أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رانية مرجية - حين نتحرّر من نفوذ الأذى في استرداد الذات والتحرّر من سلطة الآخرين














المزيد.....

حين نتحرّر من نفوذ الأذى في استرداد الذات والتحرّر من سلطة الآخرين


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8866 - 2026 / 10 / 22 - 17:01
المحور: قضايا ثقافية
    


ليس كلّ ما يستفزّنا يستحقّ ردًّا، وليس كلّ من يسيء إلينا يستحقّ أن نمنحه مزيدًا من أعمارنا. فثمّة معارك لا نُهزم فيها حين نخسرها، بل حين نقبل خوضها، وثمّة سلوكيات مؤذية لا تنتهي آثارها بانتهاء أصحابها، بل تواصل استنزافنا حتى بعد أن يغادروا حياتنا.

مع النضج، ندرك أنّ الابتعاد عن العلاقات المؤذية ليس استعلاءً، بل حمايةٌ لسلامنا الداخلي. وأن نعرف متى نتكلّم، ومتى نصمت، ومتى نغادر، دون أن نظلّ أسرى لما حدث، تلك حكمة تمنحنا إيّاها الخيبات حين نتوقّف عن سؤال الآخرين: لماذا آذونا؟ ونبدأ بسؤال أنفسنا: لماذا نسمح للأذى بأن يقيم فينا أطول ممّا ينبغي؟

تأمّلوا موظفًا يهنّئه زميله أمام الجميع على نجاحه، ثم ينتقص من كفاءته في غيابه. وامرأةً ائتمنت صديقةً على سرّها، فإذا به يتنقّل بين الألسنة. وإنسانًا اعتاد أن يكون سندًا للآخرين، فلم يجد كتفًا يستند إليه حين أثقلته الحياة.

لا ينتهي الألم عند الخذلان؛ فكثيرًا ما يبدأ بعده استنزافٌ آخر: حوارٌ لا يتوقّف في داخلنا. نستعيد الكلمات، ونراجع المواقف، ونرتّب ردودًا كان ينبغي أن نقولها، كأنّنا نحاول إصلاح مشهدٍ انتهى، أو انتزاع اعترافٍ من شخصٍ قد لا يعترف أبدًا.

وهنا تكمن المفارقة: قد نُخرج أصحاب الأذى من حياتنا، لكنّنا نُبقيهم في حواراتنا الداخلية؛ نغلق الأبواب، ونفتح لهم محاكم لا تنتهي داخلنا. نغادر المكان، ونحمل المعركة معنا، فنظلّ أسرى لما أردنا التحرّر منه.

أخطر ما تفعله بعض السلوكيات المؤذية أنّها لا تكتفي بإيلامنا، بل تجعلنا نواصل استنزاف أنفسنا ونحن نحاول فهمها أو الردّ عليها. فقد يتحوّل الحوار مع من لا يريد الإصغاء إلى جدالٍ غايته إثبات التفوّق، ومحاولة إقناع من لا يرغب في الفهم إلى عبءٍ لا ينتهي، وملاحقة تناقضات الآخرين إلى انشغالٍ يسرق منّا ما هو أثمن من اعترافهم: وقتنا وطمأنينتنا.

لكنّ بعض السلوكيات تتّضح مع الوقت، وبعض العلاقات تكشف حقيقتها في المواقف. وأحيانًا، يكفي أن نرى بوضوح، ونضع حدودًا، ونمنع الأذى من التكرار، دون أن نستنزف أنفسنا في محاولة تغيير من لا يريد أن يتغيّر.

وليس في ذلك دعوةٌ إلى الصمت عن الظلم أو التنازل عن الحقوق؛ فثمّة مواجهات واجبة، وحقوق تستحقّ الدفاع عنها. غير أنّ فرقًا شاسعًا يفصل بين مواجهةٍ تحمي كرامتنا، ومعركةٍ نخوضها لأنّنا لا نحتمل أن يسيء إلينا أحد دون أن ننتزع منه اعترافًا أو نلقّنه درسًا.

ليس كلّ صمت حكمة، ولا كلّ ردّ ضعفًا؛ الحكمة أن نعرف متى يكون الكلام دفاعًا عن كرامتنا، ومتى يتحوّل إلى استنزافٍ لها.

وقد نظنّ أنّنا تحرّرنا من الأذى لمجرّد أنّنا ابتعدنا عن أصحابه، بينما يظلّ نفوذهم قائمًا في طريقة تفكيرنا، وفي قدرتهم على تعكير يومنا، وفي حاجتنا المستمرّة إلى تفسير ما فعلوا أو إثبات أنّهم أخطؤوا. عندئذٍ، لا يعود السؤال: هل غادروا حياتنا؟ بل: هل استعدنا حياتنا منهم؟

إنّ أعمق أشكال الابتعاد ألّا نجعله رسالةً إلى الآخرين، بل عودةً منّا إلى أنفسنا. ألّا ننتظر ندمهم كي نتعافى، ولا اعترافهم كي نستردّ كرامتنا، ولا فهمهم كي نطمئنّ إلى حقيقة أنفسنا. فليس من العدل أن نعلّق سلامنا على قرار شخصٍ آخر، ولا من الحكمة أن نجعل تعافينا رهينة اعتذارٍ قد لا يأتي.

ومع ذلك، لا ينبغي أن يتحوّل هذا الوعي إلى غرورٍ أخلاقي. فليس كلّ من خالفنا مؤذيًا، ولا كلّ من أخطأ متعمّدًا، ولا كلّ نقدٍ إهانة. أحيانًا يكون الآخر مرآةً تكشف عيبًا فينا، وأحيانًا نسمّي الناس مؤذين لأنّهم رفضوا أن يمنحونا ما أردناه منهم.

الحكمة ليست في تصنيف الناس وفق ما يريح كبرياءنا، بل في التمييز بين من يصارحنا ومن يتعمّد إذلالنا، وبين اختلافٍ يوسّع وعينا وسلوكٍ يستنزف ثقتنا. أن نتقبّل النقد دون أن نقبل الإهانة، وأن نراجع أنفسنا دون أن نسلّمها لمن يريد تحطيمها، وأن نسامح إن استطعنا، دون أن نجعل التسامح إذنًا مفتوحًا لتكرار الأذى.

فالحياة أثمن من أن نبدّدها في شرح نوايانا لمن لا يريد أن يفهمها، أو في مطاردة اعتذارٍ قد لا يأتي. لسنا مطالبين بالانتصار في كلّ حكاية، ولا بإقناع الجميع بروايتنا. يكفينا أن نفهم ما حدث، وأن نتعلّم منه، وأن نحمي أنفسنا من تكراره، ثم نمضي.

الابتعاد عن السلوكيات المؤذية نعمة، لا لأنّ أصحابها أقلّ من أن نلتفت إليهم، بل لأنّ حياتنا أكبر من أن نختصرها في أذاهم.

فالنصر الأعمق ليس أن يندم من خذلنا، أو يعترف من أساء إلينا بخطئه، بل ألّا نعود بحاجة إلى شيءٍ منهم كي نكون بخير. ألّا ننتظر اعتذارًا لننام مطمئنّين، ولا اعترافًا لنؤمن بقيمتنا، ولا هزيمتهم كي نشعر أنّنا انتصرنا.

أن نستعيد وقتنا وانتباهنا، ونمنح قلوبنا لمن يعرف معنى الوفاء، وعقولنا لما يستحقّ التفكير، وأيّامنا لما يجعلها جديرةً بأن تُعاش. فحسن الظنّ لا يلغي البصيرة، ونقاء القلب لا يعني تركه مكشوفًا لكلّ عابر، والتسامح لا يفرض علينا إعادة فتح الأبواب لمن أساء إلينا.

في النهاية، ليس النضج أن نصبح أقلّ إحساسًا، بل ألّا نسمح لكلّ عابر بأن يحدّد ما نشعر به. وليس السلام أن تخلو حياتنا من العلاقات الصعبة، بل ألّا نمنحها مفاتيح حياتنا.

أحيانًا، لا يكون أعظم انتصارٍ أن نغادر من آذانا، بل أن نغادر دون أن نحمل معنا حاجتنا إلى انتصارهم علينا أو هزيمتهم أمامنا.

هناك، تحديدًا، ينتهي نفوذ الأذى وتبدأ حياتنا.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وها أنا أبتسم رغم كل شيء
- حين يتنفّس القلب… قراءة في رواية تُصغي إلى ما لا تقوله الأرو ...
- أن نصل إلى الطفل قبل أن نطالبه بالوصول إلينا في حضرة أطفال ط ...
- فريدة وهاب ضبيط… حين ترحل القلوب التي تشبه السماء
- الذين لا يتغيّرون حين تتغيّر حياتنا
- القميص الأزرق
- حين يصبح السجن سياسة
- وجوهٌ لا تغيب حين تكتب الذاكرةُ أصحابَها قراءة في «وجوه في ا ...
- حين يصبح ما أنقذنا سجنًا
- حين يطلب المجتمع من المقهور أن يكون إيجابيًا
- شُموسٌ ووطن من فائض العشق إلى سؤال الكينونة قراءة نقدية تأوي ...
- قبل أن يصل الصوت إلى الصندوق في معركة الشطب: من يقرر حدود ال ...
- أعتذر، لن أصبح روبوتاً
- هل ستعود الحرب؟ حين يصبح السلام امتحانًا للذاكرة
- انهيار كاتب
- نداء خسايكة.. حين نصغي إلى السلوك لنسمع الإنسان
- سلام ابو جمعة … حين تصبح المهنة حبًا، ويصبح الاحتواء أثرًا ل ...
- حين يصحو الضمير،
- المفتاح الذي أضاعه الزمن قراءة في «شقاء الهناء» لإياد الحاج
- الأحياء الأموات: حين تصبح الحياة صورةً للموت قراءة في قصة «ا ...


المزيد.....




- مصدر لـCNN: سرعات -ستارشيلد- في أوكرانيا لم تُستعد بالكامل ب ...
- تقرير بريطاني عن أسماء مرشحين أوروبيين محتملين للتفاوض مع رو ...
- ترامب: لم أفكر بعد في دعم فانس في الانتخابات الرئاسية القادم ...
- الدفاع الروسية: انتصارنا في ساحة المعركة أمر حتمي
- التحالف العربي: مزاعم الحوثيين بشأن تهديد السعودية عبر استهد ...
- كوشنر ينفي مزاعم ضلوعه في معاملات مالية سرية مرتبطة بالإمارا ...
- مستشار ترامب السابق: السلام في أوكرانيا لن يتحقق إلا برحيل ز ...
- موسكو: أوروبا تزيد نشاطها العدواني ضدنا
- الشرطة التونسية تشتبك مع سكان حي في العاصمة بعد مقتل متهم بت ...
- ترامب: إيران تسعى لرفع أسعار الطاقة


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رانية مرجية - حين نتحرّر من نفوذ الأذى في استرداد الذات والتحرّر من سلطة الآخرين