|
|
الحزب الجامع لم يعد له وجود. ماذا سيأتي بعده؟
حازم كويي
الحوار المتمدن-العدد: 8868 - 2026 / 10 / 24 - 16:21
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
ميشائيل بري(*) ترجمة: حازم كويي
لسنواتٍ طويلة، حاول حزب اليسار الألماني (دي لينكه) الجمع بين فئاتٍ مختلفة من العاملين بأجر في إطار «حزبٍ جامع». لكنّ التواصل مع قطاعاتٍ واسعة من الطبقة العاملة ظلّ غائباً. ومن شأن استراتيجيةٍ جديدة تضع المصالح الطبقية المشتركة في صميمها أن تغيّر ذلك.
في ألمانيا، البلد الأكثر اكتظاظاً بالسكان في الاتحاد الأوروبي، يشهد النظام الحزبي برمّته في الوقت الراهن تحوّلاً دراماتيكياً. ولا تشكّل الانتخابات الأخيرة في ساكسونيا أنهالت وبرلين ومكلنبورغ فوربومرن سوى علامة أخرى على هذا التحوّل. ويشمل هذا التحوّل أيضاً الساحة اليسارية. فقد الحزب الاجتماعي الديمقراطي (SPD) موقعه المهيمن، فيما انحرف حزب الخضر، بوصفه حزباً اتحادياً، بعيداً نحو ما يُسمّى بالوسط، بينما تمكّن حزب اليسار في برلين من الهيمنة على الحملة الانتخابية في العاصمة من خلال مواقف يسارية واضحة، بل واشتراكية صريحة.
وكما كتب رئيسا الحزب إينيس شفِردتنر ولويغي بانتيسانو في تقييمهما للنتائج «لقد أثبتنا بذلك أنّ من الممكن استيعاب إحباط أولئك الذين يعانون أشدّ المعاناة من الأزمة الاقتصادية والتخفيضات الاجتماعية القاسية، انطلاقاً من اليسار. فإذا أخذنا استياء هؤلاء الناس من سياسات المؤسسة الحاكمة على محمل الجد، وركّزنا على هموم حياتهم اليومية، من الإيجارات الباهظة إلى تكاليف المعيشة التي لا تُطاق، فإنهم لن ينجرفوا نحو اليمين، بل سنقنعهم من موقع اليسار. وهذا بالضبط ما نعنيه عندما نقول إننا نريد تنظيم الأمل. نريد أن ندافع بمصداقية عن المصالح المشتركة للطبقة العاملة. وعندئذٍ سنكون أكثر جاذبية حتى للأشخاص الذين خاب أملهم في الحزب الاجتماعي الديمقراطي وحزب الخضر، ويتطلّعون إلى سياسة أكثر يسارية واشتراكية بوضوح».
وفي الوقت نفسه، تُظهر نتائج الانتخابات في ساكسونيا أنهالت ومكلنبورغ فوربومرن أنّ حزب اليسار، حيثما أخفق في تشكيل قطب مستقل خاص به، تحوّل إلى تابعٍ ضعيف وممزّق لما تبقّى من «الوسط» المنكمش. ويتمثّل الوجه الآخر للنجاح في برلين في أنّه، ما إن اتّضح أنّ حزب اليسار سيصبح أقوى الأحزاب، وأنّ إليف إيرالب قد تتولّى منصب العمدة الحاكمة، حتى جرى، بوتيرة لافتة، تشييد جدار عازل ضد اليسار، وفُرض حظر سياسي وإعلامي على التعامل معه. وللمرة الأولى، تلوح إمكانية أن يتمكّن حزب اليسار بالفعل من تشكيل قطب اشتراكي مستقل داخل النظام الحزبي في جمهورية ألمانيا الاتحادية. وهذا تحديداً ما يثير موجة من الغضب الجامح في أوساط الوسط الليبرالي، الذي يرى أنّ هيمنته باتت موضع تشكيك من اليسار أيضاً. يرتبط تطوّر الحزب ارتباطاً وثيقاً بتكثيف جهوده منذ عام 2024 من أجل «استعادة الطبقة العاملة». ويضمّ التشكيل البرلماني الجديد لحزب اليسار مجموعة أكبر من الأشخاص الذين يمكنهم تصنيف أنفسهم ضمن الطبقة العاملة بالمعنى الضيّق. وقد أقرّ مؤتمر الحزب سقفاً لرواتب النواب، يستند إلى الاتفاقية الجماعية للأجور في القطاع العام، ويبلغ بموجبه صافي الراتب الشهري للأشخاص غير المتزوجين، الخاضعين للفئة الضريبية الأولى، نحو 3300 يورو. كما جرى تشديد النهج المناهض للعسكرة، ووُصفت ممارسات إسرائيل في قطاع غزة بأنها إبادة جماعية. وعلى مدى أكثر من ستين عاماً، منذ أن تخلّى الحزب الاجتماعي الديمقراطي في مدينة باد غودسبرغ عن فهمه لنفسه بوصفه حزباً للطبقة العاملة، لم يكن هناك أي حزب ممثّل في البوندستاغ يتبنّى علناً الإرث التاريخي لحزب اشتراكي طبقي. وقد تغيّر ذلك الآن. ويشكّل هذا التوجّه الجديد جزءاً من التحوّل الذي تشهده الأحزاب اليسارية في الاتحاد الأوروبي عموماً. فهو يستلهم بعض التجارب من حزب العمل البلجيكي أو الحزب الشيوعي النمساوي في غراتس، وكذلك من حزب فرنسا الأبية الفرنسي.
حدود «الحزب الجامع» منذ عامين، يشهد حزب اليسار إعادة توجّه استراتيجي بهدف ترسيخ جذوره في أوساط الطبقة العاملة بأجر، وبناء قطب ثالث يساري في النظام السياسي لجمهورية ألمانيا الاتحادية على هذا الأساس. وقد ظلّ الحزب يتّبع طويلاً مفهوم الحزب الجامع، لكنّ ذلك يتغيّر الآن. في الكتاب الصادر حديثاً بعنوان [الحزب الجامع: النظرية والممارسة] الذي حرّره ماريو كاندياس وليا بيكر وكريستينا كايندل، يجري وصف أهمية مفهوم الحزب الجامع انطلاقاً من مؤتمر الحزب في غوتنغن عام 2012، حين كان حزب اليسار على وشك الانقسام، على النحو الآتي: «في هذا الوضع، جرى انتخاب رئيسين للحزب على نحو مفاجئ، هما بيرند ريكسينغر وكاتيا كيپينغ، اللذان أخذا على عاتقهما مهمة تحقيق الاستقرار في الحزب، وتوضيح مهمته ودوره، ووضع تصوّر لحزب من طراز جديد يتناسب مع المرحلة المجتمعية الراهنة». وقد استند هذا التوجّه أيضاً إلى نقاشات دارت داخل أحزاب وحركات يسارية أخرى: «لقد أُدرجت أجزاء من هذه النقاشات والتجارب العملية الملموسة من إيطاليا وإسبانيا والولايات المتحدة وأماكن أخرى، إلى أن اقتُرح أخيراً مفهوم «الحزب الجامع» بوصفه تصوّراً للحزب، وذلك بمبادرة من كريستينا كايندل على وجه الخصوص. وقد ورد الأساس البرنامجي في كتاب ترسيخ الجذور، والنشر، والربط: مشروع تطوير الحزب. توجّه استراتيجي لحزب اليسار، الذي ألّفه بيرند ريكسينغر وكاتيا كيپينغ».
وكان الهدف من هذا المشروع تحقيق ترسيخ الجذور «في أوساط ما يُسمّى بالطبقات الشعبية، وفي أوساط «الوسط المهدّد»، وبين الفئات التي تعيش أوضاعاً هشة»: «كان المطلوب انتهاج «سياسة طبقية جديدة». لكن، في ظلّ التغيّر المستمر للطبقة وتفتّتها إلى شرائح متعدّدة، لم يكن من الممكن الاكتفاء بمجرد استحضار «الطبقة العاملة» في الخطاب. بل كان لا بدّ من «سياسة طبقية جامعة تتخذ من تنوّع الطبقة واختلاف مصالحها وتبايناتها نقطة انطلاق، بهدف بناء ما هو مشترك بصورة فاعلة».
إذا كانت «السياسة الطبقية الجديدة» هي هدف مشروع الحزب الجامع، فلماذا يجري منذ عام 2024 الابتعاد عن مفهوم الحزب الجامع والتوجّه نحو نموذج حزب اشتراكي يتمحور حول الطبقة؟ يعود السبب إلى أنّ مفهوم الحزب الجامع أخفق تحديداً في تحقيق الهدف الذي وضعه لنفسه. فلم ينجح في إقامة صلة فعلية بين الفئات ذات الخلفية الأكاديمية والثقافية والاجتماعية من الطبقة العاملة بأجر، وبين العاملات والعمال في قطاعات الصناعة والخدمات، ولا في تشكيل تحالف يجمع الوسط بالفئات الدنيا، وبالتالي لم يتمكّن من تهيئة الشرط الأهم لإحداث تحوّل في الاتجاه السياسي انطلاقاً من اليسار. وكما يقرّ كاندياس وبيكر وكايندل أنفسهم، فإن حزب اليسار، بعد عقدٍ من العمل على مشروع الحزب الجامع، «كان قد أصبح بالفعل أفضل تنظيماً وترابطاً داخل الأجزاء الناشطة من الحركات والمجتمع المدني، لكنه لم يتمكّن من الوصول إلى الأجزاء الأخرى من السكان إلا على نحو غير كافٍ». وهكذا، لم تحلّ الاستراتيجية المتّبعة المشكلة الأصلية، بل زادت من حدّتها. وبذلك، بات حزب اليسار مهدّداً بمصير مماثل لمصير حزب إعادة التأسيس الشيوعي الإيطالي (Rifondazione Comunista)، قبل نحو عشرين عاماً، حين كان ملتزماً بمشروع «الحزب الرابط» (partito connettivo). وقد خلط الحزب، بحسب منظّره الفكري ميمّو بوركارو، بين التوجّه نحو المجتمع المدني اليساري الناشط وبين ترسيخ الجذور في المجتمع، أي في الطبقة العاملة بأجر بمختلف شرائحها.
ولفهم أسباب التحوّل الاستراتيجي للحزب، لا بدّ من إدراك حدود النهج المتّبع حتى الآن. كما ينبغي فهم الأسباب التي حالت دون نجاح «السياسة الطبقية الجامعة»، التي جرى الترويج لها على مدى عقدٍ كامل، في إقامة صلة بالطبقة العاملة بأجر من غير ذوي الخلفيات الأكاديمية، رغم أنّ هذا كان هدفها تحديداً. وتكشف نظرة إلى نتائج الانتخابات أمراً واضحاً: فكما حدث مع حزب الاشتراكية الديمقراطية (PDS) في مطلع الألفية الثانية، كان حزب اليسار أيضاً، حتى وقت قريب، يمرّ بأزمة وجودية. وفي الحالتين، كان هناك سبب مشترك: فقد حزب الاشتراكية الديمقراطية وحزب اليسار جذورهما في أوساط الطبقة العاملة بأجر خارج نطاق الأوساط الأكاديمية اليسارية من الطبقة الوسطى، ولم يعودا يوفّران لأفراد هذه الطبقة ضمانةً بأنهما ممثّل موثوق لهم وجهة يمكنهم اللجوء إليها. وقد نشأت النزعات الانقسامية داخل الحزب، التي انتهت بتأسيس تحالف سارا فاغنكنيشت (BSW)، في المقام الأول نتيجة فقدان التأييد لدى ما يُسمّى بالطبقة العاملة التقليدية، وهو ما حاولت سارا فاغنكنيشت مواجهته عبر [هجوم سياسي أتى بنتائج على الأوساط اليسارية الليبرالية التحرّرية].
في الانتخابات البرلمانية الاتحادية لعام 2021، لم يحصل حزب اليسار سوى على 4.9 في المئة من الأصوات، ولم يدخل البوندستاغ إلا بفضل المقاعد التي فاز بها مرشّحوه مباشرةً في الدوائر الانتخابية. وفي انتخابات البرلمان الأوروبي في حزيران 2024، لم يحصل الحزب سوى على 2.7 في المئة من الأصوات. وفي ضوء، أنّ الحزب كان يرفع شعار «السياسة الرابطة بين الطبقات»، يبرز السؤال: كيف أمكن أن يصل الأمر إلى هذه النتيجة بعد عقدٍ من بدء تطبيق هذا المفهوم؟ ومع فقدان الحزب الدعم الواسع داخل الطبقة العاملة، ابتعدت عنه أيضاً قطاعات كبيرة من الأوساط الأكاديمية اليسارية التي كانت تصوّت له سابقاً. ويعزو كاندياس وبيكر وكايندل الإخفاق في تحقيق الهدف الأصلي، المتمثّل في عدم الاكتفاء باستقطاب القوى الأكاديمية اليسارية، بل الوصول قبل كل شئ إلى القطاعات الأخرى من الطبقة العاملة بأجر، إلى تغيّر خطوط الصراع المجتمعي، وصعود حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD)، و«المشروع الاشتراكي الديمقراطي السلطوي الذي نظمته سارا فاغنكنيشت انطلاقاً من الحزب وضدّه». كما أنّ أزمة كورونا زادت الوضع سوءاً. ولا شكّ في أنّ كلّ هذه العوامل أدّت دوراً في ذلك. لكن هل كانت الأسباب خارجية فحسب، أم أنّ أسباب الإخفاق تكمن أيضاً في مفهوم الحزب الجامع نفسه؟ حتى الآن، لا يوجد تحليل نقدي لأسباب تراجع حزب اليسار بين عامي 2017 و2024. وقد جرى تجاهل القرارات الصادرة عن مؤتمرات الحزب التي طالبت بإجراء مثل هذا التحليل. فالانتصار له آباء كثيرون، أمّا الهزائم فتُترك أيتاماً.
أفراد متفرّقون بدلاً من العمل المشترك في رأيي، يكمن أحد أسباب اقتراب حزب اليسار من الانهيار، وإن لم يكن السبب الوحيد، وربما لم يكن الأهم، لكنه من وجهة نظري سبب جوهري للغاية، في مشروع الحزب الجامع نفسه. وهذا هو السبب الذي يجعلني أرى ضرورة تناول هذا المشروع بالنقد والتحليل، بعدما حظي طويلاً بجاذبية كبيرة داخل قطاعات من حزب اليسار. فمن دون مثل هذه المراجعة، لا يمكن أيضاً إجراء إعادة توجّه واعية. لم يتناول مفهوم الحزب الجامع الطبقة العاملة بأجر من منظور المصالح الطبقية المشتركة والتناقض المشترك مع هيمنة توظيف رأس المال لتحقيق الربح على الاقتصاد والمجتمع، بل اتخذ من الأفراد وهوياتهم المتنوّعة والمتعدّدة، ومن الانقسامات بين مختلف فئات العاملين بأجر، نقطة انطلاق. وهكذا، تظهر الطبقة أساساً بوصفها رابطة أفقية تجمع الخصوصيات والأفراد، لا بوصفها مجموعة بشرية كبيرة تتشارك وضعاً اجتماعياً واحداً، تنبثق منه مصالح مشتركة تتعارض مع الهيمنة الرأسية التي يمارسها توظيف رأس المال لتحقيق الربح.
وبذلك، يُنظر إلى الطابع الجماعي أساساً باعتباره نتاجاً لعملية الربط بين المختلفين. أمّا المنظور الاشتراكي، فينطلق من العلاقات الطبقية وعلاقات الملكية والسلطة القائمة، على الصعيدين الوطني والدولي، ويضع علاقات الهيمنة، أي العلاقة بين من هم في الأسفل ومن هم في الأعلى، في صميم اهتمامه. وانطلاقاً من ذلك، يشكّل «نحن» المشترك بوصفه نتيجةً للوعي بما يجمع أفراده وتنظيم هذا المشترك. يشخّص علماء الاجتماع أوسكار بوتينغ وكلاوس دورّه ونورا فيلوب تمايز الطبقة العاملة بأجر إلى الطبقة الوسطى المعتمدة على الأجر، والطبقة العاملة الجديدة، والطبقة العاملة التقليدية. وفي كلّ مجموعة من هذه المجموعات، يبقى عدد كبير من الأفراد «أدنى بكثير، من حيث الدخل والأمان الوظيفي والتمتّع بالملكية الاجتماعية، من المعايير التي تُعدّ أمراً طبيعياً داخل الطبقات الأساسية». وعلى الرغم من انقسام الطبقة العاملة إلى مجموعات مختلفة، فإنّ هذه المجموعات تستند إلى أساس مشترك: فجميعها تقف، بوصفها فئات تعتمد على الأجر، في مواجهة الطبقة الحاكمة.
إنّ إدراك الطابع الطبقي لمجتمع تسود فيه طريقة الإنتاج الرأسمالية هو بالضبط ما يشكّل جوهر الموقف الاشتراكي. فالمشترك الموضوعي بين أفراد الطبقة هو نقطة الانطلاق والأساس الذي تقوم عليه سياسة تتمحور حول الطبقة، وهو ما يعبّر عن التناقض المشترك مع هيمنة توظيف رأس المال لتحقيق الربح. ولا يمكن للسياسة الجامعة، إذا أرادت النجاح، أن تكون سوى بناء فوقي يقوم على هذا الأساس. ومن هذا المشترك الموضوعي تحديداً ينبغي الانطلاق. وتلخّص نيكول ماير- آهويا المشكلة المرتبطة بذلك على النحو الآتي: «من هي الزميلة أو الزميل الذي أتشارك معه تجارب العمل وغيرها من التجارب، والذي يواجه مشكلات مشابهة لتلك التي أواجهها، وأتعامل معه على قدم المساواة؟ وأين تقع حدود هذا الـ«نحن»؟ ومن يقف، من وجهة نظري أو من وجهة نظرنا، على الجانب الآخر، فلا يواجهنا بوصفه طرفاً مقابلاً فحسب، بل خصماً له مصالح متعارضة مع مصالحنا؟ وبصيغة أخرى: مع من أتضامن، ومن يبقى مستبعداً من هذا التضامن؟».
في رأيي، تتمثّل القاعدة الاجتماعية والثقافية لمفهوم الحزب الجامع في الأوساط المهنية ذات التوجّه الاجتماعي والثقافي التي وصفها لينوس فيستهاوزر. وقد اتّسم كثير من الأعضاء الجُدد في حزب اليسار، الذين انضمّوا إليه بعد عام 2014 بمواقف يسارية تحرّرية واضحة. وتتميّز نظرتهم بإعطاء الأولوية للتنوّع، واتخاذ الهويات نقطة انطلاق، وتفضيل البُعد الأفقي للتعدّدية على البُعد الرأسي للهيمنة الطبقية الرأسمالية، والعمل، من منظور التقاطعية، على تسوية أوجه التفاوت فيما بينها.
ويصف لينوس فيستهاوزر هذا التوجّه المرتبط بذلك أيضاً بأنه توجّه «المعالجين الاجتماعيين»، وقد أعاد بناء ملامح مواقفهم استناداً إلى تحليله للمقابلات التي أجراها معهم، على النحو الآتي: « أولى «الذات الجديرة بالاحترام» لدى المعالجين الاجتماعيين أهمية كبيرة لوصف الفوارق الاجتماعية بطريقة أفقية ونسبية ثقافياً. فقد ظهر المجتمع هنا بوصفه لوحة تضمّ «عوالم حياة» و«أوساطاً اجتماعية» و«أنماط تنشئة اجتماعية» أو «تأثيرات ثقافية» مختلفة، لكنها متساوية في القيمة. وقد أدّى هذا النزوع إلى المساواة، على نحو مفارق، إلى استبعاد مسألة التفاوت من النقاش. أمّا الفوارق الرأسية، فكانت موضوعاً شائكاً جرى تجنّبه إلى حدّ كبير».
لكنّ هذا التوجّه قد يؤدّي أيضاً إلى فقدان التضامن الحقيقي مع الطبقة العاملة التقليدية، التي تتشكّل ثقافتها على نحو مختلف. ومن هنا، لا تكون المسافة بعيدة عن الانتقاص من شأن هذه الطبقة، أو حتى احتقارها - وقد لخّص ديدييه إريبون، في كتابه ـ العودة إلى ريمس - وتجاهل أصوله البروليتارية على النحو الآتي: فقد اتخذ «تاريخي الخاص بوصفِي مثليّ الجنس نقطة انطلاق» لدراسة آليات الدونية الاجتماعية و«الإقصاء» (حين يُنبذ المرء من محيطه الاجتماعي ويُنظر إليه باشمئزاز). «وفي أثناء ذلك، تجاهلت كل ما كان يشير، في شخصي وفي تاريخي الخاص، إلى علاقات القوة بين الطبقات، وكل ما كان يمكن أن يقودني إلى إدراك جوانب تشكّل الذات، بل كان ينبغي أن يقودني إليها، تلك الجوانب التي تحدّدها الانتماءات الاجتماعية والدونية المفروضة على الطبقات «الأدنى».
تكمن قوة نهج الحزب الجامع وقدرته على التأثير تحديداً في أنّه انطلق من منظور الأوساط الأكاديمية اليسارية، وساهم في جعل هذه الأوساط أكثر وعياً بالمسألة الطبقية. وهذا هو الإرث الإيجابي المهم والدائم لهذا النهج. فقد أسهم المفهوم داخل حزب اليسار في الانتقال إلى توجّه يتمحور حول الطبقة. وفي الوقت نفسه، لم يكن من الممكن، في إطار نموذج الحزب الجامع، تجاوز الرؤية العالمية التي تتشكّل عفوياً وتتجدّد باستمرار داخل الأوساط الأكاديمية اليسارية، لصالح موقف يتمحور حول الطبقة ويتّسم بطابع اشتراكي صريح، كما لم يكن من الممكن وضع الهوية الطبقية المشتركة في صميم العمل السياسي. وكما تؤكّد مجموعة العمل المعنية بالممارسة المناهضة للعنصرية في حزب اليسار، في وصفها للتواصل السياسي الناجح: «ينبغي أن يكون الهدف الرئيسي لتواصلنا بوصفنا حزباً هو صياغة هوية طبقية جديدة. فمن منظور التواصل، تُعدّ الطبقة في جوهرها هوية جماعية، إنها «نحن» كبيرة. فالهوية الطبقية وحدها هي القادرة على منافسة الهوية الوطنية، وتمكين الناس من النضال معاً، بوصفهم أغلبية، من أجل إحداث تغييرات جوهرية».
إنّ الاختلافات بين السياسة الرابطة بين الطبقات والسياسة المتمحورة حول الطبقة، اللتين تنطلقان كلتاهما من الهدف المشترك المتمثّل في تنظيم العمل السياسي الطبقي، تبدو طفيفة ظاهرياً فحسب، لكنها في الواقع اختلافات جوهرية. فالنهج الأول يخاطب العاملين بأجر انطلاقاً من اختلافاتهم، بهدف دفعهم إلى التعاون، أمّا النهج الثاني فيخاطبهم انطلاقاً مما يجمعهم في علاقتهم بالطبقات الحاكمة، بهدف تنظيمهم وتمثيلهم وربط بعضهم ببعض على هذا الأساس.
من هم في الأعلى ومن هم في الأسفل عندما يركّز المرء، كما يفعل كاندياس وبيكر وكايندل، على الاختلافات بين المجموعات المتنوّعة للطبقة العاملة بأجر، بدلاً من الانطلاق مما يجمعها، فإنّ ذلك يؤدي حتماً إلى وضع تلك المجموعات التي تمتلك هوية متميّزة تبرزها عن غيرها، بفضل تنظيمها في المجتمع المدني، في صميم الاهتمام السياسي اليساري. ونتيجة لذلك، يتراجع مراراً إلى الخلف تمثيل الغالبية الساحقة من السكان الذين لا ينتظمون في أشكال تنظيمية متنوّعة. لكنّ الفئات العاملة بأجر التي لا تنتمي إلى الأوساط الأكاديمية هي، أكثر من غيرها، بحاجة إلى التمثيل السياسي. ومن يريد التغلب على انخفاض نسبة مشاركتها في الانتخابات، عليه أن يضع التمثيل الفعّال للمصالح المشتركة في صميم العمل السياسي. وقد نجح حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) في ساكسونيا أنهالت في تحقيق ذلك بطريقة مقلقة من حيث حجم نجاحها، فيما حقّقه حزب اليسار في برلين بصورة إيجابية ومثيرة للإعجاب. ومن نقاط قوة اليمين الجديد أنّه يستحوذ على المشترك ويوظّفه قومياً. أمّا اليسار، فعليه التعبير عن المشترك انطلاقاً من منظور المصالح الطبقية المشتركة، ووضع التناقض مع المجموعات الرأسمالية الأوليغارشية المهيمنة في صميم اهتمامه، وتوضيح أنّ ذلك يشكّل الأساس الذي يجعل التنوّع التضامني ممكناً من الأصل. إنّه تعدّد يقوم على أساس المشترك. ولا يتعلق الأمر بوضع الطبقة في مواجهة «مجتمع التعدّد»، بل بوضع العلاقات الطبقية، وبالتالي العلاقة بين من هم في الأسفل ومن هم في الأعلى، في صميم الاهتمام، من أجل مكافحة العنصرية والنزعات الفاشية ورهاب المثلية الجنسية وغيرها من الظواهر بفاعلية، انطلاقاً من هذا الأساس. وتُظهر الانتخابات التي جرت في برلين في أيلول 2026 أنّ ذلك ممكن، وأنّه قد يؤدي إلى النجاح. كما أنّ التأييد الكبير الذي حظي به حزب اليسار لدى الأشخاص ذوي الخلفيات المهاجرة يشكّل [جزءاً من نجاحه الانتخابي]. يُظهر الاقتباس التالي من نص كاندياس وبيكر وكايندل أنّ «التجديد» المنشود للحزب بقيادة ريكسينغر وكيپينغ اتّسم أيضاً، داخل الحزب نفسه، بانحياز مقصود استراتيجياً إلى جانب واحد: «إنّ فكرة «حزب اشتراكي حديث» ذي توجّه طبقي جامع، وبالتفاعل مع الإصلاحيين التقدّميين ودمج الجناح اليساري التحرّري من حزب القراصنة(Piraten)، كانت في الواقع استراتيجية لتشكيل «كتلة تقدّمية» داخل الحزب، تهدف إلى تجديد التوجّه المناهض للنيوليبرالية واستيعاب النزعات اليسارية التحرّرية لدى الأوساط الشابة، مثل الشباب العاملين في ظروف هشّة في الخدمات الاجتماعية وقطاع البريد والخدمات اللوجستية وقطاع الأجور المنخفضة عموماً، وكذلك أعضاء نقابة عمال المعادن ((IG Metall)اليساريين الشباب». وهكذا، يتّضح أنّ مفهوم الحزب الطبقي الجامع كان مشروعاً مستلهماً من اليسار التحرّري، اتّجه انطلاقاً من هذا الأساس إلى تناول المسألة الطبقية. وأصبح تنوّع أشكال التمييز العنصر الذي يجمع بين الأفراد، فيما ظهرت القواسم الطبقية المشتركة أساساً بوصفها نتاجاً لجهود الربط الفعّال التي يبذلها الناشطون والناشطات من اليسار التحرّري. وقد عزّز ذلك بالفعل إحدى المجموعات التي تشكّل قاعدة حزب اليسار، لكنه لم ينجح إلا قليلاً، أو لم ينجح إطلاقاً، في الوصول إلى الفئات العاملة بأجر التي لا تنتمي إلى الأوساط الأكاديمية. وفي الوقت نفسه، أدّى ذلك إلى نفور فئات أخرى داخل حزب اليسار، وإلى وصمها بـ[اليسار لمحافظ] والحطّ من شأنها. وكان ينبغي إخضاع التوجّه اليساري التحرّري لتوجّه يتمحور حول الطبقة، لكنّ أولوية الربط بين المختلفين حالت دون ذلك. وتُظهر الحملة الانتخابية للانتخابات البرلمانية الاتحادية لعام 2025، وانتخابات برلمان ولاية برلين لعام 2026، أنّ الناشطين من أجل حزب يساري جامع، والداعين إلى حزب طبقي اشتراكي، قادرون على التوصّل إلى تفاهم بشأن إعطاء الأولوية للمصالح المشتركة في إطار سياسة طبقية اشتراكية. لكنّ نظرة سريعة حتى إلى أسباب النجاحات النسبية التي حقّقها حزب اليسار، وإلى خسائره المطلقة في الانتخابات خلال العامين الماضيين، تُظهر بوضوح أنّ محور هذه الحملات لم يكن الربط بين المختلفين، بل التركيز على المشترك والتعبير عنه، بدءاً من الحوارات على أبواب المنازل، وصولاً إلى الحملات التي ركّزت خصوصاً على قضية الإسكان. وقد انطلقت من أوساط الداعمين لمفهوم الحزب الجامع محاولات تجريبية مهمة لربط الحزب بالفئات الناشطة من العاملين بأجر. وأظهرت الحركة الاحتجاجية في المستشفيات، على سبيل المثال، أنّ حزب اليسار قادر على الإسهام بصورة مثمرة في بناء المواجهات النقابية النضالية وتطويرها. كما تحوّلت «خطة 25»، وهي خطة حملات وضعتها القيادة السابقة للحزب، وركّزت على الصراعات الاجتماعية في الحياة اليومية وعلى تنشيط أعضاء الحزب بصورة لامركزية، إلى أساس لبناء الحملة الانتخابية التشاركية التي سبقت الانتخابات البرلمانية الاتحادية لعام 2025، ولتعزيز الهوية السياسية الواضحة للحزب المرتبط بها. وأصبحت الحملة الانتخابية للفوز بمقعد مباشر التي خاضها [فريق نام دوي] في لايبزيغ نموذجاً يُحتذى به أيضاً.
ومن هذه المقاربات والمبادرات نشأت ملامح سياسة تتمحور حول الطبقة، تعيد تعريف ما يسمّيه عالم السياسة فيليكس سيروفاتكا «الجماعية البروليتارية» في زمن النيوليبرالية وصعود اليمين. وكما يوضّح سيروفاتكا، ركّز حزب اليسار في حملته الانتخابية للانتخابات البرلمانية الاتحادية لعام 2025 «على إبراز التناقضات البنيوية بين من هم في الأعلى ومن هم في الأسفل، وبين الأغنياء والفقراء، وبين رأس المال والعمل. وكان من العناصر الأساسية التخلي عن الاكتفاء بالتأكيد الخطابي على سياسة طبقية جامعة، لصالح ممارسة سياسية ملموسة. وقد وضع الحزب نفسه في موقع الفاعل الذي يسهم في إنشاء جماعات طبقية حقيقية، من خلال الربط بين الشعور الذاتي بالانتماء والتضامن الجماعي الملموس».
تركّز السياسة المتمحورة حول الطبقة على المصالح المشتركة للطبقات العاملة بأجر في علاقتها بالمجموعات الطبقية الحاكمة، وتجعل هذا المشترك ملموساً من خلال ممارسة التضامن فعلياً. ويتعلّق الأمر بـ«هجوم لا يستهدف اليمين فحسب، بل رأس المال أيضاً»، على حدّ تعبير عالم الاجتماع فولفغانغ شتريك. وتدرك هذه السياسة التنوّع والانقسامات الناشئة عن المنافسة التي ينظّمها النظام الرأسمالي في أسواق العمل والسكن والتعليم والصحة والتقاعد، وكذلك في المجال البيئي. وهي تستند إلى المشاريع التضامنية القائمة بالفعل، بمختلف أشكالها، وتنطلق من المشترك الموجود فعلياً لتعزّز هذه المشاريع. كما أنّ المشاريع الجادّة الرامية إلى تحقيق الديمقراطية الاقتصادية، في ظلّ أزمة الصناعة وفي مجال الرعاية، من التعليم إلى الصحة والمناخ، تهدف تحديداً إلى تحويل المشترك بين العاملين بأجر إلى قوة فاعلة في صنع القرار، وإلى الحدّ بوضوح من سلطة أصحاب رؤوس الأموال.
السمات الخمس للحزب الطبقي الاشتراكي من وجهة نظري، يتميّز الحزب الطبقي الاشتراكي، الذي يمكن أن يصبح حزب اليسار، بخمس سمات. أولاً، يقتضي ذلك إبراز طابع الحزب بوصفه حزباً طبقياً. فإذا أُريد انتهاج سياسة طبقية اشتراكية حقيقية، فعلى المنتمين إلى الأوساط الاجتماعية والثقافية ذات الخلفية الأكاديمية أن يدركوا أنّه لا يجوز لهم اتخاذ المنظور الخاص بالطبقة الوسطى، القائم على الربط الأفقي بين الأفراد، نقطة انطلاق، بل ينبغي لهم الانطلاق من المنظور الطبقي الرأسي. وكما قالت رئيسة الحزب إينيس شفِردتنر، التي أُعيد انتخابها في مؤتمر الحزب المنعقد في بوتسدام هذا العام، فإنّ الوضع الذي يتطلّب تهيئة الظروف اللازمة لتحقيق الهيمنة من اليسار يستلزم تطوير القدرة على تنظيم «الصراع الطبقي من الأسفل». ثانياً، تكثّفت في السنوات الأخيرة الجهود الرامية إلى تطوير القيمة العملية لحزب اليسار بوصفه حزباً يهتمّ بشؤون الناس وينظّمهم، ويجعل أوجه التشابه القائمة موضوعياً قابلة للإدراك والتجربة بوعي، ويعمل على نشوء نوى فاعلة، متجذّرة محلياً وفي الشركات، وقادرة بدورها على التأثير في محيطها. وهذا أمر حاسم لطابعه بوصفه حزباً طبقياً، وقد شكّل لفترة من الزمن أيضاً أحد مصادر قوة حزب الاشتراكية الديمقراطية (PDS) بعد عام 1990. فكيف يمكن، لولا ذلك، أن يختبر الناس بأنفسهم إمكانية صياغة السياسة اليسارية، وأنها تعود بمنفعة مباشرة على الكثرة التي تشعر بأنها تُعامل بظلم ويُستهان بها؟ وكيف يمكن، لولا ذلك، استعادة قدر من السيطرة على الأقل على البيئة التي يعيش فيها المرء، من خلال التضامن الذي يُعاش واقعاً ملموساً؟
إنّ التحقّق من تكاليف التدفئة والإيجار، فضلاً عن تقديم خدمات استشارية مجانية بشأن المسائل الاجتماعية أو لمن يرفضون أداء الخدمة العسكرية، تمثّل خطوات مهمة نحو ترسيخ الحضور في المجتمع. وتكتسب شركات الإسكان وتعاونياته، وكذلك مؤسسات الخدمات العامة الأساسية عموماً، أهمية خاصة؛ إذ ينبغي لحزب اليسار أن ينخرط في إضفاء الطابع الديمقراطي عليها وتشكيلها وفقاً لمبادئ اجتماعية وبيئية. كما تتزايد أهمية الدفاع عن الفضاءات اليسارية والناشطين والناشطات اليساريين في مواجهة القوى الفاشية الجديدة. ويزداد أيضاً أهمية المشاركة في الحركات المطالبة بالديمقراطية الاقتصادية، في سياق التحوّل الصناعي الاجتماعي والبيئي. وهكذا تنشأ سياسة تتمحور حول الطبقة وتُمارَس على أرض الواقع. ثالثاً، تظلّ المهمة قائمة في ترسيخ صورة حزب اليسار بوصفه حزباً جامعاً. غير أنّ هذا الجمع ينبغي ألّا ينطلق من منظور يساري تحرّري، يبدأ من خطوط الانقسام والاختلافات داخل الطبقة، ثم يسعى إلى إبراز ما هو مشترك، بل ينبغي أن ينطلق من المصالح الطبقية المشتركة القائمة بالفعل، ومن الصراع المشترك ضد إخضاع الاقتصاد والمجتمع لهيمنة توظيف رأس المال بهدف تحقيق الأرباح. وقد راعى أنصار مفهوم الحزب الجامع هذا الأمر مراراً عند صياغة مقترحات ملموسة. وهذا وحده ما يتيح إيجاد أشكال ممكنة فعلياً للتعبير السياسي والتمثيل والتنظيم، تُبرز المشترك على نحو خاص. ولا يعني ذلك العودة إلى فهم للطبقة يتعامى عن التنوّع، سواء أكان اجتماعياً أم سياسياً أم ثقافياً، بل يعني التقدّم إلى الأمام. وينبغي الحفاظ على الإنجازات المرتبطة بمفهوم الحزب الجامع، ولكن بشرط دمجها في مفهوم الحزب الطبقي الاشتراكي. رابعاً، تتمثّل المهمة في ترسيخ صورة حزب اليسار بوصفه حزباً استراتيجياً، لا يكتفي بالتحرّك تكتيكياً من حالة إلى أخرى ضمن موازين القوى القائمة، بل يكون قادراً على التدخّل في هذه الموازين وتغييرها من جذورها. فمن جهة، زالت، مع تأسيس تحالف سارة فاغنكنشت (BSW)، العوائق التي كانت تشلّ الحزب من الداخل. ومن جهة أخرى، اتّضح أنّ الاستراتيجية التي اتُّبعت سابقاً كانت مسؤولة هي الأخرى عن الأزمة العميقة التي مرّ بها حزب اليسار، وعن اقتراب انهياره إلى حدّ بدا معه ذلك شبه حتمي. لكنّ نجاح العامين الماضيين، شأنه شأن الحدود التي بدأت تتّضح لهذا النجاح، يشكّل تحدّياً هائلاً. فالنجاح يتيح اتخاذ خطوات إضافية، بينما تُظهر حدوده مدى الحاجة الماسّة إليها.
لم يرسّخ حزب اليسار نفسه بعدُ بصورة حقيقية ودائمة بوصفه قطباً اشتراكياً مستقلاً داخل النظام الحزبي. وقد أُطلقت، من خلال عملية صياغة البرنامج، خطوة باتجاه التجديد في المضمون والاستراتيج، لكن نتائجها لا تزال غير واضحة. ويمكن لحزب اليسار، إذا أحسن استغلال التناقضات داخل الكتلة الحاكمة والتناقضات بينها وبين اليمين الجديد، أن يبني موقع قوة خاصاً به يجذب الآخرين إليه. لكن عليه، لتحقيق ذلك، أن يتوقف عن تقديم نفسه، في إطار مكافحة اليمين، بوصفه الجناح اليساري للكتلة الليبرالية. ويشكّل بناء قوة ذاتية كهذه شرطاً مسبقاً لانتزاع أولئك المستعدين للعمل من أجل تغيير الاتجاه نحو اليسار من داخل تلك الكتلة، وتهيئة الظروف اللازمة لتحوّل اجتماعي وبيئي موجّه نحو السلام. في ظلّ الظروف المذكورة، المتمثّلة في أزمة عميقة للهيمنة، تنشأ خامساً، إمكانية تطوير حزب اليسار ليصبح حزباً اشتراكياً صريحاً. فمن خلال الجمع بين الحزب الطبقي، والحزب الذي يهتمّ بشؤون الناس، والحزب الجامع، والحزب الاستراتيجي، يمكن أن تنشأ في جمهورية ألمانيا الاتحادية قوة سياسية تجسّد الاشتراكية بوصفها هدفاً ومنظومة قيم وحركة واقعية. وقد مثّل حزب الاشتراكية الديمقراطية (PDS)، ثم حزب اليسار بعد عام 2007، المحاولتين الأوليين منذ عام 1990 لإنشاء قوة اشتراكية قوية في جمهورية ألمانيا الاتحادية. وهذا أمر صعب وينطوي على تحدّيات كبيرة. ويرى كاندياس وبيكر وكايندل، مستندين إلى مواقف رئيسة الحزب المشاركة إينيس شفِردتنر، أنّ النهج الجديد الذي اتّبعه حزب اليسار منذ عام 2024 ينطوي على «خطر التضييق وغياب التوجّه». وسيتّضح ما إذا كان هذا النقد مبرّراً بالفعل. وعلى الأقل، تشير نتائج الانتخابات في برلين إلى اتجاه مغاير. ومن المنطقي تماماً أن تصدر مجموعة النصوص الحزب الجامع، التي توثّق تاريخ تطوّر هذا المفهوم، في اللحظة نفسها التي يفقد فيها المفهوم هيمنته داخل الحزب.
في عام 2024، انطلقت محاولة لتجديد حزب اليسار، لا عبر إحداث قطيعة جذرية، بل من خلال تجديد بنّاء. ويمكن لهذه المحاولة الاستفادة من المناهج السابقة، بما فيها مفهوم الحزب الجامع، لكن عليها، وفقاً لقناعتي، أن تدمجه في استراتيجية جديدة. وستكون هذه استراتيجية حزب طبقي اشتراكي. وبهذه الاستراتيجية خاض حزب اليسار الانتخابات في برلين تحت شعار: «أبداً لسنا وحدنا، بل معاً دائماً!». وقد حقّق ذلك نجاحاً استثنائياً. ويندرج هذا النهج ضمن عمليات تجديد مماثلة تشهدها قوى اليسار السياسية في بلدان أخرى من الاتحاد الأوروبي، وفي الولايات المتحدة، وفي مختلف أنحاء العالم. لم ينتهِ التاريخ بعد. وكانت الكلمات الأخيرة التي نشرتها روزا لوكسمبورغ في حياتها، قبل يوم واحد من اغتيالها، في صحيفة الراية الحمراء، تتعلّق بالثورة الاشتراكية: «كنتُ، وأنا الآن، وسأظلّ!»
ميشائيل بري(*): فيلسوف اجتماعي، وعضو في لجنة صياغة برنامج حزب اليسار.
#حازم_كويي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
مرشح الرئاسة الفرنسية جان لوك ميلانشون،أمل ألمانيا وأوربا
-
لماذا ينجذب بعض الألمان من أصول تركية إلى حزب البديل من أجل
...
-
من سيدفع الثمن إذا انفجرت فقاعة الذكاء الاصطناعي؟
-
لماذا تُحدث احتجاجات الطلاب في فرنسا تأثيراً أكبر من المظاهر
...
-
بيرني ساندرز لم يعُد وحيداً
-
دور القومية العرقية المتطرفة
-
مواجهة صعود اليمين تبدأ من اليسار: نحو استقطاب سياسي جديد
-
ترامب والإمبريالية الأمريكية المتراجعة: خطر متزايد على العال
...
-
الثورة الاجتماعية في إسبانيا ضد الفاشية
-
مالذي يمكن لليسار أن يتعلمه من أسلوب زهران ممداني في التواصل
-
السياسة الواقعية الثورية في البلديات
-
الشعبويون لا يصنعون أغلبية
-
الاشتراكية الديمقراطية أم إدارة النقص
-
كيف يستمر الحكم الاستعماري حتى يومنا هذا
-
طفرة الذكاء الاصطناعي لم يطلبها أحد: من يدفع ثمن عواقبها؟
-
مؤشر مبكر على العواصف السياسية
-
لماذا تُعد أطروحة الإقطاع التكنولوجي ماركسية؟
-
أكثر من مجرد مقرّ حزبي – لماذا ينبغي لنا أن نفكر إلى ما هو أ
...
-
ترامب يستخدم البيروقراطية لمصلحة الأثرياء، وممداني يسعى لتخف
...
-
خمسة أوهام تُبقينا أسرى الرأسمالية
المزيد.....
-
م.م.ن.ص// العنف المرئي والعنف المخفي... أنظمة الاستغلال وكيف
...
-
بيان المكتب الجهوي بجهة الرباط لحزب النهج الديمقراطي العمالي
...
-
بيان تضامني مع ساكنة بوعادل دفاعاً عن الحق في الماء وحماية ا
...
-
النقابةبيان الوطنية للفلاحين التابعة للجامعة الوطنية للقطاع
...
-
الاحتجاجات الحالية للعمال والشبيبة والتظاهرات المرتقبة بمنا
...
-
ما دلالات انتخاب أسامة باريك إلى البرلمان؟
-
الحزب الشيوعي الأردني ينعى مناضله مروان الخيطان الذي استشهد
...
-
الديمقراطي الاجتماعي يدين الاعتداء على كنيسة كرداسة والهجوم
...
-
الشرطة الفرنسية تستخدم خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع لت
...
-
اليمين المتطرف الفرنسي يستغل موجة الاحتجاجات لتعزيز حضوره ال
...
المزيد.....
-
من هيمنة الخوارزميات إلى سيادة الجماهير
/ رزكار عقراوي
-
التجديد التنظيمي لليسار في العصر الرقمي، مقترحات لتطوير مسود
...
/ رزكار عقراوي
-
الماركسيّة و مسألة السكّان الأصليّين [ الهنود الحمر - في الم
...
/ شادي الشماوي
-
الأمل الثوريّ – ظهور إمكانيّات جديدة لثورة تحريريّة في خضمّ
...
/ شادي الشماوي
-
القنبلة الصامتة، الذكاء الاصطناعي وتفكيك العقل البشري
/ رزكار عقراوي
-
بيان من أجل ثورة اشتراكية ايكولوجية؛ القطع مع النمو الرأسمال
...
/ الأممية الرابعة
-
التوجّه الإستراتيجي [ للثورة في الولايات المتّحدة ] في عالم
...
/ شادي الشماوي
-
الإنسانيّة على حافة الهاوية : السير القسري نحو الخاوية أم صي
...
/ شادي الشماوي
-
عندما تصبح الكرة سلعة… ويغدو العالم ملعباً للرأسمال
/ المناضل-ة
-
كراسات شيوعية: الجبهة الشعبية عام 1936 في فرنسا ( أزمة، انتف
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
المزيد.....
|