أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - تغريد شحادة - أقدم من أعمارنا















المزيد.....

أقدم من أعمارنا


تغريد شحادة

الحوار المتمدن-العدد: 8866 - 2026 / 10 / 22 - 22:11
المحور: قضايا ثقافية
    


لم تكن تعرف أن الأرض التي فتحت عينيها عليها كانت قد تعبت من انتظار الغد، ولم تكن تعرف أن ولادتها، على بساطتها المذهلة، ستضع العالم أمام سؤال قديم لم يجد له جوابا بعد، كيف يستطيع الإنسان أن يستقبل حياة جديدة، وهو لم يتعلم بعد كيف يحمي الحياة التي سبقتها؟ جاءت كما يأتي الأطفال جميعا، بلا ذاكرة، بلا ماضي، بلا معرفة مسبقة بما ينبغي أن تخافه، كأن الوجود منحها فرصة نادرة لأن تبدأ من الصفر، غير أن الصفر في هذه البلاد ليس فراغا بريئا، بل مساحة مزدحمة بما حدث قبل أن تصل، وبما لم ينته حين وصلت، وبحكايات ستجد نفسها ذات يوم مطالبة بفهمها، لا لأنها اختارت أن تكون جزءا منها، بل لأن بعض الأمكنة لا تترك للإنسان رفاهية أن يبدأ حياته خارج تاريخها، كانت صغيرة إلى حد أن العالم كله كان يستطيع أن يستقر في قبضتها المغلقة، ومع ذلك كان العالم أكبر من أن يمنحها ضمانة واحدة، ولعل في ذلك ما يجعل الولادة في فلسطين حدثا يتجاوز معناها البيولوجي، فالمولود لا ينتقل من العدم إلى الوجود فحسب، بل ينتقل دون إرادته، إلى تاريخ لم يشارك في صناعته، وإلى مستقبل تتنازعه احتمالات لا يستطيع أحد أن يعده بالنجاة منها، لكن هل يولد الإنسان حقا حين يخرج من رحم أمه؟ أم حين يجد في العالم مكانا آمنا يستطيع أن يكون فيه إنسانا دون أن يضطر إلى الدفاع عن حقه في ذلك؟
كانت أمها تنظر إليها بذلك الذهول الذي يصيب الإنسان حين يرى شيئا خرج منه، لكنه لم يعد ملكا له، جسد صغير كان قبل لحظات جزءا من جسدها، ثم اصبح كائنا مستقلا، له أنفاسه ومصيره واحتمالاته التي لن تستطيع الأم، مهما أحبت أن تعيشها نيابة عنه. ولعل أصعب ما في الأمومة ليس أن تمنح المرأة الحياة، بل أن تدرك، منذ اللحظة الأولى، أنها لا تستطيع أن تمنح الحياة ما يكفي من الأمان، كيف يمكن لأم أن تنظر إلى وجه طفلتها دون أن تتخيل الوجه الذي ستصير إليه بعد عشرين عاما؟ وكيف يمكن لها أن تتخيل ذلك الوجه دون أن تتسلل إلى خيالها أسئلة لا تليق بهذا المهد؟ هل ستكبر هذه الصغيرة بما يكفي لتعرف أن طفولتها كانت طفولة؟ هل ستتعلم أسماء الألوان قبل أن تتعلم المخاوف؟ هل ستعرف الطريق إلى المدرسة بوصفه طريقا إلى المعرفة، لا طريقا يستدعي الاطمئنان عند الوصول والقلق عند التأخر؟ وهل ستكتشف العالم كما ينبغي للأطفال أن يكتشفوه، بدهشة لا يشوبها الحذر، أم أنها ستتعلم مبكرا أن بعض الأسئلة لا يطرحها الإنسان بدافع الفضول، بل بدافع النجاة؟ لم يكن في وجهها ما يدل على شيء من ذلك، كانت نائمة في براءة لا تعرف أن البراءة نفسها ليست حماية، وأن العالم لا يعامل الإنسان دائما بحسب ما يستحق، وأن الطفولة على الرغم من قدسيتها في الضمير البشري، ليست حصانة من قسوة التاريخ، وهنا تكمن المفارقة التي يعجز العقل عن احتمالها، أن يولد الإنسان بريئا تماما ثم يجد نفسه مسؤولا عن احتمال نتائج أشياء لم يفعلها، وعن حمل أوجاع لم يخترها، وعن فهم صراعات كانت قائمة قبل أن تتشكل أول خلية في جسده، فأي عدالة تلك التي تجعل مكان الولادة قادرا على إعادة تعريف معنى المستقبل؟
في مكان ما من هذا العالم، قد تنظر أم إلى طفلتها وتتساءل عن المهنة التي ستحبها، والمدينة التي ستسافر إليها، واللغة التي ستتعلمها، والحب الذي سيغير قلبها يوما، أما هنا فقد يسبق تلك الأسئلة سؤال أكثر بدائية وأكثر إيلاما، هل ستتاح لها الفرصة أصلا كي تختار؟ وليس الوجع في اختلاف الإجابات، بل في اختلاف الأسئلة ذاتها، حين يصبح ما يعده بعض البشر بداية طبيعية للحياة، أمنية بعيدة في حياة آخرين، ومع ذلك ليس من العدل أن نختصر مستقبل هذه الطفلة في الخوف، كما ليس من الصدق أن نكتب لها مستقبلا مطمئنا لمجرد أننا نعجز عن مواجهة احتمالاته الأخرى، فالحب لا يمنحنا حق تزوير العالم أمام من نحب، والأمل لا يصبح أكثر نبلا حين يقوم على إنكار الحقيقة، ربما ستكبر وتحب الحياة بعناد لا تفهمه الأجيال التي سبقتها، ربما ستضحك في مواضع ظن الكبار أن الضحك لم يعد ممكنا فيها، ربما ستكتشف في نفسها رغبة لا علاقة لها بالسياسة ولا بالتاريخ ولا بالأرض، رغبة بسيطة في أن ترسم، أو تغني، أو تدرس النجوم، أو تحب إنسانا دون أن تضطر إلى تفسير حبها في ضوء المأساة.
من حق هذه الصغيرة ألا تكون مطالبة بإنقاذ أحد، وألا تصبح ولادتها شهادة جديدة على قدرة شعب على الاحتمال، وألا تضطر إلى أن تكون استثنائية كي تستحق الحياة، من حقها أن تخاف من الظلام لأن الظلام مجهول، لا لأنه يخفي احتمالا مرعبا، أن تبكي لأن لعبتها انكسرت، لا لأن عالمها انكسر، أن تغضب من أمها لأنها تأخرت في تلبية رغبة صغيرة، لا لأنها عجزت عن حمايتها من شيء أكبر من قدرتها، ومن حقها قبل ذلك كله، أن تجهل معنى الفقد، ومعنى النزوح، ومعنى أن يكون للإنسان بيت في الذاكرة ولا يكون له بيت يستطيع العودة إليه، أن تتأخر معرفتها بقسوة العالم إلى العمر الذي تصبح فيه قادرة على فهمها، لا إلى اللحظة التي يفرضها العالم عليها، فليست المعرفة المبكرة دائما علامة نضج، قد تكون أحيانا الاسم المهذب لطفولة سلب منها حقها في التدرج البريء نحو الحياة، ولعل السؤال الذي ينبغي أن يقلقنا ليس ماذا ستصبح هذه الطفلة حين تكبر، بل ماذا سنترك لها كي تستطيع أن تكبر دون أن تفقد شيئا جوهريا من نفسها؟ أي عالم سنضع بين يديها حين تتفتح أصابعها الصغيرة على الأشياء؟ وأي معنى سنمنحه لكلمة بيت حين تنطقها للمرة الأولى؟ وهل سنستطيع أن نعلمها أن الإنسان قيمة في ذاته، إن كانت التجربة من حولها تحاول إقناعها بأن قيمته مرهونة بهويته ومكانه والظروف التي ولد فيها؟ ثم من قال إن على هذه الطفلة أن تفهم كل ذلك؟ ربما كان من حقها ألا تفهم فلسطين بوصفها جرحا قبل أن تعرفها بوصفها مكانا، أن تحب التراب لأنه رائحة المطر، لا لأنه موضوع نزاع، أن ترى في السماء اتساعا لأحلامها، لا فضاء ينبغي أن تراقبه بخوف، أن يكون الوطن في تجربتها الأولى، شيئا يشبه حضن أمها، لا سؤالا ثقيلا عن المصير.
كانت لا تزال نائمة، لم تكن تعرف أن الكبار قد بدأوا بالفعل في تخيل مستقبلها، وأنهم وهم ينظرون إليها بحب، كانوا يحملون وجهها الصغير مخاوفهم وأمنياتهم وخيباتهم التي لم يجدوا لها مخرجا.
ولهذا حين فتحت الطفلة عينيها للحظة، ثم أغمضتهما وعادت إلى النوم، لم يكن السؤال الحقيقي ما إذا كانت ستكبر لتغير هذا العالم، كان السؤال أشد بساطة وقسوة، هل يستطيع العالم أن يتغير بما يكفي، كي لا تضطر هي إلى أن تكبر قبل أوانها؟



#تغريد_شحادة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الاشياء التي تفكر فينا
- لغة لم تتعلم الكلام
- ما لا ترويه سماعة
- أبي... الرجل الذي استثمر عمره فينا
- ما يبقى من الانسان
- امرأة في كل حالاتها
- قبل ان تصبح الحكاية خبرا
- حين يصنع المكان الإنسان
- ثلاث نقرات على جدار الزمن
- خناجر في خاصرة الجبل
- خلف ستار التقوى- حين يصبح الدين قناع لا منهج
- كيف يكون لي روح؟


المزيد.....




- الأمن العام الأردني يعلن حصيلة ضحايا إطلاق النار في كنيسة با ...
- الأردن.. كاميرات مراقبة تظهر لحظات إطلاق النار على كنيسة في ...
- -سنواجه العمل الإرهابي بأشد العقوبات-.. أول تعليق من الملك ع ...
- العاهل الأردني: من توهم أن رصاص الغدر يشق صف الأردنيين خاب م ...
- بعد هجوم الضفة.. بن غفير يدعو إلى -تفكيك- السلطة الفلسطينية ...
- مسلح يقتل شخصًا ويصيب أربعة آخرين في ضواحي باريس.. والسلطات ...
- مقتل سبعة أشخاص على الأقل جراء عملية إطلاق نار استهدفت كنيسة ...
- العاصفة أوستن تضرب فرنسا وبريطانيا برياح تصل سرعتها إلى 160 ...
- في سابقة من نوعها.. سلاحا الجو الفرنسي والبريطاني يجريان تدر ...
- وزير الدفاع اليمني يعتذر للقبائل بعد تهديد تجمعاتها بالاستهد ...


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - تغريد شحادة - أقدم من أعمارنا