عزالدين بوغانمي
(Boughanmi Ezdine)
الحوار المتمدن-العدد: 8866 - 2026 / 10 / 22 - 04:47
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لا شك أن فرنسا بلد جميل، وشعبها من أكثر الشعوب ضيافةً وحرصًا على استقبال الآخرين. وقد قدّمت للإنسانية إسهامات جبارة في الفكر والفلسفة والعلوم والفنون، وكانت في قلب حركة التنوير الأوروبية، وساهمت في بلورة مفاهيم الحرية والمساواة وحقوق الإنسان التي أثّرت في مسار العالم الحديث. غير أن هذا الوجه المشرق لا يلغي وجهًا آخر من تاريخها، وهو تاريخ طويل متّسم بالعنف الدموي، والحروب الخارجية، والصراعات الداخلية.
ومن المهم التذكير بأن العنف في فرنسا ثقافة متجذّرة في بنية المجتمع وبنية الدولة، تشكّلت وتراكمت عبر قرون طويلة. فحين اندلعت ثورة الفلاحين المعروفة تاريخيًا باسم "الجاكري" (La Jacquerie)، كان الثوار فلاحين محلّيين ضد الإقطاع والنبلاء، ولم يكن بينهم أجنبي واحد، ومع ذلك اتسمت تلك الثورة بعنف شنيع وبأشكال قاسية من الترويع والانتقام. وقِسْ على ذلك تاريخًا مشيّدًا بالدماء والجثث، من صراعات طبقية وسياسية ودينية لا تُحصى ولا تُعد، وقد سبق أن عدّدت بعضها في مقال سابق.
وعلى هذا ليس من المنطقي تحميل الأجانب مسؤولية العنف الصادم الذي شهدته فرنسا خلال الأيام الأخيرة، حتى أن بعض الأجانب المقيمين الخائفين من الاتهام، انخرطوا في هذه الدعاية السخيفة التي توحي بأن الفرنسي حمل وديع وملاك مُسالِم، وأن العنف جاءه من الخارج مع "الأجانب الوافدين". وهذا تبسيط مُخلّ وسخيف جدّا، ويغفل عن تاريخ العنف الطويل لهذا البلد، ويُحوّل قضية اقتصادية سياسية محلّية معقدة إلى خطاب عنصري مبسّط.
منذ عقود، سمّت أوروبا الغربية نفسها "إمبراطورية اللاعنف". وهذا صحيح إلى حد كبير منذ عام 1945، بالنسبة لجميع الدول الأوروبية باستثناء فرنسا.
فرنسا لا ينطبق عليها هذا التوصيف. فقد بحث المؤرخون الفرنسيون وعلماء الاجتماع أنفسهم في أحداث وانتفاضات تكرّرت كل عشر سنوات تقريبًا، منذ فوضى أواخر الخمسينيات بسبب الثورة الجزائرية، مرورًا بانتفاضة ماي 1968، وأحداث 1986 و1993 و1995 و2003 و2018–2019 و2023 ... كما درسوا ما جرى في "غواديلوب"، وفي "كاليدونيا الجديدة" قبل اتفاقية السلام وبعدها. وأكّدوا أن هذا البلد يختزن طاقة عنف استثنائية. وبالتالي يُمكننا القول بكل إطمئنان إن فرنسا من أكثر دول العالم تكرارًا للانتفاضات الداخلية والقمع الأمني. وهي، على الأرجح، الدولة الوحيدة التي بنت أمة لكنها لا تتحاور معها زمن الهدوء، بل تنتظر دائمًا حتى يقع الانفجار، ثم تتدخل بعنف لتُظهر أنها جادة. وهذه قضية قد تكون لها علاقة بطبيعة تكوين النخب العسكرية التي كوّنت فرنسا ككيان سياسي حديث. بمعنى أنّ الدولة كثيرا ما كانت قاصرة على التفاوض مع شعبها قبل فوات الأوان، كما هو الحال في معظم الدول الأخرى.
ثمّ، هذه أمة تحتفل بقطع رأس لويس السادس عشر. وقد افتتحت فعاليات الألعاب الأولمبية في باريس 2024 بمشهد يذكّر بقطع رأس ماري أنطوانيت، وَوَجدت في ذلك أمرًا رائعًا. صحيح أن حادثة "إعدام ماري أنطوانيت" مسألة ثقافية وتاريخية، لكنني لست متأكدًا من أن إحياء ذكرى قطع رأس امرأة في ساحة عامة، سيدعو إلى السعادة لدى أمم أخرى، كما يسعد بها الفرنسيون.
ولو التفتنا إلى التاريخ وساءلناه بكل موضوعية وحياد، لقال لنا إن فرنسا، منذ عام 1492، انخرطت في عدد كبير جدًا من النزاعات العسكرية، في أوروبا وفي جميع القارات الأخرى. لا توجد قائمة شاملة ونهائية، لأن بعض الحروب شملت كيانات سياسية لم تعد موجودة اليوم. ومع ذلك، يمكن رسم لوحة شاملة قدر الإمكان.
في أوروبا
بين عامي 1494 و1559، شنت فرنسا سلسلة من الحروب لغزو شبه الجزيرة الإيطالية. وحاربت إنجلترا مرات عديدة، خلال حرب السنوات السبع، والحروب الثورية، والحروب النابليونية. وحاربت إسبانيا وألمانيا والنمسا وبروسيا في قلب نزاعات عديدة، لا سيما الحرب الفرنسية-البروسية عام 1870. كما حاربت هولندا، وروسيا، في حملة عام 1812 وفي غيرها. وحاربت الدولة العثمانية، والبرتغال، والسويد، وبولندا. وتدخلت في اليونان وسويسرا والبلقان ودول الشمال. وفي النصف الأول من القرن العشرين، كانت فرنسا فاعلًا أساسيًا في الحربين العالميتين اللتين حصدتا عشرات ملايين البشر، إضافة إلى معاركها وتدخلاتها في بلجيكا ولوكسمبورغ وتشيكوسلوفاكيا وفنلندا.
في الأمريكتين
في أمريكا الشمالية، تصادمت فرنسا وإنجلترا خلال حرب السنوات السبع التي أدت إلى سقوط فرنسا الجديدة وكيبيك في عامي 1759–1760. ثم تحالفت مع الولايات المتحدة خلال حرب الاستقلال من عام 1778 إلى 1783، قبل أن تشتبك معها في حرب بحرية في نهاية القرن الثامن عشر. وفي منطقة البحر الكاريبي، كانت حملة سان دومينغ بين عامي 1802–1803. واحتُلت جمهورية الدومينيكان في بداية القرن العشرين. وفي المكسيك، حاولت الحملة العسكرية من عام 1862 إلى 1867 إقامة إمبراطورية.
أما في أمريكا الجنوبية، فقد شاركت في حصار "ريو دي لا بلاتا" في مواجهة الأرجنتين وأوروغواي، وحدثت مواجهات متفرقة بينها وبين البرازيل. كما كانت جزر الأنتيل وغويانا مسرحًا لمعارك فرنسا المتكررة، سواء ضد القوى الأوروبية المنافسة لها أو في مواجهة تمردات محلية عديدة.
في أفريقيا
في القارة الأفريقية، كانت مصر أول مسرح للتدخل الكبير مع حملة بونابرت في عامي 1798–1799، ثم في العدوان الثلاثي عام 1956. واستمر غزو الجزائر وإبادة عروش وقرى بأكملها، من عام 1830 إلى 1847، ولم يتوقف قتل الأهالي طيلة فترة الاحتلال حتى أن الإحصاءات بيّنت أن عدد الجزائرين سنة 1850 أكثر من عددهم سنة 1910 ! ثم اندلعت ثورة نوفمبر 1954، وواصل العسكر يحصد أرواح العُزّل لمدة ثماني سنوات، ما أسفر عن قتل مليون ونصف إنسان. واحتلت تونس عام 1881، ولم يستقر لها الأمر إلا بعد سنوات من قتل السكان وترويعهم. واحتلت المغرب سنة 1912، فشنّت الحرب على المغاربة في الريف إلى حدود 1930. وفي غرب القارة ووسطها، أدى التوسع الاستعماري إلى حملات عسكرية في السنغال ومالي وغينيا وساحل العاج والنيجر وبنين وتوغو والكونغو والغابون وتشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى. وتعرضت مدغشقر لحملتين عسكريتين، في عامي 1883و 1885 ثم تكررت الحملة سنة 1895. وكانت إثيوبيا أيضًا مسرحًا لعمليات حربية واسعة. ومنذ الاستقلالات، حافظت فرنسا على حضور عسكري، لا سيما في ساحل العاج ورواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية.
في آسيا وأوقيانوسيا
في جنوب شرق آسيا، بدأت غزو الهند الصينية في منتصف القرن التاسع عشر، تلاه حرب الهند الصينية من عام 1946 إلى 1954. كما قاتلت في الصين خلال حروب الأفيون والحرب الفرنسية-الصينية في عامي 1884–1885. وفي المشرق العربي، استعمرت سوريا ولبنان من عام 1920 إلى 1946، وتدخلت لاحقا مرات عديدة في البلدين. وأرسلت قوات إلى كوريا خلال الحرب الكورية من عام 1950 إلى 1953. وفي المحيط الهادئ قمعت تمردات كاليدونيا الجديدة في 1878 و1917، ومن عام 1984 إلى 1988.
إضافة إلى ما سبق، من المهم التأكيد على مسألتين:
الأولى، أن كثيرًا من الدول المذكورة لم تكن موجودة بعد بحدودها الحالية، وأن خرائط العالم تغيّرت، بحيث اختفت بعض الدول التي كانت موجودة.
والثانية، أن فرنسا نفسها تعرّضت للغزو والاحتلال عدة مرات، لا سيما في عامي 1814 و1815، و1870، و1940. وحتى بعد 1945 ظلت تخوض حروبًا معلنة أقل، مُفضّلة العمليات الخارجية الخاصة كهندسة الانقلابات العسكرية ودعم تمردات ... الخ. وفي المجموع، حاربت أكثر من ثمانين دولة منذ اكتشاف أمريكا.
قصور سردية "العنف المستورد"
بناءً على هذا الاستقراء، يبدو لي أن محاولة اختزال العنف المعاصر في فرنسا وإسقاط مسؤوليته على الأجانب والوافدين ليست سوى قراءة قاصرة تتجاهل حقائق تاريخ هذا البلد وشروخه الاجتماعية. فالعنف في فرنسا ليس سلوكًا طارئًا أو "مستوردًا" من الخارج كما يُروّج، بل هو جزء من الهوية التكوينية للدولة، يتجسد داخليًا في غياب ثقافة التفاوض المبكر مع الاحتجاجات، وضعف توقّع انفجار الشارع، وثقافة الاحتفاء برمزية المقصلة. وخارجيًا في إرث استعماري توسعي غاشم، ألحق أضرارًا جسيمة بشعوب كثيرة. وحتى الحرية والديمقراطية كعوامل مضيئة مُشرقة حرّرت الفرنسيين من عنف الملوك والجبابرة، وساهمت إلى حد كبير في تحرير شعوب العالم من ظلمات الاستبداد، لم تكن دواءً كافيًا يُداوي هذا الميل للعنف ويقضي عليه، لكونها فُرِضت داخل الوجدان الجماعي، بفضل المدرسة وقوة القانون. ولذلك تبدو مكاسب التنوير التقدمية، في كثير من الأحيان، وكأنّها مبرّرا إضافيا لممارسة القسوة. فالأمة الفرنسية أصبحت أمة بقوّة السلاح، والحرية في المخيال الجمعي الفرنسي "المُحارب" لم تُنتزع بالحوار بل بالمقصلة، والديمقراطية أُُسّست باقتحام القصور وفوهات المدافع، مما جعل "الانتفاضة العنيفة" تُصنف في الضمير الجمعي البعيد كفعل ديمقراطي مشروع ووسيلة وحيدة للتعبير والتغيير.
إن استيطان العنف في ذاكرة أمة ذات تاريخ غزير من صدمات صراعاتها الداخلية، وإرثها العسكري التوسعي، يؤكد أن فهم الأزمة الراهنة يتطلب استبعاد سردية "عنف الأجانب" ومواجهة المعضلات الاقتصادية والمالية للدولة، وتفكيكها وايجاد حلول معقولة تمتصّ ثورة الفقراء، بدلاً من الانسياق وراء خطابات تبسيطية وعنصرية تحجب الرؤية عن جوهر المشكلة.
فرنسا ككل أمم الدنيا، لها وجهان متناقضان
الإنصاف يقتضي أيضا الاعتراف بأن هذه المساءلة الموجعة، لا تنزع عن فرنسا ريادتها في ثقافة المساواة والسلام والتآخي بين البشر. ولا تعني أبدا أن فرنسا استثناءً في التاريخ البشري، بل إن كل الأمم، بدرجات متفاوتة، تحمل في ذاكرتها وجهًا مضيئًا ووجهًا دمويًا: وجه ينتج الفكر والفن والعلم والحرية، ووجه آخر ينتج الحروب والقتل والقمع والاستغلال. وبهذا المعنى، الجمال والحضارة لا ينفيان العنف، بل يجعلان مساءلته أكثر إلحاحًا.
#عزالدين_بوغانمي (هاشتاغ)
Boughanmi_Ezdine#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟