|
|
اليمين والسعودية .. حين تنكسر هيبة النفط أمام إرادة الشعوب
رياض الشرايطي
الحوار المتمدن-العدد: 8863 - 2026 / 10 / 19 - 22:47
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ليست الحرب السعودية على اليمن مجرد نزاع حدودي انفلت من الحسابات، ولا مواجهة عسكرية بين دولتين يمكن اختزالها في ميزان الصواريخ والطائرات. إنها، في جوهرها، صراع على السيادة والقرار السياسي، ومحاولة لإخضاع بلد يرفض أن يُرسم مستقبله في غرف القرار الخليجية والأميركية. ومن هنا تبدأ الحكاية التي لا يريد أصحاب المال والسلاح أن تُروى: كيف عجزت قوة تملك الثروة النفطية، وتشتري أحدث منظومات القتل والدفاع، عن فرض إرادتها على شعب محاصر؟ دخلت الرياض الحرب وهي تتصرف بمنطق الوصي على الجغرافيا العربية، كأن اليمن ساحة خلفية لا يحق لها أن تختار طريقها، وكأن استقلال القرار السياسي امتياز تمنحه المملكة لمن تشاء وتسحبه متى تشاء. لم تكن المسألة مجرد استعادة الاستقرار أو حماية اليمنيين، كما رُوّج في الخطاب الرسمي، بل كانت مرتبطة أيضا بموقع اليمن في معادلات النفوذ الإقليمي، وبالرغبة في منع تشكل قوة سياسية وعسكرية خارج منظومة التوازنات التي تسعى السعودية وحلفاؤها إلى فرضها. وحين رفض اليمن أن يؤدي الدور المرسوم له، تحولت القوة العسكرية إلى لغة السياسة، وصار القصف والحصار وسيلتين لإجبار شعب على الانحناء. لكن ما لم تحسبه الرياض جيدا هو أن اليمن ليس رقعة بلا تاريخ، ولا شعبا يمكن إخضاعه بمجرد إغلاق المنافذ أو تدمير البنى الحيوية. ففي هذا البلد، حيث تتراكم قرون من الحضارة والتجربة، لا تنفصل الكرامة عن الأرض، ولا يصبح الخضوع قدرا لمجرد أن الخصم أغنى وأكثر تسليحا. وقد كشفت الحرب، بدل أن تثبت التفوق السعودي، عن هشاشة مشروع يقوم على افتراض أن المال قادر على شراء النصر، وأن التفوق العسكري كاف لانتزاع الاعتراف السياسي. فالدولة تستطيع شراء الطائرات والصواريخ، لكنها لا تستطيع شراء الشرعية إلى الأبد، ولا تحويل شعب يقاوم الإخضاع إلى مجتمع مستعد للتنازل عن حقه في تقرير مصيره. وتكشف هذه المواجهة عن فجوة عميقة بين ما تملكه السعودية وما تستطيع تحقيقه فعليا. فمليارات الدولارات التي أنفقتها على منظومات الدفاع الأميركية لم تمنحها الحصانة التي وعدتها بها صفقات السلاح. وحين وصلت الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة إلى منشآت اقتصادية وحيوية داخل السعودية، اهتزت صورة القوة التي أرادت المملكة أن تقدمها باعتبارها عصية على الاختراق. ولم يعد ممكنا التعامل مع الحرب باعتبارها عنفا يمكن حصره داخل الحدود اليمنية، فيما تبقى مراكز القوة التي تشارك في العدوان بمنأى عن تبعاته. لقد انقلبت المعادلة التي أرادت الرياض فرضها: لا يمكن أن تكون مطارات اليمن ومنشآته ومرافقه أهدافا مفتوحة، بينما يُفترض أن تبقى المنشآت السعودية خارج أي حساب. غير أن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يعني أن الحرب أصبحت متكافئة في جميع أبعادها، ولا أن قدرات الرد اليمنية أزالت آثار الحصار والدمار. فالتفاوت في الثروة والتسليح ما زال قائما، وما خسره اليمنيون من أرواح ومنازل ومقومات للحياة لا تعوّضه إصابة منشأة أو تعطيل مرفق. لكن ما تكشفه المواجهة هو أن التفوق في السلاح لا يساوي بالضرورة التفوق في الإرادة، وأن الدولة التي تجعل أمنها قائما على إخضاع الآخرين قد تجد نفسها عاجزة عن ضمان أمنها حين تنقلب نتائج الحرب على حساباته. ولفهم هذه المفارقة، لا بد من تجاوز حدود المواجهة السعودية اليمنية والنظر إلى المنظومة الإمبريالية التي تتحرك الحرب داخلها. فالولايات المتحدة ليست مجرد مورد للسلاح أو مراقب للأحداث، بل قوة تسعى إلى حماية مصالحها الاستراتيجية، وتأمين تدفق الطاقة، والحفاظ على التفوق العسكري للكيان الصهيوني، ومنع تشكل موازين إقليمية يمكن أن تحد من نفوذها. وفي هذا السياق، لا تنفصل العلاقة الأميركية السعودية عن شبكة المصالح التي تربط صفقات السلاح بأمن الأنظمة الحليفة، وتجعل من التبعية العسكرية والمالية وسيلة لإدامة النفوذ السياسي. لقد وجد المجمع الصناعي العسكري الغربي في حروب المنطقة سوقا دائمة، وفي خوف الأنظمة ذريعة لمزيد من التسلح. فالسلاح لا يُباع مرة واحدة، بل ينشئ علاقة طويلة من الاعتماد على الصيانة والتحديث والتدريب والذخائر والمنظومات الدفاعية. وكلما اتسعت دائرة التهديد، ازدادت حاجة هذه الأنظمة إلى الموردين الغربيين، وتعمقت تبعيتها لهم. وهكذا تتحول الحرب إلى دورة اقتصادية وسياسية متكاملة: تُنتج التوترات طلبا على السلاح، وتمنح صفقات السلاح الدول المصدرة نفوذا إضافيا، ثم يُقدَّم هذا النفوذ باعتباره ضمانة للاستقرار، فيما يدفع المدنيون ثمن استمرار العنف من حياتهم وأرزاقهم ومستقبلهم. وفي هذه المعادلة، تؤدي السعودية دورا يتجاوز كونها طرفا إقليميا يخوض حربا وفق حساباته الخاصة. لقد تحولت إلى إحدى الأدوات الإقليمية التي تستطيع واشنطن من خلالها الضغط والمواجهة من دون أن تتحمل وحدها كامل الكلفة السياسية والعسكرية. فالولايات المتحدة توفر السلاح والتكنولوجيا والدعم العسكري والسياسي بدرجات وأشكال مختلفة، بينما تتحمل السعودية قسطا كبيرا من أعباء المواجهة المباشرة وتكاليفها الاقتصادية والسياسية. ولا يعني ذلك أن الرياض مجرد أداة بلا إرادة، أو أن قراراتها تصدر جميعها من واشنطن؛ فالنظام السعودي يمتلك مصالحه وطموحاته ومسؤوليته المستقلة عن خياراته. لكن هذه المصالح تتقاطع مع منظومة هيمنة أوسع، تجعل من ثروة المملكة وقدراتها وسيلة لإدارة صراعات تتجاوز حدود أمنها المباشر. ويبرز مجلس القيادة الرئاسي اليمني بوصفه أحد تجليات هذه المعادلة السياسية. فقد تشكل المجلس في سياق الحرب وترتيباتها الإقليمية، وانتقلت إليه صلاحيات الرئاسة من عبد ربه منصور هادي، في إطار ترتيبات ارتبطت بالدعم السعودي والإماراتي. ومنذ ذلك الحين، ظل المجلس يواجه معضلة الاستقلال الفعلي في القرار، في ظل اعتماده على داعمين إقليميين يمتلكون أدوات مالية وعسكرية وسياسية مؤثرة في مساره. وهنا تظهر المفارقة: باسم استعادة الدولة اليمنية يجري التفاوض على مستقبلها ضمن شبكة من المصالح الخارجية، وباسم استعادة القرار الوطني يصبح القرار نفسه معرضا للارتهان إلى القوى التي تمول وتسلح وتحدد حدود الحركة. إن المشكلة لا تكمن في وجود علاقات خارجية أو في تلقي الدعم في حد ذاته، بل في تحوّل هذا الدعم إلى قيد على القرار الوطني، وفي أن تصبح الأولويات السياسية والعسكرية مرتبطة بحسابات الداعم أكثر من ارتباطها بحاجات المجتمع اليمني. وحين تعجز سلطة عن صياغة استراتيجية مستقلة، أو تتوزع مراكز القرار داخلها بين قوى إقليمية متنافسة، فإنها تصبح عرضة لأن تتحول من إطار مفترض لاستعادة السيادة إلى جزء من منظومة الوصاية على البلد. وبذلك لا تكتفي الرياض بالتأثير في مسار الحرب من خارج الحدود، بل تمارس نفوذا على ترتيبات السلطة داخل اليمن أيضا، بما يضمن لها موقعا مؤثرا في تحديد مستقبل الصراع. ولا يعني هذا التحليل تبرئة الحوثيين أو اعتبارهم بديلا ديمقراطيا واجتماعيا، كما لا يعني أن جميع القوى المناهضة لهم تفتقر بالضرورة إلى أي قاعدة اجتماعية أو مصلحة وطنية. المسألة أعمق من هذا الاختزال: مستقبل اليمن لا ينبغي أن يكون رهينة صراع بين سلطة دينية مسلحة وسلطة تعتمد على الوصاية الإقليمية. فحق اليمنيين في تقرير مصيرهم لا يتحقق بتبديل شكل التبعية أو استبدال نفوذ بنفوذ، بل بإنهاء منظومة الوصاية التي تتعامل مع بلدهم باعتباره ساحة نفوذ ومساومة، وفتح المجال أمام إرادة شعبية مستقلة قادرة على تحديد شكل الدولة ومؤسساتها ومستقبلها الاجتماعي. أما الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، فإن ما يثير قلقهما ليس فقط اتساع المواجهة، بل احتمال انتقالها إلى نطاق يصعب التحكم فيه، بحيث تطال قواعد أميركية وبوارج حربية ومراكز نفوذ، وتضع العمق الصهيوني أمام تهديدات صاروخية ومسيّرة لا تستطيع الجغرافيا المحصنة أو منظومات الدفاع ضمان صدها في كل الظروف. وقد أظهرت المواجهات في البحر الأحمر، والهجمات التي استهدفت سفنا حربية أميركية، وكذلك الهجمات التي وصلت إلى تل أبيب، أن اليمن لم يعد مجرد ساحة يمكن حصر آثار الحرب داخلها. فحين تتسع دائرة المواجهة، تصبح القوى التي اعتادت إدارة الصراعات من مسافات آمنة مضطرة إلى احتساب مخاطر الرد المباشر على مصالحها وقواتها. ولا يعني ذلك أن واشنطن وتل أبيب تتجنبان كل تدخل مباشر، أو أن السعودية تتحمل وحدها جميع أعباء المواجهة؛ فقد شاركت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني في عمليات عسكرية مباشرة ضد أهداف يمنية، وفق سياقات ومراحل مختلفة من الصراع. لكن جوهر المسألة أن القوى الكبرى تحاول، بقدر ما تستطيع، التحكم في مستوى انخراطها وتكاليفه، وألا تجد نفسها غارقة في حرب مفتوحة تتجاوز أهدافها المعلنة. ومن هنا تتجلى المفارقة التي تضع الرياض أمام مأزق استراتيجي: فكلما تصاعدت المواجهة، ارتفعت كلفة الحرب عليها، فيما تتسع المخاطر التي تهدد المصالح الأميركية والصهيونية نفسها. إن اليمن الذي استطاع أن يجعل البحر الأحمر جزءا من معادلة الصراع، والذي أظهر أن الهجمات على السفن والمواقع البعيدة ممكنة رغم الفارق الكبير في القدرات، يذكّر القوى المهيمنة بأن الحرب لا تبقى دائما في المسافة التي يختارها أصحابها. فالصواريخ التي وصلت إلى قلب تل أبيب، والهجمات التي استهدفت بوارج وسفنا حربية أميركية، ليست مجرد وقائع عسكرية معزولة؛ إنها مؤشرات إلى أن التفوق التكنولوجي لا يلغي إمكان الرد، وأن من يفتح جبهة على شعب محاصر قد يجد نفسه أمام جبهات ومخاطر لم يضعها في حساباته الأولى. ومع ذلك، فإن تحويل هذه الوقائع إلى أسطورة عن انتصار محسوم سيكون خطأ سياسيا؛ فميزان القوى يظل مركبا، وكلفة الحرب على اليمنيين تظل هائلة، ولا تقاس قيمة المقاومة بعدد الضربات وحده، بل بقدرتها على حماية المجتمع وفتح طريق للتحرر. ومن هنا لا يمكن فصل الحرب على اليمن عن تاريخ الهيمنة الغربية على المنطقة. فالحدود السياسية التي رُسمت في أعقاب انهيار الإمبراطورية العثمانية، وما رافقها من اتفاقيات ومشاريع استعمارية، لم تنتج فضاء مستقلا تماما، بل أسهمت في بناء نظام تتشابك فيه مصالح القوى الخارجية مع سلطات محلية. وقد تطور هذا النظام بأشكال مختلفة، لكنه احتفظ بجوهر يقوم على تأمين المصالح الاستراتيجية للقوى الكبرى، وضمان تدفق الموارد، ومنع نشوء قوى إقليمية مستقلة عن منظومة النفوذ الغربي. وفي قلب هذا النظام يقف الكيان الصهيوني بوصفه حليفا استراتيجيا مركزيا للولايات المتحدة، فيما تؤدي الملكية السعودية دورا إقليميا بالغ الأهمية بحكم موقعها وثروتها النفطية وعلاقاتها الأمنية والعسكرية مع الغرب. وعلى اختلاف طبيعة النظامين ووظائفهما، فإن مصالحهما تتقاطع في جوانب أساسية من الترتيبات الإقليمية التي تحافظ على موازين القوى القائمة. وليس المقصود أن السعودية والكيان الصهيوني يتحركان دائما وفق خطة واحدة أو أن كل قرار يصدر عنهما يملى من واشنطن، بل أن البنية العامة للهيمنة تتيح تلاقي المصالح، وتدفع إلى احتواء كل قوة أو حركة يمكن أن تهدد هذه الترتيبات. وفي هذا الإطار يصبح استقلال القرار اليمني مصدر قلق، وتتحول الحرب إلى وسيلة لمنع تشكل واقع إقليمي لا تستطيع القوى المهيمنة التحكم فيه. غير أن الموقف الثوري من هذه الحرب يقتضي التمييز بين مقاومة الهيمنة الخارجية وبين التبعية لأي قوة محلية ترفع شعار المقاومة. فنحن لسنا من داعمي الحوثيين، ولا من داعمي أي فصيل يجعل من الأيديولوجيا الدينية مرجعا للحكم والسياسة، ويتحرك وفق مقتضياتها في إدارة المجتمع وتحديد مصيره. إن رفض العدوان السعودي والأميركي لا يفرض علينا تبني مشروع الحوثيين، كما أن رفض المشروع السياسي والديني للحوثيين لا يبرر العدوان على اليمن أو إخضاع شعبه للحصار والقصف. وبين الموقفين مسافة سياسية وأخلاقية لا يجوز طمسها تحت ضغط الاستقطاب. ونرفض، بالقدر نفسه، أن تُصنَّف الحرب على أساس مذهبي، أو أن يُختزل الصراع في مواجهة بين الشيعة والسنة، وكأن اليمنيين والسعوديين كتلتان طائفيتان متجانستان لا طبقات اجتماعية ولا مصالح متعارضة داخلهما. فهذا التأطير لا يكشف حقيقة الحرب، بل يحجب أسبابها السياسية والاقتصادية، ويحوّل الشعوب إلى وقود لصراعات الأنظمة والقوى الإقليمية. كما أنه يمنح الطائفيين فرصة لتعبئة الناس خلف هويات مغلقة، ويصرف الأنظار عن المسؤوليات السياسية، وعن مصالح الطبقات الحاكمة، وعن الدور الذي تؤديه الإمبريالية في إعادة إنتاج الانقسامات وتوظيفها. إن اختزال الحرب في صراع مذهبي بين السنة والشيعة يخدم، في نهاية المطاف، القوى التي تريد للمنطقة أن تبقى أسيرة الانقسام، ويمنع بناء تضامن شعبي يتجاوز الحدود والهويات الطائفية. فالعامل اليمني الذي يواجه الفقر والدمار، والعامل السعودي الذي لا يملك قرار الحرب ولا يجني ثمارها، ليسا عدوين بحكم المذهب. إن مصالح الطبقات الشعبية لا تتطابق مع مصالح الأنظمة التي تزج بها في الحروب، ولا يجوز أن تتحول الانتماءات الدينية إلى حواجز تمنع الشعوب من رؤية المصالح المادية والسياسية التي تحكم صراعاتها. إن الصراع الحقيقي لا يُفهم عبر وضع السنة في مواجهة الشيعة، بل عبر تحليل علاقات القوة والهيمنة والاستغلال، ومساءلة من يملك القرار ومن يدفع ثمنه. لهذا نرفض أن يُطلب من اليسار الاختيار بين عدوان إمبريالي أو إقليمي وبين سلطة دينية مسلحة، وكأن لا وجود لأفق ثالث. إنه اختيار زائف يحاصر الشعوب بين شكلين من أشكال الوصاية: وصاية الخارج الذي يريد إخضاع البلاد لمصالحه، ووصاية الداخل الذي يريد احتكار السياسة والمجتمع باسم الدين. ولا يمكن لموقف يساري ثوري أن يكتفي بإدانة أحد الطرفين ويتغاضى عن الآخر، أو أن يمنح أي سلطة شيكا على بياض لمجرد أنها تواجه عدوا خارجيا. فمقاومة الهيمنة الخارجية حق مشروع، لكنها لا تمنح أي قوة سياسية حق إخضاع المجتمع أو حرمانه من الحريات أو فرض تصور ديني عليه. إن انحيازنا إلى اليمن هو انحياز إلى شعبه وطبقاته الشعبية وحقه في التحرر من العدوان والحصار، وإلى حق هذه الطبقات نفسها في النضال من أجل دولة تضمن الحريات والعدالة الاجتماعية، بعيدا عن هيمنة القصر أو احتكار الدين للسياسة. وهو انحياز لا يختزل اليمن في الحوثيين، ولا في مجلس القيادة الرئاسي، ولا في أي قوة تدعي تمثيل الشعب تمثيلا حصريا. فاليمن أوسع من سلطاته المتنازعة، وشعبه أوسع من الفصائل التي تتصدر المشهد العسكري والسياسي. ومصيره لا ينبغي أن يقرره أصحاب السلاح وحدهم، بل يجب أن يكون لطبقاته الشعبية وقواه الاجتماعية والسياسية المستقلة دور حاسم في بناء مستقبله. أما السعودية، التي أرادت أن تثبت مكانتها بوصفها قوة إقليمية لا يمكن تجاوزها، فقد وجدت نفسها أمام مأزق يتجاوز الجبهة اليمنية. فالحرب التي كان يفترض أن تعزز هيبة ولي العهد محمد بن سلمان كشفت حدود المغامرة العسكرية، وفتحت الباب أمام أسئلة عن الثمن الذي يدفعه المجتمع لقاء طموحات السلطة. كما أظهرت أن امتلاك الثروة لا يكفي لضمان النفوذ، وأن السلاح المستورد لا يمنح الدولة قدرة مطلقة على فرض إرادتها. وحين يصبح أمن المملكة مرتبطا بصفقات السلاح وبشبكات الحماية الخارجية، فإن ذلك يكشف حدود الاستقلال الاستراتيجي الذي تحاول السلطة تسويقه. ولا يمكن إغفال التناقضات الداخلية التي تواجه المشروع السعودي. فالتهميش التاريخي لبعض الفئات والمناطق، والتنافس داخل دوائر السلطة، والتفاوتات الاجتماعية، كلها مسائل تستحق التحليل، وإن لم يكن من الصواب افتراض أنها ستقود تلقائيا إلى انهيار النظام. كما لا يجوز اختزال المجتمع السعودي في موقف واحد أو التعامل مع سكانه باعتبارهم كتلة مؤيدة للسلطة أو معادية لها. لكن المؤكد أن الحرب لا تمنح الأنظمة حصانة من أزماتها الداخلية، وأن توجيه الموارد إلى التسلح والمغامرات العسكرية يطرح أسئلة جدية حول الأولويات الاجتماعية، وحول حق الناس في الثروة التي تنتجها بلادهم. إن مسؤولية النظام السعودي عن الحرب لا تسقط بسبب الدور الأميركي، مثلما لا تسقط مسؤولية الولايات المتحدة عن دعم منظومة الهيمنة بحجة أن القرار العسكري اتخذته الرياض. فالعلاقة بين الطرفين ليست علاقة طرف بريء بآخر مذنب، بل علاقة مصالح متشابكة يتحمل فيها كل طرف مسؤوليته عن الدور الذي يؤديه. واشنطن تستفيد من نفوذها العسكري وصفقاتها وشبكة تحالفاتها، والرياض تسعى إلى تعزيز موقعها الإقليمي وفرض شروطها على اليمن، بينما يقع المدنيون في قلب المأساة. ولهذا فإن رفض الإمبريالية لا يقتضي إعفاء الأنظمة الإقليمية من مسؤولياتها، كما أن إدانة هذه الأنظمة لا تبرر تجاهل القوى الكبرى التي توفر لها السلاح والغطاء والدعم. من هنا، لا ينبغي أن يكون التضامن مع اليمن مجرد موقف أخلاقي من بعيد، ولا ترديدا لشعارات عامة عن المقاومة. إنه موقف سياسي من حق الشعوب في تقرير مصيرها، ومن رفض تحويل الفقر إلى ذريعة للإخضاع، ومن رفض أن تكون حياة الناس مادة في حسابات الأنظمة وصفقات السلاح. إن الدفاع عن اليمن لا يقتضي تجاهل التناقضات أو تقديس أي سلطة، بل يقتضي الانحياز إلى شعب يتعرض للعدوان، وإلى حقه في وقف الحرب والحصار، واستعادة حياته وقراره، وإلى حقه في اختيار نظامه السياسي والاجتماعي بحرية. وهذا التضامن لا يمكن أن يظل محصورا في حدود اليمن. فالحرب تكشف آلية أوسع تعمل في أجزاء كثيرة من الجنوب العالمي: قوى اقتصادية وسياسية تحتكر الثروة والقرار، وأنظمة محلية تستند إلى الدعم الخارجي لتوسيع نفوذها، وشعوب يُطلب منها أن تتحمل كلفة مشاريع لا تخدم مصالحها. وتلتقي مأساة اليمن، في هذا المعنى العام، مع نضالات شعوب أخرى، من البرازيل إلى غيرها، ضد الأوليغارشيات التي تجعل السيادة الوطنية سلعة، وتضع مصالحها المالية فوق حقوق الطبقات الشعبية. لا يعني ذلك مساواة التجارب أو تجاهل اختلاف سياقاتها، بل إدراك أن مقاومة التبعية السياسية والاقتصادية معركة مشتركة، وإن اتخذت أشكالا متعددة. لقد أثبتت الحرب أن القوة العسكرية والمالية ليست عصية على التحدي، لكنها أثبتت أيضا أن الصمود وحده لا يكفي لبناء التحرر. فالمقاومة التي لا تتحول إلى أفق اجتماعي يضمن للناس الخبز والحرية والكرامة تظل معرضة لأن تُختزل في انتصار عسكري أو في سلطة جديدة تعيد إنتاج علاقات الهيمنة. والسيادة التي لا تشمل حق الفقراء في العيش الكريم، وحق العمال في التنظيم، وحق النساء في المساواة، وحق المجتمع في مساءلة السلطة، تبقى شعارا ناقصا. إن التحرر الوطني لا ينفصل عن التحرر الاجتماعي، ومواجهة العدوان لا ينبغي أن تكون ذريعة لتأجيل مطالب الحرية والعدالة إلى أجل غير مسمى. لذلك، ليست القضية أن ينتصر طرف في الحرب ليحل محل طرف آخر في ممارسة الهيمنة، ولا أن تتبدل مواقع القوى بينما يبقى اليمنيون أسرى الفقر والدمار والوصاية. القضية أن يتوقف منطق الحرب الذي يجعل الشعوب رهائن لمشاريع السلطة، وأن يصبح حق اليمنيين في الحياة والسيادة أمرا لا يخضع لمساومات النفط والسلاح. كما أن المطلوب ليس استبدال التبعية السعودية بتبعية أخرى، ولا استبدال احتكار ديني باحتكار سياسي جديد، بل فتح طريق أمام استقلال وطني حقيقي يستند إلى مشاركة الشعب وحقوقه ومصالح طبقاته الشعبية. اليمن ليس هامشا في خريطة الخليج، ولا رقما في حسابات البنتاغون، ولا ساحة لتصفية طموحات ولي العهد، ولا ورقة في يد مجلس القيادة الرئاسي أو أي طرف إقليمي. إنه شعب له الحق في أن يقرر، وأن يرفض الوصاية، وأن يعيش خارج دائرة القصف والحصار، وأن يبني دولة لا تُختزل في سلطة السلاح ولا في مصالح الرعاة الخارجيين. وفي هذا الحق تحديدا تكمن القيمة التحررية لهذه المواجهة: أن إرادة الشعوب ليست ملكا للملوك، وأن الصواريخ مهما بلغت قوتها لا تستطيع أن تمنح الهيمنة شرعية، وأن مستقبل الجنوب العالمي لن يُكتب إلى الأبد بأموال النفط وأسلحة الإمبراطورية، بل بنضال الشعوب من أجل السيادة والحرية والعدالة الاجتماعية.
#رياض_الشرايطي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
حين ينتفض التلاميذ على مستقبلهم .. المدرسة الفرنسية في مواجه
...
-
الوثيقة عدد 9 : من ثورة 1949 إلى رأسمالية الدولة الصينية .
-
مرسوم إعادة هندسة الشرعية الانتخابية .
-
المديونية : حين يتحول مستقبل شعب إلى سندات في يد رأس المال .
-
تنقيح المرسوم 54، إعادة هندسة للعقوبة، وليس هدم لفلسفة العقا
...
-
الثورة الدائمة في قرن لا يشبه قرنا سابقا .
-
النيولسانية واستعادة الزمن .
-
توحيد اليسار ... توحيد الخط الثوري لا لمّ الشمل .
-
الجينيالوجيا في الخطاب اليساري في القرن الحادي والعشرين
-
العفوية في النشاط الاجتماعي والسياسي : حين يتقدم الشارع على
...
-
حين تتحول الشهادة العلمية إلى تهمة
-
الاحتجاج الدغمائي، حين يصبح الرفض بديلا عن الفعل .
-
بُرُوتُوكُولُ القَلْبِ
-
الصهيوني خلف الزناد… و الامبريالي خلف الذّخيرة
-
الجزائر والإمارات ،، ضد التبعية وضد الاستبداد .
-
حين يجلس العامل إلى الطاولة : المجالس، الحزب والثورة التي لا
...
-
المثقّف الذي يحمل وجع الناس في قلبه .
-
الExtra-terrestre: الإنسان الذي جاء من خارج الأرض .
-
الفساد حين يأكل من لحم الناس .
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
المزيد.....
-
أطعمة تتلف الأوعية الدموية في الدماغ
-
التحالف ينشر مقاطع فيديو توثق تتبع واستهداف أسلحة مهربة للحو
...
-
وزير الطاقة الأمريكي يدافع عن اتفاق بوتين ترامب وتأثيره على
...
-
ترامب يدعو لتغيير اسم ولاية -نيو مكسيكو-.. ما الاسم الجديد ا
...
-
ليتوانيا تطلب من الناتو إذنا بإسقاط المسيرات في أجوائها دون
...
-
ترامب يعتزم مناقشة -نزع السلاح النووي الإيراني- خلال اجتماعه
...
-
توغل إسرائيلي جديد في الأراضي السورية يترافق مع إطلاق قنابل
...
-
السعودية تؤجل مؤتمر استثماري عالمي وسط تواصل الهجمات الحوثية
...
-
اتهامات لمهندس سابق في -أوبن إيه آي- بعلاقات سعودية وزرع جها
...
-
الفيفا يعاقب حسام وإبراهيم حسن وزيكو بعد تصريحات ضد التحكيم
...
المزيد.....
-
ضحايا صدام حسين
/ صباح يوسف ابراهيم
-
الزمن المقلوب
/ رائد الجحافي
-
عيوب الذكاء الاصطناعي
/ رائد الجحافي
-
عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي
/ رائد الجحافي
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
المزيد.....
|