عزالدين بوغانمي
(Boughanmi Ezdine)
الحوار المتمدن-العدد: 8866 - 2026 / 10 / 22 - 15:01
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
تنطلق احتجاجات التلاميذ الأخيرة في فرنسا من ظروف معيشية وتربوية متدهورة، لكنها تندرج في مسار أزمات الرأسمالية البنيوية المتكرّرة في دورات تاريخية لا تنتهي. وللوهلة الأولى قد يبدو غريبًا ربط المظاهرات الشبابية الأخيرة بأزمة الرأسمالية، غير أن هذه الاحتجاجات تنبع من الوضع المالي والاجتماعي للدولة. وهي تجري في فرنسا، إحدى أهم مراكز الرأسمالية العالمية.
وفي عصر العولمة أصبحت الدول الصناعية أشد ارتباطًا ببعضها عبر شبكة واحدة من الاستثمار، والتمويل، وسلاسل الإنتاج، والأسواق المالية، بحيث بات رأس المال العابر للحدود الدكتاتور الوحيد القادر على إملاء السياسات الاقتصادية والاجتماعية على الدول. فقلّصت هذه الترابطات هامش سيادة الحكومات، وجعلتها مضطرة إلى مراعاة متطلبات الأسواق، ومؤسسات التمويل الدولية، وشركات الإنتاج متعددة الجنسيات، حتى في قضايا الضرائب والأجور والخدمات العامة. وهكذا تحولت الاستقلالية الاقتصادية الكاملة إلى استثناء نادر، وبقيت السيادة الوطنية حقيقية في حدود ما يسمح به موقع كل دولة داخل هرم رأس المال العالمي.
ثم إن أزمة الثمانينيات لم تنتهِ إلّا بعد أن مهدت لأزمة التسعينات وما تلاها من الحرب على العراق والاستيلاء على نفطه ورهن الخليج العربي برُمته. ولا تزال شظايا أزمة التسعينات وألغامها تنفجر هنا وهناك، حتى اندلعت أزمة 2008، وتعمّقت عبر تعاقب الحكومات، ثم انفجرت مع حركة "السترات الصفراء" سنة 2018. فالتلاميذ الذين يخرجون اليوم إلى الشارع يرثون نتيجة عقود من السياسات التي قلّصت الخدمات العامة، ووسّعت الفوارق، وحوّلت المدرسة والصحة والنقل إلى مجالات خاضعة لمنطق الربح.
ويمكن قراءة هذه الحركة انعكاسًا لتوسّع فئات هشّة اجتماعيًا واقتصاديًا، يُطلق عليها غالبًا "البريكاريا"، وهو مفهوم طوّره غاي ستاندينغ في كتابه Le Précariat. Les dangers d’une nouvelle classe (2017) لوصف طبقة تعيش في هشاشة العمل وعدم الاستقرار الاجتماعي.
جذور الأزمة: من تاتشر وريغان
بدأت المرحلة الحاسمة في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات، مع تجربتي مارغريت تاتشر في بريطانيا ورونالد ريغان في الولايات المتحدة. وقد مثّلت هاتان التجربتان بداية مرحلة اقتصادية-سياسية جديدة في تاريخ الرأسمالية، عُرفت في الأدبيات السياسية باسم "النيوليبرالية". فقد أعادت هذه المرحلة تنظيم العلاقة بين الدولة والسوق ورأس المال، عبر تقليص دور الدولة الاجتماعية، وتحرير حركة رأس المال، وضرب النقابات، وتفكيك الضمانات التي كسبها العمال بعد الحرب العالمية الثانية.
تقوم النيوليبرالية على جعل السوق والربح معيارًا لتنظيم المجتمع: فتُخفَّض الضرائب على رأس المال، وتُحرَّر حركة الاستثمار، وتُقلَّص حماية العمال، وتُدار الخدمات العامة وفق منطق المنافسة والربح. وينتقل هذا المنطق إلى السياسات عبر التقشف، أي تقليص الإنفاق الحكومي على الصحة والتعليم والنقل والاستثمار العام بحجة خفض الدين أو عجز الميزانية؛ وعبر الخصخصة، أي نقل مؤسسات وخدمات كانت تديرها الدولة إلى شركات خاصة تسعى إلى الربح؛ وعبر تقليص الخدمات العامة، من تقليل عدد الموظفين، مرورًا بإغلاق المرافق، وصولًا إلى رفع أسعار الخدمات العامة والطاقة.
وقد حلّل نعوم تشومسكي في كتابه Le Profit avant l’homme (2003) النيوليبرالية بوصفها نظامًا يعيد تنظيم العلاقة بين الدولة والسوق لصالح الشركات الكبرى ورأس المال المالي، على حساب الديمقراطية الاجتماعية والحقوق العمالية.
في أوروبا، انتقلت الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية تدريجيًا إلى هذا المنطق. فقد تبنّى توني بلير في بريطانيا سياسات تقترب من النموذج النيوليبرالي، مع الحفاظ على خطاب اجتماعي تضليلي. وهكذا فقدت الاشتراكية الديمقراطية، في جزء كبير منها، دورها التاريخي بوصفها قوة تدافع عن دولة الرفاه، وأصبحت في كثير من الحالات شريكة في إدارة الرأسمالية المالية.
الأزمة الفرنسية: من جوسبان إلى ماكرون
في فرنسا، انعكس هذا التحول على الحزب الاشتراكي نفسه. فبعد هزيمة ليونيل جوسبان في انتخابات 2002، دخل الحزب في أزمة داخلية. وبالتدريج تعمّق الانقسام بين جناح أغلبي يميني تقبل الانخراط في منطق حكم السوق، والاتحاد الأوروبي المالي، وجناح يساري أقلّيّ جدًا رفض سياسات التقشف، ودافع عن مكتسبات الطبقة العاملة. وقد أدى هذا الصراع إلى انفصال جان-لوك ميلونشون وتأسيسه لتيار سياسي يساري مستقل، بينما استمر ما تبقى من الحزب في التأرجح بين الخطاب الاجتماعي الأملس والسياسات النيوليبرالية الفاحشة.
ومع وصول نيكولا ساركوزي إلى الرئاسة سنة 2007، اتخذت السياسات الفرنسية انعطافة نيوليبرالية متطرفة في اتجاه رأس المال المالي. فقد كان ساركوزي أمريكي الهوى إيديولوجيًا، وأيضًا لأسباب عائلية أخرى مثّلت له جسرًا متينًا أوصله مبكرًا إلى قلب ماكينة تحالف المال والسياسة في أمريكا. وقد تعزّزت في عهده سياسات تخفيف الضرائب على الأثرياء ورأس المال، وتوسّع منطق المنافسة في الخدمات العامة، وتقليص الحماية الاجتماعية، وتقديم تنازلات متزايدة للقطاع المالي. وهنا اكتسب الهجوم على نموذج دولة الرفاه الفرنسي طابعًا أكثر وضوحًا ووقاحة، ما أدّى إلى سقوط اليمين وعودة الحزب الاشتراكي إلى الحكم رغم ضعفه وانتقاله منذ سنوات إلى خندق طُغمة العولمة.
وفي المجال الاستراتيجي، أكمل ساركوزي هذا الانحياز بإعادة فرنسا، سنة 2009، إلى القيادة العسكرية المتكاملة للناتو، بعد أكثر من أربعين سنة من الانسحاب الديغولي. وهكذا انتهت مرحلة من الاستقلال الاستراتيجي الفرنسي، وترسّخ انحياز باريس إلى المنظومة العسكرية الأمريكية الأطلسية.
ثم جاءت تجربة فرانسوا هولوند سنة 2012، حاملة يافطة اليسار، في وقت لم يبق للحزب الاشتراكي من اليسار غير "الوردة الحمراء". وكما كان متوقّعًا، انتهت إلى تنفيذ سياسات التقشف الأوروبي. ففي ظل الضغط الألماني بقيادة زعيمة تاريخية مثل أنغيلا ميركل، وضغط مؤسسات الاتحاد الأوروبي، اعتمدت الحكومة الفرنسية سياسات تهدف إلى تقليص العجز وتقليص الإنفاق العام. وهكذا تعمّقت أزمة الثقة بين اليسار التقليدي والطبقات الشعبية، وظهرت الحاجة إلى بديل سياسي خارج الحزب الاشتراكي.
ووصل الشاب الشعبوي، إيمانويل ماكرون، إلى الرئاسة سنة 2017 مدّعيًا أنه "لا يمين ولا يسار". وقد كان صادقًا في ادعائه إلى حدّ كبير، حيث سرعان ما تبيّن أنه الممثل الشري والوفيّ لرأس المال المالي. وقد أقام مشروعه على تحرير أكبر للسوق، وتخفيف الضرائب على رأس المال، وتقليص الحماية الاجتماعية، وإعادة هيكلة الخدمات العامة. أما شعاره الشهير حول "العمل"، فقد ترجم عمليًا إلى ضغط أكبر على العمال والفئات الهشة، مع تسهيل أكبر لتحرك رأس المال والأثرياء.
"السترات الصفراء": انفجار التراكم
في هذا السياق، انفجرت حركة "السترات الصفراء" سنة 2018. وقد بدأت باحتجاج على ضريبة الوقود، لكنها سرعان ما تحولت إلى احتجاج أوسع على نموذج اجتماعي كامل: ارتفاع كلفة الحياة، وتدهور الخدمات العامة، وتركّز الثروة، وتباعد النخبة الحاكمة عن واقع الفئات الشعبية.
ويمكن قراءة الحركة بوصفها رد فعل طبقي على سياسة "التراكم بالانتزاع". فالتراكم بالانتزاع يعني، في تحليل ديفيد هارفي في كتابه Le nouvel impérialisme، عملية يستعيد فيها رأس المال ربحيته من خلال الاستيلاء على موارد وخدمات ومكتسبات كانت في السابق خاضعة لمنطق المصلحة العامة. وتظهر هذه العملية في خصخصة الخدمات، ورفع أسعار الطاقة والنقل، وتقليص الاستثمار العام، وتحويل الأزمات إلى ذريعة لتقليص الحقوق الاجتماعية.
الدين العام كأداة إخضاع
يؤدي الدين العام في فرنسا وظيفة مالية وسياسية في آن واحد. فمن الناحية المالية، يقيّد قدرة الدولة على الإنفاق على الصحة والتعليم والإسكان والنقل. ومن الناحية السياسية، يُستخدم لتبرير سياسات التقشف وفرض منطق السداد على الفئات الشعبية.
ويكشف موريتزيو لازاراتو في كتابه La fabrique de l’homme endetté. Essai sur la condition néolibérale أن الدين يعمل عبر آليتين متكاملتين: آلية مالية تربط الدولة والفئات الشعبية بالتزامات السداد، وآلية سياسية تُنتج "الإنسان المدين"، أي مواطنًا مطالبًا باستمرار بالتكيف، والعمل أكثر، وقبول شروط أقل. وهكذا يتحول الدين إلى أداة لضبط السلوك الاجتماعي وإعادة إنتاج التبعية الطبقية.
الأزمة الفرنسية في سياقها الإمبريالي
ترتبط الأزمة الفرنسية ارتباطًا وثيقًا بأزمات الرأسمالية العالمية. ففرنسا دولة إمبريالية، ترتبط اقتصادها وسياساتها بمصالح رأس المال المالي والصناعي، وتشارك في بنية النظام الرأسمالي العالمي. وقد بيّن إدوارد سعيد في كتابه Culture et impérialisme أن الإمبريالية تعمل عبر القوة العسكرية والاقتصادية، كما تعمل عبر بناء صور وتمثيلات وخطابات تبرر الهيمنة وتجعلها تبدو طبيعية. لذلك، يصعب فهم التضخم، وارتفاع كلفة الطاقة، وتدهور القدرة الشرائية، وتقلّص الاستثمار العام، بمعزل عن تحولات النظام الدولي وأزمات التراكم الرأسمالي.
ما بعد سقوط الاتحاد السوفيتي
أدت السياسات النيوليبرالية التاتشرية-الريغنية إلى تضخم دور الشركات النفطية والمالية العملاقة، وتزايد حاجتها إلى تأمين الموارد والأسواق. ومع انهيار الاتحاد السوفيتي سنة 1991، دخل النظام الرأسمالي الإمبريالي في مرحلة جديدة من البحث عن عدو جديد وتأمين الهيمنة المطلقة.
وقد مثّلت حرب الخليج سنة 1991 إعلانًا سياسيًا وعسكريًا عن "النظام العالمي الجديد" بقيادة واشنطن. فقد تجاوزت هذه الحرب هدف إخراج العراق من الكويت، لتثبت القواعد العسكرية الأمريكية في منطقة الخليج العربي، وتعزز السيطرة على الإمدادات النفطية العالمية، وتدعم مكانة الدولار بوصفه عملة احتياط عالمية مرتبطة بتجارة النفط، فيما يُعرف بمنطق "البترودولار".
ثم تحول العراق خلال التسعينيات إلى ساحة لتطبيق أقسى أشكال الحصار الاقتصادي، بما أضعف سيادته وقدرته الاقتصادية والعسكرية، ومهّد لغزوه سنة 2003. وقد فتح هذا الغزو الطريق أمام إعادة تنظيم قطاع النفط العراقي، ودمج اقتصاده قسرًا في المنظومة العولمية التي تقودها الشركات الأمريكية والغربية.
تنافس الإمبرياليات وتقليص النفوذ الفرنسي
خلال الحرب الباردة، بقيت فرنسا عضوًا في حلف الناتو، لكنها انسحبت سنة 1966، بقرار من شارل ديغول، من القيادة العسكرية المتكاملة للحلف، سعيًا إلى الحفاظ على استقلالها الاستراتيجي ورفضًا لخضوع جيشها للقيادة الأمريكية. وقد مثّل هذا القرار رفضًا فرنسيًا للهيمنة الأمريكية داخل الحلف، وعبّر عن طموح باريس إلى سياسة خارجية أكثر سيادة.
وفي هذا الإطار، قبلت واشنطن بوجود نفوذ فرنسي تقليدي في إفريقيا، فيما يُعرف بنظام "فرانسافريك" (Françafrique)، مقابل بقاء باريس داخل المعسكر الغربي ومواجهة المد الشيوعي. غير أن هذا التسامح الأمريكي لم يكن تنازلًا مجانيًا؛ بل ارتبط بتوازن الحرب الباردة، وبحاجة واشنطن إلى حلفاء أوروبيين في مواجهة الاتحاد السوفيتي.
لكن مع انهيار الاتحاد السوفيتي سنة 1991، تغيّرت المعادلة: تراجعت الحاجة الأمريكية إلى التنازل لفرنسا، وبدأت واشنطن في منافسة باريس داخل معاقلها التقليدية في غرب إفريقيا والبحيرات العظمى. وتجلى هذا التنافس عبر الشركات الأمريكية، والمساعدات المشروطة، وسياسات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، التي فتحت الأسواق الإفريقية أمام السلع والشركات الأمريكية، وقلّصت الامتيازات الفرنسية. كما تراجعت المجاملة السياسية بين الحلفاء، وأصبحت فرنسا مطالبة بالتكيف مع معايير العولمة النيوليبرالية التي تهدد خصوصيتها الاقتصادية وجيوسياسية.
وقد اكتمل هذا التحول مع قرار ساركوزي سنة 2009 بإعادة فرنسا إلى القيادة العسكرية المتكاملة للناتو، بعد أكثر من أربعين سنة من الانسحاب الديغولي. وهكذا انتهت مرحلة من الاستقلال الاستراتيجي الفرنسي، وترسّخ انحياز باريس إلى المنظومة العسكرية الأمريكية الأطلسية.
الضغط على النموذج الأوروبي
واجه النموذج الأوروبي الغربي، القائم على الرأسمالية الاجتماعية ودولة الرفاه، ضغوطًا متزايدة من العولمة النيوليبرالية بقيادة أمريكية. فقد دُفعت الحكومات الأوروبية، ومنها الفرنسية، إلى تبني سياسات التقشف، وتحرير الأسواق، وخصخصة القطاعات العامة، بحجة الحفاظ على تنافسية شركاتها في السوق العالمية.
وقد مثّلت معاهدة ماستريخت سنة 1992 لحظة مؤسسية في هذا التحول. إذ ربطت بناء الاتحاد الأوروبي واليورو بقيود صارمة على العجز العام والدين العام، مما قلّص هامش الحكومات الوطنية في تمويل الخدمات العامة ودعم الاقتصاد الإنتاجي. وهكذا تحول الاتحاد الأوروبي تدريجيًا إلى إطار مؤسسي يفرض منطق التقشف والمنافسة على الدول الأعضاء.
انعكاسات التحول على المجتمع الفرنسي
مع تراجع النموذج الاشتراكي المنافس، تراجعت أيضًا الحاجة السياسية إلى تقديم تنازلات اجتماعية واسعة للطبقات العاملة. فبدأت الحكومات الفرنسية المتعاقبة، اليمينية واليسارية المعتدلة على السواء، في تطبيق خطط لتقليص معاشات التقاعد، والضغط على الإنفاق الصحي، وخصخصة شركات وطنية كبرى في قطاعات الاتصالات والطاقة والنقل.
كما أدى نقل المصانع والشركات إلى الدول ذات الأجور المنخفضة، فيما يُعرف بـ"النقل إلى الخارج"، إلى تفكيك الحزام الصناعي الفرنسي، وارتفاع البطالة، وتوسع العمل الهش، وتراجع القدرة الشرائية للطبقات الشعبية. وهكذا تحولت أزمة التراكم الرأسمالي إلى أزمة اجتماعية عميقة داخل المجتمع الفرنسي.
وقد انفجر هذا الرفض في شتاء 1995، حين شهدت فرنسا أضخم إضرابات عمالية وشعبية منذ مايو 1968، ردًا على "خطة جوبيه" التقشفية. ومثّلت هذه الإضرابات أول مواجهة منظمة واسعة مع العولمة النيوليبرالية في أوروبا، وأعلنت أن تفكيك دولة الرفاه سيقابل بمقاومة اجتماعية قوية.
من أزمة التسعينيات إلى حرب أوكرانيا
يمثل سقوط الاتحاد السوفيتي حدًا فاصلًا بين مرحلتين في النظام الرأسمالي العالمي. ففي مرحلة الحرب الباردة، سمحت واشنطن لفرنسا بنفوذ إفريقي خاص مقابل ولائها للمعسكر الغربي، ورافقت ذلك الحفاظ على دولة الرفاه الأوروبية بوصفها أداة لاحتواء النفوذ الاشتراكي. أما في مرحلة ما بعد 1991، فقد انتقل النظام العالمي إلى منطق الاستفراد الأمريكي والهيمنة الموسعة: منافسة فرنسا في إفريقيا، وفرض معايير الشركات الأمريكية، وتفكيك المكتسبات العمالية، وخفض الإنفاق الاجتماعي، وخصخصة القطاعات الحيوية، والسيطرة على النفط عبر الحصار والغزو.
وتحتل حرب أوكرانيا موقعًا محوريًا في استكمال هذا المسار. فهي صراع جيوسياسي تعارضت فيه مصالح الناتو والولايات المتحدة مع مصالح روسيا، وتحولت فيه الشعوب إلى وقود لصراع على النفوذ والأسواق ومسارات الطاقة. وقد كلّف انحياز أوروبا إلى الاستراتيجية الأمريكية اقتصادها كلفة ثقيلة، بحيث تراجعت حصة الغاز الروسي الرخيص، الذي كان يصل إلى أوروبا عبر خطوط الأنابيب ويشكّل لسنوات طويلة ركيزة أساسية في صناعتها وتدفئتها، لتحل محله كميات متزايدة من الغاز المسال الأمريكي الأعلى كلفة. ونتيجة ذلك، ارتفعت فاتورة الطاقة الأوروبية، وتحوّل جزء من دخل الأسر والشركات الأوروبية إلى أرباح لدى المجمّعين النفطيين والماليين الأمريكيين.
أما صعود الصين، فيمثّل تحديًا للهيمنة التاريخية للرأسمالية الغربية، وما يُعرف بـ"الثالوث الإمبريالي" المكوّن من الولايات المتحدة وأوروبا واليابان، وهو مفهوم طوّره سمير أمين في تحليله للرأسمالية المركزية واحتكاراتها العالمية. وقد دفع هذا التحدي الولايات المتحدة إلى تعزيز أدوات الضغط الاقتصادي والعسكري، وسحب حلفائها، ومنهم فرنسا، نحو منطق حرب تجارية وتكنولوجية طويلة. وينعكس هذا الصراع داخليًا في شكل ضغوط متزايدة على الأجور، والخدمات العامة، والحقوق الاجتماعية.
المراجع
1. Amin, Samir. (2012). *L’implosion du capitalisme contemporain. Automne du capitalisme, -print-emps des peuples ?* Paris : Éditions Delga.
2. Chomsky, Noam. (2003). *Le Profit avant l’homme*. Paris : Fayard.
3. Harvey, David. (2010). *Le nouvel impérialisme*. Paris : Les Prairies Ordinaires.
4. Lazzarato, Maurizio. (2011). *La fabrique de l’homme endetté. Essai sur la condition néolibérale*. Paris : Éditions Amsterdam.
5. Said, Edward W. (2000). *Culture et impérialisme*. Paris : Fayard.
6. Standing, Guy. (2017). *Le Précariat. Les dangers d’une nouvelle classe*. Paris : Les Éditions de l’Opportun.
#عزالدين_بوغانمي (هاشتاغ)
Boughanmi_Ezdine#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟