولة . وهكذا يتحول الغضب من واقع اقتصادي واجتماعي إلى خصومات بين الفئات الشعبية نفسها، فيما تبقى علاقات الملكية وتوزيع الثروة بعيدة عن المساءلة .
أما اليسار فلا يستطيع مواجهة ذلك بمجرد وصف الناس بالجهل أو الرجعية . فاحتقار الجماهير لا يصنع وعيا، والتعالي عليها لا يغير قناعاتها، وتكرار أن مصالحها الحقيقية تختلف عما تعتقده لا يكفي لإقناعها . المطلوب فهم التجارب التي تنتج هذه القناعات، وخوض الصراع داخلها، وربط المعاناة اليومية بمصادرها الاجتماعية والاقتصادية. ليس المطلوب مسايرة الأفكار الرجعية، وإنما انتزاع الأرض الاجتماعية التي تنمو عليها .
كان غرامشي واعيا بأن الطبقة الحاكمة لا تستمر بالقوة وحدها، بل تعمل على جعل مصالحها الخاصة تبدو مصالح عامة . وهذا ما يجعل الصراع السياسي أوسع من مواجهة مباشرة بين العامل وصاحب العمل، وأوسع من الانتخابات والصراع على مقاعد البرلمان . إنه صراع على الطريقة التي يفهم بها الناس حياتهم، وعلى الأفكار التي يفسرون بها ما يتعرضون له، وعلى ما يعتبرونه ممكنا أو مستحيلا .
لكن الهيمنة لا تنتزع بالخطب وحدها . إنها تحتاج إلى قوى منظمة، وإلى حضور داخل مواقع العمل والأحياء والجامعات والنقابات، وإلى مؤسسات مستقلة يستطيع الناس من خلالها الدفاع عن مصالحهم وممارسة التضامن وتطوير قدرتهم على اتخاذ القرار . فاليسار الذي يكتفي بإنتاج التحليلات من دون أن يجد لها طريقا إلى الممارسة يترك المجال مفتوحا لخصومه، مهما كانت صحة تشخيصه .
لقد تغير عالم العمل. ولم يعد العامل صورة واحدة محصورة في مصنع كبير . هناك عمال المناجم والمصانع والنقل والتوزيع، والعاملون في الخدمات والمنصات الرقمية، ومن يشتغلون بعقود مؤقتة أو من دون حماية اجتماعية، ومن يعيشون من أعمال متقطعة . وهناك النساء اللواتي يتحملن أعباء الرعاية المنزلية إلى جانب العمل المأجور، والمهاجرون الذين يتعرضون للاستغلال بسبب هشاشة وضعهم القانوني، والشباب الذين يدخلون سوق العمل من أبواب ضيقة ويخرجون منها من دون ضمانات .
هذه الفئات ليست متطابقة في مصالحها المباشرة، ولا تختفي التناقضات بينها بمجرد وضعها تحت عنوان واحد . لكن الرأسمالية تستفيد من الانقسامات الاجتماعية لتخفيض كلفة العمل وإضعاف التضامن بين المستغَلّين . ومن يريد بناء حركة اشتراكية واسعة عليه أن يواجه هذه الانقسامات داخل المجتمع وداخل الحركة نفسها، وأن يربط النضال ضد الاستغلال بالنضال ضد التمييز والاضطهاد .
ولا يعني ذلك التخلي عن مركزية الطبقة العاملة، وإنما فهم التحولات التي عرفتها وإدراك أن قدرتها على تغيير المجتمع لا تنبع من موقعها الاقتصادي وحده، بل من قدرتها على تنظيم نفسها وبناء تحالفات مع سائر الفئات المضطهَدة . وقد دافعت روزا لوكسمبورغ عن المبادرة الجماهيرية، وعن قدرة النضال نفسه على تطوير الوعي السياسي . فالجماهير لا تتعلم من التعليمات وحدها، وإنما من تجربتها في الإضراب والاحتجاج والتنظيم، ومن قدرتها على اكتشاف قوتها حين تتحرك معا .
لكن المبادرة الجماهيرية لا تعني أن التنظيم غير ضروري، كما أن التنظيم لا يمنح القيادة حق مصادرة المبادرة . لقد أبرز تروتسكي، في دفاعه عن الجبهة المتحدة، ضرورة خوض النضالات المشتركة مع قوى عمالية تختلف عن الثوريين في برامجها، من دون التخلي عن الاستقلال السياسي أو حق النقد . وهذا درس يتجاوز الخلافات التاريخية التي نشأ في سياقها . فليس على العمال أن يتبنوا البرنامج الاشتراكي كاملا قبل أن يناضلوا معا من أجل الأجور أو الحريات النقابية أو الدفاع عن الخدمات العامة . إنهم يختبرون القوى السياسية في خضم الصراع، ويكتشفون من يساند مطالبهم ومن يساوم عليها .
بهذا المعنى، لا تكون المشاركة في نضال لا يقوده اليسار تنازلا عن المشروع الثوري، مثلما لا يكون الحفاظ على استقلال التنظيم مبررا للانعزال عن الجماهير . فهناك فرق بين تحالف محدد للدفاع عن مطلب مشترك وبين ذوبان سياسي يمحو الاختلافات الطبقية . وقد تتفق قوى متعددة على مقاومة تسريح العمال أو الدفاع عن حق الإضراب، من دون أن تتفق على طبيعة النظام الاقتصادي الذي ينبغي بناؤه . المهم أن تكون الوحدة وسيلة لتطوير النضال، لا ذريعة لإسكات النقد أو تأجيل المطالب الاجتماعية إلى أجل غير معلوم .
ولا ينبغي أن يتحول هذا الموقف إلى مجرد حيلة تنظيمية لكسب الأنصار . فالجبهة المتحدة لا تنجح لأن قيادة ثورية أعلنتها، وإنما حين تستجيب لحاجة فعلية لدى الناس، وتمنحهم فرصة اختبار قوتهم المشتركة . كما أن العمل المشترك لا يعفي الثوريين من قول الحقيقة عندما تتراجع القيادات الإصلاحية أو تعرقل النضال . المطلوب هو أن يكون النقد متصلا بالتجربة الفعلية، وأن يجد الناس فيه تفسيرا لما يحدث ووسيلة لمواصلة المعركة، لا مجرد إثبات جديد لصحة مواقف تنظيم صغير .
وتطرح هذه المسألة سؤالا آخر يتعلق بطبيعة التغيير نفسه . ففي البلدان التي تتداخل فيها التبعية الاقتصادية والتفاوت الاجتماعي والقيود السياسية، لا يمكن فصل المطالب الديمقراطية عن المطالب الاجتماعية، ولا التعامل مع الاستقلال السياسي وكأنه يضمن تلقائيا التحرر الاقتصادي . وقد شدد تروتسكي، من خلال أطروحته حول الثورة الدائمة، على أن المهام الديمقراطية والاجتماعية قد تدفع الصراع إلى تجاوز الحدود التي تقبل بها الطبقات المالكة، وأن إنجاز هذه المهام يرتبط بموازين القوى الطبقية وبالامتداد الدولي للصراع .
لا يعني ذلك أن كل معركة مطلبية يجب أن تتحول فورا إلى معركة على السلطة، ولا أن الإصلاحات بلا قيمة . فالزيادة في الأجور، والدفاع عن المستشفى العمومي، ووقف تسريح العمال، وتحسين شروط العمل، كلها مكاسب حقيقية . لكن هذه المكاسب تظل معرضة للتراجع ما دامت القرارات الاقتصادية الكبرى خاضعة لمصالح رأس المال، وما دامت الجماهير لا تمتلك وسائل مستقلة لحماية ما تنتزعه وتطويره .
المسألة إذن ليست الاختيار بين النضال من أجل إصلاحات ملموسة وانتظار الثورة، بل بناء علاقة بين الاثنين . فكل نضال ناجح يفتح إمكانات جديدة، وكل هزيمة تفرض مراجعة الوسائل والأهداف، وكل تجربة تنظيمية يمكن أن توسع قدرة الناس على فهم ما يواجهونه . ومن هنا تأتي أهمية المطالب التي تنطلق من الحاجات المباشرة، لكنها تكشف أيضا حدود النظام الذي يمنع تحقيقها . وهذا ما قصده تروتسكي بالمطالب الانتقالية : ربط ما يناضل الناس من أجله الآن بضرورة تغيير أعمق، من دون فرض شعارات منفصلة عن مستوى الصراع الفعلي .
وفي تونس، تكتسب هذه المسائل أهمية خاصة . فالمطالب التي دفعت الناس إلى الانتفاض سنة 2010-2011 لم تختف بمجرد تغير الحكام . ظلت البطالة والتفاوت الجهوي وصعوبات العيش وتراجع الخدمات العامة حاضرة، وظل السؤال الاجتماعي مفتوحا حتى حين تغيرت اللغة السياسية وتبدلت الوجوه في مؤسسات الحكم . وقد أظهرت التجربة أن إسقاط رأس السلطة لا يعني بالضرورة تغيير البنية الاقتصادية والاجتماعية التي تستند إليها .
لم تكن المشكلة في غياب المطالب الشعبية، وإنما في عدم القدرة على تحويل التعبئة الواسعة إلى قوة مستقلة قادرة على فرض تحول اجتماعي عميق ومواصلته . فقد ظلت قطاعات من النضال منفصلة بعضها عن بعض، واستطاعت قوى مختلفة أن تستثمر التطلعات الشعبية في صراعاتها الخاصة، فيما بقيت ملفات التشغيل والتنمية والثروة والخدمات العامة رهينة حدود النظام الاقتصادي القائم .
المطلوب من اليسار التونسي ليس أن يكتفي بتذكير الناس بأنه كان على حق في تشخيص طبيعة النظام، ولا أن يحول تاريخه النضالي إلى شهادة دائمة بالأهلية السياسية . التاريخ يمنح صاحبه مسؤولية، لكنه لا يمنحه حقا أبديا في تمثيل الناس . كل جيل يختبر القوى السياسية بما تفعله في واقعه، وكل تنظيم يفقد صلته بالنضالات اليومية يصبح مهددا بأن يتحول إلى ذاكرة تحترمها قلة ، بينما يقرر المجتمع مصيره في مكان آخر .
إن بناء بديل اشتراكي يقتضي حضورا فعليا في مواقع العمل والأحياء والجامعات والمناطق المهمشة، ومشاركة في المعارك التي قد تبدو صغيرة أو محلية لكنها تمس شروط الحياة اليومية . ويقتضي الدفاع عن النقابات مع النضال من أجل ديمقراطيتها، ومساندة المعطلين في تنظيم أنفسهم، وربط المطالب الجهوية بمسألة توزيع الثروة، والدفاع عن الحقوق والحريات باعتبارها شروطا لا غنى عنها لنشاط الجماهير المستقل .
ويقتضي أيضا أن يقدم اليسار تصورات عملية بشأن الأجور والخدمات العامة والجباية والثروات الطبيعية والتشغيل، وأن يشرح كيف ترتبط هذه القضايا ببنية الاقتصاد ومصالح الطبقات المسيطرة . فالنظرية التي لا تساعد على فهم ما ينبغي فعله في المعركة الراهنة تظل بعيدة عن الحركة، والمطلب اليومي الذي لا يرتبط بأفق أوسع يظل عرضة للاحتواء والتراجع .
ولا يمكن بناء هذا البديل إذا بقيت التنظيمات أسيرة البيروقراطية . لقد حذر تروتسكي من أن الثورة قد تحتفظ بمكاسب اجتماعية كبرى، بينما تتراجع قدرة العمال على مراقبة السلطة التي قامت باسمهم . وفي نقده للبيروقراطية السوفييتية، دافع عن استعادة الديمقراطية العمالية، وكشف التناقض بين الملكية المؤممة وبين احتكار الجهاز الإداري والسياسي لسلطة القرار . ويمكن أن نختلف مع جوانب من تحليله التاريخي، لكن المسألة التي يطرحها تظل أساسية : تغيير شكل الملكية وحده لا يضمن أن يصبح المنتجون أصحاب القرار الفعلي .
ولا تقتصر هذه المشكلة على الدولة . إنها تظهر أيضا داخل الأحزاب والنقابات والمنظمات التي تنشأ للدفاع عن مصالح الجماهير . تبدأ المؤسسة أداة للنضال، ثم تتضخم مصالحها الخاصة، ويصبح الحفاظ على الجهاز أولوية تتقدم على مصالح المنخرطين فيه . ويصبح الاعتراض الداخلي تهديدا للوحدة، وتتحول القيادة من وظيفة قابلة للمحاسبة إلى موقع دائم .
إن التنظيم الثوري الذي لا يمارس الديمقراطية في داخله لا يستطيع تعويض ذلك بكثرة حديثه عن الديمقراطية في المجتمع . والحزب الذي يتعامل مع العمال باعتبارهم قاعدة للتأييد، لا شركاء في اتخاذ القرار، يعيد إنتاج العلاقة التي يقول إنه جاء لتجاوزها . فالتحرر ليس هبة تمنحها قيادة واعية لجماهير تنتظرها، وإنما عملية يصبح فيها الناس أكثر قدرة على إدارة شؤونهم بأنفسهم .
لهذا لا يمكن بناء بديل اشتراكي بمجرد تغيير الأشخاص في قمة المؤسسات . لا بد من ضمان حرية النقاش، وحق الاتجاهات المختلفة في التعبير، والمحاسبة الدورية للقيادات، واستقلال النقابات والمنظمات الجماهيرية، وتوسيع مشاركة القواعد في اتخاذ القرارات . وهذه ليست إجراءات تنظيمية ثانوية، بل جزء من مضمون المشروع الاشتراكي نفسه .
ليس ثمة طريق مختصر لبناء قوة ثورية . فلا يمكن اختراع حركة جماهيرية بقرار تنظيمي، ولا استبدال العمل الطويل بانتظار أزمة كبرى يعتقد البعض أنها ستفتح الأبواب تلقائيا . فالأزمات قد تفتح إمكانات جديدة، لكنها قد تنتج أيضا الخوف والتشتت والبحث عن حلول سلطوية . وما يحدد اتجاهها يرتبط، إلى جانب الظروف الموضوعية، بما هو قائم من تنظيمات وخبرات وعلاقات ثقة وبرامج سياسية .
كتب ماركس أن مهمة الفكر النقدي لا تتوقف عند تفسير العالم، بل تتصل بتغييره . لكن التغيير لا يحدث لأن النظرية أعلنت ضرورته، وإنما حين تصبح هناك قوة اجتماعية قادرة على إنجازه . وقد حاول لينين أن يبين ضرورة التنظيم السياسي، وأبرزت روزا لوكسمبورغ دور المبادرة الجماهيرية، وكشف غرامشي أهمية الصراع على الهيمنة، ودافع تروتسكي عن استقلال الطبقة العاملة وعن ضرورة وصل المطالب اليومية بأفق التحول الثوري . ليست هذه المساهمات متطابقة، ولا ينبغي محو خلافاتها، لكنها تضع أمامنا مسألة مشتركة : كيف يتحول الوعي إلى فعل، والفعل إلى تنظيم، والتنظيم إلى قدرة جماعية على تغيير الواقع؟
ليس المطلوب من الجماهير أن تنتظر حتى يصبح اليسار جاهزا، ولا من اليسار أن يتخلى عن مشروعه كي يرضي كل من يلتقي بهم . المطلوب أن يلتقيا في النضال الفعلي، حيث تختبر الأفكار، وتنكشف حدود البرامج، وتنمو الثقة أو تنهار . هناك فقط يمكن أن تتحول الشعارات من كلمات تتردد في الاجتماعات إلى أدوات يفهم الناس معناها لأنهم شاركوا في صنعها .
فالمعركة ليست على من يرفع صوته أكثر، ولا على من يدعي تمثيل المجتمع بصورة أشمل . إنها معركة لبناء قوة اجتماعية تستطيع أن تفهم أسباب معاناتها، وتنظم مصالحها، وتواجه من يستفيد من استمرارها، وتمنع تحويل تضحياتها إلى سلطة جديدة منفصلة عنها .
الاشتراكية ليست وعدا مؤجلا تقدمه قيادة إلى مجتمع ينتظر الخلاص . إنها مشروع لتحرير العمل والحياة من سلطة الربح، ولجعل الثروة التي ينتجها المجتمع في خدمة حاجاته، ولتمكين الناس من المشاركة الفعلية في القرارات التي تحدد مصيرهم . ولن يصبح هذا المشروع قوة تاريخية لمجرد أن أزمة الرأسمالية تمنحه حججا إضافية، بل حين يجد في الواقع من ينظمه ويدافع عنه ويطوره، وحين يتعلم من الهزائم بدلا من الاكتفاء برثائها، وحين يثبت في الممارسة أن تحرر الجماهير لا يتحقق بالحديث باسمها، وإنما بتوسيع قدرتها على تقرير مصيرها ...



#رياض_الشرايطي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الاستقلال والسيادة الوطنية المبتورة في زمن الإمبريالية الجدي ...
- شذرات ... الجامعة التونسية، الاتحاد العام لطلبة تونس، ورأس ا ...
- اليمين والسعودية .. حين تنكسر هيبة النفط أمام إرادة الشعوب
- حين ينتفض التلاميذ على مستقبلهم .. المدرسة الفرنسية في مواجه ...
- الوثيقة عدد 9 : من ثورة 1949 إلى رأسمالية الدولة الصينية .
- مرسوم إعادة هندسة الشرعية الانتخابية .
- المديونية : حين يتحول مستقبل شعب إلى سندات في يد رأس المال .
- تنقيح المرسوم 54، إعادة هندسة للعقوبة، وليس هدم لفلسفة العقا ...
- الثورة الدائمة في قرن لا يشبه قرنا سابقا .
- النيولسانية واستعادة الزمن .
- توحيد اليسار ... توحيد الخط الثوري لا لمّ الشمل .
- الجينيالوجيا في الخطاب اليساري في القرن الحادي والعشرين
- العفوية في النشاط الاجتماعي والسياسي : حين يتقدم الشارع على ...
- حين تتحول الشهادة العلمية إلى تهمة
- الاحتجاج الدغمائي، حين يصبح الرفض بديلا عن الفعل .
- بُرُوتُوكُولُ القَلْبِ
- الصهيوني خلف الزناد… و الامبريالي خلف الذّخيرة
- الجزائر والإمارات ،، ضد التبعية وضد الاستبداد .
- حين يجلس العامل إلى الطاولة : المجالس، الحزب والثورة التي لا ...
- المثقّف الذي يحمل وجع الناس في قلبه .


المزيد.....




- -كما لو كان صدام حسين-.. أوباما ساخرًا من تجديدات ترامب للبي ...
- ماسك يتهم أوكرانيا بانتهاك شروط خدمة -ستارلينك-.. وكييف ترد ...
- رئيس وزراء الأردن: مرتكبو هجوم كنيسة الكرك سينالون عقابهم
- وصول وسطاء ?قطريين إلى إيران
- تحرك عربي جماعي جديد يفتح جبهة دولية لملاحقة إسرائيل
- الحوثيون يكشفون عن -قاعدة سعودية سرية محصنة- تحت الأرض في شب ...
-  15 مليون سائح زاروا مصر منذ بداية 2026.. وخطة لاستهداف 20 م ...
-  قاليباف: إيران قوة إقليمية مستقلة وسنرد بشكل لا يمكن تصوره ...
- واشنطن تجهّز خططًا لضرب إيران وطهران تتوعّد بردّ -مضاعف-.. م ...
- الأردن يشيّع ضحايا الهجوم الدامي على كنيسة في الكرك.. والسلط ...


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض الشرايطي - حين يترك اليسار غضب الناس لخصومه .