|
|
التشهير السياسي عند لينين: من كشف مظالم الواقع إلى فضح النظام الذي ينتجها وبناء الوعي الثوري لدى الجماهير
عادل المغربي
الحوار المتمدن-العدد: 8867 - 2026 / 10 / 23 - 04:54
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
إن إحدى أخطر الآفات التي يمكن أن تصيب الحركة الثورية ليست عجزها عن التنديد بالظلم، بل عجزها عن تحويل هذا التنديد إلى وعي سياسي يكشف للجماهير طبيعة المجتمع الذي تعيش فيه، والعلاقات الطبقية التي تحكمه، والسلطة التي تحرس تلك العلاقات وتعيد إنتاجها. فقد تستطيع حركة سياسية أن تصدر عشرات البيانات الغاضبة، وأن تملأ الصحف والشوارع والشبكات الاجتماعية بالشعارات، وأن تفضح فساد هذا المسؤول أو تعسف ذلك الجهاز، دون أن تخطو خطوة حقيقية في تطوير الوعي السياسي للجماهير. ذلك أن المسألة ليست في مقدار الغضب الذي تثيره الكلمات، وإنما في الحقيقة الاجتماعية والسياسية التي تكشفها، وفي قدرة الناس على الانتقال، انطلاقاً من تلك الحقيقة، من إدراك مظالمهم المتفرقة إلى فهم النظام الذي ينتجها، ومن الاحتجاج على نتائج الاستغلال والاضطهاد إلى التساؤل عن جذورهما وعن القوى والمصالح التي تقف وراءهما. ومن هنا بالضبط تنبع الأهمية الاستثنائية التي منحها لينين لما نسميه التشهير السياسي، أو الفضح السياسي. ولا ينبغي أن نخدع أنفسنا بالتشابه بين هذا التعبير وبين التشهير بمعناه المتداول اليوم، أي النيل من سمعة الأشخاص أو توجيه الاتهامات إليهم أو فضح حياتهم الخاصة. فالفضح السياسي عند لينين ليس صناعة الفضائح، ولا إحلال الشتيمة محل الحجة، ولا تحويل الصراع الطبقي إلى خصومات أخلاقية بين أشخاص صالحين وآخرين فاسدين. إنه نشاط سياسي ومعرفي منظم، ينطلق من وقائع الحياة الملموسة، ليكشف ما تخفيه العلاقات والمؤسسات والقوانين والخطابات السائدة من مصالح طبقية وتناقضات اجتماعية وآليات للهيمنة. إنه، بهذا المعنى، عملية انتزاع الأقنعة التي تظهر من خلالها السلطة الاجتماعية والسياسية وكأنها قوة محايدة تقف فوق الطبقات، بينما هي، في التحليل الماركسي، متجذرة في علاقات مادية وتاريخية محددة. ولم يطرح لينين هذه المسألة بوصفها تفصيلاً تقنياً في عمل الصحافة الثورية، بل جعلها في قلب الصراع حول طبيعة الحركة العمالية ومهامها السياسية. ففي كتابه الشهير «ما العمل؟» الصادر سنة 1902، خاض معركة فكرية ضد الاتجاه الذي عُرف داخل الاشتراكية الديمقراطية الروسية باسم «الاقتصادوية»، والذي كان يميل إلى حصر نشاط العمال في مطالب الأجور وتحسين ظروف العمل، أو جعل النضال الاقتصادي الطريق شبه الحصري إلى السياسة. ولم يكن لينين ينكر أهمية المطالب الاقتصادية، بل كان يرى أن حصر نشاط الطبقة العاملة فيها يعني إبقاءها داخل حدود المجتمع الرأسمالي نفسه. فقد يتعلم العامل كيف يطالب بأجر أفضل، وكيف يحتج على ساعات العمل الطويلة، وكيف ينتزع تنازلات من رب العمل، دون أن يتعلم بالضرورة لماذا توجد طبقة تملك وسائل الإنتاج وطبقة أخرى لا تستطيع العيش إلا ببيع قوة عملها، ولماذا تتدخل الدولة لحماية علاقات الملكية القائمة، وكيف ترتبط أوضاع العمال بأوضاع الفلاحين والطلبة والمثقفين وبقية فئات المجتمع. ولهذا يؤكد لينين، في الفصل الثالث من «ما العمل؟»، أن الاشتراكية الديمقراطية لا تمثل الطبقة العاملة في علاقتها بأرباب العمل وحدهم، بل في علاقتها بجميع طبقات المجتمع وبالدولة باعتبارها قوة سياسية منظمة. وبهذا المعنى، فإن الانتقال من الفضح الاقتصادي إلى الفضح السياسي ليس مجرد توسيع للموضوعات التي تتناولها الصحافة، وإنما انتقال في مستوى الوعي وفي طبيعة الصراع نفسه. فمن يكشف سرقة الأجور في مصنع معين، ويكتفي بالمطالبة بإرجاع تلك الأجور، يمارس عملاً ضرورياً في الدفاع عن العمال؛ أما من يكشف، انطلاقاً من تلك الواقعة، علاقة الاستغلال بسلطة الرأسمال وبالتشريعات والسياسات التي تحفظ شروطه، فإنه يبدأ بتحويل التجربة الخاصة إلى معرفة سياسية عامة. لكن لماذا أصر لينين على ضرورة التشهير السياسي الشامل؟ ولماذا اعتبر أن الطبقة العاملة لا تستطيع أن ترتقي إلى مستوى الوعي السياسي الثوري إذا ظلت معرفتها بالمجتمع محصورة فيما يجري داخل المصنع أو في الصراع المباشر مع أرباب العمل؟ لأن الوعي الطبقي، في التصور الماركسي اللينيني، لا ينشأ من معرفة العامل ببؤسه وحده، بل من إدراكه موقع طبقته في مجموع العلاقات الاجتماعية، ومن فهمه طبيعة الدولة وموقفها من مختلف الطبقات، ومن قدرته على اكتشاف الصلة بين الأشكال المتعددة للاستغلال والاضطهاد. فالعامل الذي يحتج على تعسف الشرطة ضده، لكنه يظل غير مبالٍ بتعسفها ضد الطلبة، أو بقمع الفلاحين، أو بمصادرة الحريات، لم يتجاوز بعد حدود وعي جزئي، مهما بلغت شدة غضبه أو إخلاصه في الدفاع عن مصالحه المباشرة. ذلك أن الوعي السياسي الثوري لا يقاس فقط بقدرة الإنسان على الدفاع عن حقوقه، بل كذلك بقدرته على فهم المظالم التي يتعرض لها الآخرون، واكتشاف العلاقات التي تربط بينها وبين النظام الاجتماعي والسياسي القائم. ولذلك يكتب لينين، في «ما العمل؟»، أن المثال الذي ينبغي أن يحتذيه الاشتراكي الديمقراطي ليس مجرد سكرتير نقابي بارع في التفاوض حول مطالب العمال، بل «خطيب الشعب» القادر على الاستجابة لكل مظهر من مظاهر الطغيان والاضطهاد، أينما وقع، وأياً كانت الطبقة أو الفئة الاجتماعية التي أصابها. وليس المقصود بخطيب الشعب هنا ذلك الخطيب الذي يتقن إلقاء الشعارات الرنانة أو استمالة الجماهير بالكلام المؤثر، وإنما المناضل السياسي الذي يستطيع أن يجمع المظالم المتفرقة في صورة شاملة، وأن يبين الصلة بين العنف السياسي والاستغلال الاقتصادي، وأن يحول الحوادث الجزئية إلى مناسبات لتوضيح طبيعة الصراع الاجتماعي. إن هذه الفكرة تحمل في داخلها نقداً جذرياً لنوعين من الممارسة السياسية يبدوان متعارضين، لكنهما يلتقيان في النتيجة نفسها. هناك، من جهة، النزعة الاقتصادوية التي تختزل السياسة في المطالب المادية المباشرة، وهناك، من جهة ثانية، النزعة الخطابية التي تتحدث باستمرار عن الثورة والاشتراكية والصراع الطبقي، لكنها تعجز عن تفسير حدث ملموس واحد تفسيراً سياسياً حياً يفهمه الناس ويربطونه بتجاربهم اليومية. الأولى تغرق في الوقائع دون أن ترتقي إلى النظرية، والثانية تحلق في النظرية دون أن تعود إلى الوقائع. أما الفضح السياسي كما تصوره لينين، فإنه يقيم تلك الصلة الضرورية بين التجربة والنظرية، بين الحادثة الجزئية والحركة العامة للمجتمع، وبين الإحساس العفوي بالظلم والوعي بأسبابه وشروط تجاوزه. ولنأخذ مثالاً بسيطاً. عندما ترتفع أسعار المواد الأساسية، قد يكتفي خطاب سياسي بتوجيه الاتهام إلى الحكومة وتحميلها مسؤولية الغلاء، وقد يدعو إلى الاحتجاج من أجل تحسين القدرة الشرائية. وليس في ذلك، في حد ذاته، ما يستوجب الاعتراض. لكن هل يكفي هذا لتطوير الوعي السياسي؟ ألا ينبغي طرح أسئلة أخرى؟ من يتحكم في الإنتاج والتوزيع؟ وكيف تتوزع الأرباح بين المنتجين والوسطاء والمجموعات الاقتصادية الكبرى؟ وما دور السياسات الضريبية والمالية والاحتكارات المحتملة وعلاقات التبعية الاقتصادية؟ ولماذا يتحول ارتفاع الأسعار إلى أرباح إضافية بالنسبة إلى بعض الفاعلين، بينما يتحول بالنسبة إلى الأجراء والفئات الشعبية إلى تدهور في شروط الحياة؟ هنا يصبح الفضح السياسي أكثر من مجرد احتجاج على الغلاء. إنه محاولة لكشف العلاقات الاقتصادية والسياسية التي تجعل من الغلاء أزمة اجتماعية غير متكافئة الأعباء. على أن الموقف الماركسي الجاد لا يفترض الأجوبة قبل التحقيق؛ فقد تتداخل أسباب ظرفية، كالجفاف واضطرابات الإمداد، مع بنى اقتصادية أعمق. ووظيفة التحليل هي تحديد وزن كل عامل وإظهار كيفية انتقال آثاره بين الطبقات. ولنأخذ مثالاً آخر أشد دلالة. عندما يتعرض طلبة للقمع أثناء احتجاجهم على قرار جامعي، يمكن الاكتفاء بإصدار بيان يستنكر العنف ويطالب باحترام الحريات. وهذا موقف ديمقراطي مشروع وضروري. غير أن الفضح السياسي الشامل يذهب أبعد من ذلك، دون أن يلغي المطالب المباشرة. فهو يبحث في الظروف التي أنتجت الاحتجاج، وفي طبيعة القرار موضوع النزاع، وفي علاقة المؤسسات التعليمية بالسلطة السياسية، وفي الحدود التي تسمح بها الدولة للمشاركة والاعتراض، وفي المعايير التي تحكم استعمال القوة. ثم يطرح السؤال الأهم: هل يتعلق الأمر بانتهاك منفصل، أم أننا أمام ممارسة تكشف تناقضاً أوسع بين الحقوق المعلنة وآليات ممارستها الفعلية؟ هكذا تصبح القضية الطلابية قضية سياسية تهم المجتمع كله، لا لأن جميع المواطنين طلاب، بل لأن العلاقة بين السلطة والحقوق والحريات شأن عام. وقد أعطى لينين نفسه مثالاً تاريخياً ملموساً عندما دافعت صحيفة «الإيسكرا» عن الطلبة الذين قررت السلطة القيصرية تجنيدهم عقاباً لهم سنة 1901، وأكد ضرورة ألا يبقى العمال غير مبالين بما تتعرض له فئات اجتماعية أخرى من القمع. إننا نصل هنا إلى جوهر المسألة: التشهير السياسي ليس مجرد الإعلان عن وقوع الظلم، بل كشف العلاقات التي تجعل وقوعه ممكناً، وتفسير دلالته في الصراع الاجتماعي والسياسي. إن وصف الظلم قد يثير التعاطف، والتنديد به قد يثير الغضب، لكن تفسيره في علاقته بالبنية الاجتماعية وبطبيعة السلطة هو ما يجعله مادة لتكوين الوعي السياسي. وليس الفرق بين هذه المستويات فرقاً في حدة اللغة أو درجة التشدد، وإنما في عمق المعرفة التي يقدمها الخطاب، وفي نوع الأسئلة التي يدفع الناس إلى طرحها. وهنا يلتقي تصور لينين مع الأساس المادي التاريخي الذي وضعه ماركس وإنجلز. ففي «الأيديولوجيا الألمانية» يقرران أن «أفكار الطبقة السائدة هي، في كل عصر، الأفكار السائدة»، ويبينان أن الطبقة التي تسيطر على وسائل الإنتاج المادي تمتلك، في العموم، نفوذاً على وسائل الإنتاج الفكري أيضاً. وليست أهمية هذا القول في أنه يجعل كل فكرة متداولة مجرد كذبة صنعتها الطبقة الحاكمة، بل في أنه يدعونا إلى البحث عن الشروط المادية والاجتماعية التي تمنح بعض التصورات قدرة أكبر على الانتشار والظهور بمظهر الحقيقة العامة. فالسلطة لا تستند إلى أجهزة الإكراه وحدها، وإنما تستند أيضاً إلى مؤسسات ومعارف وتمثلات تجعل علاقات اجتماعية تاريخية محددة تبدو طبيعية أو ضرورية أو خالية من البدائل. ومن ثم، فإن التشهير السياسي يكتسب بعداً أيديولوجياً عميقاً عندما لا يكتفي بكشف التناقض بين خطاب السلطة وممارستها، بل يتناول أيضاً الأفكار التي تبرر تلك الممارسة وتجعلها مقبولة في الوعي الاجتماعي. فإذا جرى تقديم البطالة باعتبارها نتيجة الكسل الفردي وحده، فإن النقد لا يكتمل بمجرد إظهار معاناة العاطلين، بل ينبغي أن يبحث في بنية سوق العمل، وعلاقات الاستثمار، وطبيعة التكوين، والتطور التقني، وسياسات التشغيل، وأن يبين ما إذا كان التفسير الفردي يحجب عوامل اجتماعية أوسع. وإذا قُدمت الفوارق الطبقية بوصفها نتيجة طبيعية لاختلاف المواهب والجهود، فإن النقد الماركسي يسائل أيضاً التفاوت في الملكية والإرث والفرص وشروط الانطلاق في الحياة. وفي الحالتين ينتقل الفضح من مناقشة النتائج إلى نقد التصورات التي تسهم في إضفاء الشرعية على أسبابها. ولكن هل يعني كل ذلك أن الفضح السياسي هو نفسه الدعاية السياسية أو الدعاية الأيديولوجية؟ هنا ينبغي تجنب الخلط، كما ينبغي في الوقت ذاته ألا نصنع حدوداً مصطنعة بين أشكال من النشاط تتداخل في الممارسة الفعلية. فالتمييز الذي نجده عند لينين ليس تقسيماً جامداً إلى أنشطة مستقلة، وإنما تمييز بين وظائف مختلفة داخل عملية واحدة هي التثقيف السياسي وتنظيم الصراع الطبقي. لقد تناول لينين هذه المسألة بوضوح في سجاله مع مارتينوف في «ما العمل؟»، مستعيداً التمييز المعروف الذي صاغه بليخانوف بين الدعاية والتحريض. ومؤدى هذا التمييز أن الداعية يقدم أفكاراً كثيرة إلى فرد أو إلى عدد محدود نسبياً من الأشخاص، بينما يقدم المحرّض فكرة واحدة أو عدداً قليلاً من الأفكار إلى جمهور واسع. وليس هذا التحديد حساباً عددياً للسامعين أو الأفكار، بل تعبير عن اختلاف في طبيعة النشاط ومستوى التفصيل وطريقة التأثير في الوعي. فإذا تناول الداعية الماركسي ظاهرة البطالة، فإنه لا يكتفي بالقول إن البطالة ظلم ينبغي مقاومته، بل يشرح أسباب الأزمات الرأسمالية، وعلاقة التراكم الرأسمالي بالتشغيل، وتطور الإنتاجية، والمنافسة، والسوق، وتناقضات نمط الإنتاج، وما يترتب عن ذلك من إمكانات وحدود بالنسبة إلى النضال العمالي. إنه يقدم نسقاً من العلاقات والمفاهيم يسمح بفهم الظاهرة في كليتها. أما المحرّض السياسي، فقد ينطلق من واقعة ملموسة معروفة، مثل إغلاق مصنع وتسريح عماله بينما تعلن المؤسسة تحقيق أرباح مرتفعة، فيركز الانتباه على التناقض الصارخ بين تراكم الثروة وهشاشة معيشة العاملين. وهو لا يقدم بالضرورة تفسيراً نظرياً كاملاً لهذا التناقض، وإنما يجعله واضحاً وحاضراً في وعي الجمهور، ويثير حوله النقاش والاحتجاج والاستعداد للفعل. أما التشهير السياسي فإنه يوفر، في هذا المثال، المادة الملموسة التي تجعل التحريض ممكناً وأكثر فعالية. فهو يتحقق من واقعة التسريح، ويفحص التقارير المالية والقرارات الإدارية والتصريحات المتناقضة، ويكشف الأطراف المعنية ومصالحها، ويضع ما جرى في سياقه الاجتماعي والقانوني والسياسي. وإذا كشف التحقيق أن الأرباح تخص فترة مختلفة، أو أن التسريح مرتبط بإعادة هيكلة ذات أسباب متعددة، وجب إدخال هذه المعطيات في التحليل بدلاً من إخفائها. فالقضية، من وجهة نظر مادية جدلية، ليست إرغام الواقع على تأكيد فكرة مسبقة، وإنما الوصول إلى فهم صحيح للواقع نفسه. ومن الخطأ، إذن، القول إن التشهير السياسي شيء منفصل تماماً عن التحريض. فلينين يعتبر الفضح السياسي الشامل الشكل الرئيسي، وإن لم يكن الوحيد، للتحريض السياسي في أوساط مختلف الطبقات والفئات الاجتماعية. وهذه نقطة حاسمة؛ لأن من يضع الفضح والتحريض في خانتين متعارضتين يكون قد ابتعد عن فهم لينين نفسه. فالفضح يكشف الواقعة السياسية وما تخفيه، والتحريض يعمل على إبراز مغزاها المباشر والتفاعل معها، والدعاية تقدم الإطار التفسيري الأوسع الذي يسمح بفهمها. ويمكن للنص السياسي الواحد أن يجمع الوظائف الثلاث بدرجات متفاوتة، كما يمكن توزيعها بين مقال تحقيقي، وخطاب جماهيري، ودراسة نظرية، ونقاش تنظيمي. أما الدعاية السياسية، بالمعنى الواسع، فإنها تهدف إلى نشر تصورات ومواقف وبرامج حول السلطة والدولة والصراع السياسي والبدائل الممكنة. وقد تتناول قضايا الدستور والانتخابات والحريات والحقوق والتحالفات والسياسات العامة وموقع الطبقات في الصراع. وهي لا تنطلق بالضرورة من فضيحة أو حادثة محددة، بل قد تقدم برنامجاً سياسياً متكاملاً، أو تدافع عن موقف من حدث تاريخي، أو تشرح طبيعة نظام الحكم، أو تناقش استراتيجية سياسية. إنها تسعى إلى بناء فهم وموقف سياسيين يتجاوزان الاستجابة الآنية لواقعة بعينها. أما الدعاية الأيديولوجية، فإن موضوعها أشمل وأعمق من الحدث السياسي المباشر. إنها تتعلق بتكوين النظرة إلى العالم وإلى التاريخ والمجتمع والإنسان والدولة والطبقات والثورة. فمن يشرح المادية التاريخية، أو نظرية فائض القيمة، أو العلاقة بين البنية الاقتصادية والمؤسسات السياسية والفكرية، أو مفهوم الدولة في الماركسية، يمارس نشاطاً دعائياً أيديولوجياً بمعنى نشر نسق فكري ونظري. ومن يشرح لماذا ينبغي الدفاع عن حرية التنظيم النقابي، أو يعرض موقفاً سياسياً من إصلاح قانون الشغل، يمارس دعاية سياسية تتصل بقضية محددة. ومن يكشف، بالوثائق والمعطيات، كيف أسهم تطبيق قانون معين في الإضرار بحقوق فئة من العمال، يمارس فضحاً سياسياً. لكن الأنشطة الثلاثة قد تجتمع عندما يجري تفسير الوقائع والقوانين في ضوء تصور نظري للعلاقات الطبقية. ولا ينبغي، مع ذلك، أن نتصور أن كل دعاية سياسية خالية من الأيديولوجيا، أو أن الدعاية الأيديولوجية منفصلة عن السياسة. ففي التصور الماركسي، تحمل المواقف السياسية افتراضات ومصالح وتصورات عن المجتمع، حتى عندما يقدمها أصحابها بلغة تبدو تقنية ومحايدة. وليس الفرق هنا فرقاً مطلقاً في الجوهر، بل في الموضوع المباشر ودرجة التجريد والوظيفة التي يؤديها الخطاب. فالدعاية السياسية تبرز المواقف والبرامج والعلاقات السياسية، بينما تعمل الدعاية الأيديولوجية على بناء الإطار النظري والقيمي الذي تُفهم داخله تلك المواقف. والفضح السياسي يستند إلى الوقائع والتناقضات الملموسة ليختبر تلك المواقف والتصورات ويكشف ما تحجبه أو تبرره. وتبرز هنا مسألة أخرى لا تقل أهمية: هل تتحقق وظيفة التشهير السياسي بمجرد نشر مقال أو بيان يتضمن اتهاماً للسلطة؟ إن لينين يجيب عن هذا السؤال، في جوهر تصوره، بالنفي. فالفضح السياسي عنده عمل منظم ومتواصل، لا مجرد رد فعل على الأحداث. ولهذا دعا إلى إنشاء صحيفة سياسية ثورية على نطاق روسيا كلها، لا تكون مهمتها نشر الأخبار والآراء فحسب، بل تجميع المعلومات الواردة من مختلف المناطق، وربط النضالات المحلية بالقضايا الوطنية، وتحويل المعرفة المتفرقة إلى معرفة سياسية مشتركة. وفي مقاله «بم نبدأ؟» سنة 1901، صاغ عبارته الشهيرة التي تجعل من الصحيفة «داعية جماعياً ومحرضاً جماعياً ومنظماً جماعياً» في الوقت نفسه. وليس من الصعب فهم المغزى النظري والسياسي لهذه الفكرة. فوجود عشرات الاحتجاجات المتفرقة لا يعني، في حد ذاته، وجود حركة سياسية قادرة على فهم العلاقة بينها. فقد يواجه العمال مشكلة التسريح في مدينة صناعية، ويحتج الفلاحون على مشكلات الماء والأرض في منطقة أخرى، ويطالب الطلبة بتحسين شروط الدراسة، وتعارض فئات مهنية قوانين تمس مصالحها. وفي غياب عمل سياسي يدرس هذه الوقائع ويكشف علاقاتها، قد تظل كل فئة سجينة مشكلتها الخاصة، وقد تنتهي كل حركة بمجرد الحصول على تنازل جزئي أو بتراجع موجة الاحتجاج. أما الفضح السياسي الشامل فيسمح بوضع التجارب المختلفة في مواجهة بعضها بعضاً، واكتشاف ما يجمعها وما يميزها، والبحث عما إذا كانت تكشف تناقضات في نمط التنمية أو توزيع الثروة أو ممارسة السلطة أو تنظيم العلاقات الاجتماعية. ولكن هذا الربط لا يجوز أن يكون آلياً أو مفتعلاً. فليس كل ظلم ناتجاً مباشرة عن السبب نفسه، ولا كل تناقض اجتماعي يمكن رده إلى عبارة جاهزة عن الرأسمالية أو الدولة أو الطبقة الحاكمة. إن قوة التحليل الماركسي تكمن في البحث عن الوسائط والعلاقات الملموسة التي تصل الظواهر ببعضها، لا في إلغاء خصوصياتها. وقد يؤدي تجاهل هذه الوسائط إلى إنتاج خطاب يبدو ثورياً في لغته، لكنه فقير في معرفته، لأنه لا يفسر شيئاً بقدر ما يكرر النتيجة التي قرر الوصول إليها منذ البداية. ومن هنا ينبغي فهم وسائل التشهير السياسي في علاقتها بوظيفته، لا في علاقتها بالشكل الإعلامي وحده. ففي زمن لينين شكلت الصحافة الثورية، والمنشورات العمالية، والمراسلات الواردة من المصانع، والتحقيقات المتعلقة بتعسف السلطات، والشهادات الحية، والنقاشات والاجتماعات السياسية، وسائل رئيسية لهذا العمل. أما اليوم فقد أصبحت إمكانات النشر أوسع بكثير، بفضل الصحافة الرقمية والمنصات الاجتماعية والمواد السمعية البصرية والوثائق المفتوحة وقواعد البيانات. لكن التطور التقني لا يغير تلقائياً الطبيعة السياسية للنشاط. فقد يكون تحقيق موثق حول أثر سياسة اجتماعية معينة أعمق أثراً في تكوين الوعي من آلاف المنشورات التي تكرر اتهاماً عاماً. وقد يكشف تحليل دقيق لميزانية عمومية أو تقرير اقتصادي أو قرار قضائي عن العلاقات الاجتماعية التي تحكم مسألة ما، أكثر مما يكشفه خطاب صاخب يكتفي بترديد الشعارات. ولا يمكن أن ننكر أن سرعة التداول الإعلامي المعاصر تخلق إغراءً خطيراً: أن يصبح حجم الانتشار بديلاً عن عمق التحليل، وأن تحل الإثارة محل الحقيقة، وأن تقاس قيمة الفضح السياسي بعدد المشاهدات والتعليقات لا بمقدار ما يضيفه إلى معرفة الناس وفهمهم. وهذا الإغراء لا يهدد الدعاية السائدة وحدها، بل يهدد أيضاً القوى التي تعلن معارضتها لتلك الدعاية. فقد تصبح الحركة التي تدعي تحرير الوعي أسيرة المنطق الإعلامي نفسه الذي تنتقده، عندما تفضل الاتهام السريع على التحقيق، والفضيحة الشخصية على التحليل الطبقي، واليقين المريح على البحث في الوقائع المتناقضة. وهنا يستحق موقف ماو تسي تونغ من البحث الميداني أن يُستحضر. ففي نصه «ضد عبادة الكتب» سنة 1930، أطلق عبارته المعروفة: «من دون تحقيق، لا حق في الكلام». وينبغي ألا تُفهم هذه العبارة بوصفها منعاً للناس من إبداء آرائهم، بل بوصفها نقداً صارماً للمناضل الذي يصدر الأحكام دون معرفة الظروف الفعلية. فقد رأى ماو أن الاستنتاجات التي لا تنطلق من التحقيق في الوقائع وتاريخها تنتهي إلى تقديرات خاطئة وإلى ممارسات سياسية منفصلة عن الواقع. إن استحضار هذا المبدأ في موضوع التشهير السياسي بالغ الأهمية. فمن السهل نسبياً اتهام مسؤول بالفساد أو مؤسسة بالانحياز أو حكومة بخدمة مصالح اقتصادية معينة، لكن الأصعب هو تقديم الأدلة وتحليل طبيعة العلاقات التي تجعل هذه الاتهامات صحيحة أو غير صحيحة. وليس ضعف الدليل علامة على قوة الموقف الطبقي، كما أن الصراخ لا يعوض التحقيق. وإذا كان الفضح السياسي يريد أن يتجاوز الدعاية المجردة، فعليه أن يجعل الوقائع والمستندات والشهادات والتحليل أدوات لمعرفة الحقيقة، وأن يميز بين ما ثبت وما يُرجح وما لا يزال في مستوى الفرضية. فالفضح القائم على معلومات زائفة قد يحقق إثارة عابرة، لكنه يدمر الثقة التي لا يمكن لأي ممارسة سياسية جادة أن تستغني عنها. غير أن هذه الضرورة المعرفية لا ينبغي أن تقودنا إلى تصور ساذج مفاده أن جمع الوقائع وحده يكفي لتكوين الوعي السياسي. فالوقائع لا تفسر نفسها بنفسها. قد يمتلك شخص معطيات دقيقة عن ميزانية قطاع عمومي، ويعجز مع ذلك عن فهم السياسة التي توجه توزيع موارده. وقد يعرف الناس أن الثروة تتوزع بصورة غير متكافئة، دون أن يمتلكوا تصوراً عن العلاقات الاجتماعية التي تنتج هذا التفاوت. ولهذا فإن الدعاية الأيديولوجية، بمعناها النظري والتثقيفي، ليست ترفاً فكرياً يمكن الاستغناء عنه بمجرد تكثيف فضح المظالم، كما أن الفضح السياسي ليس نشاطاً ثانوياً يمكن تعويضه بتدريس الماركسية في حلقات مغلقة. إن العلاقة بينهما علاقة جدلية حقيقية. فالنظرية تساعد على تحديد الأسئلة التي ينبغي طرحها على الواقع، والواقع يوفر المادة التي تُختبر من خلالها التفسيرات النظرية وتتطور. ومن دون نظرية يصبح الفضح تجميعاً للوقائع المتفرقة، ومن دون وقائع حية تتحول الدعاية الأيديولوجية إلى ترديد لصيغ عامة قد يفقد أصحابها القدرة على إدراك التحولات التاريخية. أما التحريض المنفصل عن الاثنين، فقد ينتهي إلى انفعال مؤقت يشتد مع الحدث ثم يخبو بزواله. وهنا تظهر أهمية المسألة التنظيمية التي كثيراً ما تُهمل عند قراءة «ما العمل؟». فليس الوعي السياسي، بالنسبة إلى لينين، مجرد مجموع الأفكار التي يحملها الأفراد في رؤوسهم، بل يتصل كذلك بقدرة التنظيم السياسي على متابعة الحياة الاجتماعية، وجمع الخبرات، وتحليل الأحداث، وصياغة المواقف، وتصحيح الأخطاء، وتراكم المعرفة عبر الزمن. فالصحيفة التي أرادها لينين لم تكن مجرد منبر للتشهير بالحكومة القيصرية، بل وسيلة لربط النضالات والتجارب المختلفة وتكوين رؤية سياسية أشمل. وهذا يفسر لماذا كان يصر على الطابع العام للفضح السياسي، وعلى ضرورة ألا يبقى محصوراً داخل الوسط العمالي الضيق. ولكن ينبغي هنا إثارة إشكال سياسي أساسي: إذا كان التشهير السياسي قادراً على تعبئة فئات اجتماعية متعددة ضد الاستبداد، فهل يعني ذلك أن جميع تلك الفئات تحمل المشروع الطبقي نفسه؟ بالطبع لا. وقد كان لينين واعياً بهذه المسألة حين ميز بين المشاركة في النضال الديمقراطي العام وبين التخلي عن الاستقلال السياسي للطبقة العاملة. فقد تتقاطع مصالح العمال والفلاحين والطلبة وفئات من البرجوازية الصغيرة، بل وأحياناً قطاعات من البرجوازية، في مقاومة إجراء سلطوي معين، دون أن تزول التناقضات بين هذه الفئات في ما يتعلق بالملكية والثروة والعمل والسلطة. إن الفضح السياسي الشامل يساعد على فهم المظالم المشتركة، لكنه لا يلغي اختلاف المواقع الطبقية ولا يحول كل احتجاج إلى مشروع اشتراكي. وقد أكد لينين ضرورة الجمع بين النضال العام ضد الحكم القيصري، والتثقيف السياسي للبروليتاريا، والحفاظ على استقلالها الطبقي. وفي هذا تكمن إحدى نقاط القوة في تصوره. فالتشهير السياسي الشامل لا يعني الذوبان في معارضة عامة بلا مضمون اجتماعي، كما أن الاستقلال الطبقي لا يعني الانعزال عن معارك الحريات والقضايا الديمقراطية التي تخوضها فئات أخرى. إنه يطرح على الحركة العمالية مهمة فهم المجتمع كله والتدخل في قضاياه، بدل انتظار أن تتحول كل قضية تلقائياً إلى نزاع مباشر بين العمال وأرباب العمل. فالحرية السياسية ليست مسألة لا تهم العامل إلا حين تمنعه الشرطة من الإضراب؛ إنها مسألة تمس الشروط العامة التي يستطيع في ظلها المجتمع التعبير والتنظيم والنقاش والصراع. ومن جهة أخرى، ينبغي ألا يتحول التشهير السياسي إلى تفسير أخلاقي للتاريخ يجعل من فساد الأفراد السبب الوحيد لمشكلات المجتمع. فقد تكون هناك حالات فساد حقيقية تستوجب الكشف والمحاسبة، وقد يلعب الأشخاص دوراً مهماً في اتخاذ القرارات وتوجيه السياسات، لكن التحليل الماركسي لا يتوقف عند السؤال عما إذا كان المسؤول نزيهاً أو فاسداً. إنه يسأل كذلك عن البنية المؤسسية والاقتصادية التي يعمل داخلها، وعن المصالح التي تتيح لبعض السياسات الاستمرار بصرف النظر عن تغير الأشخاص. وقد يكون المسؤول نزيهاً على المستوى الشخصي، ومع ذلك يدافع عن سياسة تكرس تفاوتاً اجتماعياً عميقاً. كما قد يؤدي استبدال أشخاص فاسدين بآخرين أقل فساداً إلى تحسينات فعلية، دون أن يؤدي بالضرورة إلى تغيير العلاقات الاجتماعية التي أنتجت المشكلات الأساسية. والعكس صحيح أيضاً. فليس من الجدية أن تُرفض كل إصلاحات سياسية أو اجتماعية بحجة أنها لا تمس فوراً أسس النظام الاقتصادي. إن تحسين شروط العمل، وتوسيع الحريات، وتطوير الخدمات العمومية، ومحاربة الفساد، يمكن أن تكون مكاسب حقيقية ذات أهمية بالنسبة إلى حياة الناس. لكن السؤال الذي يطرحه لينين هو ما إذا كانت الحركة السياسية تقف عند حدود هذه المكاسب، أم أنها تجعل من النضال حولها مناسبة لتوسيع فهم الجماهير لطبيعة المجتمع وعلاقات القوة التي تحكمه. والفرق هنا ليس بين من يدافع عن الإصلاحات ومن يرفضها، بل بين من يحصر أفق الصراع فيها ومن ينظر إليها في علاقتها بالصراع الاجتماعي الأوسع. وقد يعترض أحدهم قائلاً: ما الحاجة إلى كل هذه التعقيدات النظرية؟ أليست الجماهير قادرة على إدراك الظلم بنفسها؟ ألا يكفي أن نعرض عليها الوقائع ثم نتركها تستخلص نتائجها؟ إن الجواب اللينيني يبدأ بالاعتراف بأن الجماهير ليست كائناً سلبياً ينتظر من يمنحه الوعي. فهي تكتسب من تجاربها اليومية معرفة حقيقية بأشكال الاستغلال والاضطهاد، وقد تبتكر أشكالاً من التضامن والتنظيم والاحتجاج تتجاوز تصور المنظمات القائمة نفسها. لكن هذه المعرفة، على أهميتها، قد تظل غير مكتملة أو محصورة في حدود التجربة المباشرة. ووظيفة العمل السياسي ليست احتقارها أو فرض أجوبة جاهزة عليها، وإنما الإسهام في تحويلها، بواسطة النقاش والمقارنة والتحليل، إلى إدراك أوسع للعلاقات الاجتماعية. وهذه النقطة تستدعي قراءة نقدية واعية لبعض الصيغ اللينينية المرتبطة بعلاقة الوعي بالعفوية. فالتأكيد على أهمية النظرية والتنظيم لا ينبغي أن يتحول إلى احتكار للمعرفة من طرف قيادة سياسية تدعي امتلاك الحقيقة نيابة عن الناس. إذ يمكن للتنظيم الذي يرفض مراجعة أحكامه أن يتحول هو نفسه إلى جهاز لإعادة إنتاج الوعي الجامد، حتى عندما يستعمل لغة ماركسية ثورية. إن الممارسة الجدلية تقتضي أن تتعلم النظرية من التجربة، وأن تُختبر التفسيرات في مواجهة الوقائع، وأن يظل النقد قادراً على تناول أخطاء الحركة السياسية نفسها، لا أخطاء خصومها فقط. ومن هنا أيضاً تنبع ضرورة التمييز بين التشهير السياسي والنزعة التشهيرية التي تستبدل المناقشة بالاغتيال المعنوي. فالموقف السياسي المعارض لا يصبح صحيحاً لمجرد أنه صادر عن معارض، والاتهام لا يتحول إلى حقيقة لمجرد أنه يخدم قضية يعتقد أصحابها بعدالتها. وإذا كانت الغاية هي كشف آليات الهيمنة، فلا معنى لاستعمال وسائل تقوم على الكذب والتلفيق واقتطاع الأقوال من سياقها أو اختزال الأشخاص في صفات مهينة. إن مثل هذه الممارسات قد تضعف قدرة الجمهور على التمييز بين الدليل والادعاء، وتختزل النقد الاجتماعي في صراع على السمعة، وتتيح للسلطات أو القوى المنتقدة تفادي مناقشة جوهر القضايا بحجة الرد على الاتهامات غير الموثقة. وهذا لا يعني المطالبة بلغة سياسية باردة أو محايدة تجاه الظلم. فقد كانت كتابات لينين نفسها حادة وجدلية، مليئة بالسخرية والأسئلة المحرجة والتناقضات التي يدفع خصومه إلى مواجهتها. لكنه لم يبنِ أهم سجالاته النظرية على الاستنكار وحده، بل على تفكيك حجج خصومه واستخراج النتائج السياسية الكامنة في مواقفهم. وعندما هاجم الاقتصادويين، لم يكتف باتهامهم بالتخاذل، بل حاول أن يبرهن كيف تؤدي أطروحاتهم، رغم ما تتضمنه من دفاع عن مصالح العمال، إلى تضييق أفق النضال السياسي وإضعاف دور الحركة العمالية المستقل. إن قوة هذا الأسلوب لا تكمن في كثرة الأوصاف القاسية، وإنما في إحكام الصلة بين الفكرة ونتائجها. فالجدل السياسي الحقيقي لا يكتفي بأن يقول للخصم إنه مخطئ، بل يبين أين يكمن الخطأ في منطقه، وما الافتراضات التي يقوم عليها، وما النتائج التي تنشأ عنه عندما ينتقل من النظرية إلى الممارسة. ولهذا فإن الكتابة السياسية الحية لا تكون بالضرورة أقل عمقاً من الكتابة الأكاديمية، كما أن وضوح اللغة لا ينبغي أن يكون ذريعة لتبسيط الواقع تبسيطاً مخلاً. لقد كانت حيوية النصوص اللينينية مرتبطة، في جانب مهم منها، بقدرتها على تحويل الخلافات النظرية إلى أسئلة سياسية ملموسة: ماذا يعني هذا الموقف بالنسبة إلى حركة العمال؟ وإلى أي نتائج تنظيمية يؤدي؟ وما الذي يكشفه عن طبيعة الصراع الجاري؟ إن الفرق بين التشهير السياسي والدعاية السياسية والأيديولوجية، في نهاية المطاف، لا ينبغي أن يُفهم بوصفه فرقاً بين الحقيقة والكذب، أو بين النشاط العملي والتأمل النظري، أو بين خطاب موجه للجماهير وآخر موجه للمثقفين. فهذه كلها تبسيطات تخفي المسألة الحقيقية. إننا أمام مستويات ووظائف مختلفة في عملية تكوين الوعي السياسي. فالفضح يكشف التناقضات من خلال الحياة الملموسة، والدعاية السياسية تفسر المواقف والبرامج والصراعات حول السلطة، والدعاية الأيديولوجية تعمل على بناء النظرة النظرية العامة إلى المجتمع والتاريخ، بينما يسعى التحريض إلى إبراز المغزى الحي والمباشر لبعض الوقائع والقضايا ودفعها إلى مقدمة الاهتمام الجماهيري. وتصبح هذه الوظائف أكثر عمقاً عندما تتكامل، لا عندما يبتلع بعضها بعضاً. ولو أردنا استخلاص الدرس الأكثر حيوية من لينين، لقلنا إن الحركة السياسية التي تكتفي بترديد مبادئها لا تستطيع، بمجرد التكرار، أن تحول تلك المبادئ إلى وعي اجتماعي حي؛ كما أن الحركة التي تكتفي بملاحقة الفضائح والمظالم، دون تفسير جذورها وعلاقاتها، قد تتحول إلى مجرد صدى للغضب الاجتماعي. الأولى تواجه خطر الجمود العقائدي، والثانية تواجه خطر التشتت والانفعال والارتهان للأحداث. وما حاول لينين معالجته هو هذه الهوة بين النظرية والحياة، بين الوعي السياسي العام والتجربة اليومية، بين معرفة المجتمع والرغبة في تغييره. فليست المسألة، إذن، أن نكشف للناس أن هناك ظلماً في العالم؛ فهم يعرفون من تجربتهم أن الظلم موجود. وليست المسألة أن نكرر أمامهم أن المجتمع منقسم إلى طبقات، كما لو أن تكرار هذه الحقيقة العامة يكفي لفهم تعقيدات الواقع. المسألة الأعمق هي أن نساعد على كشف كيف تعمل العلاقات الطبقية داخل الوقائع التي تبدو منفصلة، وكيف تتجسد المصالح الاجتماعية في القرارات والمؤسسات والأفكار، وكيف يمكن لمعارك تبدو جزئية أن تفتح نقاشاً حول طبيعة المجتمع كله. وهكذا يغدو التشهير السياسي، في التصور اللينيني، مدرسة للتربية السياسية من داخل الحياة نفسها. فهو لا يبدأ من عالم مجرد تسكنه المفاهيم وحدها، ولا ينتهي عند عالم مبعثر من الحوادث والفضائح. إنه يتحرك بين الجزئي والكلي، بين الملموس والمجرد، بين الظاهرة والعلاقات التي تفسرها. وكلما نجح في كشف تلك العلاقات، دون أن يصادر استقلال الوقائع أو يختزل تعقيدها، اقترب من وظيفته الحقيقية. إن الغاية العليا للتشهير السياسي ليست أن يعرف الناس أسماء المسؤولين عن مظلمة معينة فحسب، بل أن يصبحوا أقدر على فهم المجتمع الذي أنتج تلك المظلمة، وعلى نقد التفسيرات السائدة لها، وعلى إدراك موقعهم ومصالحهم وإمكانات فعلهم السياسي في داخله. هنا بالضبط يفترق الفضح الثوري، في معناه اللينيني، عن الإثارة الصحفية العابرة؛ وهنا أيضاً تتضح الصلة العميقة التي تربطه بالدعاية والتحريض والتثقيف الأيديولوجي. فالوقائع التي تُكشف اليوم ينبغي ألا تتحول غداً إلى مجرد أخبار منسية، بل إلى خبرة سياسية متراكمة ومعرفة قابلة للفحص والتطوير. ذلك هو الرهان الذي جعل لينين ينظر إلى التشهير السياسي لا باعتباره فناً في اتهام الخصوم، وإنما باعتباره جزءاً أساسياً من تكوين الوعي السياسي. فالسياسة الثورية، في هذا التصور، لا تقاس بعلو الصوت ولا بكثرة الشعارات، بل بقدرتها على جعل العلاقات الاجتماعية أكثر وضوحاً أمام الذين يعيشون نتائجها، وبقدرتها على وصل المعرفة النظرية بالتجربة العملية، بحيث لا يبقى الواقع مجرد موضوع للشكوى، ولا تبقى النظرية مجرد مجموعة من العبارات الصحيحة، وإنما يصبح فهم المجتمع نفسه جزءاً من إمكانية تغييره
#عادل_المغربي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
أزمة التجربة السوفياتية وحدود النقد التروتسكي
-
الأسس المادية و الطبقية لتشكل للبرجوازية الكمبرادورية بالمغر
...
-
حق الأمم في تقرير مصيرها: قراءة في بعض الأبعاد الطبقية للقوم
...
-
معركة طوفان الأقصى... جرأة أم انتحار؟
-
الأسير الفلسطيني: جبهة متقدّمة ضد الصهيونية والإمبريالية
-
ترامب… حين يمشي رأس المال على قدميه
-
نزع السلاح: تراجيديا الشعب الاعزل في محراب التاريخ
-
لنناضل من أجل بناء جبهة شعبية لمناهضة الامبريالية
المزيد.....
-
بصورة من عيد ميلاده الأخير.. أحمد يحيي ذكرى والده الراحل صلا
...
-
ترامب يعلق على تصريح سفيره في تركيا حول -ضرب إيران في عطلة ن
...
-
ترامب يعلق على تصريحات باراك حول قصف إيران خلال عطلة نهاية ا
...
-
فرنسا تحقق في هجوم مسلح غرب باريس وسط شبهات بدافع معاد للإسل
...
-
ترامب قد يلغي الرسوم الجمركية على السلع الكندية بسبب الانتخا
...
-
باراك: ما يقلقني في سوريا هو شيخ درزي يستغل الدعم الإسرائيلي
...
-
الرئيس الإيراني يزور موسكو الأسبوع المقبل ولقاء مرتقب مع بوت
...
-
السفير الأمريكي توم باراك: إسرائيل تنهار من الداخل
-
ماسك يتهم نخب أوكرانيا بالإثراء من المساعدات ويربطها بتمويل
...
-
نتنياهو: نخطط لعملية غير مسبوقة بالضفة
المزيد.....
-
ضحايا صدام حسين
/ صباح يوسف ابراهيم
-
الزمن المقلوب
/ رائد الجحافي
-
عيوب الذكاء الاصطناعي
/ رائد الجحافي
-
عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي
/ رائد الجحافي
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
المزيد.....
|