|
|
فرنسا : من دواعي الغضب – الحلقة الأولى
الطاهر المعز
الحوار المتمدن-العدد: 8869 - 2026 / 10 / 25 - 13:49
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
كتبت مجموعة من الصفحات بخصوص الإحتجاجات الجارية في فرنسا وحاولتُ التَركيز على الأسباب ( أو المُقدّمات) التي أدّت إلى انفجار الغضب خرج الشباب إلى الشوارع، معبرين عن غضب متزايد ضد تدمير التعليم العام وانهيار الحماية الاجتماعية وتآكل الحقوق الديمقراطية وضد سياسات التقشف القاسية، ووحشية الرأسمالية النيوليبرالية، وتخليها عن الشباب، وتركيزها للثروة والسلطة في أيدي النخب الحاكمة، وتبنيها للعسكرة، وتدميرها المُمَنْهَج للمؤسسات العامة والحماية الاجتماعية التي تقوم عليها الحياة الديمقراطية. في فرنسا، تحولت الإحتجاجات ضد اكتظاظ الفصول الدراسية وتدهور التعليم ونقص المعلمين، إلى حركة وطنية تحظى بدعم أولياء الأمور وطلاب الجامعات والعمال والنقابات العمالية، فالشعب يواجه نظامًا سياسيًا يخدم مصالح النخب المالية والمجمع الصناعي العسكري وسلطة الشركات العابرة للقارات، بينما تُفكّك الحكومات المؤسسات العامة وأنزمة الحماية الاجتماعية التي تعتمد عليها الطبقة العاملة والفئات الفقيرة، وتتجاوز أزمة التعليم الصعوبات المادية المباشرة، فهي تعكس خوفًا متزايدًا من أن النيوليبرالية قد سلبت الناس الأمن الاقتصادي، والقدرة على التأثير السياسي، وإمكانية بناء مستقبلٍ ذي معنى، ويخشى جيل الشباب تضاؤل فُرص العمل وانتشار الوظائف متدنية الأجر وغير المستقرة، في مقابل التكاليف الباهظة للمعيشة والتداعي المُستمر للبنية التحتية العامة، أي نهاية الأمن الاجتماعي والاقتصادي الأساسي الذي كان سائدًا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ولم تولَدْ هذه المخاوف من فراغ، بل من حقائق النظام الرأسمالي الذي جعل من الإهمال الاجتماعي والمعاناة الإنسانية والاستغناء عن أجيال بأكملها محورًا أساسيًا لممارسته للسلطة الاقتصادية والسياسية، في ظل النيوليبرالية التي تمثل نظاما اقتصاديا وسياسيا وثقافيا قاسيا أنتج تفاوتات هائلة ومعاناة إنسانية واسعة النطاق، وهجومًا متواصلًا على الحياة الديمقراطية، وتمثل النيوليبرالية آلة حرب لتفكيك الدولة الاجتماعية وخصخصة المؤسسات العامة وتركيز الثروة والسلطة في أيدي أثرى الأثرياء، مباشرة أو بواسطة النخب الحاكمة، وتُهيئ الظروف التي يزدهر فيها الاستبداد والسياسات الفاشية، من خلال تهميش القيم الديمقراطية والالتزامات الاجتماعية أمام متطلبات الخصخصة والعسكرة والنظام الأبوي والمصلحة الذاتية الجامحة وتراكم الثروة والسلطة، وكانت النيوليبرالية تدعي تحقيق الازدهار ولكنها أفضت إلى تبني سياسات الفاشية الجديدة والعنصرية والقومية المتطرفة والقمع لتوجيه الغضب الشعبي بعيدًا عن الرأسمالية التي حصرت مهمة الدولة في حماية ثروات وسلطة أثرى الأثرياء، ومواجهة الفقراء والطبقة العاملة والنساء وذوو البشرة الملونة والمهاجرين، وخاصة الشباب، الذين تُضحَّى بحياتهم ومستقبلهم في سبيل مطالب رأس المال، لكن الضغط يولد الإنفجار وتُولد الرأسمالية نقيضها، أي المقاومة والثورة، وكشفت احتجاجات أوروبا عن انهيار شرعية الليبرالية الجديدة، وتكشف احتجاجات فرنسا عن صراع يتجاوز فئة الشباب ويطرح تساؤلات عن شرعية ومستقبل مسرحية الإنتخابات في ظل الديمقراطية البرجوازية التي تُحول المواطن إلى مجرد مُستهلك غير إن هذا المُستهلك لا يملك المال لشراء السلع الأساسية بعدما تمكنت النيوليبرالية من شَيْطَنَة البُعد الاجتماعي ومن تدمير الروابط المدنية والمسؤوليات الجماعية التي تقوم عليها الحياة الديمقراطية، وتُدين النيوليبرالية بشدة إعادة توزيع الثروة وحماية حقوق العمال وتوفير الخدمات العامة وتعتبرها اعتداءات على الحرية والمُبادرة الفردية. أما الشركات فهي معفاة من المساءلة رغم شعارات الشفافية، بينما تُروج وسائل الإعلام إيديولوجية رأس المال التي تُجرّد عامة الناس من الحماية والمؤسسات التي تُضفي معنىً على الحرية، ومحاولة إقناع الناس بأن التضامن شكل من أشكال الاستبداد، وأن المسؤولية الاجتماعية اعتداء على الحرية، وأن السعي وراء الثروة الشخصية هو أسمى تعبير عن الحرية الإنسانية، ليصبح جشع الشركات فضيلة، وتصبح المعاناة الإنسانية التي يُسببها رأس المال ثمنًا مقبولا لممارسة الأعمال، ولا يقتصر هجوم النيوليبرالية على مضمون الديمقراطية بل يشمل الانتخابات والحريات المدنية واستقلال القضاء، ويستهدف التعليم العام والذاكرة التاريخية والقدرات النقدية التي يحتاجها الناس لإدراك الظلم ومقاومة السلطة الاستبدادية... أدى تحول الدولة الاجتماعية إلى دولة قمعية، إلى التضحية بالاستثمارات في التعليم والرعاية الصحية والإسكان والأمن الاقتصادي لصالح ثروة الشركات والقوة العسكرية، وحرمان الشباب، وخاصةً أولئك المنحدرين من المجتمعات الفقيرة والطبقة العاملة، من الموارد اللازمة لممارسة سيطرة حقيقية على حياتهم، وعندما يطالبون بالعدالة، تُقابل مقاومتهم بشكل متزايد بالمراقبة والتجريم وعنف الشرطة التي تعتبر رفض الشباب لهذا المصير كتهديد يجب سحقه، وهو ما يحدث في فرنسا، حيث أدى التقشف إلى اكتظاظ الفصول الدراسية ونقص المعلمين، وتهالك المباني وعدم كفاية الموارد التعليمية، خصوصًا في الضواحي الفقيرة لباريس والمدن الكبرى حيث تضررت الفرص التعليمية لطلاب الطبقة العاملة بشدة جراء سنوات من الإهمال وتفاقم التفاوت الطبقي، ولا ينفصل تدمير التعليم العام عن الاعتداء الأوسع نطاقاً على الكرامة والأمن الاقتصادي وحق الشباب في مستقبل أفضل... لهذه الأسباب انطلقت الإحتجاجات قبل منتصف أيلول في مؤسسات التعليم، ويوم 21 أيلول/سبتمبر 2026 في شوارع إحدى ضواحي باريس، حيث انضم الطلاب إلى المعلمين المضربين مطالبين بتوفير المزيد من الكوادر والموارد التعليمية، وسرعان ما تحول هذا الإحتجاج إلى حركة واسعة، فانتشرت المظاهرات وإغلاق المدارس في جميع أنحاء فرنسا، وتظاهر مئات الآلاف من الطلاب والمعلمين وأعضاء النقابات العمالية في الشوارع، وارتفع عدد المتظاهرين من 450 ألف يوم السادس من تشرين الأول/اكتوبر 2026 إلى 800 ألف يوم 17 من نفس الشهر وفق صحيفة واشنطن بوست بتاريخ 18 تشرين الأول/اكتوبر 2026، وكشف التوسع السريع للحركة عن سنوات من الغضب المتراكم إزاء نظام تعليمي بات عاجزًا بشكل متزايد عن تلبية أبسط احتياجات الطلاب، بفعل النقص الكبير في عدد معلمي المرحلة الثانوية، وبسبب اكتظاظ الفصول، إذ تضم أكثر من 70% من فصول المدارس الحكومية أكثر من ثلاثين طالبًا، بينما يؤدي غياب المعلمين بشكل متكرر إلى حرمان الطلاب من التعليم، في إطار الإهمال الممنهج للتعليم العام وتعزيز الطابع الطبقي للسياسة التعليمية ليصبح التعليم أداة أخرى لإعادة إنتاج الامتيازات الطبقية بدلًا من تحديها... يُستشف من الميزانية التي تقترحها الحكومة الفرنسية لسنة 2027 زيادة الإنفاق العسكري بنحو 7,2 مليار دولار، بينما تخصص 1,2 مليار دولار إضافية فقط للتعليم، وتلغي 1588 وظيفة تدريس دائمة، وقد ردّ الطلاب بلافتات تطالب بـ"أموال للمدارس لا للحرب"، فالدولة توفر موارد هائلة للعسكرة، وتدّعي عجزها عن توفير المال لتوظيف المعلمين وتخفيف اكتظاظ الفصول الدراسية والإنفاق على المؤسسات العامة اللازمة لضمان مستقبل جيل كامل، وتكشف هذه الأولويات عن دولة مستعدة لتمويل آلة الحرب، بينما تُهمّش المؤسسات التي تُعنى بحياة شبابها ومستقبله، وأدى تعنت الحكومة إلى اتساع رقعة الإحتجاجات لتشمل العمال وأولياء الأمور والنقابات العمالية والفئات التي تواجه نفس النظام وتعاني من الاستغلال الاقتصادي والتهميش السياسي، وامتدت الاحتجاجات إلى أكثر من أربعين مدينة فرنسية، لتتحول من احتجاجات على تدهور المدارس إلى حركة وطنية وضعت الدفاع عن التعليم العام في سياق نضال أوسع ضد التقشف الرأسمالي، وحماية الأجيال اللاحقة ونشأة بدايات تحالف أوسع بين الشباب المناضلين من أجل فرص التعليم والعمال الذين يواجهون تدهور الأجور وضعف الحماية الاجتماعية وتزايد انعدام الأمن الاقتصادي، وظهور حركة جماعية أوسع قادرة على تحدي الأولويات السياسية والاقتصادية للحكومة التي أقرت تخفيضات ضرائب الشركات وخفض مساهمتها في الضمان الإجتماعي بنحو 62 مليار يورو سنويا بين سنتَيْ 2018 و 2023، وتعمل هذه الحركة الإجتماعية على مواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة والوقود، والهجمات على استحقاقات التقاعد، وتدهور مستوى الخدمات العامة، وفق موقع صحيفة نيويورك تايمز بتاريخ 17 تشرين الأول/اكتوبر 2026، وبينما تستفيد الشركات والأثرياء من سياسات الحكومة، تُشدّد إجراءات حماية العاطلين عن العمل، ويُرفع سن التقاعد، وتُحرم الخدمات العامة من الموارد، ثم تتذرّع الحكومة بضرورة مالية لفرض مزيد من التضحيات على العمال والطلاب والفقراء، فالدولة تحمي الثروات المتراكمة بينما تُجبر الأقل حظًا على تحمّل تكاليف التقشف. يكشف العنف الموجه ضد هذه الحركات عن الإعتماد المتزايد للنظام النيوليبرالي على الدولة القمعية لسحق المعارضة وحماية السلطة القائمة، وشن حملة قمع واسعة النطاق ضد المتظاهرين الشباب الذين يعترضون على السياسات القائمة، إذ تتعامل الحكومات بشكل متزايد مع الشباب المطالبين بالعدالة والكرامة والمساءلة الديمقراطية كأعداء للدولة، كما يهدف استخدام عنف الشرطة ضد الشباب إلى بث الخوف وفرض الطاعة، وإقناع جيل كامل بأن تحدي السلطة القائمة له ثمن باهظ، ورغم هذا القمع، يواصل الشباب النزول إلى الشوارع، مُحتجين على الاستغلال وعدم المساواة وتمركز الثروة والسلطة، وبدلاً من معالجة مظالمهم، انضمت الحكومة الفرنسية إلى اليمين المتطرف في توجيه اللوم نحو الطلاب واليسار السياسي، ويكشف رد الحكومة الفرنسية على انتفاضة الطلاب عن الوحشية المتزايدة التي ينطوي عليها تبني النيوليبرالية لدولة قمعية، فقد قوبل الشباب المطالبون بمعلمين أكفاء ومدارس لائقة ومستقبل كريم بقمع من شرطة مكافحة الشغب والاعتقالات الجماعية والغاز المسيل للدموع والأسلحة القادرة على إحداث إصابات دائمة، ومع تفكك الدولة الاجتماعية، تتوسع آلة القمع، ويُعامل الطلاب المطالبون بالحقوق الديمقراطية بشكل متزايد كأعداء للنظام العام، وتُجرّم مقاومتهم من قبل حكومة أكثر استعدادًا لمعاقبتهم من معالجة الظروف التي دفعتهم إلى الشوارع، ورَدّت السلطات الفرنسية على الحركة الطلابية بنشرٍ غير مسبوقٍ لقوة الشرطة والجيش واقترب عدد الاعتقالات من تسعة آلاف شخص قبل مظاهرة الرابع والعشرين من تشرين الأول/اكتوبر 2026، قُدّر أن حوالي 87% منهم دون سن الثامنة عشرة، وتجاوز حجم هذه الاعتقالات مستويات الاحتجاز الوقائي التي كانت سائدة في بداية حركة "السترات الصفراء"، والتي اشتهرت بدورها بالمواجهات العنيفة بين المتظاهرين والشرطة، وعانى المتظاهرون الشباب من كسور في الفك، وإصابات خطيرة في الرأس، وفقدان دائم للبصر، وبتر في الأيدي، وتكشف هذه الإصابات عن وحشية دولة مستعدة لقتل ولتشويه الأطفال والمراهقين دفاعًا عن سلطتها السياسية، غير إن القمع أدى إلى تفاقم الغضب الشعبي، رغم محاولات وسائل الإعلام تحويل الانتباه من مظالم الطلاب إلى مشهد الفوضى. أثارت قسوة حملة القمع انتقادات من منظمات حقوق الإنسان والمدافعين عن الحريات المدنية، وحذرت منظمة العفو الدولية في فرنسا من الاستخدام المفرط للقوة، مستشهدة بأدلة على استخدام أساليب الخنق، وإطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع مباشرة على المتظاهرين، والاستخدام الواسع النطاق للرصاص المطاطي. وبحلول الثامن من تشرين الأول/اكتوبر 2026، فتحت سلطات الرقابة على الشرطة الفرنسية ( وهي سلطة منحازة إلى جهاز الشرطة) 18 تحقيقًا في مزاعم سوء السلوك خلال المظاهرات، وتكشف هذه الانتهاكات عن دولة تُعامل بشكل متزايد الحقوق الديمقراطية للشباب على أنها تابعة للحفاظ على السلطة السياسية، ليُصبح تجريم الاحتجاج وسيلةً لتأديب جيل كامل تُهدد مطالبه مصالح من هم في السلطة. يكشف القمع أيضًا عن الكراهية العرقية والطبقية المتأصلة في ممارسة سلطة الشرطة، فقد عُوملت انتفاضة الطلاب على أنها أعمال شغب حضرية، ويعود ذلك جزئيًا إلى أنها انبثقت من أحياء مهمشة، وتم تصوير الطلاب الفقراء وطلاب الأقليات على أنهم جانحون خطرون يجب تأديبهم والسيطرة عليهم. ويتطلب التباين بين أساليب الشرطة في التعامل مع الطلاب في أحياء الطبقة العاملة مثل سين سان دوني، وتلك المتبعة في مؤسسات النخبة مثل معهد العلوم السياسية (سيانس بو)، دراسة متأنية، كما أن أوجه عدم المساواة الطبقية والعرقية التي تحرم الطلاب الفقراء وطلاب الأقليات من تعليم لائق، تجعلهم أكثر عرضة للتجريم والتعرض لعنف الدولة عند مقاومتهم، وبالنسبة للشباب الفقراء وشباب الأقليات، فإن حرمانهم من فرص التعليم يتعزز من قِبل دولة تنظر إليهم بشكل متزايد على أنهم فئات خطرة يجب السيطرة عليها، بدلًا من كونهم شبابًا يمارسون حقوقهم الديمقراطية. أدت محاولة الحكومة تجريم الانتفاضة إلى تصعيد الصراع، واتهام منظمات يسارية باستغلال مظالم الطلاب وتأجيج الاضطرابات، ليتردد صدى تجريم المعارضة بشكل مقلق في بعض وسائل الإعلام الرئيسية، متجاهلة مطالب الطلاب بمدارس لائقة وعدالة اقتصادية وفق صحيفة نيويورك تايمز بتاريخ 19 تشرين الاول/أكتوبر 2026. تُعَدّ مظاهرات يوم السبت، 24 أكتوبر 2026، انتصاراً ساحقاً للحراك الاجتماعي في مواجهة الحكومة التي كانت قد حظرت هذه الاحتجاجات في باريس ومعظم المدن الفرنسية. ففي باريس وحدها، احتشد ما يقرب من 250 ألف متظاهر، امتدت صفوفهم لأكثر من أربعة كيلومترات وسط أجواء من الهدوء والانضباط (ليصل إجمالي عدد المشاركين في مختلف المدن الفرنسية إلى أكثر من 800 ألف متظاهر). وقد جاء هذا النجاح رغم الحظر والمناورات والاستفزازات التي لجأت إليها الحكومة، والتي مُنيت في نهاية المطاف بفشل ذريع. وقد خيّم على المتظاهرين وقع الصدمة جراء الهجوم العنصري الذي استُخدم فيه سلاح حربي في مدينة "تراب" (Trappes)، والذي نفذه أحد نشطاء اليمين المتطرف. وقد استغلت السلطة هذا الحدث لإلغاء الاتفاق الذي أبرمته مع النقابات بشأن مسار المظاهرة في باريس، بهدف خلق حالة من الفوضى والاضطراب عبر تكثيف الاستفزازات؛ إلا أن الرد الشعبي جاء حاشداً ومنضبطاً، مما عكس قوة الحراك وتماسكه* تواطأت وسائل الإعلام مع الحكومة في سياسة تشتيت الانتباه التي تُضفي شرعية على قمع الدولة، وإعادة صياغته على أنه دفاع عن النظام العام، ودعمت تركيز الحكومة على الأمن، ودَفْن المظالم التي دفعت مئات الآلاف من الشباب إلى الشوارع، كما يتخذ تجريم المعارضة أشكالاً اقتصادية أيضاً، من خلال مشروع قانون يُعرّض المتظاهرين لعقوبات مالية عن أضرار لم يتسببوا بها شخصياً، وربما يُعاقب عائلاتهم من خلال اقتطاع جزء من بعض المزايا الاجتماعية. في حال إقراره، قد تُضيف هذه الإجراءات عبئاً إضافياً على كاهل أسر الطبقة العاملة التي تُعاني أصلاً من التقشف، وتكمن قسوة هذا المقترح في محاولته توسيع نطاق عقاب الدولة ليشمل فئات أخرى غير المتظاهرين، مما يجعل أسر الطبقة العاملة عُرضة مالياً لتجريم المعارضة، ففي ظل الدولة القمعية يُصبح الفقر مصدرا للضعف أمام المزيد من العقاب، بينما تصبح ممارسة الحقوق الديمقراطية مُعرّضة لخطر الانتقام الاقتصاديي، ويهدف ُعنف الدولة ووحشية الشرطة، والاعتقال التعسفي، نَشر الخوف والطاعة ومخاطر تحدّي السلطة، ومع ذلك، فقد يُولّد هنف الدولة الغضب والتضامن، وإدراكاً متزايداً بأن الظلم يجب مواجهته من خلال النضال الجماعي، لتُصبح الشوارع ساحات للتوعية السياسية حيث يكتشف الشباب قوتهم الجماعية ويبدأون في تحدّي المؤسسات المسؤولة عن معاناتهم. إن قمع الطلاب الفرنسيين يكشف عن الدولة القمعية كأداة للهيمنة الرأسمالية، لكن العنف الموجه ضد هؤلاء الشباب ساهم أيضاً في إبراز القوى السياسية المسؤولة عن معاناتهم، ويتجاوز نضالهم الآن الدفاع عن التعليم العام ليشمل مواجهة أوسع مع نظام يعامل الحقوق الديمقراطية كعقبات أمام تراكم الثروة والسلطة، وعموما، حملت احتجاجات الطلاب الفرنسيين تحذيراً يتجاوز حدود الفصول الدراسية، فهذا الجيل محرومٌ من الأمن الاقتصادي، والمدارس اللائقة، والحقوق الديمقراطية، وإمكانية مستقبلٍ كريم، يرفض الاستسلام لفكرة التضحية به، ويواجه هؤلاء الشباب نظاماً رأسمالياً جائراً يُركّز الثروة والسلطة في أيدي نخبة حاكمة، بينما يُهمل احتياجات عامة الشعب، وكشفت الإحتجاجات الإفلاس الأخلاقي والسياسي لنظامٍ مستعدٍ للتضحية بمستقبل أبنائه لحماية ثروات الأثرياء، كما يُشير النضال الدائر في فرنسا إلى إن بقاء النظام الرأسمالي يعتمد على الاستغلال، وعدم المساواة، وتدمير الصالح العام، واستبعاد الشباب بشكل متزايد من الأمن الاقتصادي، والمواطنة الفاعلة، والسلطة السياسية، وتعريضهم لحياة محفوفة بالمخاطر، وللتهميش الإجتماعي، وتدمير للمسؤولية الجماعية... لقد أنتجت النيوليبرالية ثقافة سياسية يُصوَّر فيها الشباب، وخاصة الفقراء والمهمشين عرقياً، بشكل متزايد على أنهم فئات خطرة يجب مراقبتها وتأديبها والسيطرة عليها، رغم أهمية إصلاح المدارس وإلغاء سياسات التقشف واستعادة الحماية الاجتماعية، لا يمكنها بمفردها تفكيك هياكل السلطة المسؤولة عن الأزمة، بل المطلوب هو قطيعة جذرية مع النظام الرأسمالي الذي يُعلي الربح الخاص فوق حياة الإنسان، ويُضفي الشرعية على التفاوتات الفاحشة، ويُحكم على أجيال بأكملها بحياة من انعدام الأمن والتهميش. يحمل النضال الدائر في فرنسا إمكانية تحويل غضب الشباب إلى حركة جماهيرية قادرة على مواجهة الهيمنة الرأسمالية وخلق أشكال جديدة من الحياة الديمقراطية، ويتطلب هذا النضال تعليمًا نقديًا، وتنظيمًا سياسيًا جماهيريًا، وتضامنًا قادرًا على تجاوز الحدود الوطنية والأجيال، كما يتطلب رفض الوهم الأيديولوجي القائل بأن الرأسمالية تمثل نهاية التاريخ، فالتاريخ لم يُكتمل بعد ولا ينتهي، وأن النظام القائم ليس طبيعيًا ولا أبديًا، فالمجتمع الذي يُحارب شبابه يُحارب مستقبله، لذا وجب رفض النظام الرأسمالي الذي جعل من استغلال الشباب شرطًا لبقائه، وبناء مجتمع ديمقراطي جذري تُعطى فيه الأولوية لكرامة الإنسان والعدالة الاقتصادية والحق في مستقبل أفضل على حساب متطلبات رأس المال الوحشية والقاسية...
#الطاهر_المعز (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الإنحياز الطّبَقي لخُبراء صندوق النقد الدّولي
-
اليمن – تحالفات إقليمية ودولية ضد المُقاومة
-
من المُتحَكّم بمصير العالم : اللُّوبي الصهيوني أم الإمبريالي
...
-
إعادة تَدْوير الرأسمالية باسم - الطاقة النّظيفة - و -الإقتصا
...
-
هل عدم المساواة فطْري أو طبيعي، أم مكتسب؟
-
بإيجاز: فلسطين - الإحتلال = مجازر ودمار وخراب
-
الولايات المتحدة – هل الرعاية الطبية ترف؟
-
المغرب- مسار التطبيع العَلَني
-
أيلول في الذّاكرة العربية والأمريكية
-
شمال إفريقيا - الدَّوْرُ الوَظيفي للمغرب
-
من حلف بغداد إلى اتفاقية مَكّة
-
القواعد العسكرية الأمريكية والأجنبية في إفريقيا
-
تونس بعد خمس سنوات 25 تموز/يوليو 2021 - 2026
-
أوروبا - اختلال التوازن بين رأس المال والعمل
-
الرياضة من منظور طَبَقي - كأس العالم 2026 والعنصرية الصريحة
-
الحرب التكنولوجية الجزء 2/2
-
الحرب التكنولوجية الجزء الأول من جُزْأَيْن
-
ثراء فاحش يُقابله فقْر مدقع
-
احتكار الثروة واللاّمُساواة 2 / 2
-
احتكار الثروة واللامساواة 1 / 2
المزيد.....
-
-كما لو كان صدام حسين-.. أوباما ساخرًا من تجديدات ترامب للبي
...
-
ماسك يتهم أوكرانيا بانتهاك شروط خدمة -ستارلينك-.. وكييف ترد
...
-
رئيس وزراء الأردن: مرتكبو هجوم كنيسة الكرك سينالون عقابهم
-
وصول وسطاء ?قطريين إلى إيران
-
تحرك عربي جماعي جديد يفتح جبهة دولية لملاحقة إسرائيل
-
الحوثيون يكشفون عن -قاعدة سعودية سرية محصنة- تحت الأرض في شب
...
-
15 مليون سائح زاروا مصر منذ بداية 2026.. وخطة لاستهداف 20 م
...
-
قاليباف: إيران قوة إقليمية مستقلة وسنرد بشكل لا يمكن تصوره
...
-
واشنطن تجهّز خططًا لضرب إيران وطهران تتوعّد بردّ -مضاعف-.. م
...
-
الأردن يشيّع ضحايا الهجوم الدامي على كنيسة في الكرك.. والسلط
...
المزيد.....
-
ضحايا صدام حسين
/ صباح يوسف ابراهيم
-
الزمن المقلوب
/ رائد الجحافي
-
عيوب الذكاء الاصطناعي
/ رائد الجحافي
-
عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي
/ رائد الجحافي
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
المزيد.....
|