أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حكمت الحاج - يعبرون الجسر إلى أين يذهبون














المزيد.....

يعبرون الجسر إلى أين يذهبون


حكمت الحاج

الحوار المتمدن-العدد: 8864 - 2026 / 10 / 20 - 20:25
المحور: قضايا ثقافية
    


يعبرون، إلى أين يذهبون؟
مقدمة بقلم: حكمت الحاج *
في «وحدهم يعبرون الجسر»، الكتاب الماثل بين يدينا، والصادر حديثا عن "منشورات كناية"، يكتب الشاعر التونسي البشير عبيد قصائد تقف عند حدود الذاكرة والمنفى، حيث لا يكون العبور انتقالاً من ضفة إلى أخرى فحسب، بل امتحاناً للإنسان في مواجهة التاريخ وما يؤشره من خراب. فالجسر الذي يستدعيه العنوان ليس معبراً محايداً؛ إنه المسافة الفاصلة بين ما كان وما صار، وبين أرضٍ تُنتزع من أصحابها وذاكرةٍ تقاوم محوها، وبين الناجين من الكارثة والعالم الذي يواصل حياته كأن شيئاً لم يحدث أبدا.
تتشكّل قصائد الديوان من شظايا الأمكنة والأسماء والأصوات. وتعود فلسطين، عبر يافا وحيفا، بوصفها جرحاً مفتوحاً وسؤالاً يتجاوز حدود الجغرافيا إلى معنى العدالة والاقتلاع. وفي استحضار غسان كنفاني ومحمود درويش وسميح القاسم، لا يستعيد الشاعر أسماءً من سجلّ الثقافة فحسب، بل يستحضر وجوهاً متعدّدة للمقاومة بالكلمة، وللصلة التي لا تنقطع بين الشعر والحياة حين تصبح الكتابة شهادةً على ما يُراد له أن يُنسى.
لكن هذا العالم لا يُبنى بالشعارات، بل بالتفاصيل الإنسانية التي تمنح المأساة وجهها الملموس. فالولد الكسيح والأم الحنون ليسا شخصيتين عابرتين في نسيج القصائد؛ إنهما علامتان على هشاشة الحياة، وعلى ما يبقى من الإنسان حين تضيق به شروط النجاة. ومن خلالهما، يقترب الديوان من الألم في مستواه الحميم، حيث تتداخل الذاكرة الفردية مع الوجع الجماعي، ويغدو المصير الشخصي مرآةً لتاريخ أوسع من أصحابه.
وتنهض الصور الشعرية على شبكة من الرموز المتحوّلة مثل الجسر والأنهار والرياح والطيور، والسنديان والوردة، والحبر والأسوار والنفق. لا تستقر هذه العناصر على معنى واحد؛ فهي تتبدّل بحسب ما تواجهه القصيدة من حصار أو غياب أو توق إلى الخلاص. فالطبيعة ليست ملاذاً منفصلاً عن التاريخ، والوردة لا تجمل الخراب، كما أن النفق لا يضمن الوصول إلى الضوء. وبين هذه الصور، تتوتر اللغة بين الرغبة في النجاة والإحساس بثقل ما لا يمكن تجاوزه، من دون أن تتنازل عن حقها في تسمية الأشياء ومساءلة العالم.
في هذا الديوان، لا تُستدعى الذاكرة لاستعادة ماضٍ مكتمل، بل لمقاومة الحاضر حين يحاول فرض روايته الوحيدة. فالقصيدة تعيد وصل ما قطّعه الرحيل، وتمنح الغائبين حضوراً لا يختزلهم في صور الحنين. ومن هنا تنبع أهمية الكتابة عند الشاعر البشير عبيد: إنها ليست تعويضاً عن الخسارة، ولا وعداً سهلاً بالخلاص، بل فعل مواجهة يحفظ للإنسان حقه في الحكاية، وللأرض حقها في الاسم، وللألم معناه في وجه محاولات تطبيعه.
«وحدهم يعبرون الجسر» ديوان عن الذين يحملون ما تبقّى من بيوتهم في الذاكرة، ويواصلون العبور من غير ضمانٍ لضفة نجاة أخيرة. وفي قصائده، لا يكون الصمت حياداً، ولا النسيان خلاصاً؛ فحين يُمحى الاسم، يبدأ الخراب الثاني. لذلك يكتب الشاعر كي لا يستوي الضحية والجلاد في غبار الحكاية، وكي تظلّ القصيدة شاهدةً على ما لا يجوز أن يصبح عادياً: أن يُقتلع الإنسان من أرضه، ثم يُطالَب بأن ينسى الأرض والإنسان.

* وحدهم يعبرون الجسر، البشير عبيد، كتاب شعري، منشورات كناية 2026، تقديم: حكمت الحاج.



#حكمت_الحاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- -تكاملات- في الأدب والفلسفة والفنون والذاكرة
- شاعرة تجرجر موتاها نحو منصة التتويج
- تكهنات اللحظة الأخيرة: من سيفوز بنوبل الآداب هذا العام؟
- نوبل الآداب على الأبواب: خريطة التكهنات العالمية وحظوظ العرب ...
- كل شيء حدث فجأة
- نشيدان للطاهرة
- زينب..
- قصيدتان سرياليتان من جاك بريفير
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري
- في الرواية الشعرية العربية: مهاد نظري وتطبيق
- قصيدتان عن رام الله
- زينب
- النهر جرى ليجري
- الفعل
- أصياف
- يا روحي
- لا تنس غابرييل
- Vierge Moderne أو العذراء العصرية
- قلبي من حديد
- من اللوغوس الأرسطي إلى الحيوان الداريدي: حيرة في الفلسفة وال ...


المزيد.....




- ترامب: ماسك أعاد لأوكرانيا إمكانية الوصول إلى -ستارلينك-
- قاضية أمريكية تأمر ترامب بالإدلاء بشهادته في قضية التشهير بـ ...
- حديث به تناقض لنتنياهو عن قطر بعد -اتهامات بموالاته للدوحة- ...
- التسوية والتصعيد.. من كييف إلى طهران
- بوتين: التوصل لاتفاق بشأن أوكرانيا ممكن
- زلزال بقوة 7 درجات يضرب التبت ويودي بحياة 16 شخصاً
- الحوثيون.. رحلة الصعود من جبال صعدة إلى البحر الأحمر
- بسبب دعمها لأوكرانيا.. هل تجد ألمانيا نفسها في مرمى هجوم روس ...
- المواجهات الأخيرة بين الحوثيين والحكومة في اليمن أسفرت عن آل ...
- زلزال بقوة 7 درجات يضرب إقليم التبت بالصين وأنباء عن سقوط ضح ...


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حكمت الحاج - يعبرون الجسر إلى أين يذهبون