أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - سالم روضان الموسوي - حين ينقلب اليمين إلى قرينة إدانة، قراءة فقهية وقانونية














المزيد.....

حين ينقلب اليمين إلى قرينة إدانة، قراءة فقهية وقانونية


سالم روضان الموسوي

الحوار المتمدن-العدد: 8866 - 2026 / 10 / 22 - 22:47
المحور: دراسات وابحاث قانونية
    


حين ينقلب اليمين إلى قرينة إدانة
قراءة فقهية وقانونية
ان الثقة بين البشر اساها صدق الكلمة واستقامة السلوك، وعندما يعجز الانسان عن إثبات الحقيقة فعند ذاك تتملك المرءَ رغبة مفرطة في دفع الظنون، ويسارع إلى الاستقواء بأغلظ الأيمان، لكن التكرار والتتابع بأداء اليمين في غير موضعها الشرعي او القانوني ، فإنها لا تزيد القائل إلا ريبة، ولا تزيد السامع إلا تشكيكا، لان اتخاذ اسم الله تعالى وسيلة لنيل الثقة المهزوزة أصلا في كل شاردة وواردة لا يعد مجرد سلوك لفظي عابر، بل هو ظاهرة مركبة تدل على وجود خلل واضطرابٍ في البناء النفسي لمن يلجأ الى اليمين دون مناسبة، وتعتبر مؤشر على توهم البراءة عند الحالف وتورث الاتهام له عند المتلقي،
وأداء اليمين وحلفها هو القسم الذي ورد تنظيمه في فقه الشريعة والنظام القضائي والقانوني والدستوري، ويعد من وسائل الإثبات الاحتياطية التي يتم اللجوء إليها لحسم الخصومات وإحقاق الحقوق عند قصور البينة وتسمى اليمين المتمة او انعدامها وتسمى اليمين الحاسمة، إلا أن جعل أداء اليمني الى سلوك يتمثل بالمبادرة إلى الحلف والإكثار منه دون موجِب شرعي أو طلب قضائي، فانه يخرج اليمين عن مقصودها الشرعي والقانوني والقضائي، ويضعها في موضع الاستصغار،
لذلك تجد الفقه الإسلامي ومعه التحليل السلوكي والقانوني قد اهتم بظاهرة (الإكثار من اليمين) بمناسبة وبغيرها، وظهرت الدراسات التخصصية لتفكيك أبعادها الفكرية والنفسية، وبيان الأثر المنعكس لها على قيمتها في الاثبات في الدعاوى،
وتتجلى قيمة ما يتلفظ به الانسان في الشريعة الإسلامية والأخلاق الإنسانية من ان اللسان المعبر عن كوامن النفس البشرية، قد يطغى حين يتخذ من اسم الله تعالى لفظاً يلقى في كل خصومة، ووسيلة يسترخصها لدفع أدنى شبهة، لذلك برزت ظاهرة (الإكثار من اليمين) بوصفها إشكالية تجمع بين ضعف التعظيم الإلهي، وجرأة اللسان، والارتباك النفسي الذي عكس ما كان يسعى اليه الحالف،
واليمين في أصلها الشرعي والقانوني ليست مجرد توكيد لفظي، بل هي استشهاد بالله تعالى وودعوة الى الذات البشرية للخضوع لعظمة الله تعالى وجلاله؛ وهذا ما جعل إقحام الاسم الأقدس اسم الله تعالى في تفاصيل الحياة اليومية، أو جعله وسيلة دائمة لتبرئة النفس عند أدنى مظنة او شكوك، ينافي التعظيم المأمور به في قوله تعالى في الآية 224 من سورة البقرة (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم)، بمعنى لا تجعلوا الحلف بالله استخفافاً يُلجأ إليه في كل صغيرة وكبيرة، وتشير كتب التفسير ومنها تفسير الميزان انها تعني ان لا تجعلوا اسم الله متعلقاً بأيمانكم التي تحلفونها فتتخذونها ذريعة لترك البر والتقوى والإصلاح بين الناس، أي ترك العمل وأداء الواجب، كذلك في الآية 89 من سورة المائدة (واحفظوا أيمانكمويقول القرطبي في تفسيره ان معناها ترك الحلف فإنكم إذا لم تحلفوا لم تتوجه عليكم هذه التكليفات،
ويشير فقهاء الشريعة إلى أن من يتجرأ على كثرة الحلف ينزلق دون وعي وأدراك في غالب الأحيان إلى اليمين الغموس، وهي الحلف كذباً اقتطاعاً لحق أو تغطية لباطل، لأن استهانته بالقسم تذهب من قلب الحالف هيبة الموقف، فتصبح الجرأة باللسان غشاوة على البصيرة، ويقول السرخسي في كتابه المبسوط بأن كثرة الأيمان تجرّ الاستهانة التي تؤكد الحلف على الباطل،
لذلك أجمع علماء الشريعة على كراهة الإكثار من اليمين كراهة شديدة، وقد تصل إلى التحريم إذا اتُخذت وسيلة للترويج للباطل أو خداع الناس، ويقول يحيى النووي في كتابه المجموع في شرح المهذب، بأن كثرة الأيمان تجر الاستهانة التي توثق الحلف على الباطل، وقد حذّر النبي صلى الله عليه آله وسلم من اتخاذ اليمين وسيلة للمكاسب الدنيوية فقال (إياكم وكثرة الحلف في البيع، فإنه ينفق ثم يمحق)، ومعنى الحديث الشريف، احذروا كثرة الحلف في البيع والشراء ولو صدقاً، لأن كثرة الحلف مظنة الوقوع في الكذب)، كما أشار الفقهاء إلى أن كثرة الحلف دلالة على ضعف الدين وخفة الخشية،
اما في المجال القضائي فانه ينظر الى كثرة حلف اليمين بعين الريبة والشبهة إلى الخصم الذي يبادر بتقديم اليمين تلقائياً قبل أن يطلبها منه القاضي أو توجه اليه، لأن المبادرة بغير موجِب رسمي تشعر بالتكلف ومحاولة الاستباق للتغطية على ضعف الدليل ، وهذا ما يشير اليه المختصون في علم النفس الجنائي، وكذلك فقه قانون الاثبات، ومنهم بهنام رمسيس والدكتور ادم وهيب النداوي، وتتلاقى هذه الرؤية الفقهية القانونية والقضائية مع التحليل النفسي والقانوني في تفسير سلوك المكثر من اليمين، إذ يُعد اللجوء المفرط للقسم آلية دفاعية تعويضية يحاول الشخص من خلالها تعويض غياب القرائن المادية بالقوة اللفظية والربط مع اسم الله تعالى، غير أن المبالغة في دفع الشبهة تنشئ شبهة جديدة، ويكاد يكون الاكثار باليمين معبراً عن الاضطراب والتكلف بما يحاول الشخص المكثر باليمين إخفاءه، علماً بأن اليمين في القضاء وسيلة احتياطية تُطلب عند العجز عن تقديم الأدلة، وليست جداراً يحتمي به من يشاء في أي وقت يشاء،
وفي الختام فإن لسان العاقل يظل حصيناً بتوقير ربه، محفوفاً بالصدق في قوله، فلا يحتاج إلى زُخرف الأيمان ولا يستصغر العظائم لدفع الظنون والشكوك، فمن عظم الله في قلبه كف لسانه عن القسم، إلا في حق، ومن ضعف يقينه وتكلف في اعلان براءته، فضحته كثرة أيمانه بما حاول ستره.
قاضٍ متقاعد



#سالم_روضان_الموسوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تسيس المناصب وشراء الولاءات اول خطوات توريث الحكم، (شاهد تار ...
- الرقابة الدستورية بين نفاذ النص ونفاذ أثره، قراءة مقارنة في ...
- اختزال الدولة في بعض الأشخاص، يمثل أزمة في الشرعية وغياب للع ...
- مفهوم (الشخص) في قانون المرافعات المدنية، ((تعليق على قرار م ...
- حينما يستهان بغضب الشعب، فان التطبيع مع الفساد يقود الى أزمة ...
- ازمة الدولار وقول ارسطوطاليس
- الحكمة في اتخاذ القرار السيادي، قرار حظر الطيران الايراني
- السيادة العراقية بين ضجيج الشعارات وصوت الحقيقة، لا سيادة مع ...
- صوت الكميت يصدح في حاضر العراق، والمجتمع أول الضحايا
- هل الشكلية ركن من اركان الطلاق الخلعي او شرط من شروط صحته؟ ق ...
- مصادرة الكتب بين غباء السلطة وقوة الكلمة
- السادة القضاة وإدارة عملية الانتخابات وإشكالية الفصل بين الس ...
- تقلب الولاءات والمنافع الشخصية
- المبدأ: تعتبر جامعة المستنصرية مؤسسة عامة تنطبق عليها المادة ...
- المحاكمة غير العادلة والدور السلبي للمحامين في المحاكمة العس ...
- الأحكام القضائية في ميزان الفقه والقانون، تعليق على قرارات م ...
- هل جريمة الخطف من الجرائم المستمرة؟ قراءة في ضوء فقه القانون ...
- تأكيد الامام الحسن العسكري (ع) على هلاك الظالم
- الفساد والاستبداد وتقلب الطغاة بين الاضداد
- الاغفال التشريعي والسكوت التشريعي، قراءة في قرار المحكمة الا ...


المزيد.....




- مجلس وزراء الإعلام العرب يؤكد دعمه لحقوق الشعب الفلسطيني وفي ...
- السعودية تعلن زوال الخطر في جازان، والأمم المتحدة تحذر من كا ...
- مجلس الأمن الدولي يمدد ولاية بعثة الأمم المتحدة في ليبيا لمد ...
- حملة اعتقالات تطال 45 فلسطينياً في الضفة بينهم نساء وصحفي أُ ...
- أحداث الشغب في فرانكفورت .. هل يتحول الجدل حول الجناة إلى شب ...
- ضبط معمل لتصنيع المواد المخدرة في جنين واعتقال مشتبه به
- بن غفير يدعو الشاباك لاعتقال جميع رؤساء الأحزاب العربية
- احتجاز أطفال واعتقال أسرى محررين.. اقتحامات واسعة لقوات الاح ...
- قوات الاحتلال تشن حملة اعتقالات واسعة في نابلس تطال 18 مواطن ...
- زاخاروفا: غرف التعذيب هي دعامة سلطة زيلينسكي


المزيد.....

- كتب في فلسفة القانون / مؤلفون مختلفون ومتعددون
- أخطاء المشرع اليمني / رائد الجحافي
- الوضع الصحي والبيئي لعاملات معامل الطابوق في العراق / رابطة المرأة العراقية
- التنمر: من المهم التوقف عن التنمر مبكرًا حتى لا يعاني كل من ... / هيثم الفقى
- محاضرات في الترجمة القانونية / محمد عبد الكريم يوسف
- قراءة في آليات إعادة الإدماج الاجتماعي للمحبوسين وفق الأنظمة ... / سعيد زيوش
- قراءة في كتاب -الروبوتات: نظرة صارمة في ضوء العلوم القانونية ... / محمد أوبالاك
- الغول الاقتصادي المسمى -GAFA- أو الشركات العاملة على دعامات ... / محمد أوبالاك
- أثر الإتجاهات الفكرية في الحقوق السياسية و أصول نظام الحكم ف ... / نجم الدين فارس
- قرار محكمة الانفال - وثيقة قانونيه و تاريخيه و سياسيه / القاضي محمد عريبي والمحامي بهزاد علي ادم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - سالم روضان الموسوي - حين ينقلب اليمين إلى قرينة إدانة، قراءة فقهية وقانونية